مأساة بئر معونة _17107

مأساة بئر معونة


بعث بئر معونة:

(وأربعوا) مبتدأ، وهو ملحق بالجمع المذكّر، وحذفت

أبا براء وكلا البعثين ... قد أرسلا ليرشدا للدّين

نونه؛ للإضافة إلى (بئر معونة) بفتح الميم وضم المهملة:

موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان، نسب إليه البعث، وكان في صفر على رأس أربعة أشهر من غزوة أحد «1» عند ابن إسحاق (الغرر) جمع غرّة في الأصل: بياض في جبهة الفرس، وهو نعت قوله: (أربعو) أي: الموصوفون بالشرف (إبن الطّفيل) مبتدأ ثان، وقوله: (عامر فيهم) عطف بيان، وجملة: (خفر) خبر للثاني، وهو والخبر خبر للأول، ومفعول خفر قوله: (أبا براء) أي: نقض عهد عمّه أبي براء.

,

جوار أبي براء للبعث، ونقض ابن أخيه له:

وذلك أنّ أبا براء- واسمه عامر بن مالك العامريّ، المعروف بملاعب الأسنة- قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الإسلام، فلم يسلم، ولم يبعد، بل قال: يا محمّد؛ إنّي أرى أمرك هذا حسنا شريفا وقومي خلفي، فلو أنّك بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك.. لرجوت أن يستجيبوا لك، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّي أخشى أهل نجد عليهم» وهم: بنو عامر، وبنو سليم، قال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المنذر بن

__________

(1) وقد كانت أحد في شوال سنة ثلاث.

عمرو أخا بني ساعدة المعنق للموت في أربعين رجلا من القراء أو سبعين كما في «الصحيحين» - من خيار المسلمين، فساروا حتى إذا نزلوا بئر معونة.. بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عدوّ الله عامر بن الطفيل العامريّ ابن أخي أبي براء، فلمّا أتاه.. لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله.

,

استشهاد البعث:

ثمّ استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه، وقالوا:

لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصيّة، ورعلا، وذكوان، فأجابوه إلى ذلك؛ طلبا لثأر طعمة بن عدي- وكانوا أخواله- فخرجت هذه القبائل حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلمّا رأوهم.. أخذوا سيوفهم، فقاتلوهم حتى قتلوا إلى آخرهم، إلّا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار.. فإنّهم تركوه وبه رمق، فارتثّ من بين القتلى- حمل من المعركة جريحا رثيثا؛ أي: وبه بقية حياة- فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا رضي الله عنه.

حزن الرسول صلّى الله عليه وسلّم على الشهداء، ودعاؤه على القتلة:

فلمّا بلغ النّبيّ صلى الله عليه وسلم خبرهم.. قال: «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوّفا» ، فبلغ ذلك أبا براء، فمات أسفا على ما صنع ابن أخيه عامر.

وفي الصحيح: (أنّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم لمّا بلغه ذلك.. قنت شهرا يدعو في صلاة الصبح على أحياء من أحياء العرب: على رعل، وذكوان، وعصيّة، وبني لحيان) اهـ

وذكر الإمام القسطلانيّ عن العيني عن كتاب «شرف المصطفى» : (لما أصيب أهل بئر معونة.. جاءت الحمى إليه فقال لها: «اذهبي إلى رعل وذكوان وعصية عصت الله ورسوله» فأتتهم، فقتلت منهم سبع مئة رجل، بكل رجل من المسلمين عشرة) اهـ

,

دفين الملائكة:

وممّن قتل من المسلمين يومئذ: عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق، فلم يوجد جسده رضي الله تعالى عنه، دفنته الملائكة.

,

مهمة البعثين:

وقوله: (وكلا البعثين) أي: بعث الرجيع، وبعث بئر معونة (قد أرسلا) من طرف النّبيّ صلى الله عليه وسلم (ليرشدا للدّين) ولم يرسلا لقتال «1» ، فمن ثمّ قال أنس- كما

__________

(1) في الصحيح عن أبي هريرة: (أن بعث الرجيع كان عينا يتحسسون للرسول صلى الله عليه وسلم) وفي رواية عن عروة: (بعثهم عيونا إلى مكة؛ ليأتوه بخبر قريش) وهو ما تقدم في الشرح، وفي حديث عاصم بن عمر ما يفيد أنّ البعث للتفقه في الدين وتعليمهم الشرائع، وهو ما اعتمده الناظم. ويجمع بأنّه لمّا أراد صلى الله عليه وسلم بعثهم عيونا.. وافق مجيء النفر معه- عضل والقارة- بناء على طلب بني لحيان يطلبون بعثا معهم للتفقيه، فبعثهم في الأمرين جميعا، فتأمل. اهـ من «شرح المواهب» .

رواه ابن سعد بسند صحيح-: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد على أحد ما وجد على أهل بئر معونة) لا سيّما وقد جرت عادة العرب قديما بأنّ الرسل لا تقتل.

وتعرف هذه السّرية بسرية المنذر بن عمرو الساعدي، وببئر معونة، وبسرية القرّاء.

,

الفرق بين البعث والسرية:

تنبيه: قال العلّامة ابن المختار في «تبصرة المحتاج» : (قد بحثت أشد البحث عن الفرق بين البعث والسّرية، فلم أحصل في الفرق بينهما على طائل؛ لأنّ كلّا منهما معناه: هو الذي لم يخرج فيه النّبيّ عليه الصّلاة والسّلام بنفسه الشريفة، فهما مترادفان، اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ البعث ما أرسل للدعوة للدين، كأهل الرجيع، وأهل بئر معونة، والسرية: ما أرسل للقتال، فتسميتها إذا بالبعث من تسمية الكل باسم الجزء، والغزوة: ما خرج فيها عليه الصّلاة والسّلام بذاته الشريفة، إلّا مؤتة.. فإنّهم يعدونها في المغازي؛ إمّا لعظمها، أو لارتفاع معركتها له عليه الصّلاة والسّلام حتى شاهدها، فكأنّه حضرها بنفسه الشريفة) .

قال في «روض النّهاة» : (كان الناظم رحمه الله تعالى سئل نظم بعث الرجيع، فلمّا نظمه.. نظم بعث بئر معونة، ثمّ نظم الغزوات) اهـ

فغزوة الغابة وهي ذو قرد ... خرج في إثر لقاحه وجد

قلت: يؤخذ من شرح الحافظ ابن حجر للسّرية التي قبل نجد، أنّ السريّة: القطعة من الجيش، تخرج منه وتعود إليه، وما افترق في السرية يسمى بعثا، وهذا فيما لم يخرج فيه النّبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم لك.



كلمات دليلية: