معجزة شق القمر

معجزة شق القمر


انشقاق القمر

من الآيات العظيمة التي أيد الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - انشقاق القمر، قال الله تعالى: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} (3).

وقد أجمع المسلمون على أنها حدثت بمكة، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: انفلق القمرُ، ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصارت فلقةٌ من وراء الجبل، وفلقة من دونه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اشهدوا" (4). وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أنّ أهل مكة سألوا رسول

__________

(1) راجع: ابن عثيمين، الشرح الممتع على زاد المستقنع 2/ 6 ويرى الشيخ أن هذا غير الخمسين حسنة التي يضاعف بها أجر الأعمال (الحسنة بعشر أمثالها) أي الخمسين صلاة بخمسمئة حسنة.

(2) فتح الباري 7/ 218.

(3) سورة القمر، الآيات 1 - 3.

(4) أخرجه مسلم في صفة الجنة والنار ح (280).

الله - صلى الله عليه وسلم - أن يريهم آيةً، فأراهم القمر شقتين؛ حتى رأوا حراء بينهما (1).

فقالت قريشٌ: هذا سحر ابن أبي كبشة. فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السُّفار، فإِنّ محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلّهم، فجاء السُّفار. فقالوا: ذلك صحيح (2).

تعرضُه (صلى الله عليه وسلم) للقبائل في المواسم

وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على القبائل أيام الموسم، ويقول: "مَن رجل يحملني إِلى قومه؟ فيمنعني حتى أبلِّغ رسالة ربي، فإِنّ قريشًا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي" (3).

وكان يقول لهم: "يا أيّها الناسُ قولوا: لا إِله إِلَّا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتذِلُّ لكم بها العجمَ، فإِذا آمنتم، كنتم ملوكًا في الجنّة". وعمّه أبو لهب وراءه يقول للناس: (لا تطيعوه فإِنّه صابئ كذّاب) (4).

فكان أحياء العرب يتحامونه لما يسمعون من قريش عنه؛ إِنه كاذب، إِنه ساحر، إِنه كاهن، إِنه شاعر، أكاذيب يقذفونه بها من تلقاء أنفسهم، فيصغي إِليهم من لا تمييز له من أحياء العرب، وكان أكثرهم يردُّون عليه أقبح الردّ، ويؤذونه، ويقولون: (أسرتُك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتّبعوك).

وأما الألباء؛ فإِنهم إِذا سمعوا كلامَه وتفهموه، شهدوا بأنّ ما يقول حقٌ، وأنهم مفترون عليه، فيسلمون (5).

فانظر كيف السباق بين الحقّ والباطل؟ داعٍ يدعو إِلى الحق غير عابئ بسخرية

__________

(1) أخرجه البخاري في المناقب، باب انشقاق القمر ح (3868).

(2) الذهبي، السيرة النبوية (1/ 170).

(3) أخرجه أبو داوود في سننه، وصححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داوود ح 3960.

(4) الإِمام أحمد، المسند 25/ 404 ح 16023، 16025، 16024. وقال محققه: صحيح لغيره.

(5) انظر: طبقات ابن سعد (1/ 216، 217).

الساخرين، وجفاء الجافين، يريد أن يوصل الكلمة الطيّبة، ويبلغ رسالة ربّه، لا يسأم من صدودهم، ولا يضجر من أذاهم.

وداعٍ يدأب في تكذيب الحقّ، ويدور معه حيث دار، حريص على أحجاره التي يعبدها مع الله، حدِبٍ على سيادته التي أصبح رمزها هذه النصب والأصنام.

ولكن الباطل أحقر من أن يكتم صوت الحقّ، وأن يحول دون وصوله إِلى العقول الحرّة الأبيّة، فتخفق أرواحهم لدى سماعها، وتذعن أفئدتهم لصدق كلماتها.

حديث سويد بن الصامت وإِسلام إِياس بن معاذ:

كان سويد بن الصامت أخو بني عمرو بن عوف من الأوس، قد قدم مكة في السنة التاسعة من البعثة، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الإِسلام وتلى عليه القرآن، فلم يُبْعِدْ ولم يُجِبْ، وقال: إِن هذا القول حسن. ثم انصرف إِلى المدينة، فقُتِلَ في بعض حروبهم، وكان رجال من قومه ليقولون إِنا لنراه قد قتل وهو مسلم (1).

ثم قدم مكة في السنة العاشرة أبو الحيسر أنس بن رافع في فتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل، يطلبون الحِلْفَ لوقعة بُعاث التي وقعت بين الأوس والخزرج، فدعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى الإِسلام وتلى عليهم القرآن، فقال إِياس بن معاذ وكان شابًا حدثًا: يا قوم، هذا والله خيرٌ مما جئنا له، فضربه أبو الحيسر، وانتهره، فسكت، ثم لم يتم لهم الحلف، فانصرفوا إِلى بلادهم إِلى المدينة، ثم لم يلبث إِياس بن معاذ أن هلك. قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبّره ويحمده ويسبّحه حتى مات، وكانوا لا يشكّون أنه مات مسلمًا، وكان قد استشعر الإِسلام من ذلك المجلس حين سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما سمع، فيقال: إِن إِياس بن معاذ مات مسلمًا (2).

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 1/ 425 باسناد منقطع.

(2) المصدر نفسه 1/ 427، 428، وأخرجه أحمد في المسند 5/ 427 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 36: رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات وسنده حسن. وذكره الحافظ في الإصابة 1/ 102 وصححه.



كلمات دليلية: