فتح مكة_19716

فتح مكة


الفصل الرابع والعشرون فتح مكة

أثر موقعة مؤتة- نقض قريش عهد الحديبية- استعداء خزاعة النبي على قريش- سفارة أبي سفيان إلى النبي وإخفاقها- تجهيز المسلمين عشرة آلاف يسيرون إلى مكة- رجاء محمد أن يفتح أم القرى من غير إراقة الدماء- خروج العباس ومقابلته لأبي سفيان وأخذه إلى النبي بظاهر مكة- دخول المسلمين فاتحين- المكيون الذين تحرشوا بجيش خالد بن الوليد- عفو محمد عن خصومه جميعا- تطهير الكعبة من الأصنام- إسلام أهل مكة.

,

انتشار الإسلام في شمال شبه الجزيرة

وزاد في انضمام الناس إلى الدين الجديد اضطراب أحوال الدولة البزنطية اضطرابا جعل أحد عمّال هرقل، وقد كلف أن يدفع للجيش رواتبه، يصيح في وجه عرب الشام الذين اشتركوا في الحرب:

«انسحبوا. فالإمبراطور لا يجد ما يدفع منه رواتب جنده إلا بمشقة. وليس لديه لذلك ما يوزعه على كلابه» .

فلا عجب أن ينصرف هؤلاء عن الإمبراطور وعن جنده، وأن يزداد ضياء الدين الجديد أمامهم نورا يهداهم إلى صدق الحقيقة السامية التي يبشر الناس بها. لذلك دخل في الإسلام هذه الفترة ألوف من سليم وعلى رأسهم العباس بن مرداس، ومن أشجع وغطفان الذين كانوا حلفاء اليهود حتى نكب اليهود في خيبر، ومن عبس ومن ذبيان ومن فزارة. فكانت وقعة مؤتة بذلك سببا في استتباب الأمر للمسلمين في شمال المدينة إلى حدود الشام، وفي ازدياد الإسلام عزة وقوة ومنعة.

لكن أثرها في نفوس المسلمين المقيمين بالمدينة كان غير هذا الأثر؛ فهم ما لبثوا حين رأوا خالدا والجيش معه عائدين من تخوم الشام لم ينتصروا على جيش هرقل، أن صاحوا في وجوههم: «يا فرّار، فررتم في سبيل الله» . ولقد بلغ من خجل بعض رجال الجيش أن لزم بيته، كيلا يؤذيه صبيان المسلمين وشبّانهم بتهمة الفرار.

أمّا أثر مؤتة في نفس قريش فكان أنها هزيمة قضت على المسلمين وعلى سلطانهم، حتى لم يبق إنسان يأبه لهم أو يقيم لعهدهم وزنا. فلتعد الأمور كما كانت قبل عمرة القضاء. ولتعد الأمور كما كانت قبل عهد الحديبية. ولتعد قريش حربا على المسلمين ومن في عهدهم من غير أن تخشى من محمد قصاصا.

,

مخاوف حكماء قريش

أمّا حكماء قريش وذوو الرأي فيها فما لبثوا أن قدّروا ما عرّضهم له عكرمة ومن معه من الشبان من خطر.

فهذا عهد الحديبية قد نقض، وهذا سلطان محمد في شبه الجزيرة يزداد بأسا وقوة. ولئن فكر بعد الذي حدث في أن ينتقم لخزاعة من أهل مكة لتتعرضنّ المدينة المقدسة لأشدّ الخطر. فماذا تراهم يصنعون؟ أوفدوا أبا سفيان إلى المدينة ليثبت العقد وليزيد في المدة. ولعل المدة كانت سنتين فكانوا يريدونها عشرا. وخرج أبو سفيان قائدهم وحكيمهم يريد المدينة فلمّا بلغ من طريقه عسفان. لقيه بديل بن ورقاء وأصحابه، فخاف أن يكون قد جاء محمدا وأخبره بما حدث، فيزيد ذلك مهمته تعقيدا. وقد نفى بديل مقابلته محمدا لكنه عرف من

بعر راحلته بديل أنه كان بالمدينة. لذلك آثر ألا يكون محمد أول من يلقى، فجعل وجهته بيت ابنته أمّ حبيبة زوج النبيّ.

,

أبو سفيان بالمدينة

ولعلها كانت قد عرفت عواطف النبيّ إزاء قريش وإن لم تكن تعلم ما اعتزمه في أمر مكة. ولعل ذلك كان شأن المسلمين بالمدينة جميعا. فقد أراد أبو سفيان أن يجلس على فراش النبيّ فطوته أمّ حبيبة. فلما سألها أبوها: أطوته رغبة بأبيها عن الفراش، أم رغبة بالفراش عن أبيها؟ كان جوابها: هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلّم وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحبّ أن تجلس عليه. قال أبو سفيان: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر! وخرج مغضبا. ثم كلّم محمدا في العهد وإطالة مدته، فلم يردّ بشيء. فكلّم أبا بكر ليكلم له النبيّ، فأبى.

فكلم عمر بن الخطاب فأغلظ له في الرد وقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فو الله لو لم أجد إلا الذرّ لجاهدتكم به. ودخل أبو سفيان على عليّ بن أبي طالب وعنده فاطمة، فعرض عليه ما جاء فيه واستشفعه إلى الرسول؛ فأنبأه عليّ في رفق أنه لا يستطيع أحد أن يرد محمدا عن أمر إذا هو اعتزمه. واستشفع رسول قريش فاطمة أن يجير ابنها الحسن بين الناس. فقالت: ما يجير أحد على رسول الله. واشتدّت الأمور على أبي سفيان فاستنصح عليّا؛ فقال له: والله ما أعلم شيئا يغني عنك شيئا. لكنك سيّد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك؛ وما أظن ذلك مغنيا، ولكني لا أجد لك غيره. فذهب أبو سفيان إلى المسجد وهناك أعلن أنه أجار بين الناس. ثم ركب راحلته وانطلق ذاهبا إلى مكة وقلبه يفيض أسى مما لقي من هوان على يد ابنته وعلى يد أولئك الذين كانوا قبل هجرتهم من مكة يرتجون منه نظرة عطف أو رضا.

عاد أبو سفيان إلى مكة؛ فقصّ على قومه ما لقي بالمدينة وما أجار بين الناس في المسجد بمشورة عليّ، وأن محمدا لم يحز جواره. قال قومه: ويلك! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك. وعادوا فيما بينهم يتشاورون.

,

تجهيز المسلمين لفتح مكة

أما محمد فقد رأى ألا يترك لهم الفرصة حتى يتجهزوا للقائه. ولئن كان واثقا من قوته ومن نصر الله إيّاه، ولقد كان يرجو أن يبغت القوم في غرّة منهم، فلا يجدوا له دفعا، فيسلموا من غير أن تراق الدماء.

لذلك أمر الناس بالتجهز. فلمّا تجهزوا أعلمهم أنه سائر إلى مكة وأمرهم بالجدّ، ودعا الله أن يأخذ العيون والأخبار عن قريش حتى لا تقف من سيرهم على نبأ.

وبينما الجيش على أهبة السير كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا أعطاه امرأة من مكة مولاة لبعض بني عبد المطلب تسمى سارة، وجعل لها جعلا على أن تبلّغه قريشا ليقفوا على ما أعد محمد لهم، وحاطب كان من كبار المسلمين، ولكن في النفس الإنسانية جوانب ضعف تطغى في بعض الأحيان عليها، وتهوي بها إلى ما لا ترضاه هي لنفسها. وما لبث محمد أن أحيط بالأمر خبرا. فسارع فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوّام فأدركا سارة فاستنزلاها، فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا. فأنذرها عليّ إن لم تخرج الكتاب ليكشفنها. فلمّا رأت المرأة الجد منه قالت: أعرض. فحلت ذوائب شعرها فأخرجت الكتاب منها، فردّاها إلى المدينة. ودعا محمد حاطبا يسأله ما حمله على ذلك؟ قال حاطب: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله وما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم. قال عمر بن الخطاب دعني يا رسول الله فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق. قال

رسول الله: وما يدريك يا عمر لعل الله قد اطّلع إلى أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم. وكان حاطب من أصحاب بدر. وإذ ذاك نزل قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ) «1» .

,

خروج بني هاشم إلى النبي وإسلامهم

أما العباس بن عبد المطلب عم النبي فقد تركهم في جدلهم وخرج مع أهله حتى لقي محمدا بالجحفة «4» .

ولعل طائفة من بني هاشم كانت بنبأ أو شبه نبأ من خروج النبيّ، فأرادت أن تلحق به دون أن يصيبها أذى.

فقد خرج سوى العباس أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن عم النبيّ، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عمّته، حتى اتصلا بجيش المسلمين بنيق العقاب، واستأذنا على النبيّ، فرفض أن يأذن لهما، وقال لزوجه أمّ سلمة حين كلمته في أمرهما: لا حاجة لي بهما. أما ابن عمي فقد أصابني منه سوء. وأما ابن عمتي وصهري فقد قال بمكة ما قال. وبلغ أبا سفيان هذا الكلام فقال: والله ليؤذننّ لي أو لآخذن بيد بنيّ هذا ثم لنذهبنّ في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا. فرقّ محمد، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما.

ورأى العبّاس بن عبد المطلب من جيوش ابن أخيه ومن قوتّه ما راعه وأزعجه. وهو إن كان أسلم فإن ذلك لم يخل قلبه من خشية ما يحل بمكة إذا دهمها هذا الجيش الذي لا قبل لقوّة في بلاد العرب به. أو ليس قد ترك مكة منذ حين، وله بها من الأهل والخلّان والأصدقاء من لم يقطع الإسلام الذي دان به من وشائجهم! ولعله أفضى بمخاوفه هذه إلى الرسول وسأله؛ ماذا يصنع إذا ما طلبت قريش أمانه؟ ولعل ابن أخيه سرّ بمفاتحة العبّاس إياه في هذا، ورجا أن يتّخذ منهن سفيرا يلقي في قلوب القوم من قريش الرعب فيدخل مكة من غير أن يسفك دما، وتظلّ مكة حراما كما كانت وكما يجب أن تكون. وجلس العباس على بغلة النبيّ البيضاء وخرج عليها حتى جاء ناحية الأراك، لعله يجد حطّابا أو صاحب لبن أو أي إنسان ذاهبا إلى مكة، يحمله إلى أهلها

__________

(1) سورة الممتحنة آية/ 1.

(2) اليلب: الدروع.

(3) على أربعة فراسخ من مكة.

(4) ويذهب بعض كتاب السير إلى أنه لقي الجيش برابغ. أما آخرون فيقولون إن العباس ذهب إلى المدينة قبل التصميم على فتح مكة وأسلم وسار مع جيش الفتح. ويدحض كثيرون هذه الرواية ويزعمونها وضعت إرضاء للعباسيين الذين كتبت السيرة أول ما كتبت في عهدهم. ويؤيدون رأيهم هذا بأن العباس، على نصرته لابن أخيه مذ كان بمكة، لم يتابعه على دينه، لأن العباس كان تاجرا ومرابيا، وكان يخشى ما يجره الإسلام على تجارته من مضرة. ويزيدون أنه لو كان العباس قد أسلم وهاجر، لكان في مقدمة من ذهب إليهم أبو سفيان للتحدث في إطالة مدة عهد الحديبية لقرب عهده بمكة.

رسالة بقوّة المسلمين وبأس جيوشهم، حتى يخرجوا إلى رسول الله فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.

وكانت قريش قد بدأت، منذ نزل المسلمون مرّ الظهران، تشعر بأن خطرا يقترب منها؛ فأرسلت أبا سفيان بن حرب، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام قريب خديجة، يتنسطون الأخبار، ويستطلعون مبلغ الخطر الذي تحس قلوبها. وإن العباس ليسير على بغلة النبيّ البيضاء إذ سمع حديثا بين أبي سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء كذلك يجري:

أبو سفيان- ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا.

بديل- هذه والله خزاعة حمّشتها الحرب.

أبو سفيان- خزاعة أقل وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.

,

أبو سفيان في حضرة الرسول

وعرف العبّاس صوت أبي سفيان، فناداه بكنيته قائلا: أبا حنظلة! وأجاب أبو سفيان بدوره: أبا الفضل. قال العبّاس: ويحك يا أبا سفيان؟ هذا رسول الله في الناس. واصباح قريش إذا دخل مكة عنوة! قال أبو سفيان: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ فأركبه العباس في عجز البغلة ورد صاحبيه إلى مكة وسار به.

والناس إذا رأوا البغلة عرفوها وتركوها تمرّ بمن عليها بين عشرة آلاف أوقدوا نيرانهم لتلقي الرعب في قلب مكة وأهلها. فلمّا مرّت بنار عمر بن الخطاب ورآها عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع إلى خيمة النبيّ وطلب إليه أن يضرب عنقه. قال العباس: إني يا رسول الله قد أجرته. إزاء هذا الموقف في تلك الساعة من الليل، وبعد مناقشة لا تخلوا من حدّة بين العباس وعمر قال محمد: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. فلما كان الصباح، وجيء بأبي سفيان في حضرة النبيّ وبمسمع من كبراء المهاجرين والأنصار، جرى الحوار الآتي:

النبيّ- ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟!

أبو سفيان- بأبي أنت وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد.

النبيّ- ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله؟!

أبو سفيان- بأبي وأمي! ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أمّا والله هذه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا.

فتدخل العباس موجها القول إلى أبي سفيان أن يسلم ويشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقه. ولم يجد أبو سفيان أمام هذا إلا أن يسلم. فتوجّه العبّاس بالقول إلى النبيّ عليه السلام: يا رسول الله؛ إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. قال رسول الله: «نعم! من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» .

هذه الوقائع وارد عليها اتفاق المؤرخين وكتاب السيرة جميعا إلا أن بعضهم يسائل: أهي قد حدثت كلها بمحض المصادفة؟ فخروج العباس إلى النبيّ كان قصده منه أن يذهب إلى المدينة فإذا هو يلقي جيوش المسلمين بالجحفة، وخروج بديل بن ورقاء مع أبي سفيان بن حرب كان لمحض الاستطلاع، مع أن بديلا ذهب قبل ذلك إلى المدينة وقصّ على النبيّ ما لقيت خزاعة وعرف من النبيّ أنه ناصرها، وخروج أبي سفيان كان جهلا منه بأن محمدا قد سار لغزو مكة! أم أن شيئا من الاتّفاق، قليلا أو كثيرا، كان قد حدث قبل ذلك، وأن هذا

الاتفاق هو الذي أخرج العباس للقاء محمد، وأن هذا الاتفاق هو الذي جمع بين العباس وأبي سفيان، وأن أبا سفيان كان قد وثق، منذ ذهب إلى المدينة ليمدّ في عهد الحديبية ورجع صفر اليدين، بأن لا سبيل لقريش إلى ردّ محمد، وأيقن أنه إذا مهد للفتح السبيل فستبقى له رياسته في مكة ومقامه الكبير فيها، وأن الذي ربما كان وقع عليه الاتفاق من ذلك لم يتعدّ محمدا والأشخاص الذين يعنيهم الأمر، بدليل ما همّ به عمر من قتل أبي سفيان؟ من المغامرة أن نحكم. لكنا نستطيع أن نقرر- مطمنة نفوسنا- أنه سواء أكانت المصادفة هي التي ساقت ذلك كله أم أن شيئا من الاتفاق قد وقع عليه، فالحالان تدلّان على دقة محمد ومهارته في كسب أكبر موقعة في تاريخ الإسلام من غير حرب ومن غير إراقة دماء.

,

عدة محمد لدخول مكة

لم يمنع إسلام أبي سفيان محمدا أن يتخذ لدخول مكة كل ما لديه من أهبة وحذر. وإذا كان النصر بيد الله يؤتيه من يشاء، فإن الله لا يؤتي النصر إلا من أعدّ له كل عدّته، واحتاط لكل دقيقة وجليلة قد تقف في سبيله. لذلك أمر أن يحبس أبو سفيان بمضيق الوادي عند مدخل الجبل إلى مكة، حتى تمرّ به جنود المسلمين فيراها ليحدث قومه بها عن بينة، ولكي لا يكون في إسراعه إليهم خيفة مقاومة أيّا كان نوعها. ومرّت القبائل بأبي سفيان، فما راعه منها إلا الكتيبة الخضراء يحيط بمحمد فيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد. فلما عرف أبو سفيان أمرهم قال: يا عباس! ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما! ثم انطلق إلى قومه يصيح فيهم بأعلى صوته: يا معشر قريش! هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.

وسار محمد في الجيش، حتى إذا انتهى إلى ذي طوى، ورأى من هناك مكة لا تقاوم استوقف كتائبه، ووقف على راحلته، وانحنى لله شاكرا، أن فتح الله عليه مهبط الوحي ومقرّ البيت الحرام ليدخله والمسلمين آمنين مطمئنين. وفيما هو كذلك طلب أبو قحافة، ولم يكن قد أسلم كابنه، إلى حفيدة له أن تظهر به على أبي قبيس، وكان قد كفّ بصره. فلما ارتفعت به الجبل سألها ما ترى؟ قالت: أرى سوادا مجتمعا. قال: تلك الخيل. ثم قالت: قد والله انتشر السواد. فقال: تلك الخيل دفعت إلى مكة، فأسرعي بي إلى بيتي. ولم يصل إلى بيته حتى كانت الخيل قد زحفت وتلقّته قبل بلوغه إيّاه ...

شكر محمد الله أن فتح عليه مكة، ولكنه ظلّ مع ذلك متّخذا حذره؛ فقد أمر أن يفرق الجيش أربع فرق، وأمرها جميعا ألّا تقاتل وألا تسفك دما إلا إذا أكرهت على ذلك إكراها واضطرّت إليه اضطرارا. وجعل الزّبير بن العوّام على الجناح الأيسر من الجيش وأمره أن يدخل مكة من شمالها، وجعل خالد بن الوليد على الجناح الأيمن وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وجعل سعد بن عبادة على أهل المدينة ليدخلوا مكة من جانبها الغربيّ. أما أبو عبيدة بن الجرّاح فجعله محمد على المهاجرين، وسار وإيّاهم ليدخلوا مكة من أعلاها في حذاء جبل هند، وفيما هم يتأهبون سمع بعضهم سعد بن عبادة يقول: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة ... » . وفي ذلك من نقض أمر النبي ألّا يقتل المسلمون من أهل مكة ما فيه. لذلك رأى النبيّ حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها إلى ابنه قيس، وكان رجلا ضخما، لكنه كان أهدأ من أبيه أعصابا.

دخلت الجيوش مكة فلم يلق منها مقاومة إلا جيش خالد بن الوليد، فقد كان يقيم في هذا الحيّ من

أسفل مكة أشدّ قريش عداوة لمحمد، ومن اشتركوا مع بني بكر في نقض الحديبية بالغارة على خزاعة. هؤلاء لم يرضهم ما نادى به أبو سفيان. بل أعدّوا عدّتهم للقتال، وأعدّ آخرون منهم عدتهم للفرار. وقام على رأسهم صفوان وسهيل وعكرمة بن أبي جهل. فلمّا دخلت فرقة خالد أمطروها نبالهم، لكن خالدا لم يلبث أن فرّقهم، ولم يقتل من رجاله إلا اثنان ضلّا طريقهما وانفصلا عنه. أمّا قريش ففقدوا ثلاثة عشر رجلا في رواية، وثمانية وعشرين في رواية أخرى. ولم يلبث صفوان وسهيل وعكرمة حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن ولّوا الأدبار.

تاركين وراءهم من حرّضوهم، على المقاومة يصلون بأس خالد وبطش أبطاله معه. وبينما كان محمد على رأس المهاجرين يرقى في مرتفع ينزل منه إلى مكة مطمئن النفس لفتحها في سكينة وسلم بصر بأمّ القرى وبما فيها جميعا، وبصر بتلماع السيوف أسفل المدينة وبمطاردة جيش خالد لمن هاجموهم. هنالك أسف وصاح مغضبا يذكر أمره ألا يكون قتال. فلمّا علم بما كان، ذكر أن الخيرة فيما اختاره الله.

ونزل النبيّ بأعلى مكة قبالة جبل هند، وهنالك ضربت له قبّة على مقربة من قبري أبي طالب وخديجة.

وسئل: هل يريد أن يستريح في بيته؟ فأجاب: كلا! فما تركوا لي بمكة بيتا. ودخل إلى القبّة يستريح وقلبه مفعم بشكر الله أن عاد عزيزا منتصرا إلى البلد الذي آذاه وعذّبه وأخرجه من بين أهله ودياره، وأجال بصره في الوادي وفي الجبال المحيطة به، في هذه الجبال التي كان يأوي إلى شعابها حين يشتد به أذى قريش وتشتدّ به قطيعتها، في هذه الجبال، ومن بينها حراء حيث كان يتحنّث حين نزل عليه الوحي أن: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) «1» .

أجال بصره في هذا الجبال وفي الوادي مبعثرة منازل مكة فيه يتوسّطها البيت الحرام، فبلغ من خضوعه لله أن ترقرقت في عينه دمعة إسلام وشكر للحق لا حقّ إلا هو، إليه يرجع الأمر كله. وشعر ساعتئذ أن مهمّة القائد قد انتهت، فلم يقم بالقبّة طويلا بل خرج وامتطى ناقته القصواء وسار بها حتى بلغ الكعبة، فطاف بالبيت سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن «2» . في يده. فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة ففتح الكعبة، فوقف محمد على بابها وتكاثر الناس في المسجد، فخطبهم وتلا عليهم قوله تعالى: (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) «3» .

ثم سألهم: «يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: «خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!» . قال: «فاذهبوا فأنتم الطلقاء» . وبهذه الكلمة صدر العفو العام عن قريش وعن أهل مكة جميعا.

,

العفو العام

ما أجمل العفو عند المقدرة! ما أعظم هذه النفس التي سمت كل السمّو، فارتفعت فوق الحقد وفوق الانتقام، وأنكرت كل عاطفة دنيا، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان! هؤلاء قريش يعرف محمد منهم من ائتمروا به ليقتلوه، ومن عذّبوه وأصحابه من قبل ذلك. ومن قاتلوه في بدر وفي أحد، ومن حصروه في غزوة الخندق، ومن ألّبوا عليه العرب جميعا، ومن لو استطاعوا قتله وتمزيقه إربا إربا لما ونوا في ذلك لحظة! هؤلاء قريش في قبضة محمد وتحت قدميه، أمره نافذ في رقابهم، وحياتهم جميعا معلّقة بين شفتيه، وفي سلطانه هذه الألوف المدجّجة بالسلاح تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في رجع البصر! لكن محمدا! لكن النبي! لكن رسول الله ليس بالرجل الذي يعرف العداوة أو يريد بها أن تقوم بين الناس. وليس هو بالجبّار ولا بالمتكبر.

__________

(1) سورة العلق الآيات من 1 إلى 5.

(2) المحجن: عصا منعطفة الرأس.

(3) سورة الحجرات آية 13.

لقد أمكنه الله من عدوّه، فقدر فعفا، فضرب بذلك للعالم كله ولأجياله جميعا مثلا في البرّ والوفاء بالعهد، وفي سموّ النفس سموا لا يبلغه أحد.

,

الصور في الكعبة

ودخل محمد الكعبة فرأى جدرانها صوّرت عليها الملائكة والنبيون، ورأى إبراهيم مصوّرا في يده الأزلام «1» يستقسم بها، ورأى بها تمثال حمامة من عيدان فكسرها بيده وألقاها إلى الأرض، أمّا صورة إبراهيم فنظر محمد إليها مليّا وقال: قاتلهم الله! جعلوا شيخا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام! ما كان إبراهيم يهوديّا ولا نصرانيّا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. أمّا الملائكة الذين صوّروا نساء ذات جمال، فقد أنكر محمد صورهم أن ليست الملائكة ذكورا ولا إناثا. ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست. وكانت حول الكعبة الأصنام التي كانت تعبدها قريش من دون الله، قد شدّت إلى جدرها بالرصاص، كما كان هبل في داخل الكعبة؛ فجعل محمد يشير إلى هذه الأصنام جميعا بقضيب في يده وهو يقول: (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) «2» .

,

تطهير الكعبة من الأصنام

وكبّت الأصنام على وجوهها وظهورها، وطهر البيت الحرام بذلك منها. وأتمّ محمد بذلك في أوّل يوم لفتح مكة ما دعا إليه منذ عشرين سنة، وما حاربته مكة أشدّ الحرب فيه. أتمّ تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرّا.

,

مخاوف الأنصار وتبديدها

ورأى الأنصار من أهل المدينة ذلك كله، ورأوا محمدا يقوم على الصفا ويدعو، فخيل إليهم أنه تارك المدينة إلى وطنه الأول وقد فتحه الله عليه، وقال بعضهم لبعض: أترون رسول الله صلى الله عليه وسلّم إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ ولعلهم كانوا على حق في مخاوفهم. فهذا رسول الله: وبمكة البيت الحرام بيت الله، وبمكة المسجد الحرام. لكن محمدا ما لبث حين أتم دعاءه أن سألهم ما قالوا؟ فلما عرف بعد تردّد منهم مخافتهم قال:

«معاذ الله، المحيا محياكم والممات مماتكم» . فضرب بذلك للناس مثلا في البرّ بعهده في بيعة العقبة، وفي الوفاء لأنصاره الذين وقفوا ساعة الشدة إلى جانبه برّا ووفاء لا ينسيهما وطن ولا أهل ولا تنسيهما مكة البلد الحرام.

ولمّا أن طهّرت الكعبة من أصنامهما، أمر النبيّ بلالا فأذّن فوقها، وصلى الناس بإمامة محمد. ومن يومئذ إلى يومنا الحاضر، مدى أربعة عشر قرنا مضت لا تنقطع، وبلال وخلفاء بلال من بعده ينادون بالأذان، كلّ يوم خمس مرات من فوق مسجد مكة. ومدى أربعة عشر قرن مضت من يومئذ يؤدّي المسلمون فرض

__________

(1) الأزلام (واحدها زلم بفتحتين، وبضم ففتح) هي القداح التي كانت في الجاهلية مكتوب عليها الأمر والنهي: افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يضعها في وعاء، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما أدخل يده في الوعاء بعد إجالتها وتحريكها فأخرج منها زلما، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهي كف عما اعتزم ولم يفعله. والاستقسام بها معرفة قسم الإنسان، أي حظه ونصيبه.

(2) سورة الإسراء آية 81.

الصلاة لله والصلاة على رسوله، متوجهين إلى الله بقلوبهم وعقولهم، مستقبلين هذا البيت الحرام الذي طهّره محمد يوم الفتح من أوثانه وأصنامه.

وأذعنت قريش لما حلّ بها، واطمأنت لعفو محمد عنها، وأقامت تنظر إليه وإلى المسلمين من حوله بعيون كلها دهش وإعجاب يمازجها الخوف والحذر. لكن طائفة منها عدّتها سبعة عشر رجلا، كان محمد قد استثناها من رحمته وأمر ساعة دخول مكة أن يقتل رجالها ولو وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، كان قد آثر بعضها الاختفاء ولاذ بعضها بالفرار. ولم يكن قرار محمد قتلهم لحقد منه أو غضب عليهم؛ فهو لم يكن يعرف الحقد، ولكن لجرائم كبيرة ارتكبوها. فأحدهم عبد الله بن أبي السرّح كان قد أسلم وكان يكتب لمحمد الوحي، فارتدّ مشركا إلى قريش زاعما أنه كان يزيف الوحي حين يكتبه. وعبد الله بن خطل كان قد أسلم ثم قتل مولى له وارتد مشركا وأمر جاريتيه فرتنى وصاحبتها فكانتا تغنيان بهجاء محمد، فأمر بقتلهما معه. وعكرمة بن أبي جهل وكان من أشدّ الناس لددا في خصومة محمد والمسلمين خصومة لم تهدأ حتى بعد فتح مكة ودخول خالد بن الوليد من أسفلها.

,

العفو عمن أمر النبي بقتلهم

أمر محمد بعد دخول مكة ألا يسفك بها دم أو يقتل فيها أحد غير هذه الطائفة. لذلك اختفى رجالها ونساؤها وفرّ منهم من فرّ. فلمّا استقر الأمر وهدأت الحال ورأى الناس من فسحة صدر الرسول ومن عفوه الشامل ما رأوا، طمع بعض أصحابه في أن يعفو حتى عن هؤلاء الذين أمر أن يقتلوا. فقام عثمان بن عفّان، وكان أخا ابن أبي السّرح للرضاعة، حتى أتى به النبيّ فاستأمن له. فصمت محمد طويلا، ثم قال: نعم، وأمّته. وأسلمت أمّ حكيم بنت الحارث بن هشام زوج عكرمة بن أبي جهل الذي فرّ إلى اليمن واستأمنت له محمدا فأمّنه، فخرجت في طلبه وجاءت به. وعفا محمد كذلك عن صفوان بن أميّة وكان قد صحب عكرمة في فراره إلى ناحية البحر يستقلّانه إلى اليمن، فجيء بهما والسفينة التي تحملهما على أهبة إقلاعها. وعفا محمد كذلك عن هند زوج أبي سفيان التي مضغت كبد حمزة عم الرسول بعد استشهاده في أحد، كما عفا عن أكثر من أمر بقتلهم. ولم يقتل منهم إلا أربعة، منهم الحويرث الذي أغرى بزينب بنت النبيّ حين رجوعها من مكة إلى المدينة، ورجلان أسلما ثم ارتكبا بالمدينة جريمة القتل وفرّا راجعين إلى مكة مرتدّين إلى الشرك، وإحدى قينتي ابن خطل اللتين كانتا تؤذيان النبيّ بغنائهما، وفرّت الآخرى، ثم استؤمن لها.

,

تحريم مكة على الناس جميعا

وفي غداة يوم الفتح عثرت خزاعة على رجل من هذيل وهو مشرك فقتلوه فغضب النبيّ وقام في الناس خطيبا فقال: «أيها الناس، إن الله حرّم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام من حرام من حرام إلى يوم القيامة لا يحلّ لأمرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما أو يعضد «1» . فيها شجرا، لم تحلل لأحد كان قبلي ولا تحلّ لأحد يكون بعدي، ولم تحلل لي إلّا هذه الساعة غضبا على أهلها، ثم رجعت كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد منكم الغائب. فمن قال لكم إنّ رسول الله قد قاتل فيها فقولوا إن الله قد أحلّها لرسوله ولم يحللها لكم يا معشر خزاعة. ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع. لقد قتلتم قتيلا لأدينّه. فمن قتل بعد مقالي هذا فأهله بخير النّظرين: إن شاؤا فدم قاتله، وإن شاؤا فعقله» «2» . ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة، وبهذا الخطاب وبتصرفه الذي زاد على السماحة والعفو أمس، كسب محمد قلوب أهل

__________

(1) يعضد: يقطع.

(2) العقل: الدية.

مكة بما لم يكونوا يقدّرون، فأقبلوا على الإسلام، ونادى مناد فيهم: «من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يترك في داره صنما إلا حطمه» . ثم بعث جماعة من خزاعة ليصلحوا من العمد المحيطة بالبلد الحرام، مما دلّ أهل مكة على مالها في نفسه من التقديس وما زادهم له حبّا. فلما أخبرهم أنهم خير أمّة يحبّ، وأنه ما كان ليتركهم أو يعدل بهم ناسا لولا أنهم أخرجوه، بلغ تعلقهم به غاية حدوده. وجاء أبو بكر بأبيه، الذي ارتقى أبا قبيس يوم الزحف، يقوده حتى وقف بين يدي النبيّ. فلما رآه محمد قال: هلّا تركت الشيخ بمكانه حتى أكون أنا آتيه فيه! قال أبو بكر: يا رسول الله هو أحقّ أن يمشي إليك من أن تمشي إليه أنت. فأجلس النبيّ الشيخ بين يديه ومسح صدره ثم قال له: أسلم. فأسلم وحسن إسلامه. وكذلك أسرت أخلاق النبوّة السامية هذا الشعب الذي كان ثائرا على محمد أشدّ الثورة، والذي أصبح اليوم يجلّه ويقدّسه. وكذلك أسلمت قريش رجالا ونساء وبايعت.

وأقام محمد بمكة خمسة عشر يوما ينظّم خلالها شئون مكة ويفقه أهلها في الدين. وفي هذه الأثناء بعث السرايا للدعوة إلى الإسلام لا للقتال، ولتحطيم الأصنام من غير سفك للدماء. وكان خالد بن الوليد قد خرج إلى نخلة ليهدم العزّى- وكانت لبني شيبان- فلما هدمها خرج إلى جذيمة، فلمّا رآه القوم أخذوا السلاح؛ فطلب إليهم خالد أن يضعوه فإن الناس قد أسلموا. قال رجل من جذيمة لقومه: ويلكم يا بني جذيمة! إنه خالد. والله ما بعد وضع السلاح إلا الإسار، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق. قال له قومه: أتريد أن تسفك دماءنا! إن الناس قد أسلموا ووضعت الحرب وأمن الناس وما زالوا به حتى وضع سلاحه. عند ذلك أمر بهم خالد فغلوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. فلمّا انتهى الخبر إلى النبيّ رفع يديه إلى السماء وقال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد» . ثم بعث إليهم عليّ بن أبي طالب وقال له:

اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهليّة تحت قدميك. وخرج عليّ ومعه مال أعطاه النبيّ إياه. فلمّا بلغ القوم دفع الدية عن الدماء وعما أصيب من الأموال، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، أعطاهم بقية المال الذي بعث به رسول الله احتياطا لرسول الله مما لا يعلم.

وفي الأسبوعين اللذين أقام محمد بمكة عفّى على كل آثار الوثنيّة فيها. ولم ينتقل إلى الإسلام من مناصب البيت الحرام إلا سدانة الكعبة، أقرّها النبيّ في عثمان بن طلحة وأبنائه من بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها لا يأخذها منهم إلا ظالم، وسقاية الحاج من زمزم جعلها لعمه العبّاس.

وكذلك آمنت أمّ القرى ورفعت منار التوحيد ولواءه وأضاءت العالم خلال الأجيال والقرون بنوره الوضّاء.

,

أثر الفتح في شبه الجزيرة

عاد محمد إلى المدينة بعد فتح مكة وبعد انتصاره في حنين وحصاره الطائف، وقد ثبت في نفوس العرب جميعا أن لم يبق لأحد قبل به في شبه الجزيرة كلها، وأن لم يبق للسان ينطق بإيذائه أو الطعن عليه. وعاد الأنصار والمهاجرون معه وكلهم مغتبط بفتح الله على نبيه بلد المسجد الحرام، وبما هدى أهل مكة إليه من الإسلام، وبما دان له العرب على اختلاف قبائلهم من الطاعة والإذعان. عادوا جميعا إلى المدينة ليطمئنوا إلى شيء من سكينة الحياة، بعد أن ترك محمد وراءه عتّاب بن أسيد على أمّ القرى ومعاذ بن جبل ليفقّه الناس دينهم وليعلّمهم القرآن. وقد ترك هذا النصر، الذي لم يعرف له في تاريخ العرب وفي رواياتهم نظير، أثرا بالغا في نفوس العرب جميعا: ترك أثرا في نفوس العظماء والسادة الذين كانوا لا يتوهمون مجيء يوم يدينون فيه لمحمد بطاعة، أو يرتضون دينه لأنفسهم دينا؛ وفي نفوس الشعراء الذين ينطقون بلسان هؤلاء السادة مقابل ما يلقون من عطفهم وتأييدهم، أو مقابل ما يلقون من تأييد القبائل ومؤازرتها؛ وفي نفس تلك القبائل البادية التي لم تكن تعدل بحرّيتها شيئا، ولا كان يدور بخاطرها أن تنضم تحت لواء غير لوائها الخاص أو تموت دون ذلك في حرب وطعان تفنى خلالها فناء تامّا. وماذا يجدي على الشعراء شعرهم، وعلى السادة سيادتهم، وعلى القبائل احتفاظها بذاتيتها، أمام هذه القوّة الخارقة للطبيعة، لا تقف قوّة أمامها ولا يجرؤ سلطان على اعتراضها!

,

حديث كعب بن زهير

وقد بلغ الأثر في نفوس العرب أن كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب بعد منصرف النبيّ عن الطائف يخبره أن محمدا قتل رجالا بمكة ممن كانوا يهجونه ويؤذونه، وأن من بقي من هؤلاء الشعراء قد هربوا في كل وجه، وينصح إليه أن يطير إلى النبيّ بالمدينة؛ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، أو ينجو بنفسه إلى حيث شاء من أغوار الأرض. وإنما قصّ بجير حقّا، فلم يقتل بمكة أحد بأمر محمد خلا أربعة، منهم شاعر آذى النبيّ هجاؤه، ومنهم اثنان آذوا زينب ابنته حين أرادت بإذن زوجها أن تهاجر من مكة لتلحق أباها. وأيقن كعب صدق أخيه، وإنه إن لم يأت محمدا ظلّ حياته طريدا مشردا؛ لذلك أسرع إلى المدينة ونزل عند صديق له

قديم. فلما أصبح غدا إلى المسجد واستأمن النبيّ وأنشده قصيدة:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيّم إثرها لم يفد مكبول

فعفا النبي عنه وحسن من بعد ذلك إسلامه.



كلمات دليلية: