معركة مؤتة_13055

معركة مؤتة


باب غزوة مؤتة

:

"ثم سرية مؤتة" ترجمها البخاري وابن إسحاق في طائفة غزوة مؤتة وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأمراء وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها وما لاقوه من الحرب الشديد مع الكفار، وسماها المصنف وغيره سرية لأنها طائفة من جيشه صلى الله عليه وسلم بعثها ولم يخرج معها، وموتة قال الحافظ: في الفتح "بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة، وبه جزم" من أهل اللغة "المبرد" أبو العباس محمد بن يزيد عبد الأكبر إمام العربية المشهور. ولد سنة عشر ومائتين ومات سنة اثنتين، وقيل: خمس وثمانين. قال السيرافي: لما صنف المازني كتاب الألف واللام، سأل المبرد عن دقيقه وعويصه فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قم فأنت المبرد بكسر الراء المثبت للحق فغيره الكوفيون وفتحوا الراء. انتهى.

ومن الرواة من همزها "وجزم ثعلب" العلامة المحدث شيخ اللغة والعربية أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد الشيباني مولاهم البغدادي المقدم في نحو الكوفيين ولد سنة مائتين.

قال الخطيب: كان ثقة دينا حجة صالحا مشهورا بالحفظ مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ومائتين المعدود في الحفاظ لقوله سمعت من عبيد الله القواريري مائة ألف حديث "والجوهري" الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد مات في حدود الأربعمائة "و" أحمد بن زكريا "ابن فارس" أبو الحسين الرازي اللغوي الفقيه المالكي الإمام في علوم شتى صاحب التصانيف، المتوفى سنة تسع وقيل: خمس وسبعين وثلاثمائة "بالهمز".

"وحكى غيرهم" وهو صاحب الوافي كما في الفتح "الوجهين وهي من عمل البلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد مدينة معروفة "بالشام،" هكذا ضبطها البرهان بالمد وهو ظاهر القاموس، وفي الشامي أنها مقصورة "دون دمشق"، وفي الفتح قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره على مرحلتين من بيت المقدس.

قال: وأما المؤتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز. انتهى.

وفي الروض مؤتة مهموزة الواو قرية من أرض البلقاء بالشام، وأما الموتة بلا همز فضرب من الجنون وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاته: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه

في جمادى الأولى سنة ثمان.

وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى ملك بصرى، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فقتله، ولم يقتل لرسول صلى الله عليه وسلم رسول غيره.

فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة.

__________

ونفخه ونفثه". وفسره الراوي، فقال: نفثه: الشعر, ونفخه: الكبر, وهمزه: الموتة. انتهى.

"في جمادى الأولى سنة ثمان" كما في مغازي أبي الأسود عن عروة، وكذا قال ابن إسحاق، وموسى بن عقبة وأهل المغازي لا يختلفون في ذلك إلا ما ذكر خليفة في تاريخه أنها كانت سنة سبع.

قاله الحافظ: ووقع في جامع الترمذي أنها كانت قبل عمرة القضاء.

قال البرهان وهو غلط بلا شك "و" سبب "ذلك" كما جزم به اليعمري ومرضه الحافظ، فقال: يقال: سببها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أرسل الحارث بن عمير الأزدي"، ثم اللهبي بكسر اللام وسكون الهاء الصحابي "بكتاب إلى ملك بصرى،" أي أميرها من جهة هرقل وهو الحارث بن أبي شمر الغساني وعلى هذا اقتصر الفتح، وصدر العيون بأنه أرسله بالكتاب إلى ملك الروم، "فلما نزل موتة عرض" تصدى "له" ومنعه من الذهاب "شرحبيل" بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة اسم أعجمي لا ينصرف "ابن عمرو الغساني" بفتح المعجمة ومهملة مشددة كافر معروف من أمراء قيصر على الشام.

قال البرهان: والظاهر هلاكه على شركه، "فقتله" صبرا وذلك أنه قال أين تريد؟ فقال: الشام. قال: فلعلك من رسل محمد؟ قال: نعم. فأمر به فأوثق رباطه ثم قدمه فضرب عنقه "ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره فأمَّر" بشد الميم "رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة" بمهملة ومثلثة مولاه وحبه أبا أسامة البدري.

قال سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا.

أخرجه أبو مسلم الكجي، والإسماعيلي، وأبو نعيم والطبراني بهذا اللفظ وهو في الصحيح بإبهام عدد غزوه مع زيد.

قال الحافظ: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد فبلغت سبعا كما قال سلمة: أولها في جمادى الآخرة سنة خمس، قبل نجد في مائة راكب، والثانية في ربيع الآخر سنة ست

على ثلاثة آلاف وقال: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب فإن قتل فعبد الله بن رواحة فإن قتل فليرتض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم".

وفي حديث عبد الله بن جعفر عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث.

__________

إلى بني سليم، والثالثة في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين يلقى عيرا لقريش، والرابعة في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة, والخامسة إلى حسمى بكسر الحاء وسكون السين المهملتين مقصور في خمسمائة إلى جذام بطريق الشام كانوا قطعوا الطريق على دحية وهو راجع من عند هرقل، والسادسة إلى وادي القرى، والسابعة إلى ناس من بني فزارة وكان خرج قبلها في تجارة فخرج عليه ناس منهم فضربوه وأخذوا ما معه فجهزه إليهم فأوقع بهم. انتهى.

وهذه الثامنة التي استشهد فيها أميراه كما رواه ابن إسحاق عن عروة "على ثلاثة آلاف" وذلك لأنه لما بلغه قتل رسوله اشتد عليه الأمر وندب الناس، "وقال" كما في الصحيح عن ابن عمر: "إن قتل فجعفر بن أبي طالب" أميرهم، كما ثبت بهذا اللفظ عند ابن عقبة عن الزهري، "فإن قتل فعبد الله بن رواحة" الأمير، "فإن قتل فليرض المسلمون برجل من بينهم يجعلونه عليهم" أميرا، وفي نسخة: يجعلوه بحذف النون للتخفيف إذ ليس ثم ناصب ولا جازم.

وروى الواقدي أنه كان ثم يهودي اسمه النعمان، قال: يا أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لأن أنبياء بني إسرائيل، كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع إلى محمد إن كان نبيا، قال زيد: فأشهد أنه رسول صادق بار، "وفي حديث عبد الله بن جعفر" بن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد ولد بأرض الحبشة ومات سنة ثمانين وهو ابن ثمانين.

روى له الستة صحابي ابن صحابي رضي الله عنهما "عند أحمد والنسائي بإسناد صحيح: "إن قتل زيد فأميركم جعفر". الحديث. والغرض منه بيان المحذوف في الرواية الأولى، فأفاد هذا أن قوله فيها: فجعفر خبر مبتدأ محذوف للعمل به, وأفادت رواية الزهري التي أسلفناها أنه مبتدأ حذف خبره فأفادت الروايتان جواز الأمرين.

وروى أحمد، والنسائي وصححه ابن حبان من حديث أبي قتادة، قال: بعث صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال: "عليكم زيد بن حارثة فإن أصيب زيد، فجعفر". الحديث، وفيه: فوثب جعفر وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما كنت أرهب أن تستعمل عليّ زيدا، قال: "امض فإنك لا تدري أي ذلك خير".

قالوا: وعقد لهم صلى الله عليه وسلم لواء أبيض، ودفعه إلى زيد، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعينوا عليهم بالله وقاتلوهم.

وخرج مشيعا لهم، حتى بلغ ثنية الوداع فوقف وودعهم.

__________

قال الحافظ: وفيه جواز تعليق الإمارة بشرط وتولية عدة أمراء بالترتيب، واختلف هل تنعقد ولاية الثاني في الحال أم لا والذي يظهر انعقادها في الحال لكن بشرط الترتيب وقيل: تنعقد لواحد لا بعينه وتتعين لمن عينه الإمام على الترتيب وقيل تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار واختيار الإمام يقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامة وفيه جواز التآمر في الحرب بغير تأمير الإمام.

قال الطحاوي: وهذا أصل يؤخذ منه أن على المسلمين تقديم رجل إذا غاب الإمام يقوم مقامه إلى أن يحضر وجواز الاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعلم ظاهر من أعلام النبوة. انتهى.

"قالوا: وعقد لهم صلى الله عليه وسلم لواء أبيض ودفعه إلى زيد وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير" وهو مؤتة كما مر، وروي أنه صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يأتوا مؤتة فركبتهم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا عليها، فإن صح احتمل أن المراد بمقتل الحارث الأرض التي قتل فيها لا خصوص المكان الذي قتل به، فلا ينافي النهي أوان موضع قتله ليس في خصوص مؤتة بل في جهتها "وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا" فأقول لكم "استعينوا" بصيغة الأمر فلا يرد وجوب الفاء في جواب الشرط الطلبي، وفي لفظ استعانوا "عليهم بالله وقاتلوهم" فأسرع الناس بالخروج وعسكروا بالجرف بضم الجيم والراء، وسكونها.

وروي بمعجمتين على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام "وخرج" صلى الله عليه وسلم "مشيعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع" بفتح الواو. سميت بذلك لتوديع المصطفى هذه السرية عندها، أو لأن المسافر كان يودع عندها قديما، وصححه عياض "فوقف وودعهم" وهذا أصل في الخروج مع المسافر إلى خارج البلد.

وروى الواقدي عن زيد بن أرقم رفعه: "أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا بسم الله في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا كبيرا فانيا ولا منعزلا بصومعة ولا تقربوا نخلا ولا تقطعوا شجرا ولا تهدموا بناء".

وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، ودع الناس الأمراء فلما ودع ابن رواحة بكى، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية:

فلما ساروا نادى المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة:

لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا

فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدم الطلائع أمامه.

وقد نزل المسلمون معان.

__________

{وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} ، فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود، قال: "فلما ساروا نادى المسلمون دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين، فقال عبد الله بن رواحة":

"لكنني أسأل الرحمن مغفرة ... وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا"

أو طعنة بيدي حران مجهزة ... بحربة تنقذ الحشاء والكبدا

حتى يقال إذا مروا على جدثي ... يا أرشد الله من غاز وقد رشدا

وذات فرغ بفتح الفاء وسكون الراء وغين معجمة، أي واسعة يسيل دمها كما في العيون، والزبد فتح الزاي والموحدة وبمهملة رغوة الدم.

قال ابن إسحاق وأتى ابن رواحة رسول الله فودعه، ثم قال:

فثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصر كالذي نصروا

إني تفرست فيك الخير نافلة ... فراسة خالفت فيك الذي نظروا

أنت الرسول فمن يحرم نوافله ... والوجه منه فقد أزرى به القدر

وروى غيره أنه صلى الله عليه وسلم قال له: قل شعرا تقتضبه اقتضابا وأنا أنظر إليك من غير روية، فقال: إني تفرست الأبيات حتى انتهى إلى قوله: فثبت الله. قال صلى الله عليه وسلم: "وأنت فثبتك الله يابن رواحة".

وعند أحمد، والترمذي عن ابن عباس أن ابن رواحة تخلف حتى صلى الجمعة معه صلى الله عليه وسلم فلما صلى رآه، فقال: "ما منعك أن تغدو مع أصحابك". قال: أردت أن أصلي معك الجمعة، ثم ألحقهم. فقال صلى الله عليه وسلم: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما أدركت غدوتهم".

وفي رواية: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها". "فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم فجمعوا لهم وقام شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف وقدم الطلائع أمامه" فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا وانكشف أصحاب سدوس وقد قتل، "وقد نزل المسلمون معان" لما ساروا من وادي القرى نزلوا بغار فبلغهم كثرة العدو فأقاموا على معان ليلتين "بفتح الميم" على ما

بفتح الميم موضع من أرض الشام، وبلغ الناس كثرة العدو وتجمعهم، وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين, فأقاموا ليلتين لينظروا في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر، فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي، فمضوا إلى مؤتة.

ووافاهم المشركون فجاء منهم من لا قبل لأحد به من العَدد والعُدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب.

__________

صوبه الوقشي وغيره، وقال البكري: بضمها نقله عنه الروض وغيره ونقل عنه مغلطاي فتحها.

قال الشامي: فكان نسخ معجمة مختلفة والعين مهملة فألف فنون "موضع من أرض الشام" وفي الروض، قال البكري: هو اسم جبل والمعان أيضا حيث تحبس الخيل والركاب، ويجوز أنه من أمعنت النظر أو من الماء المعين فوزنه فعال أو من أمعنت النظر فوزنه مفعل، وقد جنس المعري به فقال:

معان من أحبثنا معان

تجيب الصاهلات بها القيان

"وبلغ الناس" الصحابة كثرة العدو وتجمعهم وأن هرقل نزل بأرض البلقاء في مائة ألف من المشركين" أي الروم كما عبر به ابن إسحاق، وزادوا تضم إليهم من لخم وجذم والقيس وبهراء وبلى مائة ألف منهم عليهم رجل من بلى، يقال له مالك بن رافلة. انتهى.

ولعل هؤلاء الذين جمعهم شرحبيل، "فأقاموا ليلتين" على معان "لينظروا في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر".

زاد ابن إسحاق: فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له "فشجعهم عبد الله بن رواحة على المضي" قال ابن إسحاق: وقال: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم إياها تطلبون الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، "فمضوا إلى مؤتة ووافاهم" أتاهم "المشركون فجاء منهم من لا قبل" طاقة "لأحد به من العَدد" الكثير الزائد على مائتي ألف "والعُدد" بضم العين "والسلاح والكراع" بضم الكاف جماعة الخيل خاصة "والديباج، والحرير، والذهب" إظهارا للشدة والقوة بكثرة أموالهم وآلات حروبهم، وفي هذا فرط شجاعة الصحابة وقوة قلوبهم وتوكلهم على ربهم وعدم مبالاتهم بأنفسهم، لأنهم باعوها لله سبحانه إذا قدم ثلاثة آلاف على أكثر من مائتي ألف أصحاب حروب وشدة إنما هو لما وقر في قلوبهم واطمأنت عليه نفوسهم.

والتقى المسلمون والمشركون. فقاتل الأمراء يومئذ على أرجلهم، فأخذ اللواء زيد بن حارثة فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم حتى قتل طعنا بالرماح.

ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب، فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين، فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون ضربة بسيف وطعنة برمح.

قال في رواية البخاري: ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة ورمية.

__________

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا وإن جندنا لهم الغالبون، وكان حقا علينا نصر المؤمنين، "والتقى المسلمون والمشركون فقاتل الأمراء" الثلاثة "يومئذ على أرجلهم" قد يشعر تخصيصهم إن من عداهم قاتلوا على حالهم التي كانوا عليها من كونهم مشاة أو ركبانا، "فأخذ اللواء زيد بن حارثة" أي حمله على العادة من أن الحامل له أمير الجيش كما مر، وقد يدفعه لمقدم العسكر وإلا فهو معه من حين دفعه له صلى الله عليه وسلم، "فقاتل وقاتل المسلمون معه على صفوفهم".

ذكر ابن إسحاق أنهم جعلوا على الميمنة قطبة بن قتادة العذري وعلى ميسرتهم عباية بن مالك الأنصاري "حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب".

قال ابن إسحاق: وأتباعه فقاتل به على فرس فألحمه القتال أي أحاط به ولم يجد له مخلصا "فنزل عن فرس له شقراء وقاتل حتى قتل" قال بن هشام وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

قال اليعمري: أو أربع وثلاثين وفي الإصابة كان أسن من علي بعشر سنين، فاستوفى أربعين سنة وزاد عليها على الصحيح، وجزم ابن عبد البر بأن سنه كان إحدى وأربعين سنة "ضربه رجل من الروم" ضربة "فقطعه نصفين فوجد في أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا وفيما أقبل من بدنه اثنتان وسبعون" ليس فيه أنها زائدة على ما في أحد نصفيه فيجوز أنها من جملة ما كان فيه "ضربة بسيف وطعنة برمح" تمييز للعدد أي بعض جراحه بسيف وبعضها برمح.

"قال في رواية البخاري" من طريق عبد الله بن سعد عن نافع عن ابن عمر.

قال: كنت في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى "ووجدنا ما في جسده بضعا وتسعين من طعنة" برمح "ورمية" بسهم، وكذا أخرجه ابن سعد من طريق اليعمري عن نافع عنه.

وفي رواية: أن ابن عمر قال وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل قال: فعددت به خمسين بين ضربة وطعنة ليس منها شيء في دبره.

وذكر ابن إسحاق بإسناد حسن، وهو عند أبي داود من طريقه عن رجل من بني مرة قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب، حتى اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها.

__________

"وفي رواية" للبخاري أيضا من طريق سعيد بن هلال عن نافع "أن ابن عمر" أخبره "قال: وقفت على جعفر يومئذ وهو قتيل، قال: فعددت به خمسين بين ضربة" بسيف "وطعنة" برمح "ليس منها" وللكشميهني فيها "شيء في دبره" بضم الموحدة بيان لفرط شجاعته وإقدامه.

زاد بعض الرواة في البخاري يعني في ظهره، أي لم يكن منها شيء في حال الإدبار، بل كلها في حال الإقبال لمزيد شجاعته.

وكذا رواه سعيد بن منصور عن أبي معشر عن نافع مثله خمسين.

قال الحافظ: وظاهرهما التخالف ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأخرى أو الخمسين مقيدة بأنها ليس فيها شيء في دبره، أي ظهره وقد يكون الباقي في بقية جسده ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره وإنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو طنبه لكن يؤيد الأول أن في رواية اليعمري عن نافع فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر أن العدد بضع وتسعون.

ووقع للبيهقي في الدلائل بضع وسبعون أي بسين فموحدة وأشار إلى أن بضعا وتسعين أي فوقية فسين أثبت, وللإسماعيلي عن الهيثم بن خلف عن البخاري بضعا وتسعين أو بضعا وسبعين بالشك ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري. انتهى.

"وذكر" أي روى "ابن إسحاق بإسناد حسن" قال حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد. قال: حدثني أبي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف "وهو عند أبي داود من طريقه", فقال: حدثنا النفيلي قال: حدثنا محمد بن مسلمة عن محمد بن إسحاق، فذكره "عن رجل من بني مرة" وإبهام الصحابي لا يضر لعدالة جميعهم "قال والله لكأني أنظر إلى جعفر بن أبي طالب حين اقتحم" أي رمى بنفسه في هذا الأمر العظيم "عن فرس له شقراء فعقرها".

هكذا الرواية في السيرة وسنن أبي داود بفتح المهملة والقاف، وبالراء أي ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف وفي رواية لابن عقبة، والواقدي، وابن إسحاق أيضا فعرقبها أي قطع عرقوبها وهو الوتر الذي بين مفصل الساق والقدم.

ثم قاتل حتى قتل.

قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فقاتل حتى قتل.

فأخذ اللواء ابن أقرم.

__________

قال ابن إسحاق: فكان جعفر أول مسلم عقر في الإسلام.

قال في الروض: ولم يعب ذلك عليه أحد فدل على جوازه إذا خيف أن يأخذها العدو فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في النهي عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا غير أن أبا داود قال: ليس هذا الحديث بالقوي، وقد جاء فيه نهي كثير عن الصحابة. انتهى, وكأنه يريد ليس بصحيح وإلا فهو حسن كما جزم به الحافظ وتبعه المصنف، "ثم قاتل حتى قتل" وهو يقول كما في بقية ذا الحديث الحسن:

يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وباردا شرابها

والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

"قالوا: ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة، فقاتل حتى قتل" قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني أحد بني مرة بن عوف، فلما قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الراية, ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد. ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... لتنزلن أو لتكرهنه

أن أجلب الناس وشدوا الرنه ... ما لي أراك تكرهين الجنه

قد طالما قد كنت مطمئنه ... هل أنت إلا نطفة في شنه

وقال:

يا نفس ألا تقتلي تموتي ... هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت قد أعطيتي ... أن تفعلي فعلهما هديت

يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، فلما نزل أتاه ابن عمه بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك فإنك قد لقيت أيامك هذه، ما لقيت فأخذه من يده ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في الناس، فقال: وأنت في الدنيا ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه فقاتل حتى قتل.

وروى سعيد بن منصور عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغني أنهم دفنوا يومئذ زيدا, وابن رواحة، وجعفرا في حفرة واحدة، وفي الصحيح وما يسرهم أنهم عندنا أي لما رأوا من فضل الشهادة "فأخذ اللواء" ثابت "بن أقرم" بفتح أوله وسكون القاف وبالراء، والميم

العجلاني، إلى أن اصطلح الناس على خالد بن الوليد، فأخذ اللواء، وانكشف الناس فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون فقتل من قتل من المسلمين.

وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة.

__________

ابن ثعلبة بن عدي بن العجلان "العجلاني" بفتح المهملة وسكون الجيم بطن من الأنصار.

قال في الإصابة البلوى حليف الأنصار.

ذكره ابن عقبة في أهل بدر.

قال في رواية ابن إسحاق: فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلحوا على خالد وعند بن سعد أن ثابتا مشى باللواء إلى خالد، فقال: لا آخذه منك أنت أحق به، فقال الأنصاري: والله ما أخذته إلا لك.

وروى الطبراني عن أبي اليسر قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب ابن رواحة، فدفعها إلى خالد وقال: أنت أعلم بالقتال مني فحاصل هذه الروايات أن أبا اليسر أخذها ودفعها إلى ثابت فذهب بها لخالد فلم يقبلها فنادى يا معشر المسلمين فجاءوا "إلى أن اصطلح" اجتمع "الناس على خالد بن الوليد" وسلموها له "فأخذ اللواء".

وفي الصحيح حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم، وفي رواية ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد ولم يكن من الأمراء وهو أمير نفسه. ثم قال: قال صلى الله عليه وسلم: اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره فمن يومئذ سمي سيف الله، وفي رواية فأخذها خالد من غير إمرة، والمراد نفي كونه منصوصا عليه وإلا، فقد ثبت أنهم اتفقوا عليه "وانكشف الناس، فكانت الهزيمة فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين" وهم اثنا عشر رجلا جعفر, وزيد، ومسعود بن أوس، ووهب بن سعد، وعبد الله بن رواحة، وعباد بن قيس، والحارث بن النعمان، وسراقة بن عمر ذكرهم ابن إسحاق.

زاد ابن هشام عن الزهري أبا كليب، وجابر بن عمر بن زيد، وعمرا وعامرا ابني سعد بن الحارث وزاد ابن الكلبي، والبلاذري، هو بجة بفتح الهاء وسكون الواو، وفتح الموحدة والجيم وتاء تأنيث الضبي، وأنه لما قتل فقد جده وفي هذا عناية من الله بالإسلام وأهله ومزيد إعزاز ونصر لهم إذ جيش عدته ثلاثة آلاف يلقون أكثر من مائتي ألف فلا يقتل منهم إلا ثلاثة عشر مع أنهم اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام، كما رواه القراب في تاريخه عن بردع بن زيد.

كذا ذكر ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين، "وقال الحاكم: قاتلهم خالد بن الوليد، فقتل منهم مقتلة عظيمة وأصاب غنيمة"، فإنما كانت الهزيمة على المشركين،

وقال ابن سعد: إنما انهزم المسلمون.

وقال ابن إسحاق: انحازت كل طائفة من غير هزيمة.

__________

وهذا ظاهر حديث الصحيح كما أسلفته قريبا وفيه أيضا عن خالد لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف فما بقي في يدي إلا صفيحة يمانية بتخفيف الياء وحكي شدها، وهذا يقتضي أن المسلمين قتلوا من المشركين كثيرا.

وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن عوف بن مالك أن رجلا من أهل اليمن رافقه فقتل روميا وأخذ سلبه فاستكثره خالد فشكاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن ذلك كان بعد قيام خالد بالإمرة، وهو يرجح أنه لم يقتصر على حوز المسلمين والنجاة بهم بل باشر القتال.

"وقال ابن سعد إنما انهزم المسلمون" هو الذي قدمه قبل قول الحاكم. فلو قال عقب قوله من المسلمين. قاله ابن سعد لكفى.

"وقال ابن إسحاق انحازت كل طائفة" عن الأخرى "من غير هزيمة". قال: أعني ابن إسحاق وقد وقع كذلك في شعر القيس بن المسحر فذكره، ثم قال فبين ما اختلل فيه الناس أن القوم تحاجزوا وكرهوا الموت وحقق انحياز خالد بمن معه، قال اليعمري: وهو المختار.

لكن قال الشامي وافق ابن إسحاق شرذمة فسمي فتحا ونصرا باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو وتكاثرهم عليهم وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية وهو محتمل لكنه خلاف ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "يفتح على يديه". والأكثرون على أن خالدا والمسلمين قاتلوا المشركين حتى هزموهم، ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد أن خالدا لما حمل اللواء حمل على القوم فهزمهم أسوأ هزيمة ما رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا ونحوه عن الزهري وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم، وهو ظاهر الحديث. انتهى ملخصا، وقال في فتح الباري: اختلف أهل النقل في المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: "حتى فتح الله عليهم". هل كان هناك قتلا فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح انحيازه بالمسلمين حتى رجعوا سالمين.

ففي رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عروة: فجاش خالد الناس ودافع وانحاز وانحيز عنه، ثم انصرف بالناس، وهذا يدل على الثاني ويؤيده ما عند سعيد بن منصور عن سعيد ابن أبي هلال بلاغا، قال: فأخذ خالد الراية فرجع بالمسلمين على جهة، ورمى واقد بن عبد الله التميمي المشركين حتى ردهم الله.

وذكر ابن سعد عن أبي عامر أن المسلمين انهزموا لما قتل ابن رواحة حتى لم أر اثنين جميعا، ثم اجتمعوا على خالد وعند الواقدي من طريق عبيد الله بن الحارث بن فضيل عن أبيه،

ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم.

وعن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني أبي الذي أرضعني, وكان أحد بني مرة قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه، فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل، أخرجه البغوي في معجمه.

__________

قال: لما أصبح خالد بن الوليد جعل مقدمته ساقة وميمنته ميسرة فأنكر العدو حالهم، وقالوا: جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين وعنده من حديث جابر قال: أصيب بمؤتة ناس من المشركين وغنم المسلمون بعض أمتعتهم، وفي مغازي أبي الأسود عن عروة فحمل خالد على الروم فهزمهم، وهذا يدل على الأول وهو وإن كان ضعيفا من جهة الواقدي وابن لهيعة الراوي عن أبي الأسود، ففي مغازي موسى بن عقبة وهي أصح المغازي ما نصه: ثم اصطلح المسلمون على خالد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين ويمكن الجمع بأنهم هزموا جانبا من المشركين، وخشي خالد أن تتكاثر الكفار عليهم فانحاز بهم عنهم حتى رجع بهم إلى المدينة.

وقال العماد بن كثير يمكن أن خالدا لما حاز المسلمين وبات، ثم أصبح وقد غير تعبية العسكر، كما تقدم وتوهم العدو أنهم جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا ولم يتبعهم ورأى الرجوع بالمسلمين هي الغنيمة الكبرى، ثم وجدت في مغازي ابن عائذ بسند منقطع أن خالدا لما أخذ الراية قاتلهم قتالا شديدا حتى انحاز الفريقان عن غير هزيمة، وقفل المسلمون فمروا على طريقهم بقرية بها حصن كانوا في ذهابهم قتلوا من المسلمين رجلا، فحاصروهم حتى فتحه الله عليهم عنوة وقتل خالد مقاتلتهم، فسمي ذلك المكان نقع الدم إلى الآن، انتهى.

"ورفعت الأرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نظر إلى معترك القوم" كما في مغازي ابن عقبة، "وعن عباد" بفتح المهملة وشد الموحدة "ابن عبد الله بن الزبير" بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج, ثقة أخرج له الستة، "قال: حدثني أبي الذي أرضعني" يعني أنه أبوه من الرضاعة "وكان أحد بني مرة" بن عوف، "قال: شهدت مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه فرأيت جعفرا حين التحم القتال اقتحم" نزل "عن فرس له شقراء" قيل هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق أي غشيه العدو وعرف أنه مقتول فينزل ويجادل العدو راجلا، "ثم عقرها وقاتل القوم حتى قتل".

"أخرجه البغوي" الحافظ الكبير الثقة مسند العالم أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغدادي طال عمره، وتفرد في الدنيا حتى توفي ليلة عيد الفطر سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين "في معجمه" في الصحابة وهو متقدم على محيي السنة صاحب المصابيح،

وقطعت في تلك الوقعة يداه جميعا ثم قتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أبدله بيديه جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء". خرجه أبو عمر.

وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها: لما قتل ابن رواحة وابن حارثة وجعفر بن أبي طالب جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف فيه الحزن ... الحديث.

__________

وكان المصنف أعاد الحديث مع أنه قدمه قريبا عن ابن إسحاق, وأبو داود لأجل عزوه له لقول ابن أبي حاتم: أبو القاسم يدخل في الصحيح ومراده بذلك دفع قول أبي داود: إسناده ليس بالقوي ويقع في نسخ، وعن عبد الله بإسقاط عباد وهو خطأ، فالحديث في الروايتين إنما هو له عن رجل من بني مرة لا لأبيه عن الرجل، "وقطعت في تلك الواقعة يداه جميعا"، وذلك أنه أخذ اللواء بيمينه، فقطعت, فأخذه بشماله, فقطعت, فاحتضنه بعضديه.

رواه ابن هشام عمن يثق به من أهل العلم، "ثم قتل"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أبدله بيديه" أي أعطاه بدلهما "جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء" والمقصود أن الله أكرمه بذلك في مقابلة قطعهما فلا يستلزم عدم رد يديه بل بعد ردهما أعطاه الجناحين. "أخرجه أبو عمر" بن عبد البر.

"وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها لما قتل ابن رواحة، وابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب" هذه رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما لما جاء قتل ابن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة.

قال الحافظ: يحتمل أن المراد مجيء الخبر على لسان القاصد الذي حضر من عند الجيش، ويحتمل أن المراد مجيئه على لسان جبريل كما يدل عليه حديث أنس الذي قبله يعني في البخاري وهو أنه صلى الله عليه وسلم، نعاهم للناس قبل أن يأتيهم خبرهم.

"جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم" زاد البيهقي في المسجد "يعرف فيه الحزن" بضم الحاء وسكون الزاي وضبطه أبو ذر بفتحهما.

قال الحافظ: أي لما جعل الله فيه من الرحمة ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة لا تخرجه عن كونه صابرا راضيا، إذا كان قلبه مطمئنا، بل قد يقال: إن من كان ينزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا.

أشار إلى ذلك الطبري وأطال في تقريره "الحديث" بقيته فجاء رجل فقال: إن نساء جعفر

وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء".

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". أخرجه الترمذي والحاكم، وفي إسناده ضعف، لكن له شاهد من حديث علي عند ابن سعد.

وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".

__________

فذكر بكاءهن فأمره أن ينهاهن. فذهب ثم أتى فقال: قد نهيتهن وذكر أنهن لم يطعنه فأمر أيضا فذهب، ثم أتى، فقال: الله ولقد غلبنا قال: فأحث في أفواههن من التراب.

قالت: عائشة فقلت: أرغم الله أنفك فوالله ما أنت تفعل وما تركت رسول الله من العناء.

وعند ابن إسحاق: قالت عائشة: وعرفت أنه لا يقدر أن يحثي في أفواههن التراب قالت: ربما ضر التكلف أهله. "وأخرج الطبراني بإسناد حسن عن عبد الله بن جعفر" الشبيه خَلقا وخُلقا كأبيه روى أحمد، والنسائي بسند صحيح عنه، ثم أمهل صلى الله عليه وسلم آل جعفر ثلاثا، ثم أتاهم، فقال لهم: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم". ثم قال: "ائتوني ببني أخي". فجيء بنا كأنا أفرخ، فدعا الحلاق فحلق رءوسنا، ثم قال: "أما محدم فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خَلقي وخُلقي". ثم دعا لهم "قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم" تسلية لي وإعلاما بمقام أبيه: "هنيئا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". وما وصل إليه الأب فهو من مناقب الابن. ألم تر قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ولذا قال: "هنيئا لك". ولم يقل: لأبيك، ولذا كان ابن عمر إذا سلم على عبد الله قال: السلام عليك يابن ذي الجناحين. كما في الصحيح.

"وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة". يحتمل أنها منامية ويحتمل يقظة ويؤيده ما رواه الدارقطني بسند ضعيف عن ابن عمر: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه إلى السماء، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله، فقال الناسك يا رسول الله ما كنت تصنع هذا؟ قال: مر بي جعفر بن أبي طالب في ملأ من الملائكة فسلم علي "أخرج الترمذي، والحاكم، وفي إسناده ضعف لكن له شاهد من حديث علي" أمير المؤمنين "عند ابن سعد" محمد الحافظ المشهور، "وعن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مر بي جعفر الليلة في ملأ من الملائكة وهو مخضب الجناحين بالدم".

أخرجه الترمذي والحاكم بإسناد على شرط مسلم.

وأخرج أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة".

وفي طريق أخرى عنه: "إن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان، عوضه الله من يديه". وإسناد هذا جيد.

فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الوقعة، حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل.

__________

وفي الطبراني عن سالم بن أبي الجعد قال: رأى صلى الله عليه وسلم جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجين بالدماء وذلك أنه قاتل حتى قطعت يداه "أخرجه الترمذي، والحاكم بإسناد على شرط مسلم" فهو من السادسة من مراتب الصحيح.

"وأخرج" أي الحاكم كما في الفتح وكان المصنف اعتمد على عود الضمير لأقرب مذكور في أخرج "أيضا هو والطبراني عن ابن عباس مرفوعا" لفظة يستعملها المحدثون بدل قال صلى الله عليه وسلم: "دخلت البارحة الجنة فرأيت فيها جعفر بن أبي طالب يطير مع الملائكة" وفي شعر علي كرم الله وجهه:

وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي

"وفي طريق أخرى" عن المذكورين عن ابه عباس: "أن جعفرا يطير مع جبريل وميكائيل له جناحان عوضه الله من يديه" أي بدلهما، وفي فوائد أبي سهل بن زياد القطان عن سعد بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأسماء بنت عميس قريب منه إذ قال: "يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب قد مر مع جبريل وميكائيل". فرد عليه السلام ... الحديث. وفيه: فعوضه الله من يديه جناحين يطير بهما حيث شاء، "وإسناد هذا" أي حديث ابن عباس "جيد" أي مقبول وهذه منقبة عظيمة له، وقد كان أبو هريرة يقول: إنه أفضل الناس بعد المصطفى.

روى الترمذي، والنسائي بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من جعفر بن أبي طالب وفي البخاري عنه قال: كان جعفر خير الناس للمساكين "فقد عوضه الله تعالى عن قطع يديه في هذه الواقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت، ثم احتضنه فقتل"، كما رواه ابن هشام قال: أخبرني من أثق به من أهل العلم، فذكره, واختلف في أن الجناحين حقيقيان, وهو المختار.

قال السهيلي: له جناحان، ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر. وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله: {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه: 22] وقال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل ستمائة جناح، ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى.

قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه.

ولا مانع من الحمل على الظاهر، إلا من.

__________

وروى النسفي عن البخاري أنه قال: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان.

قال الحافظ: لعله أراد بهذا حمل الجناحين على المعنوي دون الحسي. وجرى عليه في الروض حيث "قال السهيلي: له جناحان ليسا كما يسبق إلى الوهم كجناحي الطائر وريشه؛ لأن الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها" قال: وفي قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته تشريف لها عظيم، وحاشا لله من التشبيه والتمثيل يعني فلو كانا حقيقيين كانت صورته ناقصة عن صورة البشر.

"فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر، وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله واضمم يدك" اليمنى بمعنى الكف "إلى جناحك" أي جنبك الأيسر تحت العضد فعبر عنه بالجناح لأنه للإنسان كالجناح للطائر.

قال أعني السهيلي: وليس ثم طيران فكيف بمن أعطي القوة عليه مع الملائكة أخلق به إذن أن يوصف بالجناح مع كمال الصورة الآدمية وتمام الجوارح البشرية، "و" "قال العلماء في أجنحة الملائكة إنها صفات ملكية لا تفهم إلا بالمعاينة، فقد ثبت أن لجبريل عليه السلام ستمائة جناح ولا يعهد للطير ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك".

قال: فدل على أنها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر ولا ورد في بيانها أيضا خبر فيجب علينا الإيمان به "وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فنؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها. انتهى" قول السهيلي ملخصا.

"قال الحافظ ابن حجر" في الفتح: "وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي حكاه عن العلماء ليس صريحا في الدلالة لما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر" الحقيقة "إلا من

جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف.

وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأن الصورة باقية. وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة: أن جناحي جعفر من ياقوت. وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ. أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة.

وذكر موسى بن عقبة في المغازي، أن يعلى بن أمية قدم بخبر أهل مؤتة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن شئت فأخبرني.

__________

جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف" لعدم الجامع "وكون الصورة البشرية أشرف الصور" الذي استدل به "لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لأن الصورة باقية" كما هي، وإعطاء الجناحين له إكراما لتألمه من قطعهما حتى يطير بهما حيث شاء من الجنة والسماء كما في الأحاديث المارة مضموما إلى عود يديه وكمال خلقته يصيره في المنظر أتم من حال بقية نوع الإنسان. فالأجنحة له كالزينة والحلي لمن تحلى وتزين.

"وقد روى البيهقي في الدلائل" النبوية "من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة" الأنصاري الثقة العالم بالمغازي من رجال الستة مات بعد العشرين ومائة "أن جناحي جعفر من ياقوت" فهو صريح في ثبوتهما له حقيقة، وأنه ليس من نوع أجنحة الطير التي هي من ريش، فهذا يرد قوله إنها صفة ملكية وقوة روحانية.

"وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ أخرجه ابن مندة في ترجمة ورقة" بن نوفل من كتاب المعرفة له. فهذا يرد دعواه أن الملائكة لا أجنحة لهم التي لم يستدل عليها إلا بكون المعهود للطير جناحين فقط وذلك بمجرده لا يمنع الزيادة لهم فكمال صورهم الأصلية مخالفة لصور غيرهم، كذلك زيادة الأجنحة من جملة المخالفة، وقد قال بعض العلماء هذا التأويل لا يليق مثله بالإمام السهيلي بل هو أشبه بكلام الفلاسفة والحشوية، ولا ينكر الحقيقة إلا من ينكر وجود الملائكة.

وقال تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} . [فاطر: 1] .

"وذكر موسى بن عقبة في المغازي أن يعلى بن أمية" بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث، التميمي الحنظلي حليف قريش صحابي روى له الستة. مات سن



كلمات دليلية: