مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام. _19953

مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام.


الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام

«قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى «كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا «نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً «وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ «دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا «اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.»

(القرآن الكريم، السورة 3، الآية 64)

والحق ان الحوادث التي تلت صلح الحديبية أثبتت إثباتا لا لبس فيه ان ذلك الصلح كان ايذانا بانتصار الاسلام. لقد تعاظمت قوّة الاسلام العددية أضعافا مضاعفة. وانضوى، الآن، تحت راية الاسلام فاتحون مشهورون- من مثل خالد بن الوليد وعمرو بن العاص- كانوا في يوم من الايام فخر قوّات العدوّ. وهكذا حقّق

السلم ما عجز عن تحقيقه أيّ نصر في ساحة القتال، مهما عظم.

ولقد اعتبره الرسول بشيرا بمنجزات رائعة، وعدّل برنامج نشاطاته وفق ذلك. فلم يكد يرجع من الحديبية حتى دعا المسلمين كلهم إلى اجتماع عام، وأوضح لهم ان الاسلام قد جاء رحمة للناس كافة.

وان الوقت قد حان لحمل رسالة الاسلام إلى كل حدب وصوب، إلى ملوك الممالك المجاورة: قيصر رومة، وكسرى فارس، وعزيز مصر، ونجاشيّ الحبشة، وبعض الزعماء العرب، ودعوتهم إلى الدخول في دين الله. ومن هذه الرسائل لم يكتشف في الفترة الأخيرة غير تلك التي وجّهت إلى المقوقس، ملك مصر، محفوظة في نصها الاصلي حتى يوم الناس هذا. وتقول الرواية أيضا ان المقوقس عني بصيانة الرسالة ضمن علبة حليّ نفيسة. ولقد نشر اليوم نصّها الاصلي، فاذا به ينطبق انطباقا حرفيا على ما أوردته الرواية.

والحق ان المقوقس رحب بموفد الرسول ترحيبا عظيما، وأرسل إلى الرسول أيضا بعض الهدايا، على الرغم من انه لم يدخل في الدين الجديد. وقد اشتملت تلك الهدايا على بغلة [بيضاء] يركبها الرسول شخصيا، وعلى جاريتين اثنتين تزوّج الرسول احداهما، واسمها مارية، وبذلك ارتقت من وضع جارية مملوكة إلى مرتبة ملكة. أما الجارية الأخرى، [وتدعى سيرين] ، فقد [أهداها الرسول] إلى حسان [بن ثابت] الشاعر فتزوّجها.

وبعث الرسول دحية [بن خليفة] الكلبي بكتاب إلى قيصر الروم.

واتفق أن كان ابو سفيان آنذاك في الشام بعد أن ساق قافلته التجارية إلى هناك. فاستدعاه قيصر إلى بلاطه، وسأله عن الرسول. وفي الجواب عن مختلف الاسئلة التي وجّهت إلى ابي سفيان شهد، برغم انه كان لا يزال عدوا للاسلام لدودا، بصدق الرسول واستقامته.

لقد قال إن الرسول يتحدّر من اسرة عريقة، وان أتباعه يتعاظم

عددهم يوما بعد يوم، وان كذبة واحدة لم تندّ من بين شفتيه في يوم من الايام، وأنه لم ينقض قط عهدا أو وعدا. وأنه ما تبعه أحد ثم تزعزع ايمانه وفارقه. كانت تعاليمه، باختصار، قوامها عبادة اله واحد، وعدم الاشراك به، والصلاة، والتقوى. وقول الصدق، والاحسان إلى الانسباء والجيران وكل فرد من افراد البشرية كافة.

وتأثر القيصر تأثرا عظيما بما أورده ابو سفيان، وهو عدوّ من أعداء الاسلام. وكان قد رأى أيضا رؤيا ذات مغزى، متصلة بهذه المسألة. وهكذا جمع بطاركته وحاول ان يقنعهم بتبنّي رأيه في الاسلام، باذلا جهده لحملهم على الاعتقاد بأن هذا التبنّي سوف يعود عليهم بالخير. حتى إذا وجد انهم كارهون، جميعا، لفكرة التخلي عن عقيدتهم القديمة هدّأ من غيظهم بأن أكّد لهم انه إنما قال ما قال ليختبر صلابتهم في دينهم ليس غير. وواضح انه لم يكن في طوقه ان يثير الكنيسة كلها عليه. وهكذا لم يعلن اسلامه جهارا، ومات وهو على تلك الحال نفسها.

واشتملت الرسالة الموجهة إلى كسرى، هي والرسائل الأخرى، على الآية التي توجّنا بها هذا الفصل. إنها تدعو أهل الكتاب إلى قبول ما هو مشترك بين عقيدتهم وبين الاسلام: أن لا يعبدوا إلا الله، وان لا يشركوا به شيئا، وأن لا يؤلهوا رجالا مثلهم. والواقع ان الآية تلفت الانتباه إلى مبدأ لو اصطنع اليوم اذن لوضع حدا لجميع المنازعات الدينية، صاهرا مختلف الانظمة في دين كونيّ واحد، وصاهرا البشرية كلها في اخوّة كليّة واحدة. إنه يقرّر، ابتغاء ازالة الفروق جميعا، ان كل ما هو مشترك بين جميع الأديان يجب أن يقبله الجميع، كأساس يبدأ به، ثم تشاد فوق هذا الأساس جميع التفاصيل الدينية المتاخمة مع هذه الحقيقة الأساسية. وهكذا تستطيع أديان العالم كلها ان تتلاقى على أرض مشتركة وتسوّي خلافاتها

بطريقة حبّية. والواقع ان فكرة الدين الانتقائي التي انبثقت مؤخرا تنسجم مع الحقيقة نفسها التي دعا اليها الاسلام منذ. ثلاثة عشر قرنا.

وحمل عبد الله بن حذافة [السّهميّ] الرسالة إلى كسرى. وكانت مستهلّة بهذه الكلمات: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ... »

وكان كسرى لا يطيق ان يرى اسم ايما امرئ يذكر قبل اسمه.

فاستشاط غضبا إذ رأى اسم محمد مقدّما على اسمه هو. فأساء الحديث عن الرسول، ومزّق الكتاب إربا إربا. وفي سورة غضبه هذه كتب إلى عامله على اليمن يأمره بأن [يبعث اليه برأس هذا الرجل الذي بالحجاز] . فلم يكن من العامل- وكان اسمه بازان- إلا ان بعث رجلين إلى المدينة لهذا الغرض. إن العرب لم يكن لهم، في أعين اولئك القوم، كبير شأن، وكان من غير النادر أن يعمد جنودهم إلى اعتقال أيما رجل من العرب. حتى إذا وصل هذان الرجلان إلى المدينة قال [احدهما للرسول ان شاهنشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى بازان يأمره أن يبعث اليك من يأتيه بك وقد بعثني اليك لتنطلق معي، وقالا قولا يرشح بالوعيد] ، وكم كانت دهشتهما عندما قال لهما الرسول ان ملكهما، كسرى، نفسه لم يعد على قيد الحياة. فانقلبا عائدين، واستبدّ بهما الأسى إذ علما انه ليلة نطق الرسول بهذه الكلمات قتل كسرى بيد ابنه [شيرويه] . وأفضت هذه الحادثة إلى إسلام العامل. وكذلك خلعت اليمن نير الامبراطورية الفارسية، وما لبثت هذه الامبراطورية نفسها أن تفسّخت وتجزأت.

أما نجاشيّ الحبشة فلم يكد يتلقى رسالة الرسول حتى دخل في دين الله على يد جعفر [بن ابي طالب] ، وهو مهاجر مسلم كان لا يزال في تلك الديار.

ومن بين الرسائل الموجهة إلى الزعماء العرب تجدر بنا الاشارة إلى

تلك التي وجّهت إلى شرحبيل بن عمرو [عامل هرقل] على بصرى الواقعة عند تخوم الشام. لقد قتل موفد الرسول، الحارث بن عمير، منتهكا بذلك أعراف الاخلاقية القبليّة كلها، وهو عمل كان بمثابة اعلان حرب على الاسلام، ولقد اعتبره المسلمون اعلانا للحرب فعلا.

وكان من الخطل ان يترك لشرحبيل متّسع من الوقت لحشد قواته والانقضاض على المسلمين. وهكذا جهّز جيش مؤلف من ثلاثة آلاف رجل للتوجه إلى العدو. واسندت قيادة هذا الجيش لزيد [بن حارثة] عتيق رسول الله، وهو مثل رائع على المساواة الاساسية بين البشر، تلك المساواة التي قرّرها الاسلام وأكّدها. لقد وضع المهاجرون القرشيون الفخورون والأنصار النبلاء كلهم تحت إمرة عبد رقيق.

ورافق الرسول الجيش حتى مكان يعرف ب «ثنيّة الوداع» . وكان شرحبيل قد حشد، في غضون ذلك، جيشا عظيما [تذهب بعض الروايات إلى ان عدده] بلغ مئة الف رجل. وكان القيصر أيضا يتأهب للحرب. والتقى الفريقان في مؤتة، التي دعيت المعركة باسمها.

فاستشهد زيد في الميدان، فخلفه في القيادة جعفر [بن ابي طالب] .

وقاتل جعفر قتال المستميت أيضا، ثم استشهد بعد أن أصيب بنحو من تسعين جرحا؛ عندئذ أخذ عبد الله بن رواحة الراية فقاتل حتى قتل.

وكان النبي هو الذي سمّى، مقدما، خلفاء زيد في القيادة، فقد كانت تلك عادته، يحدوه عليها رغبته في الاحتياط لكل طارئ. وبعد مصرع ابن رواحة اختار جند المسلمين خالد بن الوليد قائدا، فأظهر براعة عظيمة في إنقاذ جيشه الصغير، الذي كان هزيلا بالقياس إلى جموع العدوّ الضخمة. وإنما حدثت هذه المعركة في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة.

إن الظروف التي أحاطت بتوجيه هذه الرسائل إلى الملوك والامراء لتستحق شيئا من التأمل والاعتبار. فلو ان الرسول وجّهها بعد اخضاع

بلاد العرب برمتها إذن لكان في امكان الباحث أن يعتبرها اجراء أوحى به الطموح. ولكن ما الظروف التي كانت سائدة فعلا في تلك الآونة؟

كانت المدينة قد حوصرت قبل ذلك باثني عشر شهرا ليس غير، وكان ثمة امل ضئيل في نجاة نفس مسلمة واحدة. لقد كان المسلمون، حتى في ذلك الحين، أضعف من ان يشقوا طريقهم إلى مكة لأداء فريضة دينية هامة كالحج. وكان المشركون لا يزالون هم أصحاب السلطان، حتى لقد فرضوا شروط الصلح، منذ فترة يسيرة، على المسلمين. وفي كل ناحية من بلاد العرب كان الاسلام محاطا بالأعداء، وكان تناثر المسلمين ههنا وهناك لا يغيّر من الموقف إلا قليلا. ومع ذلك فأن ايمان الرسول بانتصار الاسلام النهائي لم يتزعزع لحظة واحدة، في وجه تلك الظروف الموئسة كلها. كان واثقا كل الثقة من ان الاسلام سوف يسود آخر الأمر، وكان في ميسوره أن يرى بعين بصيرته ذلك اليوم الذي سينير ضياؤه فيه كل زاوية من زوايا العالم.

إلى هذا الحد كان ايمانه بقوة الاسلام عميق الجذور. وان في هذا لدرسا نافعا لبعض مسلمي العصر الحاضر الضعيفي الثقة بامكان انتشار الاسلام في ديار الغرب، ذلك بأنهم يعتقدون بأنه ليس ثمة امبراطورية جبارة تسنده وتدعمه. إن الحق لا يعتمد، في بقائه وانتصاره، على القوة. إن له من القوة الذاتية ما يمكّنه من الصمود. وهذه النقطة جديرة أيضا باعتبار الناقد العادي للاسلام. أمن الممكن لدجال من الدجالين أن ينعم بمثل هذا الايمان الراسخ بنجاحه النهائي؟ إن على اولئك النزاعين إلى القول بأن هذه الرسائل الطموح مردّها إلى عقلية منحرفة أن يتأملوا قليلا في النجاح العظيم الذي حظي به الاسلام بعد سنوات معدودات انقضت على توجيهها. وإذا كانت هذه الوقائع تشير إلى أن محمدا لم يكن لا دجالا ولا معتوها فلم يبق اذن غير استنتاج واحد يفرض نفسه على الناقد النزيه- أعني انه كان رسولا من رسل

الله. إن هذه الرسائل لتثبت أيضا الحقيقة القائلة بأن الرسول اعتبر الاسلام، منذ البدء، دينا عالميا. إن النصرانية لم تدّع العالمية.

ويسوع نفسه لم يدّع مثل هذا الوضع. لقد قال، في وضوح، انه جاء لهداية خراف اسرائيل الضالة. بل لقد رفض أن يصلي على امرأة غير اسرائيلية. أما محمد، صلوات الله عليه، فقد أعلن على العكس منذ فجر بعثته بالذات، انه مرسل إلى البشر كافة. ولم تكن هذه دعوى فارغة. والحق أنه لم يدّخر وسعا لتحقيق هذا المثل الأعلى في حياته هو، فدعا مختلف الملوك إلى قبول الحق الذي جاء به الاسلام.

وإنما وجهت هذه الرسائل إلى الملوك في السنة السابعة للهجرة. وكانت كلها تحمل خاتم الرسول مع هذه الكلمات: «محمد رسول الله» .

وبعض الروايات تنصّ أيضا على الترتيب الذي نقشت به تلك الروايات على الخاتم. لقد جاءت في أعلاها كلمة «الله» ، وفي أدناها كلمة «محمد» ، وفي ما بينهما كلمة «رسول» . والرسالة التي وجّهت إلى المقوقس، والتي عثر عليها مؤخرا، تشهد على صحة الترتيب الذي وصفته الرواية.

وفي ختام هذه السنة نفسها، السابعة للهجرة، وفد الرسول على الكعبة حاجا، وفقا لأحكام صلح الحديبية. وفي تلك السنة نفسها، أيضا، رجع إلى المدينة سائر المهاجرين المسلمين في الحبشة.

الفصل الثاني والعشرون فتح مكّة

«قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، «يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ «الرَّاحِمِينَ.»

(القرآن الكريم، السورة 12، الآية 92)

بلغت اعتداآت قريش ذروتها. وكانت السنة الثامنة للهجرة تدنو من نهايتها. وكانت قد انقضت على إنفاذ صلح الحديبية سنتان اثنتان. وكان اقرار جوّ السلم قد أثبت صلاحه العظيم لنمو الاسلام.

فلم يعد في طوق قريش ان تنظر بنفس مطمئنة إلى قوة الاسلام المتعاظمة يوما بعد يوم. وأخيرا نقضت الصلح. وكانت قبيلة خزاعة قد افادت من حرية الاختيار التي منحها صلح الحديبية فدخلت في عهد المسلمين، على حين دخل أعداؤها التقليديون، بنو بكر، في عهد المكيين.

واتفق ان أغار بنو بكر، ذات ليلة، على خزاعة. فانتصرت قريش

لبني بكر. والتمست خزاعة مفزعا في الحرم، حيث يحظّر سفك الدماء- بحكم التقاليد العربية- تحظيرا صارما. ولكنهم لم ينجوا، حتى هناك، من عدوان المعتدين. لقد قتل عدد منهم كبير. ولم تكتف قريش بعدم صدّ حلفائها عن العدوان، بل ساعدتهم على ذلك منتهكة أحكام صلح الحديبية انتهاكا صريحا. وهكذا ذهب وفد من خزاعة ليستنصر الرسول، وفقا لأحكام التحالف. فبعث الرسول إلى قريش يخيّرها قبول واحد من الشروط التالية: إما ان تدفع ديات من قتلوا من خزاعة، وإما ان تحلّ نفسها من عهد بني بكر، وإما ان تعلن ان صلح الحديبية أمسى لاغيا. فردّت قريش قائلة انها قبلت الشرط الأخير، برغم ان ابا سفيان حاول، في ما بعد، ان يبرّر هذه الخطوة الخاطلة التي خطاها قومه، وان يعتذر عنها. فقد أدرك ابو سفيان ان مثل هذا النقض الصارخ للصلح محفوف بخطر عظيم، ومن أجل ذلك وفد على المدينة لتجديد المعاهدة. بيد أن الرسول لم يغفل عن المكيدة، ذلك أن أبا سفيان أصمّ اذنيه دون المطالب الاسلامية كلها.

ومن ثم رفض الرسول تجديد المعاهدة، فتعيّن على ابي سفيان ان ينقلب إلى مكة خائب الرجاء.

وهكذا اتخذ الرسول الاستعدادات الضرورية لفتح مكة، داعيا إلى ذلك جميع القبائل المتحالفة مع المسلمين. كانت قريش قد اضطهدت المسلمين طوال احدى وعشرين سنة. وكانت قد غزت المدينة، ثلاث مرات، للقضاء على الاسلام والمسلمين. فلا عجب إذا ما خيّل للمرء، إذ يرى إلى هذه الاستعدادات، أن الظالمين سوف يعاقبون على جرائمهم عقوبة عادلة. ولقد كان جد طبيعي ان يتوقع المرء أن يعمد الرسول، الآن، إلى مناقشة من ارتكبوا جرائم وحشية ضد الاسلام، الحساب. [وبينما الجيش الاسلامي على أهبة السير] كتب رجل مسلم [اسمه حاطب بن أبي بلتعة] ، بسبب من قلقه على انسبائه

في مكة، كتابا أعطاه [امرأة تسمى سارة] وأسرّ اليها بأن تبلّغه قريشا ليقفوا على ما أعد المسلمون لهم من غزو. ولو قد وصل الكتاب إلى أيدي المكيين اذن لعمدوا هم أيضا إلى اتخاذ الاستعدادات الضرورية لمقاومة المسلمين. ولكن حكمة الله شاءت ان يتم هذا الفتح العظيم من غير اراقة دم البتة. فقد احيط الرسول بكتاب حاطب خبرا. فسارع فبعث [عليّ بن ابي طالب والزبير بن العوام] لاعتقال حاملته، فأدركاها وردّاها والكتاب إلى المدينة. وكان في ذلك ما أثار ثائرة المسلمين على حاطب، الذي كان قد حاول ان يخون اخوانه في الدين. واعتقل حاطب وقدّم إلى النبي ليلقى جزاءه. ولكن الحكم عليه لم يصدر من شفتي ملك من ملوك الدنيا، أو قائد من القواد العسكريين، ولو قد صدر من أيهما اذن لقضى بقتل المجرم في الحال. لا، لم تكن الحملة حملة انتقام. لقد أريد بها أن تكون مثلا خالدا على العفو- العفو يجاد به على أعداء ألدّاء. فكيف يجوز أن يعامل حاطب، الذي كان دائما صديقا، غير هذه المعاملة؟

لقد قبل الرسول عذره، وعفا عنه.

وأخيرا سار الرسول، على رأس عشرة آلاف من أتباعه البررة، إلى مكة، في العاشر من رمضان، من السنة الثامنة للهجرة، وهكذا تحققت النبوءة التي انطلقت، قبل ألفي عام، من بين شفتي موسى:

«وأتى مع عشرة آلاف من القديسين.» (سفر التثنية 33: 2) .

وليس في التاريخ بعد الموسوي أيما حادثة أخرى تتحقق بها هذه الكلمات النبوئية. يا لها من ظاهرة اعجوبية! لقد كان عدد المسلمين عشرة آلاف مقاتل، وكانوا في الوقت نفسه كلهم «بررة» كما جاء في النبوءة. إن هدفهم في الحياة لم يكن بأية حال خوض غمار الحرب وسفك الدماء، ولكن اقامة قواعد البر ولو كلّفهم ذلك حياتهم.

وعسكروا في مرّ الظّهران، على مسيرة يوم من مكة. وأمروا جميعا

بأن يوقدوا النيران في كل معسكر. فخليق بذلك أن يبده قريشا بعظم قوة المسلمين العددية، وهكذا يتجنب محمد مقاومة قريش وما تستتبعه من إراقة دم. واستسلم المكيون من غير مقاومة.

ومن عجب أن أبرز القرشيين الذين مثلوا بين يدي الرسول كان ابا سفيان نفسه، زعيم المعارضة بعد أبي جهل. لقد بذل قصارى جهده، على نحو موصول، لإبادة الإسلام. أجل، لقد أذن لأبي سفيان، أكبر المسيئين للاسلام، في المثول بين يدي الرسول لكي يغفر له! لقد بدا ذلك امرا متعذرا جدا ولكن طبيعة الرسول الرحيمة لم تكن لتميّز بين الصديق والعدو. وهكذا عفا عن ابي سفيان.

لقد بدا- قبل سنة ونصف، عندما دعي إلى بلاط قيصر ليدلي برأيه في شخصية الرسول- وكأن نور الاسلام قد نفذ إلى قلبه. أما الآن، فقد كان في عجزه المطلق برغم قوته كلها، وبانتصار الاسلام النهائي برغم قلة موارده، وفوق ذلك كله في العفو الكريم الذي أسبغه الرسول عليه- كان في هذه الاعتبارات جميعا ما أقنعه بقوة الاسلام الفطرية. إن القلب الذي كان موصدا دون الاسلام طوال عشرين سنة كاملة انشرح الآن للحق، فاعتنق ابو سفيان الدين الجديد.

وراع أبا سفيان جبروت القوة الاسلامية، فانقلب إلى قومه مسرعا لكي ينبئهم بأن كل مقاومة للرسول عبث لا طائل تحته. ونقل اليهم في الوقت نفسه كلمة الرسول: «من دخل دار ابي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.» ولا ريب في ان النقاد الذين يصمون الاسلام بأنه دين انتشر بالسيف سوف يخيب فألهم حين يعلمون ان اعتناق الاسلام لم يشكّل جزآ من شروط هذا الامان. وأخيرا زحف الجيش الاسلامي على

المدينة، من كل جانب. وكان النبي قد جعل سعد بن عبادة [على أهل المدينة ليدخلوا مكة من جانبها الغربي] ، فلم يكد سعد هذا يمر بأبي سفيان حتى صاح: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة» فاغتاظ الرسول من ذلك، وأخذ الراية منه ودفعها إلى ابنه قيس لكي يجتنب اراقة الدماء. وكان على خالد [بن الوليد] ان يدخل مكة [من أسفلها] ، وكان يعتصم في ذلك الحي من أسفل مكة أشدّ قريش عداوة للاسلام، وهم الذين شاركوا في الحملة على خزاعة. وكان عكرمة بن ابي جهل يقيم مع هؤلاء. وعلى الرغم من الامان العام الممنوح لجميع المواطنين فقد أبي هؤلاء القوم على خالد ان يمرّ من غير مقاومة، فأمطروا جيشه بوابل من نبالهم. وهكذا اضطرّ خالد إلى ان يحمل عليهم. وقد قتل من قريش في هذه المناوشة ثلاثة عشر رجلا، في رواية، وثمانية وعشرون في رواية.

على حين لم يستشهد من المسلمين غير رجلين اثنين. وفي غضون ذلك كان الرسول قد انتهى إلى مرتفع من مرتفعات مكة فأسف وجزع لدن رأى سيوف خالد ورجاله تلتمع [في اسفل المدينة] . وصاح مغضبا يذكر أمره الصارم بأن لا يكون ثمة سفك دماء أياما كان السبب. ثم إنه دعا خالدا ليبرر ما أقدم عليه من تمرّد ظاهريّ، حتى إذا علم بما كان [قال ان الخيرة في ما اختاره الله.]

بعد ذلك تقدم الرسول نحو مكة، وطهر ذلك البيت المقدّس من جميع الأصنام. وكان كلما مسّ واحدا من تلك الاصنام بقضيب في يده يتلو هذه الآية القرآنية الكريمة التي نزلت عليه قبل ذلك بزمن طويل: «وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ، إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً.» * ولم تعرف منذ ذلك الحين قط ايما صورة أو ايما صنم

__________

(*) السورة 17، الآية 81.

سبيلا إلى جدران ذلك الحرم المكرّس لوحدانية الله. ثم ان الرسول استدار إلى «مقام ابراهيم» وصلى هناك. عندئذ دعي عثمان بن طلحة، سادن الكعبة، وفتحت أبواب البيت الحرام، فدخله الرسول وصلى في الناس هناك أيضا. ثم إنه أعاد المفتاح إلى عثمان قائلا ان سدانة الكعبة سوف تظل فيه وفي أبنائه من بعده [حتى يرث الله الارض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم.]

حتى إذا أتم الرسول ذلك القى خطبة أكد فيها وحدانية الله واخوّة البشر الشاملة. وبعد ذلك وجه الخطاب إلى وجوه قريش المجتمعين حوله. كانوا كلهم في وضع المذنب الجاني. فكم قد عذّبوا المسلمين ونكّلوا بهم! لقد بدا وكأن ثرى مكة نفسه كان متعطشا للدم الاسلامي.

وما كان أفظع الآلام التي أذاقوها المسلمين منتهكين في ذلك جميع النواميس الاخلاقية والتقليدية! إن مجرد ذكرى أشكال الاضطهاد الغريبة تلك ليوقع الرعدة في قلب المرء. ثم إن سلطانهم لم يكن مقصورا على ثرى مكة، بل لقد طاردوا المسلمين حيثما فروا بأنفسهم ملتمسين مفزعا.

لقد هاجموا المدينة مرة بعد مرة لكي يسحقوهم سحقا. إلى هذا الحد كانت جريمة المكيين الواقفين الآن موقف المتّهم بين يدي الرسول، شائنة مخزية. وكانوا بما تكشّفوا عنه من حقد، وانتقام، ومحق لحقوق الانسان الاساسية، وتنكيل بالابرياء يستحقون أقصى عقوبة من عقوبات العبرة نص عليها أكثر قوانين العالم رحمة. وكان ارأف ضرب من ضروب القصاص يقضي بقطع رؤوس زعمائهم الكبار، وسجن عدد من الآخرين لكي يكون في ذلك تحذير لسائرهم وعبرة لهم في المستقبل. كان ينبغي لقوتهم أن تسحق سحقا كاملا لكي يمسوا عاجزين عن إحداث أيما متاعب في المقبل من الأيام. إن أكثر الطرق تمدينا في مواجهة أمثال هذه الجرائم هي انزال عقوبة من عقوبات العبرة في فريق من المعتدين سواء أكانوا مذنبين فعلا أم لم

يكونوا، واخضاع سائرهم لعبودية كاملة. ولقد كانت هذه هي المعاملة التي عامل بها المنتصرون مغلوبيهم دائما وأبدا، وبالطريقة نفسها تعامل الشعوب المغلوبة، اليوم، في ظل أعرق الحكومات في المدينة. فقوية هي غريزة الانتقام في الطبيعة البشرية، وانها لنزاعة إلى الاستفحال والطغيان، وبخاصة حين يكون العدو تحت رحمة المرء المطلقة. عندئذ تتخطّى التخوم الاخلاقية كلها. ولكن قريشا كانت تؤمن ايمانا لا يتزعزع بما فطر عليه الرسول من طبيعة نبيلة رحيمة.

انهم لم يتوقعوا قط أن يلقوا على يديه أيما معاملة قاسية. ومن هنا لم يكد الرسول يسألهم: «يا معشر قريش، ما ترون اني فاعل بكم؟» حتى أجابوا: «خيرا، أخ كريم وابن اخ كريم!» . إنهم لم يكونوا غرباء عن كرم خلق الرسول. لقد كانوا على مثل اليقين من ان الشهامة، التي ميّزت شخصيته طوال اربعين سنة انقضت قبل جهره بالنبوّة، لم يتطرّق اليها أيما تغيير البتة. ولكن المعاملة التي أسبغها عليهم فاقت حتى ما كانوا يتوقعونه. لقد قال لهم: «لا تثريب عليكم اليوم.» يا لسموّ النفس! لقد أعفاهم حتى من اللوم على جرائمهم السوداء، بله العقوبة والقصاص. ليس هذا فحسب، بل إنه لم يطالبهم حتى بعهد يأخذونه على أنفسهم في ما يتصل بمسلكهم في المستقبل. وممتلكات المهاجرين المبعدين، التي كان المكيون قد استولوا عليها، لم تردّ اليهم. لقد طلب إلى المهاجرين أن يتنازلوا عن جميع حقوقهم السابقة. وحتى يوم دخل المسلمون مكة لم يتمالك عكرمة بن أبي جهل عن ايذائهم فهاجم سريّة خالد [بن الوليد] .

وإذ خشي العقوبة القاسية التي كان يعلم انه يستحقها فقد فرّ بنفسه حذر الموت. وفي حال من الأسى البالغ وفدت زوجته على الرسول، والتمست منه العفو عن زوجها. وإذ كانت رحمة الرسول لا تعرف حدودا فقد منح عكرمة، ذلك العدوّ اللدود، العفو أيضا. وأسبغ

الرسول رأفته السخية، كذلك، على وحشيّ قاتل حمزة، عمه الحبيب، وعلى هند التي مضغت كبده. وحتى هيّار- الذي آذى [زينب] بنت الرسول في طريقها من مكة إلى المدينة أذى بالغا [أفزعها فأجهضها] وأفضى آخر الامر إلى وفاتها- عفي عنه. والواقع ان تاريخ العالم ليعجز عن تزويدنا بنظير لهذا الصفح الكريم الذي أغدقه الرسول على أمثال اولئك المجرمين الكبار. إن الضرب على وتر المواعظ الداعية إلى الصفح والغفران لا يكلف المرء شيئا كثيرا، ولكن عفو المرء عن معذّبيه هو ليحتاج إلى قدر من الشهامة عظيم وبخاصة حين يكون اولئك المعذبون تحت رحمته. وهذا الانفساح في مدى العطف الانساني والعفو الكريم لا نقع عليه في حياة يسوع. فالحق ان يسوع لم تتح له الفرصة لممارسة فضيلة العفو، ذلك بأنه لم يكتسب في أيما يوم السلطة التي تمكّنه من الرد على مضطهديه.

لقد فتحت مكة، ولكن العفو العام الممنوح لأهل البلدة كان فتحا أعظم بكثير، فتحا وراء متناول اسلحة المسلمين. لقد أسر قلوب الناس. وحتى الأعداء الالداء، من طبقة ابي سفيان، سحرتهم الاخلاق الاسلامية. وأدى هذا المشهد الاخير من مشاهد الشهامة الاسلامية إلى تجريد المعارضة، على اختلاف ضروبها، من سلاحها.

لقد رأى المكيون بأمّ العين كيف تحققت آخر الأمر جميع تلك الوعود الالهية التي وعد بها المسلمون يوم كانوا لا يزالون يئنّون تحت وطأة تعذيب أعدائهم لهم. إن قوى المعارضة المشتركة عجزت عن إضعاف الاسلام. فكان في هذا برهان قاطع على عدالة القضية وصدقها، برهان أزال كل شك كامن في أفئدتهم. واليوم، والاسلام يجد نفسه كرة أخرى في غمرة أيام عصيبة، وقد عقد الأعداء عزمهم على إبادته، بل وقد اتحدت دول العالم كلها لمحوه من على وجه الارض، يبدو للمرء وكأن القوة الالهية سوف تتجلى من جديد، كفعلها في

الايام السالفة، بحيث تقنع العالم بأن الايدي البشرية أعجز من ان تسحق الحق الالهي. وبكلمة موجزة، لقد تلاشت المعارضة كلها.

ونفذت الحقيقة الاسلامية إلى أعماق قلوب المكيين. فانضووا تحت راية الاسلام زرافات زرافات. واستوى الرسول في مرتفع من جبل الصّفا ليتقبّل دخولهم في الجماعة الاسلامية. لقد أقبل الرجال يتبعهم النساء اللائي اعتنقن الدين الجديد بأعداد ضخمة. وإنما فعلوا كلهم ذلك على نحو تلقائيّ. فلم يكره أيّ منهم على اعتناق الاسلام بالقوة. وكان ثمة أيضا فريق لم ينشرح صدره للاسلام، ولكن أيما أذى، مهما ضؤل، لم ينزل بهم بسبب من ذلك. لقد تعلّقوا بأهداب عقيدتهم الوثنية الخاصة، ولكن المسلمين عاملوهم في إحسان بالغ. كانت تشدّهم إلى المسلمين صلات ودّ وصداقة، حتى لقد قاتلوا مع المسلمين كتفا إلى كتف عندما وقعت معركة حنين. وهكذا يعتبر فتح مكة دحضا قاطعا للتهمة القائلة بأن الاسلام لم ينتشر قط إلّا بالسيف، إذ هل كان في الامكان ان تنشأ لمثل هذا الادخال القسريّ في الدين فرصة خير من هذه الفرصة؟ فالواقع ان أيما حادثة من حوادث الإكراه لم تقع في تلك المناسبة. واليك اعتراف ميووير حول هذه النقطة:

«على الرغم من ان البلدة رحبت بسلطانه ترحيبا بهيجا، فلم يكن جميع سكانها قد اعتنقوا الدين الجديد، ولم يكونوا قد اعترفوا رسميا بصحة دعواه النبوئية. ولعله عقد العزم على ان يسلك ههنا ذلك النهج الذي سلكه في المدينة، ويدع الناس يدخلون في الاسلام، شيئا بعد شيء، من غير ما إكراه.»



كلمات دليلية: