معركة مؤتة من كتاب الرحيق المختوم1

معركة مؤتة من كتاب الرحيق المختوم1

اسم الكتاب:
الرحيق المختوم1
المؤلف:
صفي الرحمن المباركفوري

قتلى الفريقين

اتفقت جل الروايات على أن قتلى المسلمين كانوا سبعين، وكانت الأغلبية الساحقة

__________

(1) ابن هشام 2/ 98.

(2) نفس المصدر 2/ 99.

(3) السيرة الحلبية 2/ 47.

(4) ابن هشام 2/ 100.

من الأنصار، فقد قتل منهم خمسة وستون رجلا، واحد وأربعون من الخزرج، وأربع وعشرون من الأوس، وقتل رجل من اليهود. وأما شهداء المهاجرين فكانوا أربعة فقط.

وأما قتلى المشركين فقد ذكر ابن إسحاق أنهم اثنان وعشرون قتيلا، ولكن الإحصاء الدقيق- بعد تعميق النظر في جميع تفاصيل المعركة التي ذكرها أهل المغازي والسير، والتي تتضمن ذكر قتلى المشركين في مختلف مراحل القتال- يفيد أن عدد قتلى المشركين سبعة وثلاثون، لا اثنان وعشرون. والله أعلم «1» .

,

سبب الغزوة

قد أسلفنا في ذكر غزوة العشيرة أن عيرا لقريش أفلتت من النبي صلى الله عليه وسلم في ذهابها من مكة إلى الشام، ولما قرب رجوعها من الشام إلى مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد إلى الشمال، ليقوما باكتشاف خبرها، فوصلا إلى الحوراء، ومكثا حتى مر بهما أبو سفيان بالعير، فأسرعا إلى المدينة، وأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر.

كانت العير مركبة من ثروات طائلة من أهل مكة، ألف بغير موقرة بالأموال، لا تقل عن خمسين ألف دينار ذهبي، ولم يكن معها من الحرس إلا نحو أربعين رجلا.

إنها فرصة ذهبية لعسكر المدينة، وضربة عسكرية وسياسية واقتصادية قاصمة ضد المشركين لو أنهم فقدوا هذه الثروة الطائلة، لذلك أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسلمين قائلا: هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكموها.

ولم يعزم على أحد بالخروج، بل ترك الأمر للرغبة المطلقة، لما أنه لم يكن يتوقع عند هذا الإنتداب أنه سيصطدم بجيش مكة- بدل العير- هذا الإصطدام العنيف في بدر، ولذلك تخلف كثير من الصحابة في المدينة، وهم يحسبون أن مضي رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الوجه لن يعدو ما ألفوه في السرايا الماضية، ولذلك لم ينكر على أحد تخلفه في هذه الغزوة.

,

سبب الغزوة

إلا أنها كانت هناك قوة تعرضت للمسلمين من غير مبرر، وهي قوة الرومان- أكبر قوة عسكرية ظهرت على وجه الأرض في ذلك الزمان- وقد عرفنا فيما تقدم أن بداية هذا التعرض كانت بقتل سفير رسول الله صلى الله عليه وسلم- الحارث بن عمير الأزدي- على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني، حينما كان السفير يحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عظيم بصرى، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بعد ذلك سرية زيد بن حارثة التي اصطدمت بالرومان اصطداما عنيفا في مؤتة، ولم تنجح في أخذ الثأر من أولئك الظالمين المتغطرسين، إلا أنها تركت أروع أثر في نفوس العرب، قريبهم وبعيدهم.

ولم يكن قيصر ليصرف نظره عما كان لمعركة مؤتة من الأثر الكبير لصالح المسلمين، وعما كان يطمح إليه بعد ذلك كثير من قبائل العرب من استقلالهم عن قيصر، ومواطأتهم للمسلمين، إن هذا كان خطرا يتقدم ويخطو إلى حدوده خطوة بعد خطوة، ويهدد الثغور الشامية التي تجاوز العرب، فكان يرى أنه يجب القضاء على قوة المسلمين قبل أن تتجسد في صورة خطر عظيم لا يمكن القضاء عليها، وقبل أن تثير القلاقل والثورات في المناطق العربية المجاورة للرومان.

ونظرا إلى هذه المصالح لم يقض قيصر بعد معركة مؤتة سنة كاملة، حتى أخذ يهيء

الجيش من الرومان والعرب التابعة لهم من آل غسان وغيرهم، وبدأ يجهز لمعركة دامية فاصلة.

,

سبب الغزوة

ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة، وأمن منه أمنا باتا بعد الهدنة أراد أن يحاسب الجناحين الباقيين- اليهود وقبائل نجد- حتى يتم الأمن والسلام، ويسود الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه.

ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتامر، ومركز الإستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا.

أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين، وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الإتصالات بالمنافقين- الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي- وبغطفان وأعراب البادية- الجناح الثالث من الأحزاب- وكانوا هم أنفسهم يهيئون للقتال، فألقوا المسلمين بإجراآتهم هذه في محن متواصلة، حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية، وإلى الفتك برأس هؤلاء المتامرين، مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن زارم، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك. وإنما أبطأوا في القيام بهذا الواجب، لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم- وهي قريش- كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب.

,

سبب الغزوة

قدمنا في وقعة الحديبية أن بندا من بنود هذه المعاهدة يفيد أن من أحب أن يدخل في عقد محمد- صلى الله عليه وسلم- وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، وأن القبيلة التي تنضم إلى أي الفريقين تعتبر جزآ من ذلك الفريق، فأي عدوان تتعرض له أي من تلك القبائل يعتبر عدوانا على ذلك الفريق.

وحسب هذا البند دخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وصارت كل من القبيلتين في أمن من الآخرى، وقد كانت بين القبيلتين عداوة وثارات في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، ووقعت هذه الهدنة، وأمن كل فريق من الآخر اغتنمها بنو بكر، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في جماعة من بني بكر في شهر شعبان سنة 8 هـ، فأغاروا على خزاعة ليلا، وهم على ماء يقال له: (الوتير) فأصابوا منهم رجالا، وتناوشوا واقتتلوا، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل معهم رجال من قريش مستغلين ظلمة الليل، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم يا بني بكر، أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟

ولما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، وإلى دار مولى لهم يقال له رافع.

__________

(1) زاد المعاد 2/ 160.

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي، فخرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فوقف عليه، وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:

يا رب إني ناشد محمدا ... حلفنا وحلف أبيه الأتلدا «1»

قد كنتم ولدا وكنا والدا «2» ... ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر، هداك الله، نصرا أيدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله، قد تجردا ... أبيض مثل البدر، يسمو صعدا

إن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهم أذل، وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا «3»

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرضت له سحابة من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.

ثم خرج بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فأخبروه بمن أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم، ثم رجعوا إلى مكة.

,

سبب المعركة

وسبب هذه المعركة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابه إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني- وكان عاملا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر- فأوثقه رباطا، ثم قدمه، فضرب عنقه.

وكان قتل السفراء والرسل من أشنع الجرائم، يساوي بل يزيد على إعلان حالة الحرب، فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نقلت إليه الأخبار، فجهز إليهم جيشا قوامه ثلاثة ألف مقاتل «1» ، وهو أكبر جيش إسلامي، لم يجتمع قبل ذلك إلا في غزوة الأحزاب.

,

أمراء الجيش ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا البعث زيد بن حارثة، وقال: إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة «2» . وعقد لهم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد بن حارثة «3» .

وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا بالله عليهم، وقاتلوهم، وقال لهم: «اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر

__________

(1) زاد المعاد 2/ 155، فتح الباري 7/ 511.

(2) صحيح البخاري باب غزوة مؤتة من أرض الشام.

(3) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي.

بالله، لا تغدروا، ولا تغيروا، ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا كبيرا فانيا، ولا منعزلا بصومعة، ولا تقطعوا نخلا ولا شجرة، ولا تهدموا بناء «1» » .

,

تحرك الجيش الإسلامي، ومباغتته حالة رهيبة

وتحرك الجيش الإسلامي في اتجاه الشمال حتى نزل معان، من أرض الشام، مما يلي الحجاز الشمالي، وحينئذ نقلت إليهم الإستخبارات بأن هرقل نازل بماب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي مائة ألف.

,

المجلس الإستشاري بمعان

لم يكن المسلمون أدخلوا في حسابهم لقاء مثل هذ الجيش العرمرم، الذي بوغتوا به في هذه الأرض البعيدة- وهل يهجم جيش صغير، قوامه ثلاثة آلاف مقاتل فحسب، على

__________

(1) نفس المصدر، ورحمة للعالمين 2/ 271.

(2) الفرغ: السعة.

(3) الجدث: القبر.

(4) ابن هشام 2/ 273، 374، زاد المعاد 2/ 156، مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص 327.

جيش كبير عرمرم، مثل البحر الخضم، قوامه مائتا ألف مقاتل؟ حار المسلمون، وأقاموا في معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وينظرون ويتشاورون، ثم قالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.

ولكن عبد الله بن رواحة عارض هذا الرأي، وشجع الناس، قائلا: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة. وأخيرا استقر الرأي على ما دعا إليه عبد الله بن رواحة.

,

الجيش الإسلامي يتحرك نحو العدو

وحينئذ بعد أن قضى الجيش الإسلامي ليلتين في معان، تحركوا إلى أرض العدو، حتى لقيتهم جموع هرقل بقرية من قرى البلقاء يقال لها: (مشارف) ، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى مؤتة، فعسكروا هناك، وتعبأوا للقتال، فجعلوا، على ميمنتهم قطبة بن قتادة العذري، وعلى الميسرة عبادة بن مالك الأنصاري.

,

بداية القتال، وتناوب القواد

وهناك في مؤتة التقى الفريقان، وبدأ القتال المرير، ثلاثة آلاف رجل يواجهون هجمات مائتي ألف مقاتل. معركة عجيبة تشاهدها الدنيا بالدهشة والحيرة، ولكن إذا هبت ريح الإيمان جاءت بالعجائب.

أخذ الراية زيد بن حارث- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم- وجعل يقاتل بضراوة بالغة، وبسالة لا يوجد لها نظير إلا في أمثاله من أبطال الإسلام، فلم يزل يقاتل ويقاتل حتى شاط في رماح القوم، وخر صريعا.

وحينئذ أخذ الراية جعفر بن أبي طالب، وطفق يقاتل قتالا منقطع النظير، حتى إذا أرهقه القتال اقتحم عن فرسه الشقراء فعقرها، ثم قاتل حتى قطعت يمينه، فأخذ الراية بشماله، ولم يزل بها حتى قطعت شماله، فاحتضنها بعضديه، فلم يزل رافعا إياها حتى قتل. يقال: إن روميا ضربه ضربة قطعته نصفين، وأثابه الله بجناحيه جناحين في الجنة، يطير بهما حيث يشاء، ولذلك سمي: بجعفر الطيار، وبجعفر ذي الجناحين.

روى البخاري عن نافع أن ابن عمر أخبره أنه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة وضربة، ليس منها شيء في دبره. يعني ظهره «1» .

وفي رواية أخرى قال ابن عمر: كنت فيهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية «2» . وفي رواية العمري عن نافع زيادة: (فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده) «3» .

ولما قتل جعفر بعد القتال بمثل هذه الضراوة والبسالة أخذ الراية عبد الله بن رواحة، وتقدم بها، وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه، ويتردد بعض التردد حتى حاد حيدة، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... كارهة أو لتطاوعنه

إن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه

ثم نزل، فأتاه ابن عم له بعرق من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده فانتهس منه نهسة، ثم ألقاه من يده ثم أخذ سيفه فتقدم، فقاتل حتى قتل.

,

الراية إلى سيف من سيوف الله

وحينئذ تقدم رجل من بني عجلان- اسمه ثابت بن أرقم- فأخذ الراية وقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية قاتل قتالا مريرا، فقد روى البخاري عن خالد بن الوليد قال: لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية «4» . وفي لفظ آخر: لقد دق في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، وصبرت في يدي صفيحة لي يمانية «5» .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة- مخبرا بالوحي، قبل أن يأتي إلى الناس الخبر من

__________

(1) صحيح البخاري، باب غزوة مؤتة من أرض الشام 2/ 611.

(2) نفس المصدر 2/ 611.

(3) انظر فتح الباري 7/ 512، وظاهر الحديثين التخالف في العدد، وجمع بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، انظر المصدر المذكور.

(4) صحيح البخاري باب غزوة مؤتة من أرض الشام 2/ 611.

(5) نفس المصدر 2/ 611.

ساحة القتال-: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله، حتى فتح الله عليهم «1» .

,

نهاية المعركة

ومع الشجاعة البالغة والبسالة والضراوة المريرتين كان مستغربا جدا أن ينجح هذا الجيش الصغير في الصمود أمام تيارات ذلك البحر الغطمطم من جيوش الروم، ففي ذلك الوقت أظهر خالد بن الوليد مهارته ونبوغه في تخليص المسلمين مما ورطوا أنفسهم فيه.

واختلفت الروايات كثيرا فيما آل إليه أمر هذه المعركة أخيرا. ويظهر بعد النظر في جميع الروايات أن خالد بن الوليد نجح في الصمود أمام جيش الرومان طول النهار، في أول يوم من القتال، وكان يشعر بمسيس الحاجة إلى مكيدة حربية، تلقي الرعب في قلوب الرومان، حتى ينجح في الإنحياز بالمسلمين من غير أن يقوم الرومان بحركات المطاردة، فقد كان يعرف جيدا أن الإفلات من براثنهم صعب جدا لو انكشف المسلمون، وقام الرومان بالمطاردة.

,

[القتال التراجعي]

فلما أصبح اليوم الثاني غير أوضاع الجيش، وعبأه من جديد، فجعل مقدمته، ساقة، وميمنته ميسرة، وعلى العكس، فلما رآهم الأعداء أنكروا حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا، وصار خالد- بعد أن تراآى الجيشان، وتناوشا ساعة- يتأخر بالمسلمين قليلا قليلا، مع حفظ نظام جيشه، ولم يتبعهم الرومان ظنا منهم أن المسلمين يخدعونهم، ويحاولون القيام بمكيدة ترمي بهم في الصحراء.

وهكذا انحاز العدو إلى بلاده، ولم يفكر في القيام بمطاردة المسلمين، ونجح المسلمون في الإنحياز سالمين، حتى عادوا إلى المدينة «2» .

__________

(1) نفس المصدر 2/ 611.

(2) انظر فتح الباري 7/ 513، 514، زاد المعاد 2/ 156، وتفصيل المعركة مأخوذ من هذين المصدرين والتي قبلهما.

,

قتلى الفريقين

واستشهد يومئذ من المسلمين اثنا عشر رجلا، أما الرومان، فلم يعرف عدد قتلاهم غير أن تفصيل المعركة يدل على كثرتهم.

,

أثر المعركة

وهذه المعركة وإن لم يحصل المسلمون بها على الثأر، الذي عانوا مرارتها لأجله، لكنها كانت كبيرة الأثر لسمعة المسلمين، إنها ألقت العرب كلها في الدهشة والحيرة، فقد كانت الرومان أكبر وأعظم قوة على وجه الأرض، وكانت العرب تظن أن معنى جلادها هو القضاء على النفس وطلب الحتف بالظلف، فكان لقاء هذا الجيش الصغير- ثلاثة آلاف مقاتل- مع ذلك الجيش الضخم العرمرم الكبير- مائتا ألف مقاتل- ثم الرجوع عن الغزو من غير أن تلحق به خسارة تذكر، كان كل ذلك من عجائب الدهر، وكان يؤكد أن المسلمين من طراز آخر غير ما ألفته العرب وعرفته، وأنهم مؤيدون ومنصورون من عند الله، وأن صاحبهم رسول الله حقا، ولذلك نرى القبائل اللدودة التي كانت لا تزال تثور على المسلمين جنحت بعد هذه المعركة إلى الإسلام، فأسلمت بنو سليم وأشجع وغطفان وذبيان وفزارة وغيرها.

وكانت هذه المعركة بداية اللقاء الدامي مع الرومان، فكانت توطئة وتمهيدا لفتوح البلدان الرومانية، واحتلال المسلمين الأراضي البعيدة النائية.


تحميل : معركة مؤتة من كتاب الرحيق المختوم1

كلمات دليلية: