withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram


كرم الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب أعلام النبوة

كرم الحبيب صلى الله عليه وسلم  من كتاب أعلام النبوة

اسم الكتاب:
أعلام النبوة
المؤلف:
ابي الحسن علي محمد المارودي الشافعي

سخاؤه وجوده صلى الله عليه وسلم

الخصلة الثامنة: ما منح من السخاء والجود حتى جاد بكل موجود وآثر بكل مطلوب ومحبوب ومات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصع من شعير لطعام أهله وقد ملك جزيرة العرب وكان فيها ملوك وأقيال لهم خزائن وأموال يقتنونها زخرا ويتباهون بها فخرا ويستمتعون بها أشرا وبطرا وقد حاز ملك جميعهم، فما اقتنى دينارا ولا درهما، لا يأكل إلّا الخشب ولا يلبس إلّا الخشن ويعطي الجزل الخطير ويصل الجم الغفير ويتجرع مرارة الإقلال ويصبر على سغب الاختلال وقد حاز غنائم هوازن وهي من السبي ستة آلاف رأس ومن الإبل أربعة وعشرون ألف بعير ومن الغنم أربعون ألف شاة ومن الفضة أربعة آلاف أوقية. فجاد بجميع حقه وعاد خلوا.

وروى أبو وائل عن مسروق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. وروى عمرو بن مرة عن سويد بن الحرث عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما يسرني أن لي أحدا ذهبا أنفقه في سبيل الله أموت يوم أموت وعندي منه دينار إلّا أن أعده لغريم» .

وكان صلى الله عليه وسلم إذا سئل وهو معدم وعد ولم يرد وانتظر ما يفتح الله.

فروى حماد بن زيد عن المعلى بن زياد عن الحسن أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال: «إجلس سيرزقك الله» ، ثم جاء آخر، ثم آخر، فقال لهم: «إجلسوا» ، فجاء رجل بأربع أواقي فأعطاه إياها وقال: يا رسول الله هذه صدقة، فدعا الأول فأعطاه أوقية، ثم دعا الثاني فأعطاه أوقية، ثم دعا الثالث فأعطاه أوقية، وبقيت معه أوقية واحدة فعرض بها للقوم فما قام أحد،

__________

(34) سورة التوبة الآية (33) .

فلما كان الليل وضعها تحت رأسه وفراشه عباءة فجعل لا يأخذه النوم فيرجع فيصلي، فقالت له عائشة: يا رسول الله حلّ بك شيء؟ قال: «لا» ؟ قالت فجاءك أمر من الله؟ قال: «لا» ، قالت: إنك صنعت منذ الليلة شيئا لم تكن تفعله، فأخرجها وقال: «هذه التي فعلت بي ما ترين أني خشيت أن يحدث أمر من أمر الله ولم أمضها» «25» .

وروى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن ترك دينا فعليّ ومن ترك مالا فلورثته» ، فهل مثل هذا الكرم والجود كرما وجودا، أم هل لمثل هذا الإعراض والزهادة إعراضا وزهدا هيهات هل يدرك شيئا ومن هذه شذور من فضائله ويسير من محاسنه التي لا يحصى لها عدد ولا يدرك لها أمد لم تكمل في غيره فيساويه ولا كذب بها ضد يناويه ولقد جهد كل منافق ومعاند وكل زنديق وملحد أن يزري عليه في قول أو فعل أو يظفر بهفوة في جد أو هزل فلم يجد إليه سبيلا وقد جهد جهده وجمع كيده، فأي فضل أعظم من فضل تشاهده الحسدة والأعداء فلم يجدوا فيه مغمزا لثالب أو قادج ولا مطعنا لجارح أو فاضح، فهو كما قال الشاعر:

شهد الأنام بفضله حتى العدى ... والفضل ما شهدت به الأعداء

وحقيق لمن بلغ من الفضائل غايتها واستكمل لغايات الأمور آلتها، أن يكون لزعامة العالم مؤهلا، وللقيام بمصالح الخلق موكلا، ولا غاية بعد النبوة أن يعم له صلاح أو ينحسم به فساد فاقتضى أن يكون لها أهلا وللقيام بها مؤهلا ولذلك استقرت به حين بعث رسولا ونهض بحقوقها حين قام به كفيلا فناسبها وناسبته ولم يذهل لها حين أتته، وكل متناسبين متشاكلان وكل متشاكلين مؤتلفان وكل مؤتلفين متفقان والاتفاق وفاق هو أصل كل انتظام وقاعدة كل التئام فكان ذلك من أوضح الشواهد على صحة نبوّته وأظهر الأمارات في صدق رسالته فما ينكرها بعد الوضوح إلّا مفضوح والحمد الله الذي وفق لطاعته وهدى إلى التصديق برسالته.

__________

(25) لم أمضها: لم أصرفها في سبيلها أو لم أستطع تقرير شيء في شأنها.

الباب الحادي والعشرون في مبدإ بعثته واستقرار نبوّته صلى الله عليه وسلم

إن لله تعالى لكل مقدور من الأمور إذا دنا نذيرا وبشيرا يظهر بهما مبادىء ما أخفاه ويشعر بحلولهما قدره وقضاه ليكونا تعذيرا وتحذيرا تستيقظ بهما العقول ويزدجر بهما الجهول لطفا بعباده من فجأة الأمور المذهلة أن تصدم ببوادر لا تستدرك لتكون النفوس في مهلة من استدفاع خطبها وحل صعبها ولما دنا مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة رسولا وإلى الخلق بشيرا ونذيرا انتشر في الأمم أن الله تعالى سيبعث نبيا في هذا الزمان وأن ظهوره قد قرب وآن فكانت كل أمة لها كتاب يعرف ذلك من كتابها والتي لا كتاب لها ترى من الآيات المنذرة ما تستدل عليه بعقولها وتنتبه عليه بهواجس فطرها إلهاما أعان به الفطن اللبيب وأنذر به الحازم الأريب هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم غافل عنها وغير عالم أنه مراد بها ومؤهل لها لم يشعر بها حتى نودي ولا تحققها حتى نوجي ليكون أبعد من التهمة وأسلم من الظنة فيكون برهانا أظهر وحجاجه أقهر وكان مع تمييزه عن قومه بشرف أخلاقه وكرم طباعه لم يعبد معهم صنما ولا عظّم وثنا وكان متدينا بفرائض العقول في قول جميع الفقهاء والمتكلمين من توحيد الله تعالى وقدمه وحدوث العالم وفنائه وشكر المنعم وتحريم الظلم ووجوب الإنصاف وأداء الأمانة.

واختلف أهل العلم هل كان قبل مبعثه متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء، فذهب أكثر المتكلمين وبعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى أنه لم

يكن متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء لأنه لو تعبّد بها لتعلمها ولعمل بها ولو عمل بها لظهرت منه ولو ظهرت منه لا تبعه فيها الموافق ونازعه فيها المخالف، وذهب بعض المتكلمين وأكثر الفقهاء من أصحاب الشافعي وأبي حنيفة إلى أنه كان متعبدا بشريعة من تقدمه من الأنبياء لأنهم دعوا إلى شرائعهم من عاصرهم ومن يأتي بعدهم ما لم تنسخ بنبوّة حادثة، فدخل الرسول صلى الله عليه وسلم في عموم الدعاء قبل مبعثه لأن الله تعالى لا يخلي زمانا من شرع متبوع ولا متدينا من تعبد مسموع، واختلف من قال بهذا فيما كان متعبدا به من الشرائع المتقدمة فذهب بعضهم إلى أنه كان متعبدا بشريعة جده إبراهيم عليهما السلام لقوله تعالى:

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ «1» ولأنه كان في الحج والعمرة على مناسكه، وذهب آخرون إلى أنه كان متعبدا بشريعة موسى فيما لم تنسخه شريعة عيسى عليهم السلام لظهور شريعته في التوراة ودروس ما تقدمها من الشرائع مع قول الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ «2» وذهب آخرون إلى أنه كان متعبدا بشريعة عيسى عليه السلام لأنها كانت ناسخة لشريعة موسى فسلم قبل مبعثه من حرج في دينه وقدح في يقينه، وهذا من أمارات الاصطفاء ومقدمات الاجتباء.


تحميل : كرم الحبيب صلى الله عليه وسلم من كتاب أعلام النبوة

كلمات دليلية: