(كيف أبهرت شخصية رسول الله الخبير العالمي (جون آدير

(كيف أبهرت شخصية رسول الله الخبير العالمي (جون آدير

 

«قد يتم تعيينك كقائد، ولكنك لست قائدًا حتى يصادق على تعيينك أولئك الذين تقودهم بقلوبهم وعقولهم» [إبلوتارخس]

 

وبهذه الحكمة وغيرها من أسرار القيادة الحقيقية، وجد الخبير الأميركي الدولي جون آدير قوة كبيرة تجذبه لسيرة النبي محمد .

 

في كتابه المهم والمصاغ بحس متأمل «قيادة محمد صلى الله عليه وسلم»[صدر عن دار المنهل وترجم للعربية ٢٠١٧]  يؤكد جون آدير أن النبي محمد مؤسس علم القيادة الحقيقي وليس الغرب

شجاعة الرسول

 

بعد فتح مكة في ٨ هـ، وبعد مرور أكثر من خمسين سنة على طفولة محمد في خيام بني سعد، نصب حوالي ٤٠٠٠ رجل من بني هوازن كمينًا لجيش من المسلمين يفوقهم عددًا ثلاث مرات.

 

أصيب المسلمون بالهلع وانسحبت صفوفهم الأمامية، وهو ما يصفه الله :(وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ)[التوبة:٢٥]

 

كان محمد صلى الله عليه وسلم يبلغ الستين من عمره ، ولكنه ظل حاضرًا فوق بغلته البيضاء، لابسًا درعه، وصاح بصوت عال:«أنا النبيًّ لا كَذِبْ، أنا ابنُ عبدِ المطلبْ» (رواه البخاري)

وكانت قيادة محمد سببًا لانتصار المسلمين بعد أن حصلوا على الثقة الكافية فيه.

كان محمد صلى الله عليه وسلم يرتدي الدروع في الحروب كأي مقاتل، وقد نجا من الموت في معركة أحد بعد إصابات برأسه.

وفي خِضَم الفوضى استغل أحد الرجال الفرصة وقتل مسلمًا من قبيلة الخزرج، فأسرع النبي لقبيلة الأوس يطلب القصاص ويرفض أية توسلات؛ فمن حكمة القيادة الحزم أمام الفتن وقد كانت تلك الوقعة كفيلة بإحياء حرب قبيلتي الأوس والخزرج وشق صف المسلمين.

تواضع الرسول القائد

 

كان محمد لا يشبه الملوك حين يجلسون منتصرين فوق عروشهم، والرعايا يذلون أنفسهم أمامهم.

وينقل جون آدير بكتابه كيف عاش محمد في المدينة في بيت منخفض السقف، من الحجارة الطينية، ساهم في بنائه شخصيًا بيديه، وكيف كان يفضل الثوب البسيط والعباءة.

كان يدع الخادم أو الغلام يمشي أمامه ليدله على الطريق.

لم يكن محمد يقبل أن يحجز له مكان عندما يحضر اجتماعًا ولا يرضى أن يقوم له الناس تعظيمًا، بل يقول: «أنا عبد آكل كما يأكل العبيد» (سنن أبي داوود) [سير أعلام النبلاء للذهبي]

من بين مواقف تواضع محمد تلك السيدة البدوية المسنة من بني سعد تدعى «الشيماء» وقد كانت بين أسرى غزوة حنين، وصاحت بأنها أخت النبي من الرضاعة، ولما علمها بسط لها رداءه - وهو القائد المنتصر- وأجلسها وسألها إن كانت تحب العودة للمدينة، ولقد كانت سببًا في الإفراج عن الأسرى بعد استشفاع قومها بها.

حكمة النبي

كان أسرى غزوة حنين غنيمة للمقاتلين، وبينهم بدو لا يهمهم سوى الربح المادي؛ وكان محمد صلى الله عليه وسلم حكيما لدرجة أرغمت هؤلاء على التراجع بعد أن وعدهم بست إبل من أول سبي يصيبه المسلمون لاحقًا.

أما الأنصار فلم يعدهم إلا بما يليق بهم «مجاورته» في المدينة ومحبته.

ومن العجيب سخاء طبعه وحكمته حين وصلت هداياه الثمينة لذلك القائد البدوي الشاب مالك بن عوف الذي كان قد أقنع بني هوازن بشن الحرب على المسلمين بعد فتح مكة، وقد أسلم بالفعل .

كانت معرفة محمد بالصحراء مفيدة في الغزوات، وقد استنتج مثلًا من انحراف قريش بعد غزوة أحد وتجنبها الخيل وامتطاء قادتها الإبل إلى أن وجهتهم إلى مكة؛ وليس للنيل من المدينة[ابن هشام].

ولقد كانت قيادته بالقدوة أيضًا؛ وفي ربيع سنة ٦٢٢ استطاع النبي أن يكسر كمد الصحابة بعد أن علموا أن عمرتهم الأولى لمكة لن تتم بعد صلح الحديبية، كان محمد صلى الله عليه وسلم يعلم أن الصلح -ورغم شروطه المجحفة- سيكون فتحًا كبيرًا لنشر الإسلام، وهذا ما كان، وقد استطاع امتصاص غضبهم بأن قام بنحر الهدي قبلهم بناء على نصيحة زوجته أم سلمة، فقاموا وحذوا حذوه.

 

محمد الراعي المسئول: 

 

كانت صفات القيادة مبكرة في شخصية رسول الله، وقد حضر اجتماع القبائل في القضايا الحاسمة، وشارك بحرب الفِجار مع أعمامه، وكان جده ساقيًا للحجيج ومعروفًا بالزعامة والكرم.

تعلم محمد صلى الله عليه وسلم من عمه قيادة القوافل التجارية وهو أمر شديد الصعوبة في ظروف الصحراء غير الآمنة، وكان يؤمن بأن سيد القوم خادمهم.

وفي إحدى الغزوات؛ نرى كيف عرض النبي على صاحبه جابر بن عبد الله شراء ناقته الضعيفة، لم يكن يحتاج إليها ولكنه علم أن جابرًا ينفق على أسرته بعد جراحة أبيه بغزوة أحد؛ ولقد ظل يلاطفه ويحدثه بالزواج من بِكْر، وهذه روح الرعاية في قيادة محمد.

يقول محمد: «فالأميرُ الذي على الناسِ راعٍ، وهو مسؤولٌ عن رعيَّتِه»(رواه البخاري)

محمد القائد الأمين

  

اشتهر النبي محمد بـ«الصادق الأمين» في الجزيرة العربية، حتى أنه لما كان مستعدًا للهجرة من مكة إلى المدينة، حرصًا على رد الأمانات لأهلها.

وكان يقول: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»(رواه ابن حبان)

 

مشاركة النبي رفاقه:

 

القائد الجيد يتقاسم مع جنوده الأخطار، والآلام بل والظلم؛ فعلها المهاتما غاندي ونيلسون مانديلا ونالا أمرًا من النادر أن يحصل عليه القائد ألا وهو السلطة الأخلاقية.

 

يتأمل المؤلف جون آدير مشاركة النبي محمد أتباعه في تحمل الاضطهاد والهجرة من البلد المحبوب، وحمل الحجارة والإنشاد « اللهم! لا عَيْشَ إلا عيشُ الآخرة، فاغْفِر للأنصارَ والمهاجِرةَ»(رواه البخاري) [سير أعلام النبلاء للذهبي]

 

وعند حفر الخندق الدفاعي حول أجزاء من المدينة، سنة ٦٢٧ م، حمل محمد المعول واشتغل بالحفر مع بقية الرجال، كما حمل سلالًا من التراب، وكان صاحب الضربة القاسمة لأصعب حجر واجه سلمان الفارسي.

 

كان واضحًا استعداد النبي حتى للأعمال المنزلية، ويروي خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَاللهِ مَا قَالَ لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذَا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذَا؟»(رواه مسلم)

   

وفي إحدى أسفاره قام محمد بجمع الحطب لأصحابه الذين يطبخون شاة.

كان محمد أيضًا يؤمن بمشورة أصحابه، وقد اتخذ مشورة الحباب بن المنذر بإقامة حوض للماء حول موقع عسكرة المسلمين والغور على العيون القريبة من العدو وهو ما تسبب بإنهاكهم عطشًا.(أبي داوود)

يقول جون آدير: لقد كان انصياع الصحابة لمحمد عبر المحبة وليس الخضوع المذل، لأن قيادته كانت أخلاقية تستند إلى العلم.