مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

اسم الكتاب:
السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي
المؤلف:
احمداحمدغلوش

رابعا: انتهاء المقاطعة

لم تقف المواجهة بين كفار مكة وبين المسلمين عند الهجرة إلى الحبشة، بل أخذت تزداد عنفا وشدة؛ لأن كفار مكة فشلوا في رد المهاجرين إليهم، واعتقالهم بعدما كانوا يتصورونه أمرا سهلا.

وحينئذ رأى كفار مكة ضرورة القيام بعمل حاسم للقضاء على محمد ودعوته، فلما تصدى لهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وتحصنوا بشعبهم، اتفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، بصورة تامة، لا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات حتى اشتد الأمر ببني هاشم، وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وكان يسمع للأطفال بكاء من شدة الجوع.

واستمر الأمر على ذلك حتى أذن الله له بالانتهاء، يروي ابن كثير ذلك بقوله: "وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني المطلب وبني هاشم وأمرهم أن يدخلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعبهم،

وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.

فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة، وعهودا، ومواثيق، لا يقبلون من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم وبنو المطلب في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، ولم يتركوا طعاما يقدم مكة، ولم يجدوا بيعا إلا بادروهم إليه، فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه، أو أخوته، أو بني عمه؛ ليضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه.

فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغد، والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق.

ويقال: إنها كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من ظلم، وشرك، وقطيعة رحم.

وأطلع الله عز وجل رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب.

فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابته من بني المطلب حتى

أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوه عامدا لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا، وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم.

فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، وإن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني- أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم، وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم.

قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن هذا سحر من صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه"1.

ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء وهشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام بنت عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه في رأسه ثم ضرب على جنبيه فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص84، 85، وتذكر رواية أخرى: أن الأرضة أكلت كل ما في الصحيفة ما عدا اسم الله تعالى.

ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟

أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك إليه أبدا.

فقال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها.

قال: قد وجدت رجلا.

قال: من هو؟

قال: أنا.

قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله لئن تخلصتم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا.

قال: ابغنا ثالثا.

قال: قد فعلت.

قال: من هو؟

قال: زهير بن بني أمية.

قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البحتري بن هشام فقال نحو ما قال لمطعم بن عدي فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا؟

قال: نعم.

قال: من؟

قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.

قال: ابغنا خامسا.

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟

قال: نعم، ثم سمى القوم، فاتعدوا عنه الحجون ليلا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.

وقام زهير بن أبي أمية فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق.

قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.

قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.

قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.

وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.

قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان.

وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا "باسمك اللهم"1.

وهكذا انتهت هذه الفترة القاسية التي مر بها المسلمون في مكة، وجاء الفرج من عند الله تعالى، وانتهت هذه المقاطعة الظالمة.

وشاءت إرادة الله تعالى بوفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجته خديجة رضي الله عنها في عام واحد، عرف بعام الحزن، فكان أن سرى الله تعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم برحلة الإسراء والمعراج، وبذلك تجلت معالم الدعوة العالمية في لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بإخوانه الرسل وبما أوحي إليه.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص96.


تحميل : مقاطعة قريش لبني هاشم وبني عبد المطلب من كتاب السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

كلمات دليلية: