مقتل سلَّام بن أبي الحقيق _16893

مقتل سلَّام بن أبي الحقيق


مقتل سلام بن أبى الحقيق

وكان سلام بن أبى الحقيق أبو رافع فيمن حزب الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان مما صنع الله به لرسوله أن هذين الحيين من الأنصار- الأوس والخزرج- كانا يتصاولان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الأوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى الإسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك.

وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف فى عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه، فقالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا.

فتذاكروا بعد أن انقضى شأن الخندق وبنى قريظة: من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قتله فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعى بن أسود حليف لهم من أسلم.

فخرجوا، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة.

فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا لهم بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله، وكان فى علية له إليها عجلة فأسندوا فيها حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا، فخرجت عليهم امرأة فقالت من أنتم؟ فقالوا: أناس من العرب نلتمس

الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا إليه. قال: فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قال: وصاحت امرأته فنوهت بنا، وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، والله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة.

قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل، فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطنى قطنى، أى حسبى حسبى.

قال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك رجلا سىء البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال: رجله، وحملناه حتى نأتى منهرا من عيونهم فندخل فيه. قال: وأوقدوا النيران واشتدوا فى كل وجه يطلبون، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه وهو يقضى بينهم. فقلنا كيف لنا بأن نعلم أن عدو الله قد مات؟

فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، قال: فوجدتها ورجال يهود حوله وفى يدها المصباح تنظر فى وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت وقلت أنى ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر فى وجهه ثم قالت: فاظ وإله يهود. فما سمعت من كلمة كانت ألذ إلى نفسى منها.

قال: ثم جاءنا فأخبرنا الخبر، فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو الله واختلفنا عنده فى قتله، كلنا ندعيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاتوا أسيافكم» . فجئناه بها فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: «هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام» «1» .

وقال حسان بن ثابت يذكر قتل كعب بن الأشرف وقتل سلام بن أبى الحقيق:

لله در عصابة لاقيتهم ... يابن الحقيق وأنت يابن الأشرف

يسرون بالبيض الخفاف إليكم ... مرحا كأسد فى عرين مغرف «2»

حتى أتوكم فى محل بلادكم ... فسقوكم حتفا ببيض ذفف «3»

مستنصرين لنصر دين نبيهم ... مستصغرين لكل أمر مجحف

__________

(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 1/ 66) .

(2) مغرف: ملتف الشجر.

(3) ذفف: سريعة القتل.



كلمات دليلية: