معجزة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة من كتاب رحمة الله للعالمين

معجزة الإسراء والمعراج وفرض الصلاة من كتاب رحمة الله للعالمين

اسم الكتاب:
رحمة الله للعالمين
المؤلف:
محمدحسن عبدالله

الإسراء والمعراج

]

ثم أُسريَ به إلى بيت المقدس ليلًا وعُرِج به إلى السماوات العُلى، وقبل الإسراء جاء جبريلُ ففرج صدره ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطستٍ ممتلئ حكمة وإيمانًا فأفرغه في صدره، ثم أطبقه، ثم أخذ بيده فَعُرِج به (1) وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم شُقَّ صدره ثلاث مرات، الأولى في بني سعد وهو صغير، والثانية عند البعثة فقال: (وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة كما أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوَّة، فالأول وقع فيه من الزيادة كما عند مسلم من حديث أنس: «فأخرج علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك»، وكان هذا في زمن الطفولية فنشأ على أكمل الأحوال، من

_________

(1) البخاري، برقم 349، ومسلم برقم 163.

العصمة من الشيطان، ثم وقع شق الصدر عند البعث زيادة في إكرامه؛ ليتلقى ما يُوحى إليه بقلبٍ قويٍّ في أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند العروج إلى السماء؛ ليتأهب للمناجاة، ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر في شرعه صلى الله عليه وسلم (1).

وصل ليلة الإسراء والمعراج إلى مكان يسمع فيه صريف الأقلام فوق السماء السابعة، وفرضت عليه الصلاة، وصلى بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ركعتين، ورجع قبل أن يصبح إلى مكة، واستمر في دعوته إلى التوحيد، وصلَّى في مكة قبل الهجرة ثلاث سنين، ولما اشتد الأذى من قريش، وأكمل ثلاثة عشر عامًا في دعوته قومه إلى التوحيد، أَذِنَ الله له بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، وفرضت عليه فيها بقية شرائع الإسلام خلال

_________

(1) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، 7/ 204 - 205.

عشر سنواتٍ، كما تقدم، وسيأتي إتمام الكلام في صبره صلى الله عليه وسلم على أذى قومه، وفي غزواته، وجهاده، وحجِّه حجة الوداع، ورجوعه إلى المدينة، ثم موته بعد أن كمَّل الله به الدين صلى الله عليه وسلم (1).

_________

(1) انظر: زاد المعاد لابن القيم، 1/ 71 - 135، والبداية والنهاية لابن كثير، 3/ 353 - 563، والفصول في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لابن كثير، ص91 - 330، وتهذيب الأسماء واللغات للنووي، 1/ 22 - 33.

المبحث الثالث

صفاته الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة صلى الله عليه وسلم

[من صفاته الخَلْقيَّة صلى الله عليه وسلم]

كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خَلْقًا وخُلُقًا، وألينهم كفًّا، وأطيبهم ريحًا، وأكملهم عقلًا، وأحسنهم عشرة، وأعلمهم بالله وأشدهم له خشية (1) وأشجع الناس، وأكرم الناس، وأحسنهم قضاء، وأسمحهم معاملة، وأكثرهم اجتهادًا في طاعة ربه، وأصبرهم وأقواهم تحمُّلًا، وأخشعهم لله قلبًا، وأرحمهم بعباد الله تعالى، وأشدهم حياء، ولا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها؛ ولكنه إذا انتُهِكت حرمات الله، فإنه ينتقم لله تعالى، وإذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، والشريف وغيره عنده في الحق سواء، وما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن لم يشتهه تركه، ويأكل من

_________

(1) ولهذا قال عبد الله بن الشَّخِّير: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي ولجوفه أزيزٌ كأزيز المِرجل من البكاء، أبو داود برقم 904، وصححه الألباني في مختصر الشمائل برقم 276, ومعنى: أزير المرجل: أي غليان القدر.

الطعام المباح ما تيسر ولا يتكلف في ذلك، ويقبل الهدية ويكافئ عليها، ولا يقبل الصدقة، ويخصف نعليه ويرقع ثوبه، ويخدم في مهنة أهله، ويحلِبُ شاته، ويخدِمُ نفسه، وكان أشد الناس تواضعًا، ويجيب الداعي: من غني أو فقير، أو دنيء أو شريف، وكان يحب المساكين ويشهد جنائزهم ويعود مرضاهم، ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لِمُلْكِهِ، وكان يركب الفرس، والبعير، والحمار، والبغلة، ويردف خلفه، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه (1). وخاتمه فضة وفصه منه، يلبسه في خنصره الأيمن وربما لبسه في الأيسر، وكان يعصب على بطنه الحجر من الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض، ولكنه اختار الآخرة.

[من صفاته الخَلْقيَّة صلى الله عليه وسلم]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بالطويل البائن (2) ولا

_________

(1) أحمد 3/ 398، وابن ماجه برقم 246, والحاكم 4/ 481، وابن حبان موارد 2099 , وانظر: الأحاديث الصحيحة برقم 1557.

(2) البائن: أي ليس بالطويل الطول الظاهر.

بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق (1) ولا بالأدم (2) ولا بالجعد القطط (3) ولا بالسَّبط (4) صلى الله عليه وسلم (5) وكان ضخم القدمين حسن الوجه (6) أبيض مليح الوجه (7) وكان رجلًا مربوعًا بعيد ما بين المنكبين، عظيم شعر الجُمَّة إلى شحمتي أذنيه، وفي وقت إلى منكبيه، وفي وقوتٍ إلى نصف أذنيه، كث اللحية، شثن الكفين والقدمين (8) ضخم الرأس، ضخم الكراديس (9) طويل المَسْربة (10) إذ مشى تكفَّأَ تكفؤًا كأنما ينحط من صببٍ (11) لم يُرَ قبله

_________

(1) الأمهق: أي ليس بالأبيض شديد البياض، وإنما أبيض مشرب بالحمرة.

(2) الأدم: الأسمر.

(3) القطط: الشعر فيه التواء وانقباض.

(4) السبط: الشعر المسترسل.

(5) مختصر شمائل، الترمذي برقم 1، وصححه الألباني. وهو في البخاري برقم 3549.

(6) البخاري، برقم 5908.

(7) مسلم، برقم 2340.

(8) عظيم الأصابع غليظها من الكفين والقدمين.

(9) الكراديس: رؤوس العظام.

(10) المَسرَبة: الشعر الدقيق الذي يبدأ من الصدر وينتهي بالسرة.

(11) الصبب: انخفاض من الأرض.

ولا بعده مثله، وكان عظيم الفم، طويل شِق العين، قليل لحم العقب، منظره أحسن من منظر القمر، وجهه مثل القمر، وخاتم النبوة بين كتفيه: غدَّة حمراء مثل بيضة الحمامة، وقيل: الخاتم شعرات مجتمعات بين كتفيه، وكان يفرق رأسه، ويدَّهن، ويعفي لحيته ولا يأخذ منها شيئًا، ويُسرِّحها، ويأمر بتوفيرها وإيفائها، وإعفائها، وكان يأمر بالاكتحال بالإثمد عند النوم، ويقول: «عليكم بالإثمد عند النوم؛ فإنه يجلو البصر ويُنبت الشعر» (1). وقال: «إن خير أكحالكم الإثمد، يجلو البصر، ويُنبت الشعر» (2)

وكان قليل الشَّيب في رأسه وفي لحيته إذا ادَّهن لم يُرَ شيبه، وإذا لم يدَّهن رُؤي منه شيء، كان شيبه نحوًا من عشرين شيبة بيضاء، وكان يقول: «شيَّبتني هود وأخواتها»، وفي لفظ: «شيَّبتني: هود، والواقعة،

_________

(1) الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 43، ص45.

(2) الترمذي في الشمائل، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، برقم 44، ص45 ..

والمرسلات، وعمَّ يتساءلون، وإذا الشمس كُوِّرت» (1) وشَيْبُهُ أحمر مخضوبًا، وكان يُحبُّ لبس القميص، والحَبِرَة (2) وكان يلبس العمامة، والإزار، وإزاره إلى نصف ساقه (3) وكان يحب الطيب، ويقول: «طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه» (4).

[


ملف pdf

كلمات دليلية: