معركة مؤتة (8هـ).. طلب الشهادة في ساحة أول التحام دامٍ مع الروم

معركة مؤتة 8هـ

زمان وموقع سرية مؤتة

وقعت السرية في جمادي الأول من عام 8 هـ ، وذلك في بلدة مؤتة، ومؤتة مدينة تقع في بلاد الشام، وبالأخص جنوبي محافظة الكرك، والتي تقع في الجنوب من المملكة الأردنية الهاشمية.

قيادة معركة مؤتة:

تولى قيادتها من جانب المسلمين على الترتيب؛ زيد بن حارثة، جعفر بن أبي طالب، عبدالله بن رواحة، وقد استشهدوا رضي الله عنهم جميعًا، ثم قاد السرية خالد بن الوليد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد دفع لهم لواءًا أبيضًا لقيادة السرية ووضع أسماء القادة والبدائل في حالة استشهاد أي منهم.


ومن جانب النصارى (البيزنطيين والغساسنة)، تولى قيادة المعركة: "هرقل" إمبراطور بيزنطة آنذاك (كان من أهم حكام بيزنطة وحقق نصرًا مؤزرًا على الفرس تنبأ به القرآن بسورة الروم قبل هجرة النبي محمد، وجاءته رسالة النبي تدعوه وقومه لدين الإسلام، وذكرت مصادر أنه تأثر بها غير أنه عاد لإرضاء قومه!).

وكان من قادة جيش المشركين: "تذارق" شقيق الإمبراطور، و"شرحبيل بن عمرو" أحد عمال قيصر على البلقاء والمتسبب الأساسي بالمعركة.


قوة المتحاربين في مؤتة:

خاض 3000 صحابي مسلم هذه المعركة، في مقابل أكثر من 70 ضعفًا من النصارى؛ بواقع 100 ألف جندي بيزنطي و100 ألف من نصارى عرب الشام، أي 200 ألف مقاتل مشرك .


أسباب سرية مؤتة:

 الدافع المباشر•

قتل الصحابي الحارث بن عمير الأزدي رضي الله عنه، مبعوث رسول الله إلى الشام على يد والي البلقاء (أمير بُصرى) شرحبيل بن عمرو الغساني، الواقع تحت الحماية الروماني. وقد غدر به فأوثقه بالحبال وضرب عنقه، حين علم أنه قادم من عند رسول الإسلام، وبعدها أمر النبي بالمسير إلى مؤتة ودعوتهم للإسلام، أو شن القتال عليهم؛ وكان قتل الرسل يعني إعلان النية في شن الحرب في ذلك الوقت.


•الدوافع الخفية:

- كانت روما المسيحية تخشى تصاعد عدوتها اللدودة دولة المسلمين بعد أن اقتربت من توحيد الجزيرة العربية بصلح الحديبية، وكانت مؤهلة لأن تصبح وريث الإمبراطوريتين المتنازعتين البيزنطية والفارسية، وامتد تهديدها لحدود الشام بإرسال البعوث للدعوة إلى الإسلام، وإرسال الرسل للقياصرة، ومنهم هرقل نفسه إمبراطور بيزنطة.


- قام نصارى الشام بزعامة الإمبراطورية الرومانية بالاعتداء على المسلمين وبينهم والي مَعَانَ حين أسلم، كما تم قتل عدد كبير منهم.

- قامت القبائل المشركة بقطع طرق التجارة من الشام للمدينة ومنهم قضاعة وجذام وغيرهم ممن سيّر إليهم النبي بعوثًا سابقة لدعوتهم للإسلام، وراح العديد من الشهداء المسلمين في تلك المعارك.


أحداث معركة مؤتة:

الغدر بالصحابي الحارث الأزدي:

بعث رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم – الصحابي الحارث بن عمير الأزدي، برسالة إلى الشام لدعوة القبائل النصرانية إلى الإسلام، وقد اعترضه أمير بُصرَى من ولايات الرُّوم، شُرَحْبيل بن عمرو الغسَّاني، وسأَلَه: أأنت من رُسل محمَّد؟ فقال: نَعَم، فضرب شرحبيل عنقه، ليكون هذا الصحابي وحده من قُتل من رسل النبي محمد للملوك.

لم يكن هذا فحسب، بل حاول الرومان فتنة المؤمنين بقتل بعض المسلمين الجدد آنذاك بالشام.


الرسول يأمر بتجهيز جيش مؤتة

لما علم رسول الله بمقتل مبعوثه للشام، أمر المسلمين بالتجهز للقتال، فاستجابوا سريعًا وبلغ عدد المقاتلين 3 آلاف وهو أكبر رقم وصل له الجيش المقاتل المسلم حتى ذلك الحين.

وجعل النبي على هذه البعثة «زيد بن حارثة، فإن قُتل زيد كان الأمير جعفر بن أبى طالب، فإن قُتل جعفر كان الأمير عبد الله بن رواحة».  [رواه البخاري] وزادت الروايات بقول النبي: فإن قُتل، فليرتض المسلمون رجلًا يكون أميرًا عليهم.

 

وقد أَمَر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الجيشَ الإسلامي أنْ يأتوا المكانَ الذي قُتِل فيه الحارث بن عمير، وأنْ يَدعوا مَن كان هناك إلى الإسلام، فإنْ أجابوا فبِها ونعمت، وإنْ أَبَوا استعانوا بالله عليهم وقاتَلُوهم. [سيدنا محمد، رشيد رضا، 1/457[


وصية الرسول .. عدم الغدر:

كان رسول الله إذا بعث سرية أوصاهم بتقوى الله وطاعته وبمن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: « اغزوا باسمِ اللهِ في سبيلِ اللهِ . قاتِلوا من كفر باللهِ. اغزوا ولا تَغُلُّوا ولا تغدِروا ولا تُمَثِّلوا ولا تقتلوا وليدًا. وإذا لقِيتَ عدوَّك من المشركين فادعُهم إلى ثلاثِ خصالٍ (أو خلالٍ). فأيتهنَّ ما أجابوك فاقبلْ منهم وكفَّ عنهم» وهي الإسلام أو الجزية أو الحرب.[رواه مسلم: 1731[


وزادت روايات للسيرة بحثِّ النبي على عدم التعرض لامرأة [أبوداود[  وبوصيته بأصحاب الصوامع من الناسكين المسالمين [نيل الأوطار للشوكاني نقلًا عن مسند أحمد، 8/71[.

وجاء أمر النبي أيضًا بالتوقف عن قطع الأشجار وهدم البناء [سيدنا محمد، رشيد رضا، مرجع سابق[


النبي يودع جيش مؤتة

لما تجهز الجيش الإسلامي وتأهب للقتال، خرج رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من ثنيات الوداع يودعون الجيش داعين الله أن ينصرهم.

ولما تعجب الناس من بكاء عبد الله بن رواحة خلال الوداع قال: والله ما في حبِّ الدنيا، ولكنْ سمعتُ رسول الله يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار؛ {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] فتذكر عذاب ربه وارتجف. وهنا رد المسلمون : "دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين"[الطبقات الكبير، نقلا عن مغازي الواقدي 752]

فرد ابن رواحة بما يفيد عكس ما تمنوا، قائلا:

لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَحْمَنَ مَغْفِرَةً & وَضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا [الطبقات، مرجع سابق] (أي ضربة لعنقي في سبيل الله وليس عودة للاهل!)

وذهب ابن رواحة يودع رسول الله رافعًا للسماء محبته والولاء:

فثبت الله ما آتاك من حسن & تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا

إني تفرست فيك الخير نافلة & الله يعلم أني ثابت البصر

أنت الرسول فمن يحرم نوافله & والوجه منه فقد أزرى به القدر (أي من حُرم شفاعة محمد وقربه فقد خسر ونال البؤس).[الترغيب في شعر صدر الإسلام، شاكر محمود، 72]

فلما ودع النبي جيش المسلمين كانت كلمات المجاهد الصادق:

خلف السلام على امرئ ودعته & في النخل خير مُشيعٍ وخليل (أي محمد خير صاحب ومودع)

وجاء في بعض الروايات أن أحد بني يهود في المدينة حاول أن يشكك في نبوة محمد؛ وقال إن كان نبي فإن من سمّاه في القيادة ممن يُصاب يقع له ذلك فعلًا، كعادة أنبياء بني إسرائيل، فرد عليه زيد بن حارثة( أول القادة ممن ذكر النبي اسمهم في الإصابة) وقال: "أشهد أنه نبي صادق بار" [الواقدي، 2 / 756]

ابن رواحة يزيح شبح الخوف من الروم

مضى الجنودُ المسلمون حتى أرض الشام، وزيد بن حارثة في مقدمتهم يحمل اللواء، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل فى البلقاء فى مائتي ألف؛ وهنا قرر الجيش المسلم مكاتبة النبي يخبره بقوة العدو، ويطلب المدد.

في هذا الموقف، حان دور عبد الله بن رواحة ليُعلي الهمم؛ وكان صادقًا بطلب لقاء ربه؛ وقال: يا قوم، والله، إن التى تكرهون للتى خرجتم تطلبون: إنها الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد، ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هى إحدى الحسنيين، إما ظهور (نصر) وإما شهادة".

وهنا تحمس الناس، وتقدموا، وأنشد ابن رواحة أبياتًا في تأهب خيل الله يصفها بالنجوم لشدة بياض رأسها والتي لا تبارح أرض العدو عدوًا في سبيل الله فيتطاير غبار حوافرها ويختلط بصهيلها [ابن هشام، مصدر سابق، بتصرف]

وقد سمع زيد بن أرقم (وكان يتيمًا رباه ابن رواحة في كنفه) صاحبه ينشد وهما في الطريق للغزوة:

وجاء المسلمون وغادروني & بأرض الشام مشتهي الثواء

وردك كل ذي نسب قريب & إلى الرحمن منقطع الإخاء

هنالك لا أبالي طلع بعل & ولا نخل أسافلها رواء

(أي في أرض الشام أنتظر لقاء الرحمن مجاهدًا، وهناك لا أبالي أهل ولا صاحب ولا مطعم،بل أشتهي الموت) وقد بكى زيد لما سمع الأبيات، وعلم أن بقاء صاحبه قصير![ابن هشام، 2/377]

ساحة مؤتة.. الراية لا تسقط رغم الدماء!

مضى الناس حتى إذا كانوا على حدود البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب، بقرية مشارف ضمن البلقاء، وانحاز المسلمون لقرية مؤتة، وكان على الميمنة قطبة بن قتادة وعلى الميسرة عبادة بن مالك، رضي الله عنهما. [ابن هشام،سابق] .

إمارة زيد: اقتتل الفريقان؛ القلة المؤمنة والجمع الغفير المشرك، من عرب وعجم؛ فقاتل زيد بن حارثة ببسالة حاملًا الراية حتى فاضت روحه الطاهرة بين رماح العدو.

إمارة جعفر (الشهيد الطائر): اقتحم جعفر بن أبي طالب، ابن عم النبي، بين صفوف العدو، وجاء أنه عقر فرسه كي لا يفر، وقاتل ببسالة حتى قُتل؛ وقيل أن رجلًا روميا شقه نصفين، وكان بجسده نحو خمسين]

يا حبذا الجنة واقترابها & طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها& علي إن لاقيتها ضرابها

وجاء عنه أنه أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء .[ابن هشام، سابق]

إمارة ابن رواحة: حمل الراية من بعد جعفر، بعد استشهاده، وكان القتال قد احتدم والدماء والأشلاء تتطاير، فوجد ابن رواحة بعض التردد البشري في نفسه، فكلما تزداد سخونة القتال تشتد صعوبته، وهنا راح يثبتها ونزل الساحة وقاتل حتى قُتل، وكان ينشد قبل موته قائلا:

يا نفس إلا تقتلي تموتي & هذا حمام الموت قد صليت

وما تمنيت فقد أعطيت & إن تفعلي فعلهما هُديت (أي زيد وجعفر).

ابن الوليد .. شجاعة القتال والانسحاب

بعد استشهاد عبد الله بن رواحة، حمل الراية ثابت بن أقرم، ودعا القوم لاختيار قائد جديد، وحيَّد نفسه لأنه لم يجد بنفسه الجدارة لقيادة المسلمين.

وقد اختار الناس خالد بن الوليد رضي الله عنه، فحمل الراية وقاتل الروم، ولكنه اختار نجاة المسلمين بعد أن تبين له بحنكته كقائد مدرب أن فرص النصر متلاشية، وانحاز بهم تمهيدًا لانسحاب منظم، وأمرهم بالانصراف والعودة. [ابن هشام، مصدر سابق].

كان هم جيش الروم أن يرد المهاجمين، ولذلك اتجه إلى القواد، وجعلهم غايته، فقتلهم واحدًا بعد واحد، وكان هم جيش المؤمنين أن ينتصفوا لإخوانهم الذين فتنوا فى دينهم فقتلوا من الرومان مقتلة عظيمة، حتى قال خالد بن الوليد إنه أبدل فى يده السيوف (نحو تسعة)، ولم يبق إلا صفحة بيمينه؛ فكم يا ترى قد قتل بتلك الأسياف!! .[خاتم النبيين، محمد أبوزهرة، نقلا عن ابن كثير]

وساند انسحاب المسلمين، تفكك بجيش الروم نتيجة خشية بعد نصارى العرب فقد جاء أن إحدى الكاهنات من بني حدس، قد أنذرت قومها من خطر جيش المسلمين، حين علمت بإقبالهم، وكان بنو ثعلبة أحد بطون حدس من مثيري الحرب، وقد سمعوا وصفها للجيش وفيه: أنذركم قوما خزرًا ، ينظرون شزرًا ، ويقودون الخيل تترى ، ويهريقون دمًا عكرًا " فأخذوا بقولها واعتزلوا، وانصرف خالد بعد القتال بالمسلمين. [ابن هشام]

حزن المسلمين لانسحاب الجيش

جاء في بعض الروايات أن الناس اشتدت على الجيش حين عاد من المعركة قبل حسمها ووصفوهم بالفرار، بل وحثاهم بعض الصبية بالتراب ظنًا انهم جبنوا، فرفض النبي ذلك قائلًا أن لهم عودة قريبة إن شاء الله.[ابن هشام]

وفي ذلك المشهد قال أحد المقاتلين المسلمين وهو قيس اليعمري معتذرًا ومبررًا بأن الرمي لم يعد يفيد وقد تأسى بفعل خالد وهو من لم يكن له مثل في الشجاعة آنذاك، فقال:

فوالله لا تنفك نفسي تلومني & على موقفي والخيل قابعة قبل

إنشاد الدموع على مؤتة

وأنشد حسان بن ثابت شاعر الرسول وأحد الباكين على شهداء مؤتة والمسهدين ليلًا لفراقهم:

رأيت خيار المومنين تواردوا & شعوب وخلفا بعدهم يتأخر

فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا & بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر

وزيد وعبد الله حين تتابعوا & جميعا وأسباب المنية تخطر

غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم & إلى الموت ميمون النقيبة أزهر

أغر كضوء البدر من آل هاشم & أبي إذا سيم الظلامة مجسر

وقال كعب بن مالك أيضا واصفا لحالة الحزن السائدة بعد مؤتة:

وكأنما بين الجوانح والحشى & مما تأوبني شهاب مدخل

وجدا على النفر الذين تتابعوا & يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا

صلى الإله عليهم من فتية & وسقى عظامهم الغمام المسبل

النبوءة باستشهاد قادة مؤتة وبشارة الفتح!

لما انطلق الجيش، صعد النبي المنبر، وأمر أن ينادى للصلاة، وقال للمسلمين ناعيًا الشهداء قبل أن يأتي خبرهم وعيناه تذرفان دمعًا:« أخَذَ الرايةَ زيدٌ فأُصِيبَ ، ثم أَخَذَها جعفرٌ فأُصِيَب، ثم أخَذَ ابنُ رواحةَ فأُصِيبَ؛ حتى أخَذَها سيفٌ مِن سيوفِ الله ، حتى فَتَحَ اللهُ عليهم» .[رواه البخاري:7573].

وجاء أن النبي رفع سبابته ودعا لخالد : اللهم هو سيف من سيوفك فانصره - فيومئذ سمي سيف الله - . ثم قال : انفروا فامددوا إخوانكم ، ولا يتخلفن أحد» فنفر الناس في حر شديد .[رواه ابن حبان وحسنه الألباني]

وفي رواية أن النبي قال: "لقد رُفِعُوا إلى الجنةِ – فيما يرى النائمُ – على سررٍ من ذهبٍ ، فرأيتُ في سريرِ عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ ازورارًا (نقصا خفيفا) عن سريريْ صاحبيْهِ ، فقلتُ : ممَّ هذا ؟ فقيل لي : مَضَيَا ، وتردَّدَ عبدُ اللهِ بعضَ التردُّدِ ، ثم مضى" .[ابن هشام، مصدر سابق، وضعفه الألباني]

حزن الرسول على جعفر وتولي أبنائه

جاء عن الحبيب محمد أنه تفقد أهل جعفر بن أبي طالب، وكان قد أوحى الله له باستشهاده، فنزل عند أسماء بنت عميس زوجة جعفر، وقد عجنت لطعام بيتها وغسّلت بنيها ونظفتهم، فأمرها بأن تأتيه بولدي جعفر، فارتابت أسماء وجاءته بهما، فتشممهما النبي الرحيم وذرفت عيناه، فعلمت منه بأمر شهادة أبيهما، وراحت تصيح مع النساء حزنًا، فخرج الحبيب إلى أهله ووصاهم: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا ، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم(أي برحيله).[ابن هشام، مصدر سابق]

وجاء أيضا أن النبي دعا ولدي جعفر (محمد وعبدالله) بعد ثلاثة أيام من موته، ودعا بحلق شعريهما وتلطف معهما فقال أن الأول يشبه عمه أبي طالب والثاني يشبهه (أي النبي: خُلُقا وخِلقة) ثم دعا لهما: "اللَّهمَّ اخلُف جعفَرًا فى أَهلِهِ وبارِك لعبدِ اللَّهِ فى صَفقةِ يمينِه" وقال لأمهم الخائفة مصيرهما: "العَيلةَ تخافينَ عليْهنَّ وأنا وليُّهم فى الدُّنيا والآخِرَةِ" .[صحح الألباني على شرط مسلم، أحكام الجنائز 209]

وورد عن النبي نهيه أهل جعفر عن النياحة بعد موته، ولما جاءه مبعوثه يخبره أنهن أصررن على فعلتهن ثلاثًا ، قال: «فاحث في أفواههن من التراب» أي تهديد ليتوقفوا كراهية فعل ما يغضب الله[رواه البخاري:1299]

وكان لأسماء بنت عميس شِعرا فريدًا في رثاء جعفر ومنه تقول:

فاليت لا تنفك نفسي حزينة & عليك ولا ينفك جلدي أغبرا

فلله عينا من رأى مثله فتى & أكرّ وأحمى في الهياج وأصبرا

وقد تزوجها الصديق أبي بكر رضي الله عنه بعد انتهاء عدتها، لرعايتها وصبييها، وأنجبت له ولده محمدا، ثم تزوجها من بعده علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عملا بوصية النبي برعايتها وبنيها. [السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، أبي شهبة، 2/431]

نتائج معركة مؤتة

سلامة الجيش المسلم بغير هزيمة ولا نصر وانسحابه.

استشهاد نحو ثلاثة عشر مسلمًا، وعدد كبير جدًا من المشركين (مرجح أنه بلغ 3000) .

درس مؤتة .. بداية الفتح وليست هزيمة

كانت مؤتة بداية التمكين للمسلمين خارج الجزيرة العربية، وقد بشر النبي بالفتح للمسلمين بعدها وبعودة المسلمين أشد وأقوى حين اتهمهم البعض بالفرار؛ ولأهميتها والحشد لها اعتبرها البعض غزوة متكاملة وإن لم يخرج بقيادتها رسول الله.

وبالفعل فقد تبعتها معارك مؤزرة ومنها اليرموك، ولم تكن هزيمة كما تصور البعض؛ بدليل اتساع دائرة القتلى في المشركين وليس المسلمين.

وأظهرت المعركة إخلاص المقاتلين الصحابة لرسول الله في طلب الشهادة، وبينهم زيد وجعفر وابن رواحة وخالد الذي لاقى الروم وتكسرت بيده تسعة سيوف في قتلاهم فلم يجد ما يحارب به!

كما بدت رحمة الحبيب بأصحابه؛ وقد حزن لفراق الشهداء ولاطف ولدي جعفر ودعا لهما، وأمر أهله ببرهم حتى أن زوجة الشهيد ظلت في كنف أبي بكر ثم علي من بعده حماية لها.

وبدت نبوءته حين أخبر المسلمين بأمر الشهداء ووصف مقاتلهم كرأي العين.

ويستفاد من المعركة أن المسلم لا يطلب الموت إلا لتحقيق غاية أسمى؛ فصحيح أن المجاهدين أرادوا الشهادة وبينهم خالد بن الوليد، ولكنه لما أيقن بصعوبة النصر، اتخذ قرارا عمليًا بالانسحاب لحين إعداد العدة لملاقاة أهل الشرك؛ والذين أثبتوا أنهم عرب وعجم كانوا يخشون سيوف المسلمين.