مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام. _13108

مراسلة النبي صلى الله عليه وسلم الملوك يدعوهم إلى الإسلام.


الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام

أما كتابه فجمع كثير وجم غفير ذكرهم بعض المحدثين في تأليف له بديعة استوعب فيه جملا من أخبارهم ونبذا من سيرهم وآثارهم وصدر فيه بالخلفاء الأربعة بالكرام خواص حضرته عليه الصلاة والسلام

فأولهم في

__________

"الفصل السادس: في أمرائه"

ولاته الذين ولاهم على البلاد والقضاء والصدقات على ما يأتي بيانه "ورسله" جمع رسول، وهو المبعوث برسالة يؤديها "وكتابه" جمع كاتب، أي من كتب له لازم الكتابة أم لا "وكتبه" جمع كتاب لا بالفتح مصدر لاحتياجه لتقدير أمره بالكناية "إلى أهل الإسلام في" تعلقات "الشرائع" جمع شريعة "والأحكام" مساو، فالمراد، بهما الدين، "ومكاتباته" جمع مكاتبة "إلى الملوك وغيرهم من الأنام"، الإنس فقط وإن شمل الجن، أو كل ذي روح فليس مرادا وعبر بالمفاعلة؛ لأنه غالبهم كان يكتب له في مقابلة كتبه لهم، وأضافها له لكونه البادئ بها، أو المفاعلة غير مرادة والمراد الكتب.

"أما كتابه فجمع كثير وجم غفير" قدمهم في التفصيل مع أنه قدم في الترجمة الأمراء والرسل اهتماما بشأنهم، لكون الخلفاء منهم، "ذكرهم بعض المحدثين في تأليف له بديع استوعب فيه جملا من أخبارهم ونبذا" بضم النون ومعجمة "من سيرهم" أحوالهم الحميدة وآثارهم وصدر فيه بالخلفاء الأربعة الكرام خواص حضرته عليه الصلاة والسلام فأولهم في

التقدم أبو بكر الصديق رضي الله عنه،

__________

التقدم" في كل خير ومنه الإسلام ودخول الجنة "أبو بكر".

قال سالم بن أبي الجعد: قلت لمحمد ابن الحنفية لأي شيء قدم أبو بكر حتى لا يذكر فيهم غيره قال: لأنه كان أفضلهم إسلاما حين أسلم فلم يزل كذلك إلى أن قبضه الله تعالى.

أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة "الصديق رضي الله عنه".

روى الطبراني عن علي أنه كان يحلف أن الله أنزل اسم أبي بكر من السماء الصديق رجاله ثقات، وقال أبو يحيى: لا أحصي كم سمعت عليا يقول على المنبر أن الله عز وجل سمى أبا بكر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم صديقا.

أخرجه الدارقطني، قال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا بكر إن الله سماك الصديق"، رواه الديلمي، وقال صلى الله عليه وسلم: "أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي" رواه أبو داود والحاكم.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما طلعت الشمس، ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على أفضل من أبي بكر".

رواه أبو نعيم وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم: "تأتي الملائكة بأبي بكر مع النبيين والصديقين تزفه إلى الجنة زفا".

رواه الديلمي، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن إخوة الإسلام ومودته لا يبقين في المسجد بابا إلا سد إلا باب أبي بكر" رواه البخاري وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم: "أحب الناس إليَّ عائشة ومن الرجال أبوها" رواه الشيخان.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ليس أحد من الناس أمن عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر" وقال صلى الله عليه وسلم: "ما لأحد عندنا يد إلا كافأناه عليها ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة" رواه الترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس علينا منا أبو بكر زوجني ابنته وواساني بنفسه، وإن خير المسلمين مالا أبو بكر، أعتق منه بلالا، وحملني إلى دار الهجرة" رواه ابن عساكر، وقالت عائشة: أنفق أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم، رواه ابن حبان وعنها، لما مات أبو بكر ما ترك دينارا ولا درهما رواه الزبير بن بكار.

وقال صلى الله عليه وسلم: "الناس كلهم يحاسبون إلا أبا بكر" رواه الخطب.

قال صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي يوم القيامة" رواه أبو نعيم، وقالت حفصة: يا رسول الله إذا اعتللت قدمت أبا بكر، قال: "لست أنا الذي قدمته ولكن الله قدمه" رواه

وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وفي الإسلام عبد الله، وسمي بالصديق لتصديقه النبي صلى الله عليه وسلم،

__________

الطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم: "أتاني جبريل، فقال: إن الله أمرك أن تستشير أبا بكر" رواه تمام.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله يكره فوق سمائه أن يخطأ أبو بكر" رواه الطبراني، ولنمسك عنان القلم، فضائله لا تحصى، ومناقبه لا تستقصى، وقد أفردها العلماء بالتأليف.

قال في الإصابة: وهي في تاريخ ابن عساكر مجلد من ثمانين مجلدا، فهي قدر عشر ثمنه، قال: ولا نزاع في أنه المراد بقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} وهو من أعظم مناقبه، ولا يعترض بأنه لم يتعين؛ لأنه كان معه صلى الله عليه وسلم في الهجرة عامر بن فهيرة وعبد الله بن أبي بكر.

والدليل لأنه لم يصحبه في الغار سوى الصديق وأما ابنه وابن فهيرة فكانا يترددان مدة لبثهما في الغار ابنه ليخبرهما بما وقع بعدهما، وابن فهيرة بسبب ما يقوم بهما من لبن الشاة، قال: ومن أعظمها أيضا توارد ابن الدغنة على وصفة بمثل ما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث، فتواردا فيها على نعت واحد من غير أن يتواطأا على ذلك، وهذا غاية في مدحه؛ لأن صفاته صلى الله عليه وسلم منذ نشأ كانت أكمل الصفات، "وكان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة، وفي الإسلام عبد الله" فيما قيل، قال في الفتح، والمشهور ما جزم به البخاري أن اسمه عبد الله بن عثمان، ويقال كان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة انتهى.

وقد روى ابن عساكر عن عائشة: قال: اسم أبي بكر الذي سماه أهله عبد الله، ولكن غلب عليه اسم عتيق، "وسمي" من الله تعالى "الصديق لتصديقه" أول الناس "النبي صلى الله عليه وسلم" ولازم الصدق، فلم تقع منه هفوة ما، ولا وقفة في حال من الأحوال وقيل كان ابتداء تسميته بذلك صبيحة الإسراء، كما في الفتح.

وقال ابن إسحاق عن الحسن البصري وقتادة أول ما اشتهر به صبيحة الإسراء.

وروى الحاكم بإسناد جيد قلنا لعلي يا أمير المؤمنين أخبرنا عن أبي بكر، قال: ذاك امرؤ سماه الله تعالى الصديق على لسان جبريل وعلى لسان محمد، كان خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصلاة رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا، وقوله امرؤ، أي رجل، وتصحفت الهمزة في عبارة، فظنت هاء، فأحوجت من صحفت عليه إلى تقدير خبر، أي ظاهر معلوم، ثم لا منافاة بين الأحاديث المصرحة، بأن الله سماه الصديق وبين ما ذكره ابن مسدي إن صح أنه كان يلقب به في الجاهلية، لما عرف منه من الصدق؛ لأن الملهم لهم بذلك هو الله، ثم أنزله على لسان رسوله

وقيل إن الله صدقه، ويلقب عتيقا لجماله، أو لأنه ليس في نسبه ما يعب به، وقيل لأنه عتيق من النار.

ولي الخلافة سنتين ونصفا، وسنه سن المصطفى عليه الصلاة والسلام.

__________

بعد الإسلام، "وقيل" سمي بذلك لأجل "أن الله صدقه" نسبه للصدق قولا وفعلا في نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} [الليل: 5، 6] الآيات الدالة على الثناء عليه، فإنها نزلت فيه، لما اشترى سبعة من المعذبين في الله وأعتقهم، وروى ابن مردويه عن ابن عباس، قال نزلت: {رَبِّ أَوْزِعْنِي} [النمل: 19] الآية في أبي بكر فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعا، وإخوته وولده كلهم، ثم كأن المصنف مرضه بقيل؛ لأنه لم يرد صريحا، قال الله صدق أبو بكر، "ويلقب عتيقا" واختلف في أنه اسم له أصلي، كما في الفتح، وقيل سمي به أولا، ثم بعبد الله، كما في السبل.

قال النووي: والصواب الذي عليه كافة العلماء أنه لقب له "لجماله" من العتاقة، وهي الحسن والجمال، "أو لأنه ليس في نسبه ما يعاب به" أو لقدمه في الخير وسبقه إلى الإسلام، أو لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت: اللهم هذا عتيقك من الموت، "وقيل لأنه عتيق من النار" كما روى الترمذي والحاكم عن عائشة أن أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أنت عتيق الله من النار"، فسمي يومئذ عتيقا.

وروى البزار والطبراني، وصححه ابن حبان عن أبي الزبير، كان اسم أبي بكر عبد الله، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت عتيق والله من النار".

وروى أبو يعلى وابن سعد، وصححه الحاكم عن عائشة والله إني لفي بيتي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الفناء والستر بيني وبينهم إذ أقبل أبو بكر، فقال صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى عتيق من النار، فلينظر إلى أبي بكر"، وإن اسمه الذي سماه أهله عبد الله، فغلب عليه اسم عتيق، فقد علم أن هذا القول كان أولى بالتقديم، لا أن يحكى ممرضا، كما فعل المصنف، "ولي الخلافة" بعده صلى الله عليه وسلم فشيد الله به دعائم الدين، وخفض ما ارتفع من رءوس المنافقين، وجاهد المرتدين، كما أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنا سيف الإسلام، وأبو بكر سيف الردة"، ولقبه المسلمون خليفة رسول الله، وقيل له يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أحمد "سنتين ونصفا".

وفي فتح الباري سنتين وثلاثة أشهر وأياما، وقيل غير ذلك، ولم يختلفوا أنه استكمل عمر النبي صلى الله عليه وسلم فمات، وهو ابن ثلاث وستين انتهى، وهذا مراد المصنف بقوله: "وسنه سن المصطفى عليه الصلاة والسلام" على المشهور المعروف، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال له: أنا أكبر،

وتوفي مسموما:

وأسلم أبوه أبو قحافة يوم الفتح،

__________

أو أنت، قال: أنت أكبر وأنا أسن فوهم، كما قال: ابن عبد البر وغيره وإنما صح ذلك عن العباس.

وقد قالت: عائشة: تذاكر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ميلادهما عندي، فكان صلى الله عليه وسلم أكبر أخرجه ابن البرقي، "وتوفي مسموما".

روى ابن سعد عن الزهري أن أبا بكر والحارث بن كلدة أكلا خزيرة أهديت لأبي بكر، وكان الحارث طبيبا، فقال: ارفع يدك، فوالله إن فيها لسم سنة، فلم يزالا عليلين حتى ماتا عند انقضاء السنة في يوم واحد.

وروى الحاكم عن الشعبي: ماذا يتوقع من هذا الدنيا الدنية، وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسم أبو بكر.

وفي فتح الباري سمته يهودية في خزيرة، أو غيرها، وعند الزبير بن بكار أنه مات بمرض السل، وعن الواقدي اغتسل في يوم بارد، فحم خمسة عشر يوما انتهى، يشير إلى ما رواه الواقدي، والحاكم عن عائشة قالت: كان أول بدء مرض أبي بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة، وكان يوما باردا، فحم خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة، وتوفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وله ثلاثة وستون سنة، وكان أكل السم، وتعلل، ولكن لم ينقطع وحصل له منه السل، ثم في شهر وفاته اغتسل، فحم حتى مات، فجمع الله له هذه الأمراض زيادة في الزلفى ورفع الدرجات، وقالوا له: ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك، قال: قد نظر إليَّ، فقالوا ما، قال لك، قال: إني فعال، لما أريد رواه ابن سعد، وقالت عائشة: دخلت عليه، وهو في الموت، فقال: في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: يوم الاثنين، قال: أرجو ما بيني وبين الليل، فمات ليلة الثلاثاء ودفن قبل أن يصبح.

رواه أبو يعلى برجال الصحيح، وأحمد عنها، قال: إن مت من ليلتي، فلا تنظروا بي الغد، فإن أحب الأيام إلي، وأقربها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغلط من قال: مات في جمادى الأولى أو لليلة خلت من ربيع الأول، كما في الإصابة، والصحيح ما تقدم عن عائشة، كما في الفتح، "وأسلم أبوه أبو قحافة" بضم القاف ومهملة، فألف ففاء، فهاء تأنيث عثمان بن عامر، قال في الفتح: لم يختلف في اسمه، كما لم يختلف في كنية الصديق "يوم الفتح" لما دخل صلى الله عليه وسلم المسجد خرج أبو بكر، فجاء به يقوده، وقد كف بصره، فقال صلى الله عليه وسلم: "هلا تركت الشيخ في بيته

وتوفي بعد ولده في خلافة عمر، وأسلمت أمه أم الخير سلمى بنت صخر قديما في دار الأرقم.

وعمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى،

__________

حتى آتيه"، فقال: هو يمشي إليك يا رسول الله أحق أن تمشي إليه، وأجلسه بين يديه، ثم مسح على رأسه، فقال: "اسلم تسلم" فاسلم. رواه ابن إسحاق، وصححه ابن حبان من حديث أسماء، وروى أحمد عن أنس جاء أبو بكر بأبيه أبي قحافة يوم فتح مكة يحمله حتى وضعه بين يديه صلى الله عليه وسلم، فقال: "لو أقررت الشيخ في بيته لآتيناه تكرمة لأبي بكر"، فأسلم، فيحتمل أنه قاده، ثم حمله لعجزه، أو كثرة الزحام، وهو أول من ورث خليفة في الإسلام، "وتوفي بعد ولده في خلافه عمر" سنة أربع عشرة وله سبع وتسعون سنة، "وأسلمت أمه أم الخير سلمى بنت صخر" ابن مالك بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي فهي بنت عم أبيه "قديما في دار الأرقم" بن أبي الأرقم، المخزومي المسلم بعد عشرة، أو سبعة البدري، كانت داره على الصفا يجلس فيها صلى الله عليه وسلم أوائل الإسلام قالت عائشة: لما أسلم أبو بكر قام خطيبا، فدعا إلى الله ورسوله، فثار المشركون، فضربوه. الحديث وفيه قوله للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هذه أمي، فادع لها: وادعها إلى الإسلام، فدعا لها ودعاها فأسلمت، رواه ابن أبي عاصم، وهاجرت وماتت في خلافة عمر قبل أبي قحافة.

قال في الفتح: وذلك معدود في مناقب الصديق؛ لأنه انتظم له إسلام أبويه وجمع أولاده انتهى، وهذا وجه المصنف لأبويه رضي الله عنهم "وعمر بن الخطاب بن نفيل" بنون وفاء مصغر "ابن عبد العزى" بن رياح بكسر الراء بعدها تحتية، فألف فمهملة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف ابن رزاح براء مفتوحة، فزاي، فألف، فمهملة ابن عدي بن كعب بن لؤي أبو حفص القرشي العدوي، لقبه الفاروق باتفاق، قيل أول من لقبه به النبي صلى الله عليه وسلم رواه ابن أبي شيبة عنه، وأبو سعد عن عائشة، وقيل جبريل، رواه البغوي، وقيل أهل الكتاب.

رواه ابن سعد: ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان عند البعث شديدا على المسلمين، ثم أسلم بدعائه صلى الله عليه وسلم، فكان إسلامه فتحا على المؤمنين، وفرجا لهم من الضيق.

قال صلى الله عليه وسلم: "اتقوا غضب عمر، فإن الله يغضب إذا غضب"، وقال صلى الله عليه وسلم: "أصاب الله بك يابن الخطاب" رواهما أبو داود والحاكم، وغيرهما.

وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه " رواه أبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح، وقال صلى الله عليه وسلم: "يابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك" رواه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان لم يلق عمر منذ أسلم الآخر

استخلفه أبو بكر فأقام عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال، وقتله أبو لؤلؤه، فيروز غلام المغيرة بن شعبة.

__________

على وجهه" رواه الطبراني وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما في السماء ملك إلا وهو يوقر عمر، ولا في الأرض شيطان إلا وهو يفرق من عمر" رواه ابن عدي وأبو نعيم، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أبغض عمر، فقد أبغضني، ومن أحب عمر، فقد أحبني، وإن الله باهى عشية عرفة بالناس عامة، وباهى بعمر خاصة" رواه ابن عساكر، وقال صلى الله عليه وسلم: "لو كان بعدي نبي لكان عمر" أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، وابن حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر، والطبراني في الكبير من حديث عصمة بن مالك، وفي الأوسط من حديث أبي سعيد، وقال صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر، فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرا"، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله، رواه الشيخان وغيرهما، وعنه استأذنت رسول الله في العمرة، فأذن، وقال: "لا تنسنا يا أخي من دعائك".

وفي رواية "أشركنا في دعائك"، فقال: كلمة ما يسرني أن لي بها الدنيا، رواه أبو داود والترمذي.

وقال: حسن صحيح، وفضائله كثيرة وصلابته في الدين، وموافقاته شهيرة، "استخلفه أبو بكر، فأقام عشر سنين وستة أشهر وأربع ليال"، وفتح الأمصار العظيمة، وحج بالناس عشر حج متواليات واستجاب الله قوله، اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك، فساق له الشهادة بالمدينة المنورة، "وقتله" بعد أن أحرم بالصبح "أبو لؤلؤة فيروز" المجوسي "غلام المغيرة بن شعبة" الصحابي، كان استأذن عمر في إدخاله المدينة، وقال: إن عنده أعمالا ينتفع الناس به حداد نقاش نجار، فأذن له، فضرب عليه المغيرة، كل شهر مائة فشكا إلى عمر شدة الخراج، فقال: ما هو بكثير، في جنب ما تعمل، فانصرف ساخطا، وقال: وسع الناس عدله غيري، وأضمر على قتله، فصنع له خنجرا له رأسان وسمه فلما أحرم عمر بالصبح يغلس طعنه ثلاث طعنات، إحداهن تحت السرة، وهي التي قتلته ثم طار العلج لا يمر على أحد إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا مات منهم سبعة فطرح عليه رجل من المسلمين برنسا، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، صلى بالناس صلاة خفيفة بـ"إنا أعطيناك الكوثر" و"إذ جاء نصر الله" فقال عمر: يابن عباس انظر من قتلني، فجال ساعة، ثم جاء فأخبره، فقال: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعى الإسلام وكان ذلك لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين فعاش حتى انسلخ الشهر، فمات وغسله ابنه عبد الله، وحمل على سرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلى عليه صهيب، ودفن هلال

وعثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أميمة، وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا وثلاثة عشر يوما، ثم قتل يوم الدار شهيدا.

__________

المحرم وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، وهو قول الجمهور، "وعثمان بن عفان بن أبي العاصي بن أمية" بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، أمير المؤمنين ذو النورين لتزوجه بنتي المصطفى.

قال المهلب بن أبي صفرة: لم يعلم أحد تزوج ابنتي نبي غيره، وقيل لأنه كان يختم القرآن في الوتر، فالقرآن نور، وقيام الليل نور، وقيل لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين.

وروى خيثمة في الفضائل والدارقطني في الأفراد أن عليا ذكر له عثمان، فقال: ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين، وقال صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي رفيق، ورفيقي في الجنة عثمان" رواه الترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: "من يحفر بئر رومة فله الجنة فحفرها عثمان".

وقال صلى الله عليه وسلم: "من جهر جيش العسرة، فله الجنة، فجهزه عثمان". رواهما البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس رسول الله بيده إن الملائكة لتستحيي من عثمان، كما تستحيي من الله ورسوله" رواه مسلم وأبو يعلى والطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم: "أشد الناس حياء عثمان بن عفان" رواه أبو نعيم.

وقال صلى الله عليه وسلم: "مر بي وعندي جبل من الملائكة، فقالوا: شهيد من الآدميين يقتله قومه إنا لنستحيي منه"، رواه الطبراني وابن عساكر، وقال صلى الله عليه وسلم: "والله ليشفعن عثمان بن عفان في سبعين ألفا من أمتي، قد استوجبوا النار حتى يدخلهم الله الجنة"، رواه ابن عساكر، ومناقبه جمة، وفتح الله في خلافته أمصارا كثيرة على الأمة "وكانت خلافته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهرا، وثلاثة عشر يوما" وعند ابن إسحاق واثنين وعشرين يوما، "ثم قتل يوم الدار" أي الزمن الذي حاصروه فيه في داره "شهيدا" مقتولا ظلما، كما قال صلى الله عليه وسلم وذكر فتنة، فقال: "يقتل فيها هذا مظلوما" لعثمان، رواه الترمذي.

قال في الإصابة: وسبب قتله أن أمراء الأمصار كانوا من أقاربه، بالشام كلها معاوية، وبالبصرة سعيد بن العاصي، وبمصر ابن أبي سرح، وبخراسان عبد الله بن عامر، وكان من حج منهم يشكو من أميره، وكان عثمان لين العريكة، كثير الإحسان والحلم إلى أن رحل أهل مصر يشكون ابن أبي سرح، فعزله وكتب لهم كتابا بتولية محمد بن الصديق فرضوا، فلما كانوا في أثناء الطريق رأوا راكبا على راحلة، فأخبرهم أنه من عند عثمان بكتاب، بإقرار ابن أبي سرح ومعاقبة جماعة من أعيانهم، فأخذوا الكتاب ورجعوا وواجهوه، فحلف أنه ما كتب، ولا أذن، فقالوا: سلمنا كتابك، وهو مروان بن الحكم ابن عمه، فخشي عليه منهم القتل، فلم يسلمه لهم،

وروي عن عائشة رضي الله عنها، مما ذكره الطبرى في فضائله من كتابه "الرياض" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسند ظهره إليَّ، وإن جبريل ليوحي إليه القرآن، وإنه ليقول له: "اكتب يا عثيم"، رواه أحمد.

وروى البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره وعثمان بين يديه، وكان كاتب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه،

__________

فغضبوا وحصروه في داره، واجتمع جماعة يحمونه منهم، فنهاهم عن القتال إلى أن تسوروا عليه من دار إلى دار، فدخلوا عليه، فقتلوه يوم الجمعة بعد العصر لثمان عشرة، وقيل لسبع عشرة، وقيل لاثنين وعشرين خلت من ذي الحجة، ودفن ليلة السبت بين المغرب والعشاء بالبقيع سنة خمس وثلاثين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وأشهر على الصحيح المشهور، وقيل دون ذلك، وزعم ابن حزم أنه لم يبلغ ثمانين، فعظم ذلك على الصحابة، وغيرهم من أهل الخير، وفتح باب الفتنة، فكان ما كان، والله المستعان انتهى.

والقصة طويلة جدا، وقد روى أحمد وابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال: "يا عثمان إن الله عز وجل يقمصك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعة فلا تخلعه"، ولا كرامة يقولها مرتين، أو ثلاثا، ولابن عدي "يا عثمان إنك سترى الخلافة وسيريدك المنافقون على خعلها فلا تخلعها وصم في ذلك اليوم تفطر عندي"، وللترمذي عن أبي سلمة مولى عثمان، قال: قال عثمان يوم الدار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إليَّ عهدا فأنا صابر عليه، ولم يلبس السراويل في جاهلية، ولا إسلام إلا يوم قتل، "وروي عن عائشة رضي الله عنها مما ذكره" المحب "الطبري في فضائله من كتابه الرياض النضرة" في فضائل العشرة أنها، قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمسند ظهره إليَّ وإن جبريل ليوحي إليه القرآن وإنه" صلى الله عليه وسلم "ليقول له" لعثمان "اكتب يا عثيم" بالضم مصغر للتحبب والملاطفة، ففيه منزلة رفيعة له عند المصطفى، وأنه من كتاب الوحي "رواه أحمد" بن حنبل.

"وروى البيهقي عن جعفر" الصادق "بن محمد" الباقر "عن أبيه" محمد بن علي بن الحسين، "قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس جلس أبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وعثمان بين يديه، وكان كاتب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أي الأمور التي يريد إخفاءها عن الناس.

"وعلي بن أبي طالب" أبو الحسن الهاشمي "رضي الله عنه" غزير العلم وافر الزهد، أمير المؤمنين خاتم خلافة النبوة، قال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} ، "يا علي إن الله أمرني

....................................

__________

أن أدنيك ولا أقصيك، وأن يعلمك، وأن تعي وحق لك أن تعي، سألت ربي أن يجعلها أذنك".

رواه سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وله طرق عديدة، وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي إسلاما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما".

رواه أحمد والطبراني، وله في رواية أول المسلمين إسلاما، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم علي وأبو ذر والمقداد وسلمان".

رواه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه وصححه الحاكم والضياء، وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "الله ورسوله وجبريل عنك راضون" رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: "من أذى عليا فقد آذاني" رواه أحمد والترمذي وأبو يعلى وصححه الضياء.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحب عليا فقد أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله" رواه الطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عادة وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه" رواه الترمذي والنسائي وأحمد وغيرهم، وطرقه كثيرة جدا، وهو صحيح.

وقال صلى الله عليه وسلم: " لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق" رواه مسلم والترمذي.

وقال صلى الله عليه وسلم: "علي مني وأنا منه، وعلي ولي كل مؤمن من بعدي" رواه ابن أبي شيبة، وهو صحيح.

وقال صلى الله عليه وسلم: "علي أخي في الدنيا والآخرة"، رواه الطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم: "علي مني بمنزلة رأسي من بدني"، رواه ابن مردويه والديلمي. وقال صلى الله عليه وسلم: "علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا على الحوض" رواه الحاكم.

وقال صلى الله عليه وسلم لعلي: "أنت مني وأنا منك" وقال صلى الله عليه وسلم: "إنه يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" رواهما البخاري، وأخرجه الترمذي وحسنه.

عن علي قال لما نزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} [المجادلة: 12] قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "ما ترى دينار"، قلت: لا يطيقونه، قال: "فنصف دينار"، قلت: لا يطيقونه، قال: "فكم"؟ قلت: شعيرة، قال: "إنك لزهيد"، فنزلت: {أَأَشْفَقْتُمْ} فبي خفف الله عن هذه الأمة، وفضائله كثيرة جدا حتى قال الإمام أحمد وإسماعيل القاضي، والنسائي وأبو علي النيسابوري، لم يرد في حق أحد من الصحابة بالأسانيد

وأقام في الخلافة أربع سنين وتسعة أشهر وثمانية أيام، وتوفي شهيدا على يد عبد الرحمن بن ملجم،

__________

الجياد أكثر مما جاء في حق علي.

قال العلماء: وكان سبب ذلك تنقيص بني أمية له، فكان كل من كان عنده شيء من مناقبه من الصحابة، يبثه، وكلما أرادوا إخماده وهددوا من حديث من حدث بمناقبه لا تزاد إلا انتشارا، "وأقام في الخلافة" لما بايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب ببيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، وكان بينهم بعدما كان "أربع سنين وتسعة عشر أشهر وثمانية أيام" وقاتل فيها البغاة والخوارج، كما عهد إليه صلى الله عليه وسلم فروى أبو يعلى بسند جيد عنه: عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله" فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا، قال عمر: أنا هو يا رسول الله، قال: لا ولكنه خاصف النعل، وكان أعطى على نعله يخصفها.

رواه أبو يعلى برجال الصحيح، قال في الإصابة وكان رأي علي أنهم يدخلون في الطاعة، ثم يقوم ولي دم عثمان فيدعى به عنده ثم يعمل معهم ما يوجبه حكم الشرع، وكان من خالفه يقول له: تتبعهم وأقتلهم، فيرى علي أن القصاص بغير دعوى، ولا إقامة بينة لا يتجه، وكل من الفريقين مجتهد، ومن الصحابة فريق لم يدخلوا في القتال وظهر بقتل عمار أن الصواب كان مع علي، واتفق على ذلك أهل السنة بعد اختلاف كان في القديم انتهى، "وتوفي" ولم يكن يومئذ على وجه الأرض أفضل منه "شهيدا" مقتولا ظلما "على يد" أشقى الآخرين "عبد الرحمن بن ملجم" بضم الميم، وإسكان اللام وفتح الجيم، كما قيده غير واحد منهم النووي والإسنوي، وعن الإقناع كسرها وذلك أن ثلاثة من الخوارج تعاهدوا بمكة على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص في ليلة واحدة ليلة سبع عشرة من رمضان وقيل ليلة عشر، وقيل إحدى وعشرين، فقال ابن ملجم: المرادي أنا لكم سبع عشرة، من رمضان وقيل ليلة عشرة، وقيل إحدى وعشرين، فقال ابن ملجم: المرادي أنا لكم بعلي، وقال البراك بن عبد الله التميمي: أنا لكم بمعاوية، وقال عمرو بن بكير التميمي: أنا لكم بعمرو ثم توجه كل إلى المصر الذي فيه صاحبه، فأتى ابن ملجم الكوفة، واختفى وتزوج امرأة من الخوارج كان علي قتل أباها، فشرطت عليه في صداقها، ثلاث آلاف درهم وعبدا وقينة، وقتل علي، فلما كانت ليلة الجمعة سابع عشر رمضان سنة أربعين من الهجرة، خرج علي للصبح إلى المسجد فضربه ابن ملجم بسيف مسموم في جبهته، فأوصله إلى دماغه، فقال علي: فزت ورب الكعبة، وعند أبي داود أنه رأى تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال: يا رسول الله ماذا لقيت من أمتك، فقال صلى الله عليه وسلم: ادع عليهم، فقال: اللهم أبدلني بهم من هو خير منهم، وأبدلهم بي من هو شر مني، فمسكوا

واختص علي بكتابة الصلح يوم الحديبية.

وطلحة بن عبد الله التيمي، أحد العشرة،

__________

ابن ملجم، وحبسوه حتى مات علي كرم الله وجهه ليلة الأحد، وقد أوصى بوصية عظيمة فيها مواعظ، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله وجعل يكثرها، لما احتضر حتى قبض، وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح المشهور، وغسله الحسنان وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن، فقطعت أطراف ابن ملجم، وجعل في مقصورة وأحرق بالنار، وقد قال صلى الله عليه وسلم لعلي: "من أشقى الأولين"؟ قال: عاقر الناقة قال: "فمن أشقى الآخرين"؟، قال: الله ورسوله أعلم، قال: "قاتلك".

رواه الخطيب والطبراني عن جابر بن سمرة وأحمد عن عمار، وأبو يعلى بإسناد لين عن علي والبزار عنه بإسناد جيد، والطبراني عن صهيب.

وقال صلى الله عليه وسلم: "يا علي ستقتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني" رواه ابن عساكر.

وقال صلى الله عليه وسلم: "يا علي إن لك لكنزا في الجنة" رواه أحمد وغيره.

هذا والذي سار إلى معاوية ضربه، فداووه، فصح، لكنه صار لا يلد، وقطعت أطراف قاتله، فذهب إلى الكوفة، وولد له فقال زياد: أيولد له ومعاوية لا يولد له فقتله، وأما عمرو فاشتكى بطنه تلك الليلة، فأمر خارجة بالصلاة بالناس، فطعنه فقتله، فأصبحوا يقصون على عمرو، فقال: أوما قتلت عمرًا؟ فقيل: إنما قتلت خارجة فقال: أردت عمرا، وأراد الله خارجة فقتلوه.

قال ابن زيدون في قصيدته:

وليتها إذ فدت عمرا بخارجة ... فدت عليا بما شاءت من البشر

ولكن ما عند الله خير وأبقى غالب العشرة، سيقت لهم الشهادة زيادة في الزلفى ورفع الدرجات، "واختص علي بكتابة الصلح يوم الحديبية" وقد تتبع النسائي ما خص به دون الصحابة، فجمع شيئا كثيرا بأسانيد أكثرها جيد، كما في الإصابة.

"وطلحة بن عبد الله" بضم العين ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي، "التيمي أحد العشرة" وأحد اليمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة، أصحاب الشورى، وأمه الصعبة أخت العلاء من الحضرمي، أسلمت وهاجرت وعاشت بعده قليلا.

قال صلى الله عليه وسلم: "يا طلحة هذا جبريل يقرئك السلام، ويقول لك أنا معك في أهوال القيامة حتى أنجيك منها" رواه الديلمي وابن عساكر، وقال صلى الله عليه وسلم: "اللهم ألق طلحة يضحك إليك وتضحك إليه" رواه الطبراني وأبو نعيم والضياء، وقال صلى الله عليه وسلم: "طلحة والزبير جاراي في الجنة"

استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين، وهو ابن ثلاث وستين سنة.

والزبير بن العوام بن خويلد الأسدي ابن عمته وحواريه، أحد العشرة أيضا،

__________

رواه الترمذي وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم: "طلحة خير شهيد يمشي على وجه الأرض" رواه ابن ماجه والحاكم، ومر صلى الله عليه وسلم في غزوة ذي قرد على ماء، يقال له غسان مالح، فقال: "هو نعمان، وهو طيب"، فغير اسمه، فاشتراه طلحة، ثم تصدق به، فقال صلى الله عليه وسلم: $"ما أنت يا طلحة إلا فياض" فبذلك قيل له طلحة الفياض رواه الزبير بن بكار، وروى أنه سماه أيضا طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الطلحات، وليس هو الخزاعي الذي قيل فيه:

نضر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات

ومناقبه كثيرة شهيرة، "استشهد يوم الجمل" بقرب البصرة في الوقعة التي كانت بينهم وبين علي حين خرجوا متاولين الطلب بدم عثمان، ومعهم عائشة الصديقة على جمل عظيم اشتراه يعلى بن أمية الصحابي المشهور بمائة دينار، وقيل مائتين وقيل بأكثر من ذلك فوقفت به في الصف، فلم يزل الذين معها يقاتلون حول الجمل حتى عقر الجمل، فهزموا فأضيفت الوقعة إليه، وجاء من طرق كثيرة أن مروان بن الحكم رمى طلحة، مع أنه كان من حزبه بسهم فأصاب ركبته، فلم يزل ينزف منها الدم حتى مات، وكان يؤمئذ أول قتيل، وذلك يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة "سنة ست وثلاثين وهو ابن ثلاث وستين سنة" كما جزم به في التقريب، وجزم في الإصابة بأنه ابن أربع وستين، وقال في الفتح: اختلف في سنه على أقوال أكثرها أنه خمس وسبعون، أقلها ثمان وخمسون انتهى، "والزبير بن العوام بن خويلد" بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي "الأسدي ابن عمته" صفية، "وحواريه" ناصره الخالص له، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي حواري وإن حواري الزبير" رواه الشيخان: أحد العشرة أيضا، وأحد الستة، وأحد من أسلم وهو صغير ابن ثمان سنين فيما قاله عروة، والأكثر أنه أسلم وله ثنتا عشرة سنة وقيل خمس عشرة، وكان عمه يعلقه في حصير، ويدخن عليه بالنار، ويقول: ارجع فيقول الزبير: لا أكفر أبدا، وقال عثمان: لما قيل له استخلف الزبير، أما إنه لخيرهم وأحبهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري.

ومناقبه كثيرة، وعن عروة وابن المسيب أول من سل سيفه في الله الزبير، وذلك أن الشيطان نفخ نفخة قال: أخذ رسول الله، فأخذ الزبير يشق الناس بسيفه، والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فلقيه، فقال: "مالك يا زبير"؟ فقال: أخبرت إنك أخذت، فصلى عليه ودعا له ولسيفه، رواه الزبير بن بكار.

وروى يعقوب بن سفيان أن الزبير كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فيتصدق به

قتل سنة ست وثلاثين، يوم الجمل، قتله عمرو بن جرموز، بوادي السباع غيلة وهو نائم.

وسعيد بن العاص، أخو خالد وأبان.

وسعد بن أبي وقاص.

__________

كله ولا يدخل بيته من شيئا، "قتل سنة ست وثلاثين يوم الجمل، بعد انصرافه من الحرب، تاركا للقتال لما قال له علي: أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنك تقاتل عليا وأنت ظالم له" قال: نعم ولم أذكر ذلك إلى الآن فانصرف، رواه أبو يعلى، "قتله عمرو بن جرموز". بضم الجيم والميم بينهما راء ساكنة، وآخره زاي التميمي "بوادي السباع غيلة، وهو نائم" وجاء إلى علي متقربا بذلك، فبشره بالنار.

أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما، وصححه الحاكم من طريق بعضها مرفوع، كما في الفتح ونحوه في الإصابة وفيها أيضا.

وروى يعقوب بن سفيان في تاريخه، لما التقوا كان طلحة أول قتيل، فانطلق الزبير على فرس له، فتبعه عمرو بن جرموز فأتاه من خلفه، وأعانه فضالة بن جابر ونفيع، فقتلوه انتهى، فظاهر هذا أنهم قتلوه على فرسه، اللهم إلا أن يكونوا أرادوا ذلك، فلم يقدروا لشدة شجاعته، فتركوه حتى نام، فأتاه ابن جرموز فقتله، وقد صحح ابن بدرون الأول قال وفيه تقول زوجته عاتكة:

يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد

ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد

"وسعيد بن العاصي" بن أمية "أخو خالد وأبان" أولاد أبي أحيحة أسلموا كلهم.

وذكر ابن إسحاق سعيدا فيمن استشهد بالطائف، وابن شاهين أنه أسلم قبل الفتح بيسير، وسيذكر المصنف أخويه أيضا من الكتاب، "وسعد بن أبي وقاص" وسمه مالك بن وهيب، ويقال أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة القرشي الزهري أحد العشرة، والستة والفرسان والسابقين الأولين بعد ستة هو سابعهم، وهو ابن تسع عشرة سنة، كما قاله ابن عبد البر.

وأما قوله: لقد رأيتني وأنا ثالث الإسلام رواه البخاري، فحمل على ما اطلع عليه، وكان مجاب الدعوة مشهورا بذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم استجب لسعد إذا دعاك" فكان لا يدعو إلا استجيب له رواه الترمذي وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، وتوفي سنة خمس وعشرين على المشهور، وهو آخر العشرة موتا.

وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنه.

وعبد الله بن الأرقم القرشي الزهري، كان يكتب الرسائل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم، وكتب بعده لأبي بكر، ثم لعمر من بعده، رضي الله عنهم، واستعمله عمر على بيت المال مدة ولايته، ثم عثمان من بعده إلى أن استعفى عثمان من الولاية وبقي عاطلا،

__________

وروى الترمذي عن جابر أقبل سعد، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله" ومناقبه كثيرة شهيرة.

"وعامر بن فهيرة" بضم الفاء مصغر التيمي، "مولى أبي بكر رضي الله عنه" أحد السابقين وكان ممن يعذب في الله، فاشتراه الصديق، فأعتقه استشهد يوم بئر معونة باتفاق أصحاب المغازي.

وفي البخاري وغيره: أن عامر بن الطفيل سأل من رجل منكم لما قتل رأيته رفع بين السماء والارض، قالوا: عامر بن فهيرة، وأما ما رواه ابن منده عنه، قال: تزود أبو بكر مع رسول الله في جيش العسرة بنحي من سمن وعكة من عسل على ما كنا عليه من الجهد فمنكر، فإن جيش العسرة، وهو غزوة تبوك باتفاق، وعامر قتل قبلها بست سنين، وقد عاب أبو نعيم على ابن منده إخراجه هذا الحديث ونسبه إلى الغفلة والجهالة، فبالغ وإنما اللوم عليه في سكوته عليه، ففي إسناده عمر بن إبراهيم الكردي، وهو متهم بالكذب فالآفة منه كما في الإصابة.

"وعبد الله بن الأرقم" بن أبي الأرقم واسمه عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، "القرشي، الزهري" وجده عبد يغوث خاله صلى الله عليه وسلم أسلم عبد الله يوم الفتح، "كان يكتب الرسائل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وغيرهم" كما رواه البغوي وزاد، وبلغ من أمانته عنده أنه كان يأمره أن يكتب إلى بعض الملوك، فيكتب، ويختم، ولا يقرأ لأمانته عنده.

وقال الإمام مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه: قال عمر: كتب إلى رسول الله كتاب، فقال لعبد الله بن الأرقم الزهري: "أجب هؤلاء عني"، فأخذ الكتاب فأجابهم ثم جاء به فعرضه عليه صلى الله عليه وسلم فقال: "أصبت بما كتبت"، قال عمر: فما زالت في نفسي حتى جعلته يعني على بيت المال، رواه أبو القاسم البغوي أيضا، "وكتب بعده لأبي بكر ثم لعمر من بعده رضي الله عنهم، واستعمله عمر على بيت المال مدة ولايته" حتى أن حفصة روت عن عمر أنه قال لها: لولا أن ينكر علي قومك لاستخلفت عبد الله بن الأرقم "ثم عثمان من بعده إلى أن استعفى عثمان من الولاية"، فأعفاه "وبقي عاطلا" أي تاركا للولاية، قال مالك: بلغني أن عثمان أجازه بثلاثين ألفا، فأبى أن يقبلها، وقال: إنما عملت لله، وأخرج البغوي عن عمر بن دينار أنه أعطاه ثلاثمائة

وكان أمير المؤمنين عمر يقول في حقه: ما رأيت رجلا أخشى لله منه، مات في خلافة عثمان رضي الله عنهما.

وأبي بن كعب بضم الهمزة وفتح الموخحدة من سباق الأنصار، كان يكتب الوحي له صلى الله عليه وسلم وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم.....

__________

ألف درهم، فأبى أن يقبلها، وقال: إنما عملت لله، وإنما أجري على الله، وكان أمير المؤمنين عمر يقول في حقه: ما رأيت رجلا، ممن أسلم في الفتح وتلبس بالولايات "أخشى لله منه" وحسبه هذا الثناء من مثل عمر، "مات في خلافة عثمان رضي الله عنهما".

قال ابن السكين قال في الإصابة وهو مقتضى صنيع البخاري في تاريخه الصغير، ووقع في ثقات ابن حبان أنه توفي سنة أربع وستين، وهو وهم، وروى عنه صلى الله عليه وسلم، وعنه عبد الله بن عتبة بن مسعود، وأسلم مولى عمر ويزيد بن قتادة وعروة انتهى "وأبي بن كعب" ابن قيس الأنصاري النجاري، "بضم الهمزة، وفتح الموحدة من سباق الأنصار، إلى الإسلام كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرا والمشاهد.

روى مسلم وأحمد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟، قال أبي: آية الكرسي، قال صلى الله عليه وسلم: "ليهنك العلم يا أبا المنذر"، وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا" قال: وسماني؟ قال: "نعم"، فبكى رواه الشيخان، وقال صلى الله عليه وسلم: "يا أبا المنذر أمرت أن أعرض عليك القرآن" فقال: بالله آمنت وعلى يديك أسلمت ومنك تعلمت، فرد صلى الله عليه وسلم القول، فقال: يا رسول الله ذكرت هناك، قال: "نعم باسمك ونسبك في الملإ الأعلى"، قال: فاقرأ إذا يا رسول الله، رواه الطبراني برجال ثقات.

"كان يكتب الوحي له صلى الله عليه وسلم، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد صلى الله عليه وسلم" من الأنصار، وزيد بن ثابت وأبو زيد ومعاذ، وأبو الدرداء وسعد بن عبادة.

رواه الطبراني والبيهقي من مرسل الشعبي مقيدا بالأنصار، كما ذكر فلا يرد أنه حفظه كثيرون، وأما ما أخرجه الشيخان عن قتادة عن أنس جمع القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار أبي ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت، قلت لأنس، من أبو زيد، قال: أحد عمومتي

وفي رواية ثابت عن,

تايع الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام

,

وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم

...

تايع الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام

بسم الله الرحمن الرحيم

[وأما مكاتبته عليه الصلاة والسلام إلى الملوك وغيرهم] :

فروي أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية كتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، و"الله" سطر، وختم به الكتاب.

وإنما كانوا لا يقرءون الكتاب إلا مختوما

__________

وفي القاموس النمر ككتف, ابن تولب، ويقال: النمر -بالفتح- شاعر للنبي -صلى الله عليه وسلم- وسيذكر المصنف كتابه إلى بني نهد في المقصد الثالث، فذكره هنا في قوله: إلى بني زهير لا فائدة فيه؛ لأنهما غيران، والله أعلم.

"وأما مكاتباته عليه الصلاة والسلام" أي: بيان كتابته "إلى الملوك وغيرهم، فروي" عند ابن سعد وغيره عن ابن عباس "أنه لما رجع عليه الصلاة والسلام من الحديبية" في ذي الحجة سنة ست، "كتب إلى الروم" يدعوهم إلى الإسلام، أي: أمر بالكتب، فكتب وأراد إرساله، "فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا أن يكون مختوما، فأخذ خاتما من فضة"، هكذا في رواية ابن سعد وغيره، وروى ابن عدي في هذه القصة، أنه عمل له خاتما من حديد، فجاء جبريل، فقال: انبذه من أصبعك فنبذه، فعمل له خاتما من نحاس، فأمره جبريل، فنبذه، فعمل له خاتما من فضة، فأقره جبريل، فإن صحا، فاقتصر من اقتصر على الفضة؛ لأنه الذي استقر عليه أمره، "ونقش فيه ثلاثة أسطر من محمد سطر ورسول" بالتنوين وعدمه على الحكاية "سطر والله" بالرفع والجر على الحكاية "سطر" ولابن سعد من مرسل ابن سيرين باسم الله محمد رسول الله.

قال الحافظ: ولم يتابع على هذه الزيادة، وقول بعض الشيوخ -يعني الإسنوي: إن كتابته كانت من فوق، يعني الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله "وختم به الكتاب".

قال الحافظ: ولم تكن كتابة الخاتم على الترتيب العادي، فإن ضرورة الختم به تقتضي أن الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا انتهى.

وهو تعويل على العادة وأحواله -صلى الله عليه وسلم- خارجة عن طورها، بل في تاريخ ابن كثير عن بعضهم أن كتابته كانت مستقيمة، وكانت تطبع كتابة مستقيمة، وفي رواية ابن سعد وغيره، فخرج ستة نفر في يوم واحد، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، "وإنما كانوا لا يقرءون الكتاب" إذا ورد عليهم، "إلا مختوما" بأن يطوى، ويجعل عليه ما يمنع فكه، ثم

خوفا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم.

وعن أنس: إن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة، وقال بعضهم: هو سنة لفعله -صلى الله عليه وسلم.

فكتب إلى قيصر، المدعو "هرقل" ملك الروم يوم ذاك، ثم قال بعد تمام الكتابة: "من ينطلق بكتابي هذا إلى هرقل وله الجنة"؟، فقالوا: وإن لم يصل يا رسول الله؟ قال: "وإن لم يصل"

__________

يختم عليه, "خوفا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم"، صونا لسورة الملك عن مشاركة العامة في أخبارهم.

"وعن أنس أن ختم كتاب السلطان"، أي: من له سلطنة، فيشمل الأمراء، "والقضاة سنة متبعة"، وقول الصحابي: من السنة، كذا له حكم الرفع، كما في الألفية وغيرها، فأفاد أنس أنه مطلوب، "و" لذا، "قال بعضهم: هو سنة لفعله -صلى الله عليه وسلم"، فمؤدى العبارتين واحد، لا أن قول أنس إخبار عن مجرد الاعتياد، وأن كلام بعضهم مقابل له كما توهم، ثم عطف على قوله: كتب إلى الروم من عطف المفصل على المجمل لبيان المكتوب له، منهم قوله: "فكتب إلى قيصر المدعو"، أي المسمى، "هرقل" بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف على المشهور في الروايات، وحكى الجوهري وغيره سكون الراء، وكسر القاف، وجزم به القزاز وغيره، علم له غير منصرف للعلمية والعجمة ما في الفتح لقب قيصر بالقاف غير صافية في لغتهم من القصر، وهو القطع في لغتهم؛ لأن أحشاء أمه قطعت حتى خرج منها؛ لأنها لما طلقت به ماتت، فبقر بطنها عنه، فخرج حيا وكان يفخر بذلك، لأنه لم يخرج من فرج، وكان شجاعا جبارا مقداما في الحروب، كذا ذكره العيني وغيره، ولا يشكل بقولهم: قيصر اسما لكل ملك الروم؛ لأن المراد من هرقل فمن بعده، ولا يشكل بقوله: لله إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، لأن المراد في إقليمه الذي كان فيه، أو يملك مثله، أو غير ذلك مما أجابوا به "ملك الروم يوم ذاك" الكتب، وليس المراد خصوص يوم معين؛ لأن العرب تريد باليوم مطلق الزمن، وقد ذكروا أنه ملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات -صلى الله عليه وسلم، "ثم قال بعد تمام الكتابة: "من ينطلق بكتابي هذا إلى هرقل، وله الجنة" " مع السابقين، أو بلا حساب، "فقالوا: وإن لم يصل يا رسول الله" بأن منعه مانع من موت، أو غيره عن الوصول، "قال: وإن لم يصل"؛ لأن نيته الوصول، وهو خير من العمل، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة بلفظ يقتل في الموضعين، ثم يحتمل أنه بفوقية من القتل، أو بموحدة من القبول، كأنهم استعظموا هذا الجزاء العظيم، وإن عاد الذاهب سالما، أو لم يقبل هرقل

فأخذه دحية بن خليفة الكلبي، وتوجه إلى مكان فيه هرقل، ولفظه:

باسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

__________

الكتاب بأن لم يعمل به، فأخبرهم بذلك؛ لأنه رتب الجزاء على مجرد الانطلاق والقتل، أو القبول شيء آخر, "فأخذه دحية".

قال الحافظ: بكسر الدال وفتحها لغتان، ويقال: إنه الرئيس بلغة اليمن "ابن خليفة الكلبي" الصحابي الجليل، كان من أحسن الناس وجها، وأسلم قديما، "وتوجه به إلى مكان فيه هرقل"، وهو بيت المقدس، كما في الصحيح، وعنده في الجهاد أن الله لما كشف عن هرقل جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله.

زاد ابن إسحاق: فكان يبسط له البسط، وتوضع عليها الرياحين، فيمشي عليها.

وعند الطبري، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرا منها، ثم استبطأ كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك، فباطن هرقل، واصطلح معه على كسرى، وانهزم عنه بجنوده، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرا، وعند ابن إسحاق عن أبي سفيان: لما كانت الهدنة, خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط قريش، فقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهر البطن حتى تأتي برجل من قوم هذا الرجل أسأله عن شأنه، فوالله إني وأصحابي بغزة إذ هجم علينا، فساقنا جميعا، فذكر الحديث بنحو ما في الصحيح أنهم أتوه، وهو بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، وعليه التاج الحديث في الأسئلة والأجوبة، وفيه: ثم دعا بكتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه.

قال في الفتح: بصرى -بضم الموحدة والصر- مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران وعظيمها هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وفي الصحابة لابن السكن أنه أرسل بكتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل مع عدي بن حاتم، وكان عدي إذ ذاك نصرانيا، فوصل به هو ودحية معا.

وروى البزار أن دحية نفسه ناول الكتاب لقيصر، ولفظه: بعثني -صلى الله عليه وسلم- بكتاب إلى قيصر، فقدمت عليه، وأعطيته الكتاب، "ولفظه: بسم الله الرحمن الرحيم"، فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرا، وأجيب عن تقديم سليمان اسمه بأنه إنما ابتدأه بالبسملة، وكتب اسمه عنوانا بعد ختمه؛ لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه، ولذا قالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، فالتقديم واقع في حكاية الحال "من محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم"، فيه أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة.

قال الحافظ: والحق إثبات الخلاف، وفيه أن من التي لابتداء الغاية تأتي في غير الزمان

وفي رواية البخاري: عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم, وفي رواية غير البخاري: إلى قيصر صاحب الروم, سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين.

__________

والمكان، كذا قال أبو حيان، والظاهر أنها هنا لم تخرج عن ذلك, لكن بارتكاب مجاز, انتهى.

ثم هذا لفظ رواية البخاري في التفسير، "وفي رواية البخاري" في بدء الوحي وفي الجهاد من محمد "عبد الله ورسوله"، وفيه إشارة إلى أن رسل الله وإن كانوا أكرم الخلق عليه، فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيده، وإلى بطلان ما تدعيه النصارى في عيسى عليه السلام، وفي رواية له أيضا من محمد بن عبد الله رسول الله "إلى هرقل عظيم الروم"، أي: المعظم عندهم بالخفض على البدل، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، "وفي رواية غير البخاري" كأبي نعيم وابن عساكر، وغيرهما من حديث دحية "إلى قيصر صاحب الروم"، ويحتمل الجمع بأنها بالمعنى، ورواية البخاري باللفظ لموافقة مسلم له، وهو يحافظ على اللفظ، ثم اتفق البخاري وغيره على قوله: "سلام"، وللبخاري في كتاب الاستئذان: السلام "على من اتبع الهدى"، أي: الرشاد.

قال الحافظ: وقد ذكرت هذه الجملة في قصة موسى وهارون مع فرعون، وظاهر السياق يدل على أنه من جملة ما أُمرا به أن يقولاه، فإن قيل: كيف يبدأ الكافر بالسلام؟ فالجواب أن المفسرين قالوا: ليس هذا من التحتية، إنما المراد سلم من عذاب الله من أسلم، ولذا جاء بعد أن العذاب على من كذب وتولى، وكذا في بقية هذا الكتاب، فإن توليت ... إلخ، فمحصل الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا، وإن كان اللفظ يشعر به، ولكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يسلم عليه، "أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام" بكسر الدال من قولك: دعا يدعو دعاية نحو: شكا يشكو شكاية، ولمسلم بداعية الإسلام، أي: بالكلمة الداعية إليه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباء موضع إلى، كما في الفتح، وتبعه المصنف وغيره، قال شيخنا: ولا يتعين، بل يجوز بقاؤها على ظاهرها، والمعنى: أدعوك بالكلمة الدالة على طلب الإسلام منك، وحملك عليه، وما بعده بيان للكلمة التي دعا بها، وهو قوله: "أسلم" بكسر اللام "تسلم" بفتحها فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني، مع ما فيه من البديع، وهو الجناس الاشتقاقي، وهو رجوع اللفظين في الاشتقاق إلى أصل واحد "يؤتك الله أجرك مرتين" لإيمانه بنبيه، ثم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو موافق لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54] أو من جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه.

وللبخاري في الجهاد: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك, بتكرار أسلم مع زيادة الواو في الثانية،

فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله.

__________

فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ} [النساء: 136] .

قاله الحافظ بناء على قول جماعة من أهل التفسير: إنها خطاب للمؤمنين، أو على قول ابن عباس: إنها لمؤمني أهل الكتاب، فلا يعترض عليه بقول مجاهد: إن الآية في المنافقين، "فإن توليت" أعرضت عن الإجابة إلى الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الشيء، وهو استعارة تبعية، "فإن عليك إثم الأريسين" جمع أريس، بوزن فعيل، وقد تقلب همزته ياء، وجاءت به رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما.

قال ابن سيده: الأريس: الأكار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع: الأريس الأمير، وقال الجوهري: هي لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك، لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد صرح به في رواية ابن إسحاق بلفظ: فإن عليك إثم الأكارين.

زاد البرقاني: يعني الحراثين، وعند المدائني: فإن عليك إثم الفلاحين، وعند أبي عبيد: وإن لم تدخل في الإسلام، فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام.

قال أبو عبيد: المراد بهم أهل مملكته؛ لأن كل من كان يزرع، فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه، أو بغيره، وقال الليث بن سعد عن يونس: الأريسون العشارون، يعني: أهل المكس، رواه الطبراني والأول أظهر، وهذا إن صح أنه المراد، فالمعنى المبالغة في الإثم، ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنى: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبل، "ويا أهل الكتاب"، هكذا رواية النسفي، والقابسي، وعبدوس بالواو داخلة على مقدر معطوف على أدعوك، أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالا لقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64] ، فليس بزيادة في التلاوة، إذ الواو إنما دخلت على محذوف، ولا يردان حذف المعطوف، وبقاء العاطف ممتنع؛ لأن محله إذا حذف المعطوف وجميع تعلقاته، أما إذا بقي شيء هو معمول للمحذوف، فيجوز نحو: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} .

قال الحافظ: ويحتمل أنها من كلام أبي سفيان، كأنه لم يحفظ جميع الألفاظ، فاستحضر منها صدر الكتاب، فذكره، فكأنه قال: كان فيه كذا، وكان فيه يا أهل الكتاب، قالوا: ومن كلامه لا من نفس الكتاب.

وذكر عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي، وأبي ذر: "تعالوا إلى كلمة سواء" سوية, "بيننا وبينكم" لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، هي "ألا نعبد إلا الله"، أي: نوحده

ولا نشرك به شيئا, ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون, رواه البخاري.

وكان -صلى الله عليه وسلم- أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي. ووقع في تاريخ خليفة أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبي سفيان بأن ذلك كان في مدة

__________

بالعبادة، ونخلص له فيها، "لا نشرك به شيئا"، لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلا لأن يعبد، "ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله"، فلا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله, ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل؛ لأن كلا منهم بشر مثلنا، "فإن تولوا" عن التوحيد، "فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون"، أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل.

قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الجملة القليلة التي تضمنها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله: أسلم والترغيب بقوله: تسلم ويؤتك، والزجر بقوله: فإن توليت، والترهيب بقوله: فإن عليك، والدلالة بقوله: يا أهل الكتاب، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أوتي جوامع الكلم -صلى الله عليه وسلم- قال: واستنبط منه شيخنا، شيخ الإسلام، يعني البلقيني أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، بل ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال لهم: يا أهل الكتاب، فدل على أن لهم حكمهم، خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين، أو بمن علم أن سلفه دخل اليهودية، أو النصرانية قبل التبديل.

"رواه البخاري" في مواضع كثيرة، وأخرجه مسلم في المغازي، وهو من جملة حديث طويل مشهور.

وعندي ابن أبي شيبة من مرسل ابن المسيب: أن هرقل لما قرأه، قال: هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان، كأنه يريد الابتداء بالبسملة، "وكان -صلى الله عليه وسلم- أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة ست, بعد أن رجع من الحديبية"، وكان وصوله إلى هرقل في المحرم سنة سبع، "كما قاله الواقدي" بما زدته، كما في الفتح قائلا: "ووقع في تاريخ خليفة" بن خياط بن خليفة العصفري البصري الحافظ, أحد شيوخ البخاري.

قال ابن عدي: له حديث وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرواة، وهو مستقيم الحديث، صدوق متيقظ، مات سنة أربعين ومائتين، "أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبي سفيان" بن حرب، راوي الحديث، "بأن ذلك كان في مدة

صلح الحديبية كما في حديث البخاري، في المدة التي كان -عليه الصلاة والسلام- مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، يعني: مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست اتفاقا.

ولم يقل -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ملك الروم؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، ولم يخله من الإكرام لمصلحة التأليف.

وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أي: لكونه مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم.

وقوله: فإن عليك إثم الأريسين أي: فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع, بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر.

__________

صلح الحديبية، كما في حديث البخاري" عن أبي سفيان: إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام "في المدة التي كان عليه الصلاة والسلام مادّ" بشد الدال من مادد، فأدغم الأول في الثاني من المثلين، "فيها أبا سفيان، وكفار قريش"، بالنصب مفعولا معه، أو عطفا على المفعول به، أعني أبا سفيان، "يعني مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست اتفاقا"، فكيف يتأتى قول خليفة سنة خمس؟

"ولم يقل -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل ملك الروم؛ لأنه معزول" عن الملك "بحكم الإسلام"، ولا سلطنة لأحد إلا من قبله -صلى الله عليه وسلم، "و" لكنه "لم يخله من الإكرام"، ويذكر اسمه مجردا، بل قال: عظيم، أو صاحب "لمصلحة التأليف"، فلاطفه بالقول اللين، كما قال تعالى: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 44] ، وقال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} [النحل: 125] ، "وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أي: لكونه مؤمنا بنبيه" عيسى عليه السلام، "ثم آمن بمحمد -صلى الله عليه وسلم"، وهو موافق لقوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ} [القصص: 54] ، ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه، وصرح بذلك في حديث الشعبي، كما في الفتح، "وقوله: فإن عليك إثم الأريسين" بالهمزة، وفي رواية: اليريسين، بقلبها ياء، جمع يريس، بوزن كريم، وفي أخرى: اليريسيين بشد الياء بعد السين، جمع يريسيّ، وفي أخرى حكاها صاحب المشارق وغيره: الأرّيسين بشد الراء.

قال ابن الأعرابي: أرس يارس بالتخفيف فهو أريس, وأرّس بالتشديد يؤرس فهو أريس، وفي أخرى: الأرسين بتحتانية واحدة، وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، "أي: فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع, بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر"، فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى, وهذا يعد من مفهوم الموافقة، ولا يعارض هذا قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ؛

وقيل: إنه -عليه الصلاة والسلام- كتب هذه الآية: يعني {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت؛ لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة.

__________

لأن وزر الآثم لا يتحمله عليه، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس للسيئات يتحمل من وجهين؛ جهة فعله وجهة تسببه.

قال الخطابي: المراد: أن عليه إثم الضعفاء، والأتباع إذ لم يسلموا تقليدا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر.

وقال الأزهري: الأريس بالتخفيف والتشديد الأكابر لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فلاحة، وكانوا مجوسا، وأهل الروم أهل صناعة، فأعلموا بأنهم، وإن كانوا أهل كتاب، فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا مثل إثم المجوس, انتهى.

وحكى غيره أن الأريسين ينسبون إلى عبد الله بن أريس، رجل كانت النصارى تعظمه، ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى، وقيل: إنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه، والتقدير على هذا: فإن عليك مثل إثم الأريسين.

وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل، ورده بعضهم بأنهم كانوا قليلا وما كانوا يظهرون، وكانوا ينكرون التثليث، وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل انتهى، من فتح الباري في موضعين, وفيه زيادات حسان تركتها خوف الإطالة، وأيضا لما قدمته عنه أن الصحيح تفسيره بالفلاحين؛ لوروده في رواية أخرى كذلك، وبلفظ الأكارين، وهو بمعناه.

قال النووي: نبه بهم على بقية الرعية؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادا.

قال الحافظ: ومراده أنه نبه بذكر طائفة من الطوائف على بقية الطوائف، كأن يقول: إذا امتنعت، فإن عليك إثم كل ممتنع بامتناعك، وكأن يطيع لو أطعت كالفلاحين، فلا يرد تعقب شيخنا البلقيني بأن من الرعايا غير الفلاحين من له قوة وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين دخول بقية الرعايا حتى صح أنه نبه بذكرهم على الباقين.

نعم, قول أبي عبيدة: ليس المراد بالفلاحين الزارعين فقط، بل جميع أهل المملكة إن أراد على ما قررت به كلام النووي فمسلم وإلا فمعترض، "وقيل: إنه عليه الصلاة والسلام كتب هذه الآية، يعني: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت"، كما نزل بموافقة عمر في الحجاب، وأسرى بدر, وعدم الصلاة على المنافقين, وغير ذلك، "لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران" بفتح النون وسكون الجيم: بلد قريب من اليمن، "وكانت قصتهم" وستأتي "سنة

الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست. وقيل: نزلت في اليهود، وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد والله أعلم.

ولما قرئ كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم.

__________

الوفود سنة تسع"، كما جزم به ابن سعد وغيره، "وقصة أبي سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست" كما علم، وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وإليه يومئ كلام ابن إسحاق هكذا في الفتح قبل قوله: "وقيل: نزلت في اليهود"، فالقول الثالث عين مراد الثاني؛ ولذا قال: "وجوز بعضهم نزولها مرتين" مرة في أوائل الهجرة، وأخرى في سنة تسع, "وهو بعيد"؛ لأن الأصل عدم تكرار النزول، "والله أعلم" بما في نفس الأمر.

وهذا كلام الحافظ في الفتح، وقال ابن كثير: هذه القصة كانت بعد الحديبية وقبل الفتح، كما صرح به في هذا الحديث.

وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, نزلت في وفد نجران.

وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية, ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية إلى هرقل، وبين ما ذكره ابن إسحاق والزهري، أجيب بأن قدوم وفد نجران كان قبل الفتح وبعد الحديبية. وما بذلوه كان مصالحة على المباهلة لا عن الجزية، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفقه، وباحتمال تعدد النزول، واحتمال كتبها قبل نزولها, انتهى.

"ولما قرئ كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم" بالبناء للمفعول، وعند الواقدي من مرسل محمد بن كعب القرظي، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه.

وعند البخاري في بدء الوحي والتفسير: ثم دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرأه، فظاهره أن هرقل هو الذي قرأه إلا أن تكون نسبة قراءته إليه مجازا لكونه الأمر به، والقارئ الترجمان، وللبخاري في الجهاد ما ظاهره أن قراءة الكتاب وقعت مرتين، ففي أوله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال حين قرأه: التمسوا لي ههنا أحدا من قوه لأسألهم عنه، فذكر القصة إلى أن قال: ثم دعا بكتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقرئ.

قال في الفتح: والذي يظهر لي أن هرقل قرأه بنفسه أولا، ثم لما جمع قومه وأحضر أبا سفيان ومن معه، وسأله وأجابه, أمر بقراءة الكتاب على الجمع، ويحتمل أن المراد بقوله: أو لا حين قرأه، أي عنوانه؛ لأنه كان مختوما بختمه: محمد رسول الله، ولذا قال: إنه يسأل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، ويؤيده أن من جملة الأسئلة قول هرقل: بم يأمركم؟ فقال أبو سفيان:

غضب ابن أخي قيصر غضبا شديدا, وقال: أرني الكتاب، فقال له: وما تصنع به؟ قال: إنه بدأ بنفسه، وسماك صاحب الروم، فقال له عمه: والله إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، أو كلاما هذا معناه، أو قال: أن أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله, إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق, أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه.

__________

يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وهذا بعينه في الكتاب، فلو كان قرأه ما احتاج إلى السؤال عنه إلا أن يكون مبالغة في تقريره, "غضب ابن أخي قيصر"، كما أخرجه الحسن بن سفيان، وسعيد بن منصور، عن دحية قال: بعثني النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل، فقدمت عليه، فأعطيته الكتاب، وعنده ابن أخ له, أحمر, أزرق, سبط الرأس، فلما قرئ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة، فقال: لا تقرأه، فقال قيصر: لم؟ قال: لأنه بدأ بنفسه، وكتب صاحب الروم، ولم يقل: ملك الروم، قال: اقرأ فقرئ الكتاب.

وذكر المدائني أن القارئ لما قرأ من محمد رسول الله إلى عظيم الروم غضب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ قال: بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرأي, أتريد أن أرمي الكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله لهو أحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكهم، ذكره في فتح الباري في التفسير، وعند ابن سعد في كتاب ملكي عثمان تسمية أخي قيصر يناق.

قال البرهان: بفتح التحتية، وشد النون، فألف، فقاف, لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على دينه, انتهى.

فيحتمل أن الأخ وابن الأخ وقع من كل منهما ما ذكر، ولفق المصنف من كل منهما ناسبا لابن الأخ ما ذكره بقوله: "غضبا شديدا، وقال: أرني الكتاب، قال: وما تصنع به؟ قال: إنه بدأ بنفسه"، وعادة العجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدءوا باسم ملوكهم، وهذا خلاف العادة، فلا يقرأ كتابه، "وسماك صاحب الروم"، ولم يقل: ملك الروم، "فقال له عمه: والله إنك لضعيف الرأي"، قليل العقل، "أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر" جبريل عليه السلام بالوحي من الله، "أو كلاما هذا معناه"، والحاصل أنه لا يرمي به خوفا من تعجيل العقوبة لو فعل، "أو قال: أن أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه"، ولا يليق هذا بعقل الملوك، ثم تنزل معه زيادة في توبيخه على ضعيف رأيه؛ لأن الخبر من حيث هو يحتمل الصدق، فقال: "لئن كان رسول الله, إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه"، أي: الروم، وكأنه أفرد الضمير باعتبار لفظ الروم, ومر أن الرواية: مالكهم بالجمع، زاد في رواية: ولكن الله سخرهم لي، ولو شاء

ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه, إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه، انتهى.

__________

لسلَّطهم علي، كما سلط فارس على كسرى فقتلوه، ثم أخذ كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوضعه على رأسه، ثم قبله وطواه في الديباج والحرير، وجعله في سفط، "ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه".

قال دحية: ثم بعث إلي من الغد سرا، فأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاث عشرة صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين، فقال: انظر أين صاحبك من هؤلاء؟ فرأيت صورة النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنه ينطق، قلت: هذا, قال: صدقت.

رواه أبو نعيم وغيره "إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه" من أنه رجع إلى حمص، وجمع عظماء الروم في دار له، وقال: يا معشر الروم, هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وإن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فقال: علي بهم، فقال: إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل "انتهى".

أي: فيما يتعلق بهذه القصة، خاصة المتعلقة بدعائه الإيمان؛ لأنه انقضى أمره حينئذ، ومات أو أطلق الآخرية بالنسبة إلى ما في علمه وهذا أوجه؛ لأنه قد وقعت له قصص أخرى من تجهيز الجيش إلى مؤتة، ومكاتبة النبي -صلى الله عليه وسلم- ثانيا وهو بتبوك، وبعث به دحية أيضا، وإرساله إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بذهب قسمه بين أصحابه، كما رواه ابن حبان.

وروى أحمد وأبو يعلى: قدم -صلى الله عليه وسلم- تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلما جاءه الكتاب دعا القسيسين والبطارقة، وأغلق عليهم وعليه، فقال: إن هذا الرجل يدعوني، ووالله لقد قرأتم فيما تقرءون من الكتب، ليأخذن ما تحت قدمي، فهلم إلى أن نتبعه، فنخروا نخرة رجل واحد حتى إن بعضهم خرج عن برنسه، فلما ظن أنهم أن خرجوا من عنده، أفسدوا عليه الروم، قال: إنما قلت لأعلم صلابتكم على أمركم الحديث، وقد تقدم بعضه في غزوة تبوك، وأن إرسال الهدية وكتابته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعثه رسوله التنوخي، إنما كان لما أرسل إليه، وهو عليه السلام بتبوك، كما في الحديث، وبه جزم السهيلي.

قال في الفتح: روى ابن حبان أنه -صلى الله عليه وسلم- كتب إليه بتبوك يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب، فدل على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه، وخوفا من أن يقتله قومه، إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي -صلى الله عليه وسلم: إني مسلم، فقال: كذب، بل هو على نصرانيته، ولأبي عبيد: كذب عدو الله ليس بمسلم، فإطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن، أي: أظهر التصديق، لكن لم يستمر

وكتب صلى الله عليه وسلم إلى كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ملك فارس:

بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله.

__________

عليه، ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه، وآثر الفانية على الباقية، ولو تفطن لقوله -صلى الله عليه وسلم: أسلم تسلم، وحمل الخبر على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم، أو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله، واختلف الأخباريون: هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر، أو ابنه، والأظهر أنه هو "انتهى".

"وكتب صلى الله عليه وسلم إلى كسرى" بكسر الكاف وتفتح, لقب لكل من ملك الفرس، قال ابن الأعرابي: الكسر أفصح، واختاره أبو حاتم، وأنكره الزجاج، واحتج بأن النسبة كسروي بالفتح، ورده ابن فارس بأن النسبة قد يفتح فيها ما الأصل كسره أو ضمه، كما قالوا في بني تغلب بكسر اللام: تغلبي بفتحها، وفي سلمة كذلك، فلا حجة فيه على تخطئة الكسر.

قال في الفتح: ومعناه بالعربية المظفر "أبرويز"، بفتح الواو، وكسرها، ويقال له: أبرواز وآخره زاي معجمة كما في القاموس, ومقتضى قاعدته فتح همزته.

قال السهيلي في أوائل الروض: ومعنى أبرويز بالعربية المظفر، وهو الذي غلب على الروم حين أنزل الله: {الم، غُلِبَتِ الرُّومُ} [الروم: 2] انتهى, فعلى هذا، فكل من لفظ كسرى وأبرويز معناه المظفر "بن هرمز بن أنوشروان"، وهو كسرى الكبير المشهور، الذي بنى الإيوان، وملك ثمانيا وأربعين سنة، وقيل: إنه الذي كتب إليه -صلى لله عليه وسلم.

قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنذر بأن ابنه يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى أبرويز بن هرمز, "ملك فارس"، ولفظه فيما أخرجه الواقدي من حديث الشفاء بنت عبد الله "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال في فتح الباري: لم تجر العادة الشرعية، ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه -صلى الله عليه وسلم- إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة, "من محمد رسول الله" فيه البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد أخرج أحمد وأبو داود أن العلاء بن الحضرمي كتب إليه -صلى الله عليه وسلم- وكان عامله على البحرين: من العلاء إلى محمد رسول الله، فبدأ بنفسه، وعند البزار أنه -صلى الله عليه وسلم- وجه عليا وخالد بن الوليد, فكتب إليه خالد, فبدأ بنفسه, وكتب إليه علي, فبدأ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يعب على واحد منهما، وكتب ابن عمر إلى معاوية وعبد الملك، فبدأ بهما، وكذا جاء عن زيد بن ثابت إلى معاوية "إلى كسرى عظيم فارس، سلام" من عذاب الله "على من اتبع الهدى" الرشاد، "وآمن بالله ورسوله،

وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله عز وجل، فإني رسول الله إلى الناس كلهم؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فعليك إثم المجوس.

فلما قرئ عليه الكتاب مزقه، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: مزق ملكه.

__________

وشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله"، أكد في هذا الكتاب، وأوضح البيان؛ لأنهم مجوس، لا يقرءون الكتب، ولا يعرفون مدلولات الألفاظ بسرعة، بخلاف قيصر، فإنه كتابي قد قرأ الكتب، فلم يصح بدعائه إلى الشهادة له -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة؛ لكونه منطويا في قوله على من اتبع الهدى وأسلم، ودعاية الإسلام، فإن جميعه يتضمن الإقرار بالشهادتين، "أدعوك بدعاية الله عز وجل" بكسر الدال، كما مر "فإني رسول الله إلى الناس كلهم"، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [سبأ: 28] ، "لينذر" الرسول وراعى نظم القرآن مع مراعاة لفظ رسول الله.

وفي نسخة: لأنذر، وهو الذي في العيون عن رواية الواقدي المذكورة على الاقتباس "من كان حيا" عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، "ويحق القول" يجب كلمة العذاب "على الكافرين" المصرين عل الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم أموات في الحقيقة، كما قال البيضاوي: "أسلم تسلم"، لم يقل: يؤتك الله أجرك مرتين، لأنه مجوسي، عابد لنا, لا كتاب له ولا دين، "فإن توليت، فعليك" مع إثمك "إثم المجوس" يعني أتباعه عبدة النار، واختلف هل كان لهم كتاب أم لا، فيروى عن علي: أنهم كان لهم كتاب فبدلوه، فأصبحوا وقد أسرى به.

رواه الإمام الشافعي، وقال: متصل، وبه نأخذ, ورد بأن في إسناده سعيد بن المرزبان ضعفه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن معين، وقال الفلاس: بالفاء متروك الحديث، وقال أبو أسامة: كان ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس.

وقال ابن القيم: الأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب، فرفع ورفعت شريعتهم، لما وقع ملكهم على بنته لا يصح البتة.

وعند الواقدي، قال عبد الله بن حذافة: فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه الكتاب، "فلما قرئ عليه الكتاب مزقه"، أي: خرقه، "فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فقال: "مزق ملكه" " دعاء، أو إخبار بالغيب، ويؤيد الأول قوله الآتي: فدعا عليهم.

وفي البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يمزقوا كل ممزق.

__________

"وفي البخاري" في العلم والجهاد والمغازي وغيرها من أفراده عن مسلم "من حديث" الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن "ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة" القرشي "السهمي"، أسلم قديما، وكان من المهاجرين الأولين، قيل: واختاره لتردده عليه كثيرا، "فأمره"، أي: أمر المصطفى عبد الله "أن يدفعه إلى عظيم البحرين" المنذر بن ساوى -بالمهملة وفتح الواو الممالة- العبدي نائب كسرى على البحرين، "فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى".

قال الحافظ: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: فتوجه إليه، فأعطاه الكتاب، فأعطاه لقاصده عنده، فتوجه به، فدفعه إلى كسرى، ويحتمل أن المنذر توجه بنفسه، فلا يحتاج إلى القاصد، ويحتمل أن القاصد لم يباشر إعطاء كسرى بنفسه، كما هو الأغلب من حال الملوك، فيزداد التقدير ا. هـ، ولم يتنزل للجميع بينه وبين ما ذكره الواقدي أن عبد الله بن حذافة دفع الكتاب إلى كسرى؛ لأن مثله لا يعارض به ما في الصحيح، فإن كان محفوظا، فيحتمل أن عبد الله لما وصل إلى عظيم البحرين، أرسله أو ذهب به إلى كسرى، فاستأذن حتى دخل عليه، "فلما قرأه" رواية الكشميهني، وللأكثر، فلما قرأ بحذف المفعول، وفيه مجاز، فإنه لم يقرأه بنفسه، وإنما قرئ عليه، كما ذكر ابن سعد من حديث عبد الله بن حذافة، هكذا في الفتح، فقول المصنف: قرأه بنفسه، أو قرأه غيره عليه, فيه نظر, "مزقه" بزاي وقاف، أي: قطعه، وهذا لفظ البخاري هنا.

وفي كتاب العلم، وله في الجهاد خرقه بخاء معجمة، وشد الراء بدل مزقه، وهو قريب منه في المعنى، "فحسبت أن ابن المسيب"، قال الحافظ: قائله الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور، ووقع في جميع الطرق مرسلا، ويحتمل أن ابن المسيب سمعه من عبد الله بن حذافة صاحب القصة، "قال: فدعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يمزقوا كل ممزق" بفتح الزاي فيهما، أي: يتفرقوا ويتقطعوا، فاستجاب الله لرسوله، فسلط الله على أبرويز ابنه شيرويه، فقتله، ثم قتل إخوته، وكان أبوه لما علم أن ابنه يقتله, احتال على قتل ابنه بعد موته، فعمل في بعض خزائنه المختصة به حقا مسموما، وكتب عليه حق الجماع من تناول منه، كذا جامع، كذا, فقرأه شيرويه، فتناول

وقيل: بعثه مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، والذي في البخاري هو الصحيح.

وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد من مرسل عمير بن إسحاق, قال: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية".

__________

منه، فهلك بعد أبيه بستة أشهر، ولم يخلف ذكرا، فملكوا أخته بوران بضم الموحدة, ذكره ابن قتيبة في المعارف، ثم ملكوا أختها أزدميدخت، كما ذكره الطبري, فجر ذلك إلى ذهاب ملكهم ومزقوا، كما دعا به -صلى الله عليه وسلم- هكذا في الفتح، ونقل غيره عن كتاب المعارف لابن قتيبة المذكور أنه تولى بعد شيرويه ابن عمه كسرى بن قياذ بن هرمز وأردشير بن شيرويه وجرهان، ثم ملك بعدهم بوران بنت كسرى، فبلغه -صلى الله عليه وسلم- فقال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، "وقيل: بعثه"، أي الكتاب "مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، أخرجه ابن عدي بسند ضعيف عن ابن عباس.

قال الحافظ: فإن ثبت, فلعله كتب إلى ملك فارس مرتين، "والذي في البخاري هو الصحيح"، وفي رواية عمر بن شبة أنه بعثه مع خنيس بن حذافة أخي عبد الله، وهو غلط، فإنه مات بأحد، فتأيمت منه حفصة، وبعث الرسل كان سنة سبع انتهى. وقيل: مع خارجة بن حذافة، ولا يصح لأن خارجة كما في الإصابة, من مسلمة الفتح والبعث كان قبله، وقيل: مع شجاع بن وهب وفيه نظر، فالمروي عند الطبراني وغيره أنه بعث شجاعا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وبعثهم كان في آن واحد، "وفي كتاب الأموال لأبي عبيد من مرسل عمير" بضم العين مصغرا "ابن إسحاق" أبي محمد، مولى بني هاشم, مقبول من الثالثة، كما في التقريب: قال: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى، فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر, فلما قرأ الكتاب طواه، ثم رفعه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أما هؤلاء -أي كسرى وقومه- فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية"، فكان كذلك، فعاش قيصر إلى زمان عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل: مات في زمنه -صلى الله عليه وسلم- والذي حارب المسلمين بالشام ولده ولقبه أيضا قيصر.

وفي حديث التنوخي رسول هرقل أنه -صلى الله عليه وسلم- قال له: "يا أخا تنوخ, إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه, والله ممزقه وملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة، فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير".

وروي أنه لما جاءه جواب كسرى قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل قال: "ثبت ملكه".

وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر رحمه الله في فتح الباري عن سيف الدين قلج المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية، أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه، وقال: لأتحفنّك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقا

__________

"وروي أنه لما جاءه جواب كسرى، قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل، قال: "ثبت ملكه" "، فذهب ملك كسرى أصلا، وبقي ملك قيصر، وإنما ارتفع من الشام وما والاها، وعبر بالملك نظرا للظاهر، فلا ينافي أنهما معزولان عن الملك بحكم الإسلام، ولا يرد على هذا حديث الصحيح: إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، و



كلمات دليلية: