لماذا يعتبر رسول الله أعظم قائد عسكري؟

قيادة الرسول العسكرية

اعترف كثير من جنرالات العالم ومفكريه بعظمة القيادة العسكرية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وقد استطاع توحيد الجزيرة العربية وتكوين أول جيش نظامي، بعد أن كانت مجرد قبائل متناحرة، وقاد عمليات ناجحة في سنوات وجيزة وصلت لحدود الشام، ولكن ثورته العسكرية التي انتشر بفضلها دين الإسلام، لم تكن يحركها دوافع مادية كعادة الجيوش، لتكوين إمبراطوريات أو جني غنائم، وإنما كان غرضها نشر دين التوحيد بعد عصور من الظلام وعبادة الأصنام. [ريتشارد جابريل، العبقرية العسكرية الفذة للمتمرد الأول، دراسة]

يقول مونتغمري وات، القائد العسكري الفذ بالحرب العالمية: "كلما فكرنا في تاريخ محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتاريخ أوائل الإسلام، تملكنا الذهول أمام عظمة مثل هذا العمل. ولا شك أن الظروف كانت مواتية لمحمد فأتاحت له فرصًا للنجاح لم تتحها لسوى القليل من الرجال غير أن الرجل كان على مستوى الظروف تمامًا. فلو لم يكن نبيًا ورجل دولة وإدارة، ولو لم يضع ثقته بالله ويقتنع بشكل ثابت أن الله أرسله، لما كتب فصلاً مهمًا في تاريخ الإنسانية. [محمد في مكة، مونتغمري، 517]

لماذا حارب محمد؟

يقول الكاتب واشنطن أيرفنج أحد المستشرقين المهتمين بسيرة النبي:إن الإنتصارات العسكرية التي حققها محمد لم تصبه بالغرور لان الدوافع التي كانت تدفعه لم تكن دوافع شخصية وإنما كانت إلهية

لم يكن محمدا ساعيًا إلى الجاه أو السلطان؛ فقبيلته التي كان ينتسب إليها قبيلة معروفة في مكة وبعهدتها إدارة البيت الحرام، وبالفراسة التي كان يتمتع بها والمكانة التي يحتلها في النفوس كان سيصل لما يريد، كما أنه كان يعلم إذا عرض عليهم الدين الجديد سيفقد الجاه والاحترام، ولكنه سار لتحقيق أهدافه واضطر إلى الهجرة في سبيل الله من بلده مكة إلى المدينة، وفي نهاية المطاف استطاع العودة إلى وطنه، وكسر شوكة المشركين وأقبلت الدنيا عليه بمغرياتها، ورغم ذلك لم يغير سلوكه وأخلاقه، ولعل تواضعه ازداد وعزوفه عن الدنيا وزخارفها، وهذا مما يدفع عنه أي مجال للتهمة.

وقد قصدت السرايا الأولى لإفهام قريش أن مصلحتهم تقتضيهم التفاهم مع المسلمين من أهلهم الذين اضطروا إلى الجلاء عن مكة بسبب ما عانوا من الاضطهاد، ولم يكن غرضها الانتقام ولا نهب القوافل كما تحدث مستشرقون.

وهو يشير إلى أن الغرض الأساسي برأيه من حروب محمد كان إتاحة حرية الدعوة لدين الله طليقة، وكان لا يمانع من معاهدة قريش نفسها طالما تحقق هذا الغرض، كما كان يرمي لإرهاب اليهود ممن دأبوا على معاداة الإسلام في مهده.[واشنطن إيفرنج، حياة محمد، بتصرف]

 

استخبارات وعمليات خاصة

وقد كوّن محمد صلى الله عليه وسلم، شرطة سرية لنقل المعلومات، وجهازا للعمليات الخاصة، وجهازا للاستخبارات، وكانت أجهزة شديدة الفعالية في نجاح حروبه، وكان اختياره للقادة مبني على قدرتهم القتالية وليس إيمانهم فحسب، وكانت جيش المسلمين متماسكا يتمتع بالولاء الديني وليس القبلي المبني على العصبية كعادة العرب.

كيف كون الرسول جيش المسلمين؟

قاد رسول الله نحو 28 غزوة بنفسه ضد المشركين، ولم يكتف بالتخطيط فحسب، وكان يتمتع بالبراعة للدرجة التي استخدم فيها مبكرا استراتيجيات متنوعة للحرب نذكر منها: الحرب النفسية وحرب الشوارع (خيبر وفتح مكة)، الحرب الوقائية (السرايا عموما) لدرء خطر قبل وقوعه، حرب العوائق (حفر الخندق)، الحصار (غزوة الطائف).

لم يكن جيش المسلمين من ذلك النوع المتفرغ الذي نراه اليوم بحيث يتفرغ الرجل لحياة الجندية، وإنما كان طلب الجهاد حين تكون الحاجة أي حين يقرر النبي شن حملة عسكرية فيهب المسلمون للنصرة.

وكانت قلة إمكانات المسلمين تجعل بعض السرايا تخرج على الأقدام كما جرى بسرية الخرار التي قادها سعد بن أبي وقاص، وغزوة ذي العشيرة حيث كان البعير يتعاقبه الرجلان والثلاثة، وسرية مؤتة .

وكان النبي يحضُّ الموسرين على تجهيز غيرهم من الفقراء فقال: « من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلّف غازيًا في أهله بخير فقد غزا» فاستجاب المسلمون لذلك، ففي تبوك 9 هـ تصدق عثمان بألف دينار، وقدَّم ثلاثمائة بعير فأثنى النبي عليه، وتبرع أبو بكر بماله البالغ أربعة آلاف درهم وجاء عمر بنصف ماله .

وشكلت الغنائم جزءًا رئيسيّا في تجهيز المقاتلة وإمدادهم بالسلاح وغيره، وجرى ذلك بغزوة بدر وكافة الغزوات التي انتصر فيها المسلمون، وأخذ النبي سلاحًا كثيرًا من يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ويهود خيبر. [الإدارة في عصر الرسول، حافظ الكرمي، ص188]

وحاول النبي أن يوفر السلاح عن طريق استعارة الأسلحة ففي غزوة هوازن(8 هـ)ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعًا وسلاحًا فأرسل إليه يقول: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غدًا » فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: « بل عارية وهي مضمونة حتى نؤديها إليك» فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، كما اقترض النبي في حنين أربعين ألف درهم من عبد الله بن أبي ربيعة وردها له بعد عودته من المعركة واقترض كذلك خمسين ألفا أخرى من صفوان بن أمية ثم ردها إليه.

وكان الشراء وسيلة أخرى لتوفير ما يحتاجه المسلمون من سلاح فقد أرسل النبي قسما من خمس ما غنمه من قريظة مع سعد بن زيد الأنصاري إلى نجد فباعهم واشترى بثمنهم خيلا وسلاحا.

وقد تطورت قوة الجيش العددية، فكانت في غزوة بدر (300 مقاتل)، وفي بدر الثانية (1500)، وفي خيبر (2000)، وفي فتح مكة (10 آلاف)، وفي حنين (12 ألف)، وفي تبوك (30 ألف) بقوة فرسان وعتاد كبير.

عظمة الرسول قائدا عسكريا

تربى محمد منذ صغره على حضور مجالس القبائل في القضايا الحاسمة،وشارك في حرب الفجار مع أعمامه، وكان جده قائدًا في قريش وساقيًا للحجيج ومعروفًا بصفات الزعامة العربية والكرم.

ومن أمثلة قيادته العظيمة: [ابن هشام، عبقرية محمد للعقاد، وقيادة محمد لجون آدير، بتصرف]

عبقرية التخطيط: ظهرت عبقرية الرسول العسكرية منذ معركة بدر، حيث رتَّبَ قوى المسلمين بشكل مثلث، وكان بوَضْعٍ مَكَّنه من جعل كل جندي مسلم أن يستقبل بمفرده العدو من غير استدبار، وبالطبع كانت تلك عوامل يسبقها يقين الجندي المسلم وطلبه الشهادة، ولهذا انتصر المسلمون رغم أن عددهم كان أقل ثلاث مرات من المشركين.

ومن عبقرية التخطيط: المبادأة في أغلب الغزوات والسرايا بدلا من الدفاع المتأخر، وكذلك فرض السرية التامة.

وقد ثَبَتَ عن رسول الله أنه أمر بالتدرب على الفروسية والرمي، وهناك حديث صحيح عن النبي وفيه: « كلُّ ما يَلهو بِه المرءُ المسلِمُ باطلٌ إلَّا رميَه بقوسِهِ وتأديبَهُ فرسَهُ » [ابن ماجة].

المشاركة في المشقة: شارك محمد أصحابه في تحمل الاضطهاد والتعذيب، وهاجر معهم من البلد المحبوب، وكان يحمل معهم الحجارة لبناء المسجد، وعند حفر الخندق الدفاعي حول أجزاء من المدينة حمل الرسول محمد المِعول بل لقد حمل سلالًا من التراب على كتفيه.

تقوية عزم الجنود: كانت غزوة تبوك في أجواء شديدة الحرارة وقد استطاع تقوية جنوده للخروج. كان علي بن أبي طالب يقول: "كنا إذا حمى البأس اتقينا برسول الله فما يكون أحد أقرب منه إلى العدو" ولولا ثباته في وقعة حُنين وقد ولت جمهرة الجيش وأوشك أن ينفرد وحده في وجه الرماة والطاعنين، لحقت الهزيمة على المسلمين.

القوة المعنوية: كان النبي عظيم الاعتماد على القوة المعنوية التي قال عنها نابليون أنها تساوي ثلاثة أضعاف الكثرة العددية.وكان وعد الجنة للشهداء ومحبة الجنود الغامرة لشخص النبي قائدهم، دافعًا قويًا إلى الأداء الجيد في القتال.

يقول الله تعالى: {وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران : 157] وقد روي عن النبي قوله: «مَا أَحَدٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ»[رواه البخاري]

الأخذ بالمشورة: منها مشورة أحد البدو وهو الحباب بن المنذر للنبي بإقامة حياض مياه عند بدر، ومشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق ثم استخدام المنجنيق لاحقا ضد المشركين.

التواضع: كان محمد متواضعًا لا يشبه الملوك فوق عروشهم، يفخر بأنه ابن امرأة بسيطة، وعاش في بيت بسيط فرشه الحصير ومبني من الحجارة الطينية، وفيه كانت تدار الخطط للحرب والسلم، وكان قوله: «سَيِّدُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ خَادِمُهُمْ»

الصفح الجميل: لم يشهد التاريخ رجلا امتلك زمام العفو كما فعل النبي مع أعدائه في سبيل تأليف قلوبهم لدين الله، وكان ممن عفا عنهم عتاة الشرك في قريش يوم فتح مكة ومنهم من تسبب بمقتل ابنته زينب وهو "هبار بن لأسود"، ومنهم من اشتد في هجائه ثم صار من أكبر مادحيه "كعب بن زهير".

 

حسن القيادة: تعلم النبي من رعي الغنم كيف يهتم بكل واحدة من الغنم، ويحافظ على وحدة القطيع في الوقت ذاته.

الرحمة: كان النبي يردد دوما: «أنا نبي المرحمة وأنا نبي الملحمة» وكانت مظاهر رحمته متعددة حتى بزمن الحروب، ومن ذلك بكائه على الشهداء ورفقه بأولادهن (أبناء جعفر بن أبي طالب شهيد مؤتة) وبسط ردائه للشيماء أخته من الرضاعة رغم كونها من معسكر الأعداء في غزوة حنين، ولقد نهى في كل معاركه عن قتل الغلمان والنساء والشيوخ، وقال لأسامة بن زيد حين قتل رجلا قد نطق الشهادتين «هلا شققت عن قلبه»[رواه مسلم]

الحكمة : عوَّض النبي البدو عن الغنائم التي أصروا عليها بعد غزوة حنين، وأرسل هدايا لسادات قريش بمن فيهم بعض المتآمرين بقبيلة هوازن التي ألبت الحرب، فيما جعل جزاء أصحابه صحبته والجنة.

الفروسية: كان محمد يمتلك الخيل ويقيم المسابقات بين الصحابة في حضرته على فنون القتال والعدو والرمي، وكان يتلو قول الله: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } [الأنفال: 60] فيقول: «أَلَا وَإِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رواه مسلم، بل وكان يمتطي الخيل بلا سرج وهو من دلائل فروسيته. وقد ظاهر الرسول في يوم أحد بين درعين.

القيادة بالقدوة : قرر محمد الأخذ بنصيحة زوجته أم سلمة، وذبح الهدي بعد صلح الحديبية، رغم غضب أصحابه من الشروط الجائرة، فقاموا وفعلوا ما فعل، وعادوا إلى المدينة وانتظروا حتى العام التالي للخروج للعمرة.

تربية القادة: كان محمد صلى الله عليه وسلم بارعا في اختيار قادة السرايا وتربيتهم على المسئولية (عمرو بن العاص، أسامة بن زيد)، كما اعتمد عددا من حديثي العهد بالإسلام ممن برعوا في ساحة القتال (خالد بن الوليد)، وكان يختار الشخص الأكثر تأثيرا فكانت سرايا هدم الأصنام تتم بقيادة رجال مقربين من القبيلة المطلوبة (هدم اللات والغزى وسواع)

الفراسة والوحي والكرامات: كانت بركة النبي تحل أينما ذهب، وهي من عوامل الدفع المعنوي للجنود، لكن الله لم يكن يحققها إلا مع اكتمال يقينهم وتحملهم، وقد أخبر النبي أهل تبوك بهبوب الريح، وكان من بركته أن الماء والطعام يكثر بين يديه ويتفجر ينبوعا وحدث ذلك في خيبر وتبوك وغيرها.

النزاهة: كان رسول الله قبل لحاقه بالرفيق الأعلى قائدا لجيشا جرارا فاتحا وصل لحدود الشام وأرهب الإمبراطوريات ودانت له قبائل العرب، فما الذي امتلكه قبل وفاته: يروي أخو جويرية بنت الحارث ام المؤمنين« مَا تَرَكَ رسولُ اللَّه ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَلا عَبْدًا وَلا أَمَةً، وَلا شَيْئًا، إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ الَّتي كَان يَرْكَبُهَا، وَسِلاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا لابْنِ السَّبيلِ صَدَقَةً»[رواه البخاري]