فتح مكة_21266

فتح مكة


الاستعدادات

1- المسلمون:

أمر النبي صلّى الله عليه وسلم بانجاز استعدادات الحركة لقتال الروم، ولم يكتم نياته في هذه الغزوة كما كان يفعل في الغزوات السابقة ليباغت بهذا الكتمان عدوه قبل أن يستطيع التهيؤ للقتال. فقد كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلّى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرا بعيدا وغزو عدو كثير، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريده ليتأهبوا لذلك.

لم يكتم نياته في غزوة تبوك، لأن المسافة طويلة يجب قطعها صيفا، فلا بد من إكمال المئونة والنقلية للمجاهدين قبل الحركة، حتى لا يؤدي نقص القضايا الإدارية الى إخفاق المسلمين في تحقيق هدفهم المنشود.

وليس من السهل تجهيز قوات المسلمين الكبيرة بما تحتاجه من مئونة ونقلية وأسلحة، ما لم يشارك أغنياء المسلمين في تجهيز هذا الجيش مشاركة فعّالة، فأقبل هؤلاء الأغنياء على بذل أموالهم بسخاء وعن طيبة خاطر، كما أقبل المسلمون من كل فج تلبية لداعي الجهاد.

وانتهز المنافقون فرصة شدّة الحر ونضوج الثمار وطول المسافة وقوة العدو، فأخذوا يثبّطون العزائم وينشرون الروح الانهزامية بين المسلمين، ولكنهم أخفقوا في محاولاتهم إذ لم يتخلف من المسلمين أحد عن الجهاد غير ثلاثة رجال؛ ولم يقبل النبي صلّى الله عليه وسلم أن يستعين بالقوات التي جمّعها عبد الله بن أبي، لأنه لم يكن يثق باخلاص تلك القوات، فبقي ابن أبي وأصحابه من المنافقين في المدينة «1» .

وبقي في المدينة قسم من المسلمين الذين لم يجد الرسول صلّى الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون «2» .

وأنجز جيش العسرة «3» استعداداته، وتحشد خارج المدينة، وأصبح مستعدا للحركة من كل الوجوه.

2- الروم:

وزّع هرقل مرتبات سنة كاملة على قواته النظامية، كما وزّع كثيرا من المال على القبائل العربية الخاضعة لسيطرته، تشجيعا لهم على معاونة جيشه في الصراع الوشيك.

وبعد إنجاز استعدادات قواته، أرسل طلائعها الى (البلقاء) «4» لستر التحشّد الذي تمّ بعد ذلك في منطقة تبوك.

__________

(1) - عسكر عبد الله بن أبي في ثنية الوداع في حلفائه من يهود والمنافقين، فلما سار رسول الله (ص) ، تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه.

(2) - هم البكاءون وهم سبعة: سالم بن عمير، وسالم بن هرمي بن عمرو، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى المازني، وعمرو بن غنمة وسلمة بن صخر، والعرباض بن سارية. انظر طبقات ابن سعد 2/ 165.

(3) - قال الله تعالى: (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) فكانت عسرة من الماء ومن الحر ومن الثقفة.

(4) - البلقاء: كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى قصبتها عمان، وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة. انظر التفاصيل في معجم البلدان 2/ 276. وهي مقاطعة أردنية تشمل لواء عمان ولواء السلط، والأخير يشمل قضاء السلط وقضاء مأدبا ويحدها نهر الزرقاء شمالا ونهر الموجب جنوبا.

,

فتح مكة

,

إعلان الحرب

1- المسلمون:

سارع عمرو بن سالم الخزاعي بالتوجه الى المدينة المنورة حاملا أخبار نقض قريش وبني بكر لعهد الحديبية، فلما وصلها قصد المسجد وقصّ على الرسول صلّى الله عليه وسلم وأصحابه ما أصاب خزاعة من بني بكر وقريش في مكة وخارجها، فأجابه الرسول صلّى الله عليه وسلم: (نصرت يا عمرو بن سالم) .

وخرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبي صلّى الله عليه وسلم بما أصابهم، فعزم الرسول صلّى الله عليه وسلم على فتح مكة.

2- قريش:

قدّر معتدلو قريش وعقلاؤهم ماذا يعنيه انتهاء الهدنة بينهم وبين المسلمين، فقرّروا إيفاد أبي سفيان بن حرب الى المدينة للتشبث بتثبيت العهد وإطالة مدّته.

ولما وصل أبو سفيان (عسفان) في طريقه الى المدينة، رأى بديل بن ورقاء وأصحابه عائدين من المدينة، فخاف أن يكونوا قد جاءوا محمدا رسول الله صلّى الله عليه وسلم وأخبروه بما حدث، مما يزيد مهمته التي جاء من أجلها تعقيدا؛ إلا أن بديلا نفى مقابلته النبي صلّى الله عليه وسلم، ولكنّ أبا سفيان بن حرب عرف من فضلات راحلة بديل التي فيها نوى التمر أنه كان في المدينة.

ووصل أبو سفيان الى المدينة، فقصد دار ابنته أم حبيبة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم، وأراد أن يجلس على الفراش فطوته دونه، فقال لها: (يا بنيّة! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني) ؟ قالت: (بل هو فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس) . قال أبو سفيان: (والله، لقد أصابك بعدي شر) .

واستشفع أبو سفيان بأبي بكر الصديق رضي الله عنه ليكلّم الرسول صلّى الله عليه وسلم، فأبى ...

واستشفع بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأغلظ له في الرد، وقال:

(أأنا أشفع لكم عند رسول الله صلّى الله عليه وسلم؟ والله لو لم أجد إلا الذّر لجاهدتكم به) .

ودخل أبو سفيان على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعنده فاطمة رضي الله عنها، فردّ عليه علي: (والله يا أبا سفيان! لقد عزم رسول الله صلّى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه) .

واستشفع أبو سفيان بفاطمة بنت النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجير ابنها الحسن بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه بين الناس، فقالت: (ما يجير أحد على رسول الله صلّى الله عليه وسلم) .

فاستنصح أبو سفيان عليا بعد أن اشتدّت عليه الأمور، فنصحه أن يعود من حيث أتى؛ فقفل أبو سفيان عائدا الى قريش، ليخبرهم بما لقي من صدود.

ولم يبق هناك شك في إعلان الحرب.

,

الاستعدادات

أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم أصحابه بإنجاز استعداداتهم للحركة وللحرب، وأرسل من يخبر قبائل المسلمين خارج المدينة بإنجاز استعداداتهم للحركة وللحرب أيضا، كما أمر أهله أن يجهزوه؛ ولكنه لم يخبر أحدا بنياته الحقيقية ولا

باتجاه حركته ولا بالعدو الذي ينوي قتاله. بل أخفى نياته حتى لأقرب المقربين إليه؛ ثم أرسل سرية أبي قتادة الأنصاري الى بطن (إضم) ليزيد من إسدال الستار الكثيف على نياته الحقيقية.

دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه على ابنته عائشة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم وهي تهيىء جهاز الرسول صلّى الله عليه وسلم، فقال لها: (أي بنية! أأمركم رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجّهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله لا أدري) !

ولما اقترب موعد الحركة، صرّح الرسول صلّى الله عليه وسلم بأنه سائر الى مكة، وبثّ عيونه ليحول دون وصول أنباء حركته الى قريش. ولكنّ حاطب بن أبي بلتعة كتب رسالة أعطاها امرأة متوجّهة الى مكة، يخبرهم بها بنيّات المسلمين، فعلم الرسول صلّى الله عليه وسلم بهذه الرسالة، وبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما ليدركا المرأة ويأخذا تلك الرسالة منها؛ فأدركاها وأخذا الرسالة التي كانت معها.

ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلم حاطبا يسأله: (ما حمله على ذلك) ؟ قال حاطب:

(يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت أمرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم) ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يا رسول الله! دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق)

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقكم، وما يدريك؟ لعل الله قد اطّلع على من شهد (بدرا) فقال: اعملوا ما شئتم) ! ...

شفع لحاطب ماضيه الحافل بالجهاد، فعفا عنه الرسول صلّى الله عليه وسلم، وأمر المسلمين أن يذكروه بأفضل ما فيه.

وأنجز المسلمون استعداداتهم للحركه.

,

قبل دخول مكة

دخل أبو سفيان بن حرب مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أن من ورائه إعصارا إذا انطلق اجتاح قريشا وقضى عليها قضاء لا تقوم لها قائمة بعده أبدا.

ورأى أهل مكة قوات المسلمين تقترب منهم، ولم يكونوا حتى ذلك الوقت قد قرّروا قرارا حاسما ولا اتخذوا تدابير القتال الضرورية؛ فاجتمعوا الى ساداتهم ينتظرون الرأي الأخير، فاذا بصوت أبي سفيان ينطلق بينهم مجلجلا جازما: (يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) !

دهشت امرأة أبي سفيان هند بنت عتبة التي كانت تشايع المتطرفين من مشركي قريش في عداوتهم للمسلمين وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت اليه وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس «1» (أي هذا الزق المنتفخ) قبح من طليعة قوم) «2» .

ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته، فعاود تحذيره: (ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فانه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ...

قالت قريش: (قاتلك الله! وما تغني عنا دارك) ؟ قال: (ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن) .

وأصبحت مكة تنتظر دخول المسلمين: اختفى الرجال وراء الأبواب

__________

(1) - الحميت: في الأصل زق السمن، والدسم: الكثير الودك، والأحمس: الشديد اللحم، تريد تشبيهه به لعبالته وسمنه.

(2) - طليعة قوم: الذى يتقدمهم أو يحرسهم.

الموصدة، واجتمع قسم منهم في المسجد الحرام، وبقي المتطرفون مصرّين على القتال.

,

خطة الفتح

(راجع المخطط المرفق)

1- كانت مجمل خطة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام لفتح مكة ما يلي:

أ- الميسرة بقيادة الزبير بن العوام، واجبها دخول مكة من شمالها.

ب- الميمنة بقيادة خالد بن الوليد، واجبها دخول مكة من حنوبها.

ج- قوات الأنصار بقيادة سعد بن عبادة، واجبها دخول مكة من الغرب.

د- قوات المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، واجبها دخول مكة من الشمال الغربي من اتجاه جبل هند.

هـ- مثابة اجتماع القوات بعد الفتح في منطقة جبل هند.

2- كانت أوامر الرسول صلّى الله عليه وسلم لقواده بألّا يقاتلوا إلا إذا اضطروا الى القتال، حتى يتم فتح مكة سلميا وبدون قتال.

,

الفتح

1- قبل شروع قوات المسلمين في دخول مكة، سمع قسم من المسلمين سعد ابن عبادة يقول: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة) ... لذلك رأى الرسول صلّى الله عليه وسلم حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها الى ابنه قيس بن سعد، فقد كان قيس أهدأ أعصابا من أبيه وأكثر سيطرة على نفسه، حتى يحول دون اندفاع سعد لإثارة الحرب.

دخلت قوات المسلمين مكة، فلم تلق مقاومة، إلا جيش خالد بن الوليد، فقد تجمّع متطرفو قريش مع قسم من حلفائهم من بني بكر في منطقة (الخندمة) «1» ، فلما وصلتها قوات خالد أمطروها بوابل من نبالهم، لكن خالدا لم يلبث أن فرّقهم ولم يقتل من رجاله إلا اثنان «2» ضلّا طريقهما وانفصلا عنه، ولم يلبث صفوان بن أميّة وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن تركوا مواضعهم في (الخندمة) وفروا مع قواتهم.

واستسلمت المدينة المقدسة للمسلمين وفتحت أبوابها لهم.

,

في مكة المكرمة

عسكر النبي صلّى الله عليه وسلم في منطقة جبل هند بعد أن سيطرت قواته على جميع مداخل مكة، فلما استراح وتجمعت أرتاله، نهض والمهاجرين والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد. فأقبل الى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت العتيق وحول البيت، وكان في الكعبة ستون وثلثمائة صنم، يطعنها بالقوس وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد) .

ثم دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها، فرأى الصور تملؤها ومن بينها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فمحا ما في الكعبة من صور، ثم صلى ودار في البيت يكبّر، ولما أنهى تطهير البيت من الأصنام والصور، وقف على باب الكعبة وقريش تنظر ماذا يصنع، فقال:

(لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو مال فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية

__________

(1) - الخندمة: جبل بأسفل مكة. راجع التفاصيل في معجم البلدان 3/ 470.

(2) - هما: كرز بن جابر من بني محارب بن فهر، وخنيس بن خالد بن ربيعة الخزاعي حليف بني منقذ.

الحاج. يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء: الناس من آدم، وآدم من تراب: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) . يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟

قالوا: (خيرا! أخ كريم وابن أخ كريم) .

قال: (فإني أقول كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم. اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

طهر المسلمون البيت من الأصنام، وأتم محمد صلّى الله عليه وسلم بذلك في أول يوم فتح مكة ما دعا اليه منذ عشرين سنة: أتم تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، وهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا.

وأقام النبي صلّى الله عليه وسلم بمكة خمسة عشر يوما، نظم خلالها شئون مكة الإدارية والاجتماعية وفقّه أهلها في الدين، وأرسل قسم من المفارز للدعوة الى الاسلام ولتحطيم الأصنام خارج مكة من غير سفك للدماء.

,

دروس من الفتح

1- المباغتة:

حرص النبي صلّى الله عليه وسلم أشد الحرص على الا يكشف نياته لأحد عندما اعتزم الحركة الى مكة، وكان سبيله الى ذلك الكتمان الشديد.

لم يبح بنياته لأقرب أصحابه الى نفسه أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بل لم يبح بنياته الى أحب نسائه إليه عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، وبقيت نياته سرا مكتوما حتى أنجز هو وأصحابه جميع استعدادات الحركة، وحتى وصل أمره الإنذاري «1» الى المسلمين خارج المدينة وداخلها لإنجاز الاستعداد للحركة. ولكنه أباح بنياته في الحركة الى مكة قبيل موعد خروجه من المدينة، حيث لم يبق هناك مبرر للكتمان، لأن الحركة أصبحت وشيكة الوقوع.

ومع ذلك فانه بثّ عيونه وأرصاده ودورياته لتحول دون تسرب المعلومات عن حركته الى قريش.

بثّ عيونه داخل المدينة ليقضي على كل خبر يتسرّب من أهلها الى قريش، وقد رأيت كيف اطّلع على إرسال حاطب بن أبي بلتعة برسالته الى مكة، فاستطاع أن يحجز على تلك الرسالة قبل أن تصل الى الذين أرسلت اليهم.

وبثّ دورياته في المدينة وخارجها ليحرم قريشا من الحصول على المعلومات عن نيات المسلمين، وليحرم المنافقين والموالين لقريش من إرسال المعلومات إليها.

وبقي النبي صلّى الله عليه وسلم يقظا كل اليقظة، حذرا كل الحذر، حتى وصل ضواحي مكة، ونجح بترتيباته في حرمان قريش من معرفة تدابير المسلمين لفتح مكة.

__________

(1) - الأمر الإنذاري: تعبير عسكري يقصد به الأمر التمهيدي الذي يصدر (مبكرا) قبل إصدار الأوامر المفصلة لغرض إعطاء فكرة للآمرين المرءوسين عن الحركة المقبلة، ولكي تنجز الاستحضارات اللازمة بكفاية لهذه الحركة.

ولو انكشفت نيات المسلمين لقريش في وقت مبكّر، لاستطاعت أن تحشد حلفاءها وتنظم قواتها وتقرر خطّة مناسبة لحرب المسلمين، ولاستطاعت مقاومة النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه أطول مدة ممكنة، ولأوقعت بقواته خسائر في الأرواح والأموال دون مبرر ...

ليس من السهل أبدا، أن يتحرّك جيش كبير تبلغ قوته عشرة آلاف راكب وراجل الى مكة، دون أن تعرف قريش وقت حركته ونياته، حتى يصل ذلك الجيش الى ضواحي مكة، فيفلت الأمر من قريش، ولا تعرف ما تصنع إلا أن تلجأ الى الاستسلام.

إنّ ترتيبات الرسول صلّى الله عليه وسلم في الكتمان لحرمان قريش من معرفة نياته، أمّنت له مباغتة متميزة للغاية، وأجبرت قريشا على الاستسلام دون قتال.

2- المعلومات:

يقرّر القائد خطته بالنسبة الى المعلومات التي يستطيع الحصول عليها عن:

نيات العدو، وعدد قواته، وتنظيمه وتسليحه ومواضعه وأسلوب قتاله والأرض التي سيقاتل فيها.

وكلما كانت المعلومات المتيسّرة مفصّلة وافية، كانت خطة القائد دقيقة وكان احتمال نجاحها كبيرا.

لقد استطاع المسلمون أن يعرفوا من وفد بني خزاعة أمر نقض الهدنة، واستطاعوا معرفة تردد قريش في قراراتها، كما استطاعوا أن يعرفوا كل خبر مهم أو غير مهم يدخل الى المدينة أو يخرج منها في أي وقت من الأوقات.

أما قريش، فلم تستطع أن تحصل على أي نوع من المعلومات في أي وقت كان قبل حركة الرسول صلّى الله عليه وسلم وأثناءها حتى وصوله ضواحي مكة.

حاول أبو سفيان أن يعرف نيات المسلمين من ابنته أم حبيبة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم

فلم يفلح، وحاول أن يعرف ذلك من المسلمين في المدينة فأخفق، وحاول أن يعرف شيئا من وفد خزاعة، فأنكر الوفد ذهابه الى الرسول صلّى الله عليه وسلم، وهكذا بقيت قريش في عماية من أمرها، حتى وصل جيش المسلمين ضواحي مكة ونزل القضاء المحتوم بقريش.

3- بعد النظر:

القائد الناجح هو الذي يتّسم ببعد النظر بالإضافة الى مزاياه الأخرى، ويتخذ لكل أمر محتمل الوقوع التدابير الضرورية لمعالجته، دون أن يترك مصائر قواته للأقدار.

إن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، هذا أمر مفروغ منه، ولكنّ الله سبحانه وتعالى يكتب النصر لمن يعدّ له عدته ويحتاط لكل احتمال كبير أو صغير قد يصادفه؛ ولذلك يشدد العسكريون لإدخال أسوأ الاحتمالات في حسابهم عند الإقدام على أية حركة عسكرية.

أمر الرسول صلّى الله عليه وسلم أن يحبس أبو سفيان في مدخل الجبل الى مكة، حتى تمر به جنود المسلمين، فيحدّث قومه عما رآه عن بيّنة ويقين، ولكي لا يكون إسراعه في العودة الى قريش قبل أن تتحطم معنوياته تماما، سببا لاحتمال وقوع أية مقاومة من قريش مهما يكن نوعها ودرجة خطورتها.

وفعلا اقتنع أبو سفيان بعد أن رأى قوات المسلمين كلها، أن قريشا لا قبل لها بالمقاومة.

وقد أدخل الرسول صلّى الله عليه وسلم في حسابه أسوأ الاحتمالات أيضا، عند تنظيم خطته لفتح مكة، فقد كانت تلك الخطة تؤمّن له تطويق البلد من جهاته الأربع بقوات مكتفية بذاتها بإمكانها العمل مستقلة عن القوات الأخرى عند الحاجة، وبذلك تستطيع القضاء على أية مقاومة في أية جهة من مكة، كما

تؤمّن له توزيع قوات قريش الى أقسام لمقاومة كل رتل من أرتال المسلمين على انفراد، فتكون قوات قريش ضعيفة في كل مكان.

لقد اتخذ النبي صلّى الله عليه وسلم هذه التدابير الفعالة، على الرغم من اعتقاده بأن احتمال مقاومة قريش للمسلمين ضعيف جدا، وذلك ليحول دون مباغتة قواته وإيقاع الخسائر بها مهما تكن الظروف والأحوال.

إن هذا العمل من أروع أمثلة بعد النظر الذي يجب أن يتّسم به القائد العبقري.

4- التنظيم:

كان جيش الفتح يتألف من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل العربية المعروفة يومذاك: ألف رجل من بني سليم، وألف رجل وثلاثة رجال من مزينة، وأربعمائة من بني غفار، وأربعمائة وألف من بني جهينة، وأربعمائة من أسلم، وعدد من تميم وأسد وقيس وغيرها من القبائل الأخرى.

إن هذا التنظيم جعل المشركين يترددون في مقاومة جيش المسلمين، لأن كل قبيلة من قبائل المشركين لها في جيش الفتح عدد كبير من الرجال بل إن كثيرا من القبائل تعتبر نجاح هذا الجيش نجاحا لها على الرغم من اختلاف العقيدتين؛ والأكثر من ذلك، فان انتصار هذا الجيش لا يعتبر فخرا لقبيلة دون أخرى، كما أن إخفاق أية قبيلة في التغلب عليه، لا يعتبر عارا عليها، لأن هذا الجيش لم يكن لقبيلة دون أخرى، بل لم يكن للعرب دون غيرهم، بل كان للإسلام ولمعتنقي هذا الدين الحنيف من العرب وغير العرب.

إني أعتقد أن تنظيم هذا الجيش بهذا الأسلوب الذي لا يخضع إلا للعقيدة الموحدة فقط دون غيرها من المؤثرات، جعل القبائل كلها لا تحرص على مقاومته حرصها على مقاومة قبيلة خاصة أو قبائل خاصة، وجعل أكثر تلك القبائل لا تريد إخفاقه إذا لم تكن تريد النصر له، وهذا أدّى الى تردد القبائل

في مقاومته وامتناعها عن نقل المعلومات عنه الى قريش أو غيرها؛ كما أعتقد أن قوة هذا الجيش وحدها لم تكن المانع الوحيد لتردّد القبائل في قتاله ونقل المعلومات عنه للمشركين، لأن قتاله أو نقل المعلومات عنه لعدوّه، معناه إيقاع الخسائر في المسلمين، تلك الخسائر التي تكون على القبائل كلها لا على قبيلة واحدة، وبذلك يشمل الضرر القبائل كلها لا المسلمين وحدهم، ومن يضمن ألا تكون أكثر الخسائر من منتسبي تلك القبيلة التي سبّبت للمسلمين هذه الخسائر.

5- المعنويات:

لم تكن معنويات المسلمين في وقت من الأوقات أعلى وأقوى مما كانت عليه أيام فتح مكة البلد المقدس عند المسلمين الذي يتوجهون إليه في صلاتهم كل يوم، ويحجّون بيته كل عام: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) «1» .

وقد كانت أهمية مكة للمهاجرين أكثر من أنها بلد مقدس، فهي بلدهم الذي تركوه فرارا بدينهم وتركوا فيه أموالهم وأقرباءهم وكل عزيز عليهم.

لذلك لم يتخلّف أحد من المسلمين عن هذه الغزوة إلا القليل من ذوي الأعذار الصعبة.

أما معنويات قريش فقد كانت منهارة للغاية ومن حقها أن تنهار، فقد أثرت فيها (عمرة القضاء) كما رأيت، كما أثر فيها انتشار الإسلام في كل بيت من بيوت مكة تقريبا، وبذلك فقدت مكة روح المقاومة وإرادة القتال.

كان حماس بن قيس من بني بكر يعد سلاحه قبل دخول الرسول صلّى الله عليه وسلم مكة، فسألته امرأته المشركة: (لماذا تعد ما أرى) !؟ قال: (لمحمد

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة البقرة 2: 125.

وأصحابه) ! قالت: (والله ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شيء) . فاذا كان هذا مقدار معنويات المشركين في مكة، فكيف تستطيع المقاومة، وكيف لا تتردد في الإقدام على القتال؟

إني أعتبر أن فتح مكة قد تمّ للمسلمين من يوم عمرة القضاء، لأن هذه العمرة أثرت في معنويات قريش أعظم التأثير.

إن عمرة القضاء فتحت قلوب قريش، وغزوة الفتح فتحت أبوابها.

ومما زاد في انهيار معنويات قريش وشلّ كل روح للمقاومة فيها، ما اتخذه الرسول صلّى الله عليه وسلم من ترتيبات إيقاد عشرة آلاف نار في ليلة الفتح، ومرور الجيش كله بأبي سفيان قائد قريش أو أكبر قائد فيها، ودخول أرتال المسلمين من كل جوانب مكة.

لقد كانت معركة (الفتح) معركة معنويات لا معركة ميدان.

6- السلم:

حرص الرسول صلّى الله عليه وسلم منذ خروجه من المدينة المنورة حتى فتح مكة المكرمة على نياته السلمية، ليؤلف بذلك قلوب المشركين، ويجعلها تقبل على الاسلام.

إيقاد النيران في ليلة الفتح بشكل لم تعرف له العرب مثيلا من قبل، يستهدف القضاء على روح المقاومة في قريش، ويجبرها على الاستسلام دون قتال.

ومرور الجيش بأبي سفيان، يستهدف إقناعه بعدم جدوى المقاومة، ليعمل من جانبه على إقناع قريش بهذا الرأي.

(ومن دخل دار أبي سفيان أو أغلق عليه بابه أو التجأ الى البيت الحرام فهو آمن) ، كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم، ومعناه: منع تجمع قريش للمقاومة وإجبارهم على الاستسلام.

بل إن دخول أرتال المسلمين من كل جانب من جوانب مكة، لا يعني إلا إقناع قريش باستحالة المقاومة.

كما عهد صلّى الله عليه وسلم الى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألّا يقاتلوا إلا من قاتلهم.

كل ذلك كان يستهدف السلم وحقن الدماء.

وبقي الرسول صلّى الله عليه وسلم مصرا على نياته السلمية بعد الفتح أيضا، فقد أصدر العفو العام عن قريش «1» وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

__________

(1) - أمّن رسول الله (ص) الناس حاشا عبد العزّى بن خطل وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وعكرمة بن أبي جهل والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي ومقيس بن صبابة وقينتي ابن خطل وهما فرتنا وصاحبتها، وسارة مولاة لبني عبد المطلب. أما ابن خطل، فكان قد أسلم وبعثه (ص) مصدّقا وبعث معه رجلا من المسلمين فعدا عليه وقتله ولحق بالمشركين، فوجد يوم الفتح وقد تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي. وأما عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فكان يكتب لرسول الله (ص) ، ثم لحق بمكة فاختفى، فأتى به عثمان بن عفان رسول الله (ص) وكان أخاه من الرضاعة، فاستأمن له، فأمنه النبي (ص) . وأما عكرمة بن أبي جهل ففر الى اليمن فأتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام فردته، فأسلم وحسن إسلامه، ثم أصبح من قادة الفتح الاسلامي. وأما الحويرث بن نقيذ، وكان يؤذي رسول الله (ص) ، فقد قتله علي بن أبي طالب يوم الفتح. وأما مقيس بن صبابة، فكان قد أتى النبي (ص) مسلما ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله لقتله أخاه خطأ، فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثي وهو ابن عمه. وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى، فأمنها رسول الله (ص) ، فعاشت الى أن ماتت بعد ذلك بمدة، وكانتا تغنيان بهجو رسول الله (ص) . وأما سارة فاستؤمن لها أيضا، فأمنها رسول الله (ص) . واستتر رجلان من بني مخزوم عند أم هانىء بنت أبي طالب فأمنتهما، فأمضى رسول الله (ص) أمانها لهما، وقيل إنهما الحارث بن هشام وزهير بن أبي أمية أخو أم سلمة، فأسلما وكانا من خيار المسلمين. وهكذا لم يقتل من أهل مكة وهم ألد أعداء الإسلام والمسلمين يوم الفتح غير ثلاثة رجال وامرأة واحدة!! وهذا منتهى التسامح والإنصاف.

وكما حرص النبي صلّى الله عليه وسلم على السلم الإجماعي حرصه على السلم للأفراد، فمنع القتل حتى لفرد من المشركين.

قتلت خزاعة حلفاء المسلمين رجلا من هذيل غداة يوم الفتح لثأر سابق لها عنده، فغضب الرسول صلّى الله عليه وسلم أشد الغضب، وقام في الناس خطيبا، ومما قاله:

(يا معشر خزاعة! ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله- أي ديته-) .

ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة.

بل إن الرسول صلّى الله عليه وسلم لم يقتل رجلا من المشركين أراد اغتياله شخصيا وهو يطوف في البيت الحرام، بل تلطّف معه؛ فقد اقترب منه فضالة بن عمير يريد أن يجد له فرصة ليقتله، فنظر إليه النبي صلّى الله عليه وسلم نظرة عرف بها طويّته، فاستدعاه وسأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك) ؟! قال: (لا شيء! كنت أذكر الله) . فضحك النبي صلّى الله عليه وسلم وتلطّف معه ووضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: (ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه) .

لقد كان الرسول صلّى الله عليه وسلم يستهدف من حرصه على السلم تأليف قلوب الناس وتوحيد كلمتهم ليقبلوا طائعين على الاسلام، فلم يكن من السهل على قريش أن تقبل بمصيرها الذي آلت إليه وهي كانت سيدة العرب غير منازع، لأنها أعظمهم حضارة وأشدهم بأسا وأكثرهم مالا وفي بلدها البيت الحرام.

ليس من السهل أن ترضى قريش بمصيرها هذا وتقبل على الاسلام طائعة وتحمل رايات الجهاد، لو لم تعامل هذه المعاملة السلمية التي لم تكن تتوقعها؛ وبذلك انقلب موقفها من أشد الناس عداوة للإسلام الى أحرص الناس على رفع راية الاسلام.

زد على ذلك أن (السلام) في الاسلام دين، أمر الله به في محكم كتابه:

(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) «1» ...

7- الوفاء:

التاريخ العسكري طافح بأعمال الظلم والانتقام التي قام بها المنتصرون، ويندر أن نجد في التاريخ كله وفاء يشابه وفاء الرسول صلّى الله عليه وسلم، بل لا نجد مثيلا في التاريخ كله لهذا الوفاء.

رأى الأنصار دخول الرسول صلّى الله عليه وسلم بلده الحبيب بعد فراق طال أمده، وشاهدوا التفاف قومه وأهله حوله، فقال بعضهم لبعض: (أترون رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده، يقيم بها) ؟ ولكنّ محمدا صلّى الله عليه وسلم ما لبث أن سألهم: (ما قالوا) ؟ فلما أباحوا له بما يخالج نفوسهم بعد تردد، قال:

(معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم) . وقد كان من حقه أن يستقر بمكة وفيها أهله وقومه، وفيها بيت الله الحرام، ولكنّ وفاءه أبى عليه أن ينسى أصدقاء الشدّة في وقت الرخاء.

ورأى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه مفتاح الكعبة بيد الرسول صلّى الله عليه وسلم، فقال له: (يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية) .

قال الرسول صلّى الله عليه وسلم: (أين عثمان بن طلحة) ؟ فلما جاء عثمان قال له: (يا ابن طلحة! هاك مفتاحك، اليوم يوم بر ووفاء) .

أما وفاؤه بعهوده وحرصه الشديد على التمسّك بها، فحديث معاد.

تلك أمثلة من وفاء الرسول صلّى الله عليه وسلم، حتى قال أعداؤه عنه قبل أصدقائه:

(إنه أوصل الناس وأحلمهم وأكرمهم وأوفاهم) .

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة الأنفال 8: 61.

8- التواضع:

السيطرة على الأعصاب في حالتي النصر والاندحار من أصعب الأمور التي يجب أن تتوفر في القائد المتميّز.

وربما تكون السيطرة على الأعصاب في حالة الهزيمة أسهل من السيطرة عليها في حالة النصر، فكم غيّر النصر من أخلاق القادة وجعلها تتقلب من حال الى حال.

ولكنّ نصر المسلمين يوم الفتح جعل الرسول صلّى الله عليه وسلم يتواضع لله، حتى رآه المسلمون يوم ذاك ورأسه قد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كادت لحيته تمسّ واسطة راحلته خشوعا، وترقرقت في عينيه الدموع تواضعا وشكرا لله.

إنّ قيمة هذا التواضع في موقف يعدّ أكبر نصر للمسلمين، تتضاعف في النفوس والعقول معا إذا قارناه بمواقف العظمة والجبروت التي أبداها مختلف القادة في مختلف الظروف، عندما حازوا نصرا أقل قيمة من فتح مكة بكثير.

إنّ تواضع الرسول صلّى الله عليه وسلم درس عملي لكل قائد منتصر، وما أصعب الظهور بهذا المظهر ساعة النصر!

9- العقيدة:

رأيت كيف طوت أم حبيبة رضي الله عنها زوج الرسول صلّى الله عليه وسلم فراش النبي صلّى الله عليه وسلم عن والدها أبي سفيان بن حرب، وقد جاءها من سفر بعيد بعد غياب عنها طويل؛ ذلك لأنها رغبت به عن مشرك نجس ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب.

وعندما جاء أبو سفيان مع العباس عم النبي صلّى الله عليه وسلم ليواجه الرسول صلّى الله عليه وسلم،

رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فترك خيمته واشتدّ نحو خيمة الرسول صلّى الله عليه وسلم، فلما وصلها قال: (يا رسول الله! دعني أضرب عنقه) .

قال العباس: (يا رسول الله! إني قد أجرته) ، فلما أكثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال العباس رضي الله عنه: (مهلا يا عمر! ما تصنع هذا إلا أنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عديّ ما قلت هذه المقالة) ؛ فقال عمر: (مهلا يا عباس! فو الله إسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب لو أسلم) .

هذا صحيح، فقد كان عمر يمثّل عقيدة المسلمين الأولين الراسخة، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام.

وكيف تبرّر إقدام المهاجرين على الاشتراك في غزوة الفتح، تلك الغزوة التي لم يكن من المستبعد أن تصطرع فيها قوات المسلمين وقوات قريش قوم المهاجرين وأهلهم في بلدهم الحبيب.

إنّ عقيدة المسلمين لا تخضع للمصلحة الشخصية، بل هي رهن المصلحة العامة وحدها.

10- تحطيم الاصنام:

تحطيم الأصنام في مكة يوم الفتح وفي غير مكة بعيد الفتح، قضى على عقيدة الإشراك في أقوى معقل من معاقلها في شبه الجزيرة العربية كلها.

إنّ تحطيم الأصنام- وهي التي كان يعبدها المشركون ويقرّبون القرابين إليها دون أن تذود عن نفسها أو تصيب من حطمها بأذى كما كان يعتقد المشركون بها- نزع من نفوسهم الى الأبد آخر اعتقاد في قدسية هذه الأصنام وفائدتها.

11- القضايا الادارية:

كان موقف إعاشة المسلمين في غزوة الفتح جيدا، فلم يشك منهم أحد من نقص الأرزاق قبل الفتح وبعده، حتى عادوا الى المدينة المنورة.

كما كان موقف النقلية جيدا أيضا، فقد كان لدى جيش المسلمين عدد كبير من الإبل والخيل، أفادوا منها في تنقلهم للركوب وحمل أمتعتهم.

أما تسليحهم فكان متميّزا، ويكفي أن تسمع وصف الكتيبة الخضراء التي كان فيها النبي صلّى الله عليه وسلم، فقد كان أفرادها لا يرى منهم إلا الحدق من كثرة الحديد.

لقد تأمّنت كل القضايا الإدارية للمسلمين في غزوة الفتح بشكل لم يسبق له مثيل في غزوات الرسول صلّى الله عليه وسلم السابقة.

استثمار الفوز

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) .

(القرآن الكريم)

غزوة حنين «1» وحصار الطائف «2»



كلمات دليلية: