مخططًا عسكريًّا

مخططًا عسكريًّا


المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية

...

,

المبحث الخامس: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية العسكرية

وفيه أربعة مطالب:

المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية.

المطلب الثاني: في الضوابط التي وضعها الشارع للجيش الإسلامي

المطلب الثالث: الاهتمام باقتناء السلاح

المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي

المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية

تختلف الغايات والأهداف في إنشاء الجيوش العسكرية عند الدول، فمنها: إنشاء الجيوش لحماية الدولة من التدخل الأجنبي فحسب، ومنها إنشاؤها لحماية المقدرات والمكتسبات، ومنها التعدي على الآخرين لزيادة نفوذ الدولة والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض؛ وذلك لأطماع اقتصادية في الغالب، ويرجع هذا كله إلى طبيعة تكوين الدول وقوة جيشها وتسليحه…إلخ.

وأغلب أهداف كثير من الدول غير شرعية وغير قانونية، وغالباً عند نشوب القتال بين بعض هذه الدول لتحقيق بعض الأهداف السياسية والاقتصادية تكون غير واضحة المعالم لجيشها، ويجهل ما يقاتل من أجله، شأنه في ذلك شأن قتال القبائل العربية قبل الإسلام؛ لأنَّ الهدف في الجملة محدود ودنيوي بحت؛ لذلك يسود القوي ويستعلي على الآخرين، لكن تبقى الاضطرابات مستمرة ولا يستقر الأمن أبداً حتى تسقط تلك الدولة، وتأتي على إثرها أخرى…

لكن إنشاء الجيش الإسلامي تختلف أهدافه تماماً، فغاياته سامية، وغرضه نبيل، فالغرض ديني بحت لنشر الإسلام وإقامة شرع الله في الأرض لا لشيء آخر {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ} [النساء:71] ، ولكن لهذا القتال ضوابط ستأتي في المطلب الثاني.

,

المطلب الثاني: في الضوابط التي وضعها الشارع للجيش الإسلامي

مما يدل على أن الدين الإسلامي دين العدل والرحمة والمساواة تلك الضوابط التي وضعها الشارع على الجيوش الإسلامية، وهي ضوابط وقيود خاصة لا يشاركه فيها أي جيش في العالم، والسيرة النبوية مليئة بذلك، فلا قتال دون سابق إنذار إلا لمن بلغتهم الدعوة، ولا قتال يتسم بالعنف الهمجي الذي يجهز على إزهاق الأنفس بحق وبغير حق. عن بريدة بن الحصيب رضي الله عنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش، أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله عز وجل، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزُوهم باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر، اغزوهم فلا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام …" الحديث (1) .

قال النووي رحمه الله: ((وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهية المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى والرفق بأتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم ويحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره وما يستحب)) (2) .

__________

(1) صحيح مسلم، رقم الحديث (1731) .

(2) شرح النووي على مسلم (12/37) .

فهذه الوصايا الجامعة الشاملة من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليست لجيشه فقط، وإنما هي للأمة الإسلامية عامة، فمن تمسك بهذه الضوابط كان الفلاح والنصر حليفه إن شاء الله.

وهناك أمثلة أخرى كثيرة، لكن المقام لا يتسع لذكرها، منها قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع أهل خيبر (1) ، وقصة معاذ بن جبل رضي الله عنه مع أهل اليمن (2) …إلخ.

__________

(1) مسلم، رقم الحديث (2404) .

(2) البخاري، رقم الحديث (4347) .

,

المطلب الثالث: الاهتمام بافتناء السلاح

...

المطلب الثالث: الاهتمام باقتناء السلاح

كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أن قوة السلاح لها أثرها البالغ في إحباط معنويات العدو، ولذلك اهتم صلى الله عليه وسلم باقتناء السلاح، فقد صالح صلى الله عليه وسلم بني النضير عندما أجلاهم إلى خيبر أن لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعة إلا السلاح (1) .

وحرص أيضاً على شرائها، فقد أرسل صلى الله عليه وسلم مع سعد بن زيد الأنصاري رضي الله عنه بعضاً من سبايا بني قريظة وأمره أن يبيعهم من أهل نجد، ويشتري بالثمن خيلاً وسلاحاً (2) .

كما صالح صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على أن يُخَلُّوا بينه وبين الصفراء والبيضاء والحلقة … (3) ، واستعار صلى الله عليه وسلم أدرعاً من صفوان بن أمية يوم حنين (4) .

__________

(1) مصنف عبد الرزاق (5/358) رقم (9733) .

(2) ابن إسحاق (ابن هشام) (2/245) بدون إسناد.

(3) سنن أبي داود رقم (3006) وحسنه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود (2/583-584) .

(4) أخرجه أحمد في المسند (24/12) رقم (15302) ، وأبو داود رقم 03562) ، وقد صححه العلامة الألباني، انظر: إرواء الغليل (5/244) رقم (1513) .

وحثّ عليه الصلاة والسلام المسلمين في غزوة تبوك، فقال عليه الصلاة والسلام:"من جهّز جيش العسرة فله الجنة ". فجهزه عثمان رضي الله عنه (1) .

وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الجندي المسلم لا بد أن يقتنى السلاح ليكون على أُهبة الاستعداد، وفتّاكاً ليرهب به الأعداء، وذلك على ضوء قوله جل شأنه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال:60] .

وحشد الجيوش والعتاد الحربي لمجابهة العدو لاتكفي، فلا بد من وجود القوة المعنوية المتمثلة في غرس العقيدة الصحيحة في نفس المسلم، وأن يكون القتال لإعلاء كلمة الله، فلا قتال لحسَب ولا لمال ولا لجاه "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (2) .

فهذه من الأمور المهمة التي لا بد أن يدركها الجندي المسلم في كل زمان ومكان.

__________

الألباني، انظر: إرواء الغليل (5/244) رقم (1513) .

(1) البخاري مع الفتح (5/406-407) ، رقم (2778) .

(2) البخاري، رقم الحديث (123) ، ومسلم/ حديث رقم (1904) .

,

المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي

من الأشياء العجيبة تلك التنظيمات التي كان يتبعها النبي صلى الله عليه وسلم، وتلك السياسة التي كان ينتهجها عليه الصلاة والسلام في غزواته.

1- فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزو العدو جعل أميراً على المدينة يخلفه عليها حتى يرجع (1) ، وإذا أرسل سرية أمَّر عليهم رجلاً منهم (2) .

وهذا يدل على أهمية وجود الأمير في السلم والحرب، وأنّ الأمور لا تنضبط إلا بوجوده.

2- من سياسته العسكرية عليه الصلاة والسلام أنّه لا يريد غزوة إلاّ ورَّى (3) بغيرها (4) ، حتى يباغت الأعداء ويأخذهم على حين غِرَّة، وهذا في حالة إنذارهم من قبل، أما مباغتتهم بدون إنذار فلا، وذلك كتصبيحه صلى الله عليه وسلم بني النضير (5) ، وإخفاء خروجه صلى الله عليه وسلم لفتح مكة وغيرهما (6) .

3- كانت للنبي صلى الله عليه وسلم رايات يحملها جماعة من أصحابه، فقد كانت للمهاجرين راية، وللأنصار رايتان واحدة للأوس، وأخرى للخزرج (7) .

__________

(1) صحيح مسلم، رقم الحديث (1731) .

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/8، و2/9، 2/12) وغيرها.

(3) ورَّى بغيرها: أي أوهم غيرها، والتورية: أن يذكر لفظاً يحتمل معنيين أحدهما أقرب من الآخر، فيوهم إرادة القريب وهو يريد البعيد، فتح الباري للحافظ ابن حجر (8/117) .

(4) صحيح البخاري، رقم (4418) .

(5) انظر: مصنف عبد الرزاق (5/358) وما بعدها، رقم الحديث (9733) .

(6) انظر: البخاري، رقم الحديث (4274) .

(7) انظر في أمر الألوية والرايات: سنن الترمذي (3/115) ، وفتح الباري (7/477) ، والتراتيب الإدارية للكتاني (1/320) .

والهدف من حمل الرايات -والله أعلم- التميّز عن الغير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تقاتل كل فئة تحت رايتها فتستميت دونها، وحتى لا تأتي الهزيمة من قِبَلها، وبما أنّ حامل الراية هو الأكثر عرضة للقتل، فلا بد أن يكون متصفاً بالشجاعة والإقدام؛ لأنّ الراية إذا سقطت انهار الجيش.

وقد كانت بعضُ راياتِ النبي مكتوباً عليها: لا إله إلا الله (1) .

وهذا يدلّ على أنّ العبارات الإسلامية التي تكتب اليوم على الأعلام لها أصل في السيرة النبوية.

4- كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استنفر الناس وتجهزوا استعرضهم حتى لا يخرج معه إلا من كان قادراً على القتال، فكان صلى الله عليه وسلم لا يسمح باصطحاب الغلمان، والعجزة كما حصل في غزوة أحد (2) ، ولا يسمح للمشركين بالقتال مع المسلمين جنباً إلى جنب (3) .

وهذا يدل على أخذ الحيطة والحذر؛ لأنّ المشركين يخشى منهم الغدر والخيانة وهم مظنة ذلك مع إخوانهم المنافقين.

5- كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا وصل أرض المعركة اتخذ له مكاناً مناسباً وجعل جيشه في صفوف حتى لا يخترق، ثم يوصيهم بتقوى الله والصبر والسمع والطاعة، وكان يجعل لهم شعاراً يعرف به بعضهم بعضاً، وهذا الشعار يكون في كلمة أو كلمتين، مثل الشعار الذي كان لهم في غزوة بني المصطلق

__________

(1) فتح الباري (7/477) .

(2) البخاري، رقم (4097) ، ومسلم، حديث رقم (1868) .

(3) صحيح مسلم، رقم (1817) .

((يا منصور أَمِتْ)) (1) .

لأنّ بعض المقاتلين لا يعرف بعضهم بعضاً من تغطية السلاح لأشياء كثيرة من أجسادهم ووجوههم، فقد لا ترى إلا الحدق -العيون- منهم، فحتى لا يضرب بعضهم بعضاً كانت هذه الشعارات، وهي متوارثة بين الجيوش في هذا الزمن، لكن كلمة السر تختلف بالطبع من بلد إلى آخر.

6- مشاورة أصحابه صلى الله عليه وسلم: كان عليه الصلاة والسلام يتخذ كل التدابير وكافة الاحتياطات للعدو، من ذلك مشاوراته لأصحابه مما يجعل الجندي قريباً من الأمير، وفي هذه الحالة يمكن للجندي أن يشارك في صنع بعض القرارات العسكرية ويشير بما يراه، ومن ذلك إشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب (2) . وهذا العمل لم يكن معروفاً عند العرب، ولذلك تفاجأت قريش ومن معها عندما رأت الخندق حول المدينة.

7- أيضاً كانت الحرب الإعلامية لها دور كبير، وإن لم تكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة التي في زمننا، لكنها قريبة منها، وذلك كقصة نعيم بن مسعود الأشجعي رضي الله عنه في غزوة الخندق عندما خذَّل بين الفريقين المشركين واليهود من بني قريظة بطريقة معينة (3) أدت إلى فشل خطة الفريقين وبالتالي ساهمت في هزيمتهم بفضل الله تعالى، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

__________

(1) المعجم الأوسط للطبراني (6/134-135) رقم (6015) عن سنان بن وبرة، قال: ((كنا مع النبي (في غزوة المريسيع…)) فذكره.

(2) الطبقات الكبرى لابن سعد (2/66) معلقاً.

(3) انظر تفصيل ذلك في مصنف عبد الرزاق (5/368-369) من طريق الزهري عن ابن المسيب مرسلاً.

"الحرب خُدعة" (1) .

8- كان النبي عليه الصلاة والسلام يحاول جاهداً معرفة العدو وما يتعلق به من عدة وعتاد، وذلك بإرسال الجواسيس كما حصل في غزوة بدر الكبرى (2) ، وغزوة الخندق (3) ، وبني قريظة (4) ، وغيرها.

فمن خلال تلك التنظيمات والتعليمات السائدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن الاستفادة منها في هذا العصر وفي كل عصر، مع الأخذ بعين الاعتبار الاستفادة من التقنيات الحديثة في الكشف عن مخططات الأعداء، وكل ما يتعلق بتنظيماتهم ومخططاتهم ضد الإسلام والمسلمين، فلها أصل أصيل في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وبهذا يتضح جليّاً أهمية دراسة السيرة النبوية في حياة المسلمين وضرورة العناية بها، وإن كان الموضوع فيه نقص كبير، فالسيرة النبوية هي لُبُّ الإسلام، ولا يمكن أن يفي هذا البحث المتواضع بجميع جوانبها، لكن ذلك جهد المقل، وإلا فالسيرة النبوية معين لا ينضب، وبحر لا تكدِّره الدلاء، والله المستعان، والحمد لله ربِّ العالمين.

__________

(1) البخاري، رقم (3029) ، ومسلم حديث رقم (1740) .

(2) صحيح مسلم، حديث رقم (1779) .

(3) صحيح مسلم، حديث رقم (1788) .

(4) البخاري، حديث رقم (4113) ، ومسلم، حديث رقم (2415) .



كلمات دليلية: