مقتل سلَّام بن أبي الحقيق من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

مقتل سلَّام بن أبي الحقيق  من كتاب السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة

اسم الكتاب:
السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة
المؤلف:
بريك محمدبريك ابو مايله العمري

البعث إلى أبي رافع سلام بن أبي الحقيق

...

البعث إلى أبي رافع

سرية عبد الله بن عتيك وأصحابه لقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق

لله دُرُّ عِصابةٍ لاقَيتَهم ... يا بنَ الحقيقيِ وأنت يا بن الأشرف

يَسْرُونَ بالبِيض الخِفافِ لكم ... مرحًا كأُسدٍ في عَرينِ مغرف

حتى أَتَوْكُم في مَحِلِّ بلادِكم ... فَسَقَوْكُم حتفًا ببَيض ذفف

مستبصرين لنصرِ دينِ نبيِّهم ... مستَضْعِفِين لكلِّ أمرٍ مجحف

حسان بن ثابت شاعر رسول الله صلى الله عليه وسلم

ديوان حسان بن ثابت (165)

أبو رافع عبد الله بن أبي الحقيق، أو سلاّم بن أبي الحقيق1 اختلفت المصادر في ذلك، فمنها ما سماه عبد الله2، ومنها ما سماه سلاّم، ومنهم من نسبه إلى أبيه دون ذكر اسمه3، والبعض نسبه إلى كنيته فقط4، ولكن الأكثر على أنه سلاّم بن أبي الحقيق5.

كان من زعماء اليهود بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة بعد نقضهم العهد والميثاق معه6 فتوجه مع بقية زعماء بني النضير إلى خيبر، فدان لهم يهودها7، ومع ذلك كانوا دائما يتطلعون إلى الفرص السانحة للثأر من المسلمين والعودة مرة ثانية إلى المدينة، ورأوا أن هذا الهدف صعب المنال ما

__________

1 هكذا ذكره البخاري والشافعي على الشك بين الاسمين نظرا لاختلاف أهل المغازي في اسمه تبعا لاختلاف الرواة في تسميته. انظر ابن حجر، فتح (7/243) ، والبيهقي، سنن (9/80) .

2 قال ابن حجر: "والذي سماه عبد الله هم عبد الله بن أنيس، وذلك فيما أخرجه الحاكم في الإكليل من حديثه مطولا". فتح الباري (7/243) ، ولكن رواية عبد الله بن أنيس عند الطبراني، وأبي يعلى لم تسمه عبد الله، بل نسبته إلى أبيه. انظر أبا يعلى، المسند (2/204) ، والهيثمي، مجمع (6/197) لأن الرواية من القسم غير المطبوع من المعجم. وممن سماه عبد الله من أهل المغازي العامري في البهجة (1/193) .

3 مثل رواية عبد الله بن أنيس عند أبي يعلى والطبراني التي ذكرنا، ومم نسبه إلى أبيه الزهري عند ابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (3/274) ، والبيهقي، سنن (9/78) .

4 مثل روايات البراء بن عازب في الصحيح. ابن حجر، فتح (6/155، 7/340-341) ، ووقع ذلك عند البيهقي. سنن (9/80-81) ، وعند موسى بن عقبة. انظر البيهقي، دلائل (4/39) ، وباقشيش، مرويات (1/379) ، وعند ابن إسحاق. ابن هشام، سيرة (3/273) ، والواقدي، مغازي (1/391) ، وابن القيم، زاد (2/119) .

5 وقع ذلك عند معظم أهل المغازي. انظر عبد الرزاق، المصنف (5/408) ، وابن هشام، سيرة (2/273) ، وابن سعد، طبقات (2/91) ، وابن حزم، جوامع (198) ، وابن عبد البر، درر (195) .

6 انفرد المقريزي بذكر أنه كانت له رياسة بني قريظة بعد يوم بعاث. إمتاع الأسماع (1/189) ، ولا أدري من أين جاء بذلك، فكل أهل المغازي مجمعون على أنه كان من زعماء بني النضير.

7 ذكرت بعض المصادر بأنه كان يسكن حصنا بأرض الحجاز. انظر ابن حجر، فتح (7/340) والبيهقي، سنن (9/80) ، بينما أكثر المصادر وخاصة روايات أهل المغازي حددت سكناه بخيبر. انظر عبد الرزاق، المصنف (5/408) ، وابن هشام، سيرة (3/275) ، والواقدي، مغازي (1/390) ، وابن سعد، طبقات (2/91) ، والبيهقي، مجمع (6/179-198) ، وابن حجر، فتح (7/342) ، وانظر ما قاله ابن حجر، والشامي، والزرقاني جمعا بين الروايات. ابن حجر، فتح (7/342) ، والشامي، سبل (6/176) ، والزرقاني، شرح (2/166) .

لم يتم القضاء على قوة المسلمين المسيطرة في المدينة وما حولها، وأن ذلك لن يكون إلا بعمل ضخم منسق ضد المسلمين، فقوة اليهود وحدها لا تكفي لذلك، ومن خيبر بدأوا اتصالات موسعة وسفارات متعددة كان الهدف منها تحزيب أكبر قوة ممكنة من العرب تغزو المسلمين في عقر دارهم وتستأصلهم، وقد تم تقسيم خطة العمل بين هؤلاء الزعماء لهذا الغرض، فكان سلام بن أبي الحقيق –كما يذكر عروة- له اليد الطولى في تحزيب قبائل غطفان النجدية الكبيرة وحلفائها من "مشركي العرب يدعوهم إلى قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعل لهم الجعل1 العظيم"2.

ولما انقضى أمر الخندق وبني قريظة بعد أن انفض الأحزاب عن المدينة بغيظهم لم ينالوا خيرا، وقُتل حُيي بن أخطب النضري شريكُ أبي رافع القوي في تحزيب الأحزاب –مع بني قريظة- فنال بذلك القصاص العادل الذي أفلت منه سلام بن أبي الحقيق حيث كان بعيدا في قومه في حصون خيبر فأصبح بالنسبة للمسلمين مجرم حرب خطيرا هاربًا لابد من القضاء عليه حتى لا يقوم بتحركات مماثلة في المستقبل تهدد أمنهم وسلامتهم.

وكانت الأنصار كما أشار أهل المغازي3 يتنافسون فيما بينهم تفانيًا في خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} 4. فلما أصابت الأوس كعبَ بن الأشرف بمبادرة بطولية من جانبهم، فحققوا بذلك سبقا إسلاميًّا على منافسيهم من الخزرج الذين بَدَوْا متحفزين للقيام بدور مماثل، فما أن ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابن أبي الحقيق حتى سارعوا إلى التطوع للانخراط

__________

1 الجعل: ما تجعل للغازي إذا غزا عنك بجعل. (لسان العرب، والقاموس، مادة: جعل) .

2 من رواية ابن عائذ عن عروة. ابن حجر فتح (7/343) ، ومغازي ابن عائذ مفقودة كما ذكرنا، ولكن البيهقي رواه من طريقه إلى عروة. انظر الدلائل (4/38) كما روى ذلك ابن سعد عن جمع من شيوخه. الطبقات (2/91) .

3 انظر الزهري، المغازي النبوية (113) ، وعبد الرزاق، المصنف (5/407-408) ، وابن هشام، سيرة (3/274) ، والواقدي، مغازي (1/391) ، وابن سعد، طبقات (2/91) ، والبيهقي، دلائل (4/33) .

4 المطففين (26) .

في هذه المهمة الشاقة على صعوبتها وما يحيط بها من أخطار، فالرجل بعيد عن قاعدة الإسلام: المدينة، وهو في مَنَعة من قومه وحصونهم وحلفائهم من غطفان، ومن أجل ذلك تخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً منهم فيهم بعض الشروط المناسبة لهذه المهمة الصعبة، فكان عبد الله بن عتيك رضي الله عنه1 قائدًا لهذه السرية حيث تذكر بعض المصادر أنه كان يتقن العبرية بطلاقة –إضافة إلى صلته السابقة بأبي رافع2. واهتمت روايات أهل المغازي بتسمية بقية أفراد السرية على خلاف بينها في بعضهم3، وقد اختلف أهل المغازي في تاريخ هذا البعث اختلافًا كبيرا فروى البخاري تعليقا عن الزهري قال: "هو بعد كعب بن الأشرف"4. أما ابن إسحاق الذي أخذ روايته عن الزهري، فحدد

__________

1 عبد الله بن عتيك بن قيس بن الأسود بن بري بن كعب بن غنم بن سلمة بن الخزرج الأنصاري، لا يختلفون أنه شهد أحدا وما بعدها، وأظنه شهد بدرا، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقُتل يوم اليمامة شهيدا في خلافة أبي بكر سنة ثنتي عشرة، وقيل: بل شهد الصفين مع علي رضي الله عنه. خليفة بن خياط، طبقات (103) ، وابن عبد البر، استيعاب، هامش الإصابة (2/364-365) ، وابن حجر، إصابة (2/341) .

2 ذكر ذلك الواقدي، وكاتبه ابن سعد رواية عن جمع من شيوخه، منهم الواقدي. وذكر خليفة أن أم عبد الله كانت بخيبر، ولكن الواقدي ذكر أنها أمه من الرضاعة.

انظر خليفة بن خياط، الطبقات (103) ، والواقدي، مغازي (1/391-392) ، وابن سعد، طبقات (2/395) . وربما يؤيد رواية الواقدي وابن سعد ما وقع في روايات الصحيح من أن عبد الله بن عتيك رضي الله عنه حينما دخل على أبي رافع وضربه، ثم رجع إليه كلَّمه كهيئة المغيث، وتكرر ذلك منه مرارا، ولا يمنع أن يكون الحديث بينهما باللغة العربية التي يتقنها أبو رافع، ولكن ما عرف من خبث اليهو د وحذرهم الشديد وجبنهم يجعلنا نستأنس بهذه الروايات على ضعفها. والله أعلم.

3 اتفق أهل المغازي في أسماء ثلاثة منهم، هم: عبد الله بن أنيس، ومسعود بن سنان، وأبو قتادة. انظر روايات الزهري عند كل من عبد الرزاق، المصنف (5/407-408) ، وعند ابن إسحاق الذي أخرج روايته ابن هشام، سيرة (3/274) ، والبيهقي، دلائل (4/34) ، وانظر الواقدي، مغازي (1/391) ، وابن سعد، طبقات (2/91) ، واختلفوا في الرابع الأسود بن خزاعي، فقلبه بعضهم، وسماه البعض أسود بن حرام، وآخرون أسعد بن حرام. انظر بالإضافة إلى المصادر السابقة عمر بن شبة، تاريخ المدينة (2/465) ، والبيهقي، دلائل (4/39) ، وابن حجر، فتح (7/343) ، وإصابة (1/34-42-43) ، والشامي، سبل (6/168-169) ، وذكر في الصحيح أن فيهم عبد الله بن عتبة الذي وقع الخلاف في اسمه أيضا. انظر ابن حجر، فتح (7/343) ، ومغلطاي قلج، الزهر الباسم في سيرة أبي القاسم (21/9) ، والشامي، سبل (163-167-168) ، والزرقاني، شرح (2/165-166) ، وزاد حماد بن سلمة في روايته فيهم أبيض بن أسود في رواية عمر بن شبة عنه. تاريخ المدينة (2/463) ، وبالقلب: أسود بن أبيض في رواية ابن حجر عنه، إصابة (1/41) . كما وقع خلاف في نسب عبد الله بن أنيس، والظاهر أنه جهني أصلا، أنصاري سلمي جزرجي حلفا. انظر ابن حجر، فتح (7/343) ، والشامي، سبل (6/168) .

4 ابن حجر، فتح (7/340-342) ، وقد وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الزهري (قاله ابن حجر، ولم أجد ذلك في كتاب التاريخ المطبوع) ولم يكن مراد الزهري رحمه الله أنها كانت بعد قتل كعب بن الأشرف مباشرة كما يتوهم من النص، وإن كان البعض ظن ذلك فوضع لها تاريخا بعده مباشرة. انظر الزرقاني، شرح المواهب (2/165) .

تاريخها بعد الخندق، وقريظة مباشرة1، وحددها الواقدي كعادته بدقة فقال: "خرجوا ليلة الإثنين في السَّحَّر لأربعٍ خلون من ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهرا وغابوا عشرة أيام" ولكنه يعقَّب في نهاية روايته "ويقال: كانت السرية في شهر رمضان سنة ست"2 وهذا هو التاريخ الذي اعتمده كاتبه ابن سعد تاريخا للسرية3، وذكرها الطبري في حوادث السنة الثالثة4 ونقل المتأخرون من أهل المغازي أقوالا في تاريخها متعددة لم ينسبوها لأحد وحاول بعضهم الجمع بينها أو الترجيح5.

وعلى كلٍّ انطلق هؤلاء المغاوير الشجعان ببسالة لإنجاز مهمتهم، ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم يتردد صداها على مسامعهم "لا تقتلوا وليدًا ولا امرأة"6 حتى إذا ما دَنوا من الحصن الذي يقيم فيه أبو رافع "وقد غربت الشمس، وراح الناس بسرحهم7"8.قال قائد السرية عبد الله بن عتيك لأصحابه:

__________

1 ابن هشام، سيرة (2/273) ، والبيهقي، دلائل (4/33) ، وتابعه ابن عبد البر، درر (195) ، والعامري، بهجة (1/193) .

2 الواقدي، مغازي (391-395) .

3 ابن سعد، طبقات (2/91) ، وذكر القسطلاني أن ابن سعد ذكر في ترجمة عبد الله بن عتيك أنه بعثه في ذي الحجة إلى أبي رافع سنة خمس بعد وقعة بني النضير. القسطلاني، المواهب اللدنية (1/122-123) ، وبالبحث في طبقات ابن سعد المتداولة لم أعثر على ترجمة عبد الله بن عتيك رضي الله عنه فيها، فربما اطلع القسطلاني على نسخة أخرى، والله أعلم.

4 ذكر ذلك الطبري بصيغة التمريض. انظر الطبري، تاريخ (2/493) .

5 انظر البيهقي، سنن (9/78-79) والمقريزي، إمتاع (1/189) ، وابن حجر، فتح (7/342) ، والشامي، سبل (6/176) ، والزرقاني، شرح (2/165) .

6 رواه الزهري مرسلا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، وعن عبد الله بن كعب بن مالك. انظر عبد الرزاق، المصنف (5/407) ، وابن هشام، سيرة (3/274) ووقع موصولا في روايات. انظر البيهقي، سنن (9/77) ، وابن حجر، إصابة (2/341) ، والهيثمي، مجمع (6/198) وقال عنه: رواه أبو يعلى، والطبراني. وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع وهو ضعيف.

7 السرح: المال السائم الراعي وسرحت الماشية، أي: أخرجتها بالغداة إلى المرعى (القاموس واللسان: سرح) .

8 من رواية يوسف بن موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (7/341) ، ورواها البيهقي بسنده عن البراء، دلائل (4/37) ، كما رواها العامري، بهجة (1/193) باختصار.

"اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل"1 فأقبل عبد الله –وكان قد فكر بحيلة يستطيع بها خداع البواب فيدخل دون أن يفطن إليه فلما دنا من الباب" تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته2. وقد دخل الناس فهتف البواب: يا عبد الله3 إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب4، قال عبد الله: "فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن5 فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فلما هدأت الأصوات، ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة6 فأخذته ففتحت به باب الحصن"7، "فجعلت كلما أفتح بابا أغلقت عليَّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليَّ حتى أقتله، فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت؟ "8 وهنا يتذكر عبد الله رضي الله عنه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هو ضرب على غير هدى كخبط عشواء لربما أصاب بعض عياله أو نسائه، لأجل ذلك صاح به ليعرف مكانه "أبا رافع، قال: من هذا؟ "9 يقول عبد الله: "فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح، فخرجت

__________

1 المصدر السابق.

2 أي يتبول أو يتبرز وكان الناس في ذلك العهد تعودوا على قضاء حوائجهم خارج بيوتهم، وقد حققت له هذه الحيلة على بساطتها ما كان يهدف إليه حيث ظن البواب أنه من أهل الحصن يقضي حاجته خارجه، فهتف به للدخول غير شاك به.

3 لم يُرِد اسمه العلم لأنه لو كان كذلك لكان قد عرفه، فالذي يظهر أنه أراد معناه الحقيقي لأن الجميع عبيد الله. ابن حجر، فتح (7/343) .

4 من رواية يوسف بن موسى عند البخاري. ابن حجر، فتح (7/341) .

5 كأنه كان للحصن بابان، باب من داخل، وآخر من خارج.

6 الكوة: بفتح الكاف وبضم، والكوة: الخرق في الحائط، وقيل بالفتح غير النافذة، وبالضم النافذة. ابن حجر، فتح (7/343) ، والقاموس، مادة (كوه) .

7 من رواية أحمد بن عثمان عند البخاري. ابن حجر، فتح (7/342) ،وانظر البيهقي، دلائل (4/35) .

8 من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (7/341) ، وانظر البيهقي، دلائل (4/37) .

9 المصدر السابق.

من البيت فأمكث غير بعيد، ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟، فقال: لِأُمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبلُ بالسيف"1. "قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وأقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، فإذا هو مستلقٍ على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفىء عليه حتى سمعت صوت العظم، ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي2 فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل3 فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية"4 "فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز"5 "قال فقمت أمشي ما بي قلبة6 فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم"7 "فحدثته، فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها قط"89.

وهكذا تم بهذا العمل الجريء الشجاع القضاء على مجرم حرب خطير

__________

1 المصدر السابق.

2 في رواية يوسف بن موسى: "فانكسرت ساقي"، قال ابن حجر: ويجمع بينهما بأنهما انخلعت من المفصل وانكسرت الساق، وقال الداودي: هذا اختلاف، وقد يتجوز في التعبير بأحدهما عن الآخر لأن الخلع هو زوال المفصل من غير بينونة أي بخلاف الكسر.

قلت: والجمع بينهما بالحمل على وقوعهما معا أولى، ووقع في رواية ابن إسحاق: "فوثبت يده"، وهو وهم، والصواب: "رجله"، وإن كان محفوظا فوقع جميع ذلك.

3 الحجل: أن يرفع رجلا ويقفز على الأخرى. (اللسان: حجل) .

4 من رواية أحمد بن عثمان، ابن حجر، فتح (7/342) ، والبيهقي، دلائل (4/35) .

5 من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (7/341) ، والبيهقي، دلائل (4/37) .

6 أي: ألمٌ وعلة. ابن الأثير، النهاية (4/98) .

7 من رواية أحمد بن عثمان عند البخاري. ابن حجر، فتح (7/342) ، وانظر البيهقي، دلائل (4/35) .

8 من رواية يوسف بن موسى. ابن حجر، فتح (7/341) ، وانظر البيهقي، دلائل (4/37) .

9 الحديث أخرجه البخاري في الصحيح في باب قتل النائم المشرك ابن حجر، فتح (6/155) (باب قتل أبي رافع ... ) ، ابن حجر، فتح (7/340-341-342) ، ورواه الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. انظر المغازي النبوية (113-114-115) ، وعبد الرزاق، المصنف (5/407-408) ، وابن هشام، سيرة (3/273-274-275) ، كما أخرجه ابن عائذ والبيهقي كلاهما عن عروة. انظر ابن حجر، فتح (7/343) ، والبيهقي، دلائل (4/38) ، ورواه أبو يعلى، المسند (2/204-205-206) والطبراني وأخرجها عنه الهيثمي، مجمع (6/197) لأنها من القسم المفقود من المعجم، وذكر ابن حجر أن الحاكم قد روى الخبر في إكليله. ابن حجر، فتح (7/243) ، وكتاب "الإكليل" مفقود أيضا، والخبر رواه أهل المغازي. انظر الواقدي، مغازي (1/391-394) ، وابن سعد، طبقات (1/91-92) ، والطبري، تاريخ (3/493-499) ، وابن حزم، جوامع (198-199) ، وابن عبد البر، درر (209-211) ، والبيهقي، دلائل (4/33-39) .

كان له دور بارز ومميز في تحزيب الأحزاب ضد المسلمين، فنال بذلك القصاص العادل الذي يستحقه بالفعل، فلو أراد الله عز وجل ونجحت مخططات الأحزاب لكان في ذلك القضاء المبرم على المسلمين ولكن الله سلَّم، وفشلت مخططاتهم وهزمهم الله وحده وقتل الله حُييَّ بن أخطب مع بني قريظة، ثم قضى على أبي رافع بمبادرة بطولية من الخزرج فتخلص المسلمون من عدوين خطيرين كان في بقائهما تهديد كبير لأمنهم وسلامتهم.

وفي هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الذي بلغته الدعوة وأصرَّ، وقَتْلِ من أعان على رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، أو ماله أو لسانه، وجواز التجسيس على أهل الحرب وتطلُّب غِرتهم، والأخذِ بالشدة في محاربة المشركين، وتعرُّضِ القليل من المسلمين للكثير من المشركين، والحكم بالدليل والعلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته، واعتماده على صوت الناعي بموته1.

ومما يستفاد من الحديث أيضا النهي عن قتل النساء والولدان إلا إذا كانوا من قوم مبيّتين، وهي مسألة خلافية حيث فيها هذا الحديث وحديث الصعب بن جثامة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن أهل الدار من المشركين يُبيَّتون فيصاب من نسائهم وذراريهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هم منهم"2.

قال الشافعي: فكان سفيان بن عيينة يذهب إلى أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "هم منهم" إباحة لقتلهم، وأن حديث ابن أبي الحقيق ناسخ له، قال: وكان الزهري إذا حدَّث بحديث الصعب بن جثامة أتبعه بحديث ابن كعب بن مالك. قال الشافعي رحمه الله: وحديث الصعب بن جثامة في عمرة النبي صلى الله عليه وسلم

__________

1 ابن حجر، فتح (7/345) .

2 محمد فؤاد عبد الباقي، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/237) .

فإن كان في عمرته الأولى فقد قتل ابن أبي الحقيق قبلها وقيل في سنتها، وإن كان في عمرته الآخرة فهو بعد أمر ابن أبي الحقيق غير شك، ولم نعلمه رخص في قتل النساء والولدان، ثم نهى عنه، ومعنى نهيه عندنا والله أعلم عن قتل النساء والولدان أن يقصد قصدهم بقتل وهم يُعرفون مميَّزِين ممن أمر بقتله منهم"1.

وما أشار إليه الشافعي وجيه لأن التبييت من نتائجه عدم التفريق بين الرجال والنساء والأطفال لحدوثه في الظلام، ولأجل المباغتة التي هي عنصر أساسي للتبييت، أما حديث أبي رافع فهو لإنسان مخصوص بعينه ومعروف، فلا يجوز قتل من سواه إذا اجتُهِد في الخلوص إليه، ومعرفة مكانه وهو ما حدث من الصحابي الذي قتله، والله أعلم.

وقد علق البيهقي على إمكانية حدوث النسخ بين الحديثين من عدمه بأن ساق رواية ابن إسحاق التي ذكر فيها أن قتل ابن أبي الحقيق كان بعد الخندق، قال: "ثم غزا بني المصطلق في شعبان سنة ست، ثم خرج في أول ذي القعدة معتمرًا عام الحديبية".

قال الشيخ:

ثم كانت عمرته التي تسمى عمرة القضاء، ثم عمرة الجعرانة ثم عمرته سنة حجته كلهن بعد ذلك، وقتل ابن أبي الحقيق كان قبلهن، فكيف يكون نهيه في قصة ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان ناسخًا لحديث الصعب ابن جثامة الذي كان بعده2.

__________

1 البيهقي، سنن (9/78) .

2 البيهقي، سنن (9/78-79) .


ملف pdf

كلمات دليلية: