معجزة الإسراء والمعراج 13373

معجزة الإسراء والمعراج


فصل في الإسراء

]

فَصْلٌ ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجَسَدِهِ -عَلَى الصَّحِيحِ -مِنَ الْمَسْجِدِ الحرام إلى البيت المقدس راكبا على البراق صحبة جبرائيل، فَنَزَلَ هُنَاكَ، وَصَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ إِمَامًا، وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بحلقة باب المسجد، وقيل: إنه نزل بيت لحم، ولا يصح عنه ذلك الْبَتَّةَ. ثُمَّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ لَهُ جبرائيل، ففتح لهما، فرأى هناك آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَرَحَّبَ بِهِ، وَأَقَرَّ بِنُبُوَّتِهِ، وَأَرَاهُ اللَّهُ أرواح السعداء من بنيه عَنْ يَمِينِهِ، وَأَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ. ثُمَّ عرج به إلى السماء الثانية، فرأى فيها يحيى وعيسى، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَرَأَى فيها يوسف، ثم إلى الرابعة، فرأى فيها إدريس، ثم إلى الخامسة، فلقي فيها هارون، ثم إلى السادسة، فرأى فيها موسى، فلما جاوزه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاما بعث بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يدخلها من أمتى. ثم إلى السابعة، فلقي فيها إبراهيم، ثم رفعت له سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، ثُمَّ رُفِعَ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُهُ، فَدَنَا مِنْهُ حَتَّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى (1) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعَ حَتَّى مَرَّ على موسى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: إِنَّ أمتك لا يطيقون ذلك، ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف

_________

(1) الآيات الواردة في (سورة النجم) صريحة في أن التدلي والدنو كان من جبريل عليه السلام كما قالت عائشة وابن مسعود، وليس من الله تعالى كما جاء في حديث شريك هذا الذي نقله المصنف عنه، وقد عد الحفاظ ذلك من جملة ما تفرد به شريك من شذواته ومنكراته، وانظر بسط ذلك في " الفتح " 13 / 402، 405.

لأمتك، فالتفت إلى جبريل يستشيره، فَأَشَارَ: أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ. فَعَلَا بِهِ جبرائيل حَتَّى أَتَى بِهِ الْجَبَّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ مكانه. هذا لفظ البخاري في " صحيحه ". وفي بعض الطرق: فوضع عنه عشرا، ثم نزل حَتَى مَرَّ بِمُوسَى، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ موسى وبين الله تبارك وتعالى حتى جعلها خمسا، فيأمره بالرجوع وسؤال التخفيف، قال: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ " فَلَمَّا بَعُدَ، نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي. وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمْ لَا؟ فَصَحَّ عَنِ ابن عباس أنه رآه، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَصَحَّ عَنْ عائشة وَابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَالَا: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] إنما هو جبرائيل، وَصَحَّ عَنْ أبي ذر أَنَّهُ سَأَلَهُ: هَلْ رأيت ربك؟ قال: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ أَيْ: حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رؤيته النور، كما في اللفظ الآخر: رأيت نورا. وحكى الدارمي اتفاق الصحابة أنه لم يره. قال شيخ الإسلام: وليس قول ابن عباس مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَلَا قَوْلُهُ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ. وَقَدْ صح عنه: رأيت ربي تبارك وتعالى لكن هذا في المدينة فِي مَنَامِهِ. وَعَلَى هَذَا بَنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فقال: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ ولا بد، ولم يقل: إنه رآه في يقظته، لكن مرة قال: رآه، ومرة قال: رآه بفؤاده، وحكيت عنه رواية مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وَهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى} [النِّجْمِ: 11] ثُمَّ قَالَ: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى} [النجم: 13] والظاهر أنه مستنده، فصح عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا المرئي جبرائيل، رآه في صورته مرتين، وقول ابن عباس هذا هو مستند أحمد في قوله: رآه بفؤاده. وأما قوله: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النجم: 8] فهذا غير الدنو والتدلي في قصة الإسراء، فالذي في القرآن جبرائيل كَمَا قَالَتْ عائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] إلى آخره. وأما " الدنو " و " التدلي " في الحديث، فهو صريح أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدليه (1) .

_________

(1) تقدم أن هذه من منكرات شريك وشذواته.

فلما أصبح صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ أَخْبَرَهُمْ، فاشتد تكذيبهم له، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَلَّاهُ الله حتى عاينه، وطفق يخبرهم عنه، ولا يستطيعون أن يردوا عليه، وأخبرهم عن عيرهم، في مسراه ورجوعه، وعن وقت قدومها، وعن البعير الذي يقدمها، فكان الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا نفورا. ونقل ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أَنَّهُمَا قَالَا: إنما كان الإسراء بروحه، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ به إلى مكة، وروحه لم تصعد، ولم يذهب، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ، وَالَّذِينَ قالوا: بروحه، لم يريدوا أنه كان مناما، وإنما أرادوا أن الروح عرج بها حقيقة، وباشرت منه جنس ما تباشر بعد المفارقة، لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتَّى يشق بطنه وهو حي لا يتألم، عرج بذات روحه حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إِمَاتَةٍ، وَمَنْ سِوَاهُ لَا تنال روحه ذلك إلا بعد الموت، فإن الأنبياء إنما استقرت أرواحهم في الرفيق الأعلى مع روحه، ومع هذا فلها إشراف على البدن بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وبهذا التعلق رأى موسى يصلي في قبره، ورآه في السماء. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ، ثم رد إليه، بل ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إِلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهَا، ومن كثف إدراكه عن هَذَا، فَلْيُنْظَرْ إِلَى الشَّمْسِ فِي عُلُوِّ مَحِلِّهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ وَحَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا، وشأن الروح فوق هذا.

فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَيْ ... سَنَا الشمس فاستغشي ظلام اللياليا

قال ابن عبد البر: كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ. انْتَهَى. وكان الإسراء مرة، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً يَقَظَةً، وَمَرَّةً مَنَامًا، وَأَرْبَابُ هذا كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك وغيره؛ لقوله فيه: ثم استيقظت وأنا في المسجد، وقوله فيه: وذلك قبل أن يوحى إليه (1) .

_________

(1) وهذا أيضا مما عده الحفاظ من منكرات شريك.

ومنهم من قال: ثلاث مرات. وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ من أرباب النقل، والصواب الذي عليه أئمة أهل النقل أن الإسراء كان مرة واحدة، ويا عجبا لهؤلاء كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين. وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ. وَلَمْ يَسْرُدِ الحديث، وأجاد رحمه الله.

[فَصْلٌ فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بين أوليائه وأعدائه]

فَصْلٌ

فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بها بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَجَعَلَهَا مَبْدَأً لِإِعْزَازِ دِينِهِ ونصرة رسوله قال الترمذي: حَدَّثَنِي محمد بن صالح، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عمران بْنِ قَتَادَةَ، ويزيد بن رومان، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوِّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا، ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ يَتَّبِعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ وَمَجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْأَلُ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً، وَيَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَا اللَّهُ، تفلحوا وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم، وإذا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ» . وأبو لهب وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ، فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ. فَيَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم أقبح الرد ويؤذونه، ويقولون: عشيرتك أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا» . قَالَ: وَكَانَ مِمَّنْ يُسَمَّى لَنَا من القبائل الذين عرض نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبُ بن خصفة، وَفَزَارَةُ، وَغَسَّانُ، وَمُرَّةُ، وَحَنِيفَةُ، وَسُلَيْمٌ، وَعَبْسٌ، وَبَنُو نضر، وَبَنُو الْبَكَّاءِ، وَكِنْدَةُ، وَكَلْبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ، وعذرة، والحضارمة، فلم يستجب منهم أحد. وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ أَنَّ الْأَوْسَ والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة أن نبيا سيخرج

في هذا الزمان، فَنَتَّبِعُهُ، وَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دون اليهود، فلما رأوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو الناس إلى الله، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ اليهود، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. وَكَانَ سويد بن الصامت مِنَ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يُبْعِدْ، وَلَمْ يُجِبْ، حَتَّى قَدِمَ أنس بن رافع في فتية مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ إياس بن معاذ وَكَانَ شابا: يَا قَوْمِ، هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْنَا له، فضربه أنس وَانْتَهَرَهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ لَهُمُ الْحِلْفُ فانصرفوا إلى المدينة. ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي الْمَوْسِمِ سِتَّةَ نفر في الأنصار، كلهم من الخزرج: أسعد بن زرارة، وجابر بن عبد الله بن رئاب، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر، فدعاهم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمُوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فدعوا الناس إلى الْإِسْلَامُ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ، جَاءَ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ السِّتَّةُ الْأُوَلُ خَلَا جَابِرِ، ومعهم معاذ بن الحارث أخو عوف، وذكوان بن عبد قيس، وقد أقام بمكة حتى هاجر، فهو مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، ويزيد بن ثعلبة، وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وعويمر بن مالك، قال أبو الزبير عَنْ جابر: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لبث عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الموسم ومجنة وعكاظ: «من يؤويني ومن يَنْصُرُنِي حَتَى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟» . فلا يجد أحدا، حتى إن الرجل ليرحل من مصر أَوِ الْيَمَنِ إِلَى ذِي رَحِمِهِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ، فيقولون: احذر غلام قريش. ويمشي بين رجالهم يدعوهم إلى الله وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرُّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، فاجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله يطرد في جبال مكة! فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدناه بيعة العقبة، فقال له العباس: ما أدري ما هؤلاء القوم، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، فَلَمَّا نَظَرَ العباس فِي وُجُوهِنَا قَالَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نبايعك؟

قال: «عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم فيه لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» . فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أسعد بن زرارة وهو أصغرهم، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ العرب كافة، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لكم عند الله. قالوا: أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا. فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فأخذ علينا يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم ابن أم مكتوم، ومصعب بن عمير يعلمان الناس القرآن، ويدعوان إلى الله، فنزلا على أسعد بن زرارة، وكان مصعب يؤمهم، وجمع بهم لما بلغو أَرْبَعِينَ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِمَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ أسيد بن حضير، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِمَا يَوْمَئِذٍ جَمِيعُ بني عبد الأشهل، إلا الأصيرم، تأخر إسلامه إلى يوم أحد، فأسلم حينئذ، وقاتل حتى قتل ولم يسجد لله سجدة، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عمل قليل، وأجر كثير» . وكثر الإسلام في المدينة وَظَهَرَ. ثُمَّ رَجَعَ مصعب إِلَى مَكَّةَ، وَوَافَى الموسم ذاك الْعَامَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ والمشركين، وزعيم القوم البراء بن معرور، فكانت بيعة العقبة، وكان أول من بايعه الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ، إذ أكد العقد وبادر إليه، وَاخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ منهم تلك الليلة اثنى عشر نقيبا، فلما تمت البيعة استأذنوه على أَنْ يَمِيلُوا عَلَى أَهْلِ الْعَقَبَةِ بِأَسْيَافِهِمْ، فَلَمْ يأذن لهم، وصرخ الشيطان على العقبة بأبعد صَوْتٍ سُمِعَ: يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ في محمد وَالصُّبَاةُ مَعَهُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَذَا أزب العقبة، أَمَا وَاللَّهِ يَا عَدُوَّ اللَّهِ لَأَتَفَرَّغَنَّ لَكَ» . ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفَضُّوا إِلَى رِحَالِهِمْ، فَلَمَّا أصبحوا غدت عليهم أشراف قريش، فقالوا: بَلَغَنَا أَنَّكُمْ لَقِيتُمْ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ وَوَاعَدْتُمُوهُ أَنْ تُبَايِعُوهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَيٌّ من العرب أبغض إلينا من أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم. فانبعث من هناك من المشركين يحلفون

بالله: ما كان هذا. وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل، وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هذا حتى يؤامروني. فرجعت قريش، ورحل البراء إِلَى بَطْنِ يَأْجَجَ، وَتَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وطلبتهم قريش، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يضربونه حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ، فَجَاءَ مطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية، فخلصاه منهم، وَتَشَاوَرَتِ الْأَنْصَارُ حِينَ فَقَدُوهُ أَنْ يَكِرُّوا إِلَيْهِ، فإذا هو قد طلع عليهم، فرحلوا جميعا. وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للمسلمين في الهجرة إِلَى الْمَدِينَةِ، فَبَادَرَ النَّاسُ إِلَى ذَلِكَ، فَكَانَ أول من خرج إليها أبو سلمة وامرأته، ولكنها احتبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها، ثم خرجت بعد بِوَلَدِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَشَيَّعَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طلحة. ثم خرج الناس أرسالا، ولم يبق بمكة إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأبو بكر وعلي -أَقَامَا بِأَمْرِهِ لَهُمَا - وَإِلَّا من احتبسه المشركون كرها، وأعد رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِهَازَهُ ينتظر متى يؤمر، وأعد أبو بكر جهازه. فَلَمَّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قد خرجوا وساقوا الذراري والأموال إلى المدينة، وأنها دار منعة وأهلها أهل بأس، خافوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إليهم، فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ، وحضرهم إبليس في صورة شيخ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، مُشْتَمِلٌ الصَّمَّاءَ فِي كِسَائِهِ، فأشار كل واحد برأي، والشيخ لا يرضاه، حتى قال أبو جهل: أرى أن تأخذوا من كل قبيلة غلاما جلدا، ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فلا تدري بنو عبد مناف ما تصنع بعد ذلك، ونسوق إليهم ديته. فقال الشيخ: هذا والله الرأي. فتفرقوا عليه، فجاءه جبريل فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أبي بكر نِصْفَ النَّهَارِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَقَنِّعًا، فَقَالَ لَهُ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ» ، فَقَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ» . فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: «نعم» . قال: فَخُذْ بِأَبِي وَأُمِّي إِحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بِالثَّمَنِ» . وَأَمَرَ عليا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ الليلة، واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير

الباب يريدون بَيَاتَهُ، وَيَأْتَمِرُونَ أَيُّهُمْ يَكُونُ أَشْقَاهَا، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَجَعَلَ يَذُرُّهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَهُوَ يَتْلُو: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [يس: 9] (1) . ومضى إِلَى بَيْتِ أبي بكر، فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فيه ليلا، وجاء رجل فرأى الْقَوْمَ بِبَابِهِ. فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالُوا: مُحَمًّدًا. قَالَ: خِبْتُمْ وَخَسِرْتُمْ، قَدْ وَاللَّهِ مَرَّ بِكُمْ، وذر على رءوسكم التراب. فقاموا ينفضون عن رءوسهم، فلما أصبحوا قام علي من الفراش، فسألوه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لي به. ثم مضى وأبو بكر إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، فَدَخَلَاهُ، وَضَرَبَ العنكبوت بيتا على بابه، وكانا قد استأجرا ابن أريقط الليثي، وكان هاديا ماهرا بالطريق وهو على دين قومه، وَأَمِنَاهُ عَلَى ذَلِكَ، وَسَلَّمَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ الغار بَعْدَ ثَلَاثٍ، وَجَدَّتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمَا، وَأَخَذُوا مَعَهُمُ الْقَافَةَ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْغَارِ فوقفوا عليه، وَكَانَ عامر بن فهيرة يَرْعَى عَلَيْهِمَا غَنَمًا لأبي بكر، ومكثا فيه ثلاثا حتى خمدت عنهما نار الطلب، ثم جاءهما ابن أريقط بِالرَّاحِلَتَيْنِ فَارْتَحَلَا، وَأَرْدَفَ أبو بكر عامر بن فهيرة، وَسَارَ الدَّلِيلُ أَمَامَهُمَا، وَعَيْنُ اللَّهِ تصحبهما، وإسعاده ينزلهما ويرحلهما. ولما أيس المشركون منهما جَعَلُوا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَجَدَّ النَّاسُ فِي الطَّلَبِ، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، فَلَمَّا مَرُّوا بِحَيِّ بَنِي مُدْلِجٍ مُصْعِدِينَ مِنْ قُدَيْدٍ، بَصُرَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنَ الحي، فقال لهم: لقد رأيت بِالسَّاحِلِ أَسْوِدَةً مَا أُرَاهَا إِلَّا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. ففطن سراقة، فأراد أن يكون له الظفر خَاصَّةً، وَقَدْ سَبَقَ لَهُ مِنَ الظَّفَرِ مَا لم يكن في حسابه، فقال: بل هما فُلَانٌ وَفُلَانٌ، خَرَجَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُمَا، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ، وقال لخادمه: اخرجي بِالْفَرَسِ مِنْ وَرَاءِ الْخِبَاءِ، وَمَوْعِدُكَ وَرَاءَ الْأَكَمَةِ، ثُمَّ أَخَذَ رُمْحَهُ وَخَفَضَ عَالِيَهُ يَخُطُّ بِهِ الْأَرْضَ حَتَّى رَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْهُمْ، وسمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، قال أبو بكر: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا سراقة قَدْ رَهَقَنَا. فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الأرض، فقال: قد علمت أن الذي

_________

(1) سورة يس، الآية: 9.

أَصَابَنِي بِدُعَائِكُمَا فَادْعُوَا اللَّهَ لِي، وَلَكُمَا عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ النَّاسَ عَنْكُمَا، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأطلق، وسأله أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا، فَكَتَبَ لَهُ أبو بكر بأمره في أديم، وكان معه إلى يوم فتح مكة، فجاء بالكتاب فوفى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: اليوم يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الزَّادَ وَالْحِمْلَانِ، فَقَالَا: لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ وَلَكِنْ عَمِّ عَنَّا الطَّلَبَ، فَقَالَ: قَدْ كُفِيتُمْ، وَرَجَعَ فَوَجَدَ النَّاسَ فِي الطَّلَبِ، فَجَعَلَ يَقُولُ: قَدِ اسْتَبْرَأْتُ لكم الخبر، فكان أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَيْهِمَا، وَآخِرَهُ حَارِسًا لَهُمَا، ثم مرا في مسيرهما ذلك بخيمتي أم معبد الخزاعية، ثم الكعبية، فسألوها الزاد، فلم يصيبوا عندها شيئا، وكانوا مسنتين، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى شاة في خيمتهم وسألها: «هل بها لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك إنما خلفها عن الغنم الجهد، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى، ودعا فتفاجت عليه ودرت، ودعا بإناء بيربص الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم، ثم غادره عندها، وارتحلوا عنها ثم قال: وأصبح صوت عاليا بمكة يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ:

جَزَى اللَّهُ رَبُّ الناس خَيْرَ جَزَائِهِ ... رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أم معبد

هما نزلا بالبر وارتحلا به ... فأفلح من أمسى رفيق محمد

فيالقصي مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ ... بِهِ مِنْ فَعَالٍ لا يجازى وسؤدد

سلوا أختكم عن شأنها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتحلبت ... له بصريح ضرة الشاة مزبد

نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مشهد

وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد

ترحل عن قوم فزالت عقولهم ... وحل على القوم بنور مجدد

هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد

ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد

ويهن بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ ... وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

قالت أسماء: مَا دَرَيْنَا أَيْنَ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ

الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ، والناس يتبعونه يسمعون صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَاهَا.

قالت أسماء: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ وَجْهَهُ إلى المدينة.

[فصل في قدوم النبي الْمَدِينَةِ]

فَصْلٌ وَبَلَغَ الْأَنْصَارَ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من مكة، فكانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ.

فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عشر ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر من نبوته خرجوا على عادتهم، فلما حميت الشَّمْسِ رَجَعُوا، وَصَعِدَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ شَأْنِهِ، فَرَأَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا بَنِي قَيْلَةَ هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ جَاءَ، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوه، وسمعت الوجبة وَالتَّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، فَتَلَقَّوْهُ وَحَيَّوْهُ بتحية النبوة، وأحدقوا بِهِ مُطِيفِينَ حَوْلَهُ، وَالسَّكِينَةُ تَغْشَاهُ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التَّحْرِيمِ: 4] (1) .

فَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَقِيلَ: عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ، وَالْأَوَّلُ أثبت، فأقام فيهم أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَأَسَّسَ مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ أُسِّسَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ رَكِبَ بِأَمْرِ اللَّهِ لَهُ، فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَجَمَعَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ رَكِبَ فَأَخَذُوا بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ: هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالسِّلَاحِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فإنها مأمورة» ، فلم تزل سَائِرَةً بِهِ لَا تَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا رَغِبُوا إِلَيْهِ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ» ، فَسَارَتْ حَتَّى وَصَلَتْ موضع مسجده اليوم فبركت وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا حَتَّى نَهَضَتْ، وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثم التفتت ورجعت في موضعها الأول فبركت، فَنَزَلَ عَنْهَا وَذَلِكَ فِي بَنِي النَّجَّارِ أَخْوَالِهِ.

وكان من توفيق

_________

(1) سورة التحريم، الآية: 4.

الله لها، فإنه أحب أن ينزل عليهم ليكرمهم بذلك، فجعلوا يكلمونه في النزول عليهم، وبادر أبو أيوب إلى راحلته فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ» ، وَجَاءَ أسعد بن زرارة، فأخذ ناقته فكانت عنده، وأصبح كما قال قيس بن صرمة الأنصاري - وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ يَتَحَفَّظُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ -:

ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجّةً ... يُذَكِّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيبًا مُوَاتِيَا

وَيَعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ ... فَلَمْ ير من يؤوي ولم ير واعيا

فَلَمَّا أَتَانَا وَاسْتَقَرَّتْ بِهِ النَّوَى ... وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا

وَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى ظُلَامَةَ ظَالِمٍ ... بَعِيدٍ وَلَا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا

بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ حِلِّ مَالِنَا ... وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى وَالتَّآسِيَا

نُعَادِي الَّذِي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا

وَنَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ ... وَأَنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَصْبَحَ هَادِيَا

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ، فَأُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: {وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الْإِسْرَاءِ: 80] (1) .

قَالَ قتادة: أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ وَنَبِيُّ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إِلَّا بِسُلْطَانٍ، فَسَأَلَ اللَّهَ سُلْطَانًا نَصِيرًا، وَأَرَاهُ اللَّهُ دَارَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: «أُرِيتُ دَارَ هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين» . قَالَ البراء: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم - مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار بن ياسر، وبلال، وسعد، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَأَيْتُ النَّاسَ فرحوا بشيء فرحهم بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ وَالْإِمَاءَ يَقُولُونَ: هذا رسول الله قد جاء.

فَأَقَامَ فِي مَنْزِلِ أبي أيوب حَتَّى بَنَى مسجده وحجره، وبعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي مَنْزِلِ أبي أيوب، خالد بن زيد، وأبا رافع وَأَعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ إِلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَا عَلَيْهِ بفاطمة، وأم كلثوم ابْنَتَيْهِ، وسودة زوجته، وأسامة بن زيد، وأم أيمن.

وأما زينب، فلم يمكنها زوجها

_________

(1) سورة الإسراء، الآية: 80.

أبو العاص مِنَ الْخُرُوجِ، وَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بكر معهم بعيال أبي بكر وفيهم عائشة، فَنَزَلُوا فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ.

[فَصْلٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ]

فَصْلٌ

فِي بِنَاءِ المسجد قال الزهري: بركت ناقته - صلى الله عليه وسلم - عند مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي فِيهِ رِجَالٌ من المسلمين، وكان مربدا ليتيمين في حجر أسعد بن زرارة، فساومهما فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالا: بل نهبه لك، فأبى حتى ابتاعه مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، وَكَانَ جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَقِبْلَتُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيُجَمِّعُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ فيه شجر غرقد وَنَخْلٌ، وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالقبور فنبشت، وبالنخل والشجر فقطع، وَصُفَّتْ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلَ طُولَهُ مِمَّا يلي القبلة مائة ذراع إلى مؤخره، وفي الجانبين مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ، وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا من ثلاثة أذرع، ثم بنوه باللبن، ورسول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْنِي مَعَهُمْ، وينقل اللبن والحجارة بنفسه وهو يقول:

اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ

وَكَانَ يَقُولُ:

هَذَا الْحِمَالُ لَا حمال خيبر ... هذا أبر ربنا وأطهره

وجعلوا يرتجزون وهم ينقلون اللبن، وجعل بعضهم يقول فِي رَجَزِهِ:

لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرَّسُولُ يَعْمَلُ ... لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلَّلُ

وَجَعَلَ قِبْلَتَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ بَابًا فِي مُؤَخَّرِهِ، وَبَابًا يُقَالُ لَهُ: بَابُ الرَّحْمَةِ، وَالْبَابُ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجعل عمده الجذوع وسقفه الجريد، وَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُسَقِّفُهُ؟ فَقَالَ: «لَا عَرِيشٌ كعريش موسى» ، وبنى بيوتا إلى جانبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجذوع والجريد، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْبِنَاءِ بَنَى بعائشة فِي البيت الذي بناه لها شرقي المسجد، وجعل لسودة بيتا آخر.

ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار على المواساة، ويتوارثون بعد الموت إلى وقعة بدر، فلما نزلت

{وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأحزاب: 6] (1) الآية رد التوارث إلى الرحم وقيل: إنه آخى بين المهاجرين ثانية، واتخذ عليا أخا، والثابت الأول. ولو كان ذلك، لكان أحق الناس بأخوته الصديق الذي قال فيه: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي» ، وهذه الأخوة وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً كَمَا قَالَ: «وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا، قَالُوا: أَلَسْنَا إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي، يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» ، فَلِلصِّدِّيقِ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا كَمَا لَهُ مِنَ الصُّحْبَةِ أعلى مراتبها، ووادع مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ الْيَهُودِ وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كتابا، وبادر حبرهم عبد الله بن سلام ودخل فِي الْإِسْلَامِ، وَأَبَى عَامَّتُهُمْ إِلَّا الْكُفْرَ، وَكَانُوا ثَلَاثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَحَارَبَهُ الثَّلَاثَةُ، فَمَنَّ عَلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَأَجْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَسَبَى ذُرِّيَّتَهُمْ، وَنَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ فِي بَنِي النَّضِيرِ، والأحزاب في بني قريظة.

وكان يصلي إلى بيت المقدس، وَقَالَ لِجِبْرِيلَ: وَدِدْتُ أَنْ يَصْرِفَ اللَّهُ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبْكَ وَاسْأَلْهُ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السماء يرجو ذلك، فأنزل اللَّهُ عَلَيْهِ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] (2) الآية، وَذَلِكَ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ المدينة قبل بدر بشهرين، وكان في ذلك حِكَمٌ عَظِيمَةٌ، وَمِحْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ، فأما المسلمون، فقالوا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عِمْرَانَ: 7] وَهُمُ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ، وَلَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ، فَقَالُوا: كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا يُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دِينِنَا وَمَا رَجَعَ إِلَيْهَا إِلَّا أَنَّهُ الْحَقُّ، وَأَمَّا اليهود، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري أَيْنَ يَتَوَجَّهُ إِنْ كَانَتِ الْأُولَى حَقًّا فَقَدْ تَرَكَهَا، وَإِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ هِيَ الْحَقَّ، فَقَدْ كَانَ عَلَى بَاطِلٍ. وَكَثُرَتْ أَقَاوِيلُ السُّفَهَاءِ مِنَ الناس، وكانت كما قال الله تعالى: {كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى} [البقرة: 143] (3) وكانت محنة من الله ليرى من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه،

_________

(1) سورة الأحزاب، الآية: 6.

(2) سورة البقرة، الآية: 144.

(3) سورة البقرة، الآية: 143.

ولما كان شأن القبلة عَظِيمًا وَطَّأَ سُبْحَانَهُ قَبْلَهَا أَمْرَ النَّسْخِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنَ الْمَنْسُوخِ أَوْ مثله، ثم عقبه بالتوبيخ لمن تعنت على رسوله، ولم ينقد له، ثم ذكر اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَشَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بأنهم ليسوا على شيء، وحذر عباده مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَاتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ به وقولهم: أن له ولد سبحانه وتعالى، ثم أخبر أنه له المشرق والمغرب، فأينما يُوَلِّي عِبَادُهُ وُجُوهَهُمْ فَثَمَّ وَجْهُهُ وَهُوَ الْوَاسِعُ العليم، فلعظمته وسعته وإحاطته أينما توجه الْعَبْدُ، فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَسْأَلُ رَسُولَهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ الَّذِينَ لا يتابعونه، ثم أخبره أن أهل الكتاب لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم، ثم ذكر أهل الكتاب نعمته عليهم، وخوفهم بأسه، ثم ذكر خليله باني بيته، وأثنى عليه، وأخبر أنه جعله إماما للناس، ثُمَّ ذَكَرَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَبِنَاءَ خَلِيلِهِ لَهُ، وفي ضمن هذا أن بانيه كما هو إمام الناس، فكذا الْبَيْتُ الَّذِي بَنَاهُ إِمَامٌ لَهُمْ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ هَذَا الْإِمَامِ إِلَّا أَسْفَهُ النَّاسِ، ثُمَّ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يأتموا به، ويؤمنوا بما أنزل إليه وإلى النَّبِيِّينَ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى مَنْ قَالَ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى، وجعل هذا كله توطئة بين يدي تحويل القبلة، وأكد سبحانه الأمر مرة بعد مرة، وأمر به حيث كان رسوله ومن حيث خرج، وأخبر سبحانه أَنَّ الَّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم هو الذي هداهم لهذه القبلة، وأنها لهم وهم أهلها، لأنها أفضل القبل، وهم أفضل الْأُمَمِ، كَمَا اخْتَارَ لَهُمْ أَفْضَلَ الرُّسُلِ، وَأَفْضَلَ الْكُتُبِ وَأَخْرَجَهُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ، وَخَصَّهُمْ بِأَفْضَلِ الشَّرَائِعِ، وَمَنَحَهُمْ خَيْرَ الْأَخْلَاقِ، وَأَسْكَنَهُمْ خَيْرَ الْأَرْضِ، وَجَعَلَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرَ الْمَنَازِلِ، وَمَوْقِفَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ خَيْرَ الْمَوَاقِفِ، فَهُمْ عَلَى تَلٍّ عَالٍ وَالنَّاسُ تَحْتَهُمْ، فَسُبْحَانَ مَنْ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ حجة، ولكن الظالمين يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْحُجَجِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وَلَا يعارضون الملحدون الرسل إلا بها وبأمثالها.

وَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ عَلَى أَقْوَالِ الرَّسُولِ سِوَاهَا، فَحُجَّتُهُ مِنْ جِنْسِ حُجَجِ هَؤُلَاءِ، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وَلِيَهْدِيَهُمْ، ثم

ذكر



كلمات دليلية: