withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram

فتح مكة_17200

فتح مكة


(27) غزوة الفتح الأعظم

فتح مكة زادها الله شرفا، وأهلها إنافة وكرما وتسمى فتح الفتوح؛ لأنّ العرب كانت تنتظر بإسلامها إسلام قريش، وتقول: هم أهل الحرم، وقد أجارهم الله من أصحاب الفيل، فإن غلبوا.. فلا طاقة لأحد بمحمّد، فلمّا فتح الله مكة.. دخلوا في دين الله أفواجا، بعد أن كانوا يدخلون فيه فرادى، ولم يقم بعده للشرك قائمة.

ولذلك قال العلّامة ابن القيّم في «زاد المعاد في هدي خير العباد» : (إنّه الفتح الأعظم، الذي أعزّ الله به دينه ورسوله وجنده وحرمه الأمين، واستنقذ به بلده وبيته، الذي جعله هدى للعالمين، من أيدي الكفار والمشركين، وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزّه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا) اهـ

,

تاريخ هذه الغزوة وسببها:

وكان تاريخ هذه الغزوة في السنة الثّامنة من الهجرة، في شهر رمضان.

ثمّ إلى الفتح الخزاعيّ ذمر ... عشرة آلاف فعزّ وانتصر

وسببها: ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أرباب السير، من نقض قريش للعهد الذي وقع بالحديبية.

وخلاصة ذلك: أنّه كان بين بني بكر- وقد دخلت في عقد قريش- وبين خزاعة- وقد دخلت في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم- عداوة وحروب في الجاهلية، فلمّا ظهر الإسلام.. تشاغلوا عن ذلك حتى كانت هدنة الحديبية، فخرج نوفل بن معاوية الدّيلي، من بني بكر في بني الدّيل، حتى بيّت خزاعة- أي: جاءهم ليلا على ماء لهم، يقال له: الوتير، بناحية عرنة- فأصاب منهم رجلا، ولمّا علمت بهم خزاعة..

اقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال، وأمدّت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعض من قريش معهم ليلا في خفية.

قدوم عمرو بن سالم الخزاعي على الرسول صلّى الله عليه وسلّم:

ولمّا انتهى القتال خرج عمرو بن سالم الخزاعيّ في أربعين راكبا من خزاعة.. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم، ويستنصرونه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر به نفسي» وإلى هذا أشار الناظم بقوله:

(ثمّ إلى الفتح) لأم القرى عمرو بن سالم (الخزاعي ذمر) بوزن نصر؛ أي: حضّ وحثّ (عشرة آلاف) من المسلمين (فعزّ) أي: غلب الخزاعيّ (وانتصر)

وهو الّذي تهلّلت لنصره ... سحابة ومن بليغ شعره

يا ربّ إنّي ناشد محمّدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فإنّه صلى الله عليه وسلم أجابه بقوله: «نصرت يا عمرو بن سالم» .

وخرج بذلك العدد لقتال قريش لمّا علم أنّهم نقضوا العهد الذي كان أبرم يوم الحديبية بقتال حلفائه خزاعة، وتقدم أنّ خزاعة كانت عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية والإسلام (وهو) أي: الخزاعيّ (الذي تهلّلت) :

تلألأت (لنصره سحابة) وهي: قطعة من الغيم، وقال عند ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» يعني خزاعة، وقال صلى الله عليه وسلم لعمرو بن سالم وأصحابه: «ارجعوا وتفرّقوا في الأودية» فرجعوا وتفرّقوا؛ فذهبت فرقة إلى الساحل، وفرقة لزمت الطريق، وقصد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إخفاء أمر مجيئهم.

(ومن بليغ شعره) أي: ومن شعر الخزاعيّ البليغ الذي يذكر فيه الحلف القديم، ونقض بني بكر للعهد، وتعدّيهم عليهم، وحثّ المسلمين على قتالهم وغير ذلك.. قوله وقد دخل المسجد على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا ربّ إنّي ناشد) طالب (محمّدا) صلى الله عليه وسلم (حلف أبينا وأبيه) يريد عبد المطلب (الأتلدا) أي: الحلف القديم الذي بيننا.

وذلك: أنّ خزاعة كانت حلفاء عبد المطلب بن هاشم، ناصروه على عمه نوفل بن عبد مناف؛ فإنّ المطلب لمّا مات.. وثب نوفل على أفنية كانت لعبد المطّلب، واغتصبه إياها، فاستنهض لردّها همم قومه، واستدرّ عطفهم، فلم ينهض معه أحد منهم، وأبوا أن يدخلوا بين عبد المطّلب وبين عمه نوفل، فكتب إلى أخواله بني النجار، فجاء منهم سبعون راكبا، فقالوا لنوفل: وربّ البنيّة؛ لتردّنّ على ابن أختنا ما أخذت، وإلّا.. ملأنا منك السيف، فردّه، ثمّ حالف خزاعة بعد أن حالف نوفل بني أخيه عبد شمس، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم بهذا الحلف؛ فإنّهم وقفوه على كتاب عبد المطّلب، وهو مذكور بنصه في «السيرة الحلبية» للعلّامة ابن برهان الحلبي، ولأجل ذلك ذكّره الخزاعيّ بقوله: (حلف أبينا وأبيه الأتلدا) وهذا البيت ضمنه الناظم من أبيات للخزاعيّ، وهي:

قد كنتم ولدا وكنّا والدا «1» ... ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا «2»

__________

(1) ولدا الأول يضبط بضم الواو في الولد، وبفتح الواو بعدها ألف في قوله: (وكنا والدا) قال السهيلي: (يريد أنّ بني عبد مناف أمهم من خزاعة، وكذلك قصي أمه فاطمة بنت سعد الخزاعية) والولد بمعنى الولد.

(2) قوله: (ثمت أسلمنا) هو من السلم؛ لأنّهم لم يكونوا آمنوا بعد، غير أنّ قوله: (ركعا وسجدا) يدل على أنّه كان فيهم من صلّى لله، فقتل. من «الروضة» . وأراد بقوله: (ولم ننزع يدا) أي: لم نخرج يدا عن طاعتك، ولم ينتقض ما بيننا من الحلف.

فانصر هداك الله نصرا أيّدا «1» ... وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل السّيف يسمو صعدا

إن سيم «2» خسفا وجهه تربّدا ... في فيلق «3» كالبحر يجري مزبدا

إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكّدا

وجعلوا لي في كداء «4» رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا «5»

وهم أذلّ وأقلّ عددا ... هم بيّتونا بالوتير هجّدا

وقتلونا ركّعا وسجّدا

__________

(1) وفي رواية: (نصرا أعتدا) بضم الهمزة، وسكون المهملة، وكسر الفوقية؛ أي: أحضر، وهو من الشيء العتيد، وهو المهيّأ الحاضر، وضبط بهمز الوصل مع فتح الفوقية؛ أي: نصرا تاما متعديا إلينا.

(2) أي: إن قصد بذلّ له أو لأحد من أهل عهده.. تربد وجهه وتغير؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم لا يرضى الضيم والنقص. اهـ

(3) الفيلق بتقديم الياء على اللام كالجحفل: الجيش العظيم، وجمعه فيالق.

(4) بفتح الكاف والمد: اسم لأعلى مكة بالحجون.

(5) قال العلّامة الأشخر في «شرح البهجة» : (أشار بقوله: «لست أدعو» أي: أعبد أحدا.. إلى قول نوفل بن معاوية الديلي حيث قال له بنو بكر: يا نوفل؛ إنّا دخلنا الحرم؛ أي: وقتلنا خزاعة فيه، إلهك إلهك؛ أي: خف منه، فقال: إنّه لا إله له اليوم، أصيبوا آثاركم فيه) ذكره البغوي. وقوله: (هجّدا) جمع هاجد، بمعنى نائم. اهـ

لدعوة النّبيّ أخّر الخبر ... عن مكّة فلم يورّ بل جهر

(لدعوة) أي: لأجل دعاء (النّبيّ) صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: «اللهمّ؛ خذ العيون والأخبار عن قريش؛ حتى نبغتها في بلادها» وفي رواية: «خذ على أسماعهم وأبصارهم، فلا يرونا إلّا بغتة، ولا يسمعون بنا إلّا فجأة» (أخّر الخبر) بالبناء للمفعول: أي: أخّر الله تعالى خبر خروجه صلى الله عليه وسلم (عن) أهل (مكة) وهذا يقتضي أنّه صدر منه صلى الله عليه وسلم الخبر بقصد الغزو، إلّا أنّ هذا الخبر لم يصل إلى العدوّ، ولذا قال الناظم:

(فلم يورّ) من التّورية: إذا أظهر شيئا وأراد غيره، بل لمّا أعلم أصحابه بالمسير إلى مكة.. أمرهم بالتجهيز والجدّ في الأمر، وكان من هديه عليه السّلام في غزوه: أنّه كان إذا أراد غزوا.. ورّى فيه، إلّا هذه وتبوك؛ لحكمة علمها صلى الله عليه وسلم، وساس الناس بها، فكان القدوة الحسنة، والمثل الأعلى لمن بعده (بل جهر) صلى الله عليه وسلم بذلك وأمر أهله أن يجهّزوه، ودخل أبو بكر على ابنته وهي تغربل حنطة، وتصنع في جهاز النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال:

أي بنيّة؛ أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بتجهيزه؟

قالت: نعم، فتجهّز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري؛ أي: أنّها لا تعلم وجهة قصده للغزو، وهذا كان في أول الأمر، ثمّ بعد ذلك أعلم الناس، وأعلن بالوجه الذي يريده، وهو قريش بمكة.

بعث الرسول صلّى الله عليه وسلّم ضمرة إلى قريش إعذارا لها:

ولمّا قدم ركب خزاعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبروه خبرهم.. قال عليه الصّلاة والسّلام: «فمن تهمتكم وظنتكم؟» قالوا: بني بكر، قال: «أكلها؟» قالوا: لا، ولكن بنو نفاثة، ورأسهم نوفل، قال: «هذا بطن من بني بكر- يعني بني نفاثة- وأنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر، ومخيّرهم في خصال ثلاث» فبعث إليهم ضمرة، يخيرهم بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرؤوا من حلف بني نفاثة، أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة فأخبرهم، فقال قرطة بن عمرو: لا ندي، ولا نبرأ، لكنّا ننبذ إليه على سواء، فرجع بذلك، فندمت قريش على ما ردّوا، وبعثت أبا سفيان.

قلت: روى هذا ابن عائذ عن ابن عمر، ونقله في «شرح المواهب» وقد استحسنت ذكر هذا الخبر هنا، عقب قدوم وفد خزاعة؛ لبيان أنّه عليه الصّلاة والسّلام لم يفاجئ قريشا على غرة حتى تثبت في الأمر، وسأل الركب عمّن كانوا يتّهمون، ولمّا علم من خبر الوفد أنّ تهمتهم كانت على بني نفاثة.. قال عليه الصّلاة والسّلام: «هذا بطن من بني بكر» يريد- والله أعلم- أنّ من الممكن أن تكون هذه الشّرذمة، أو هذا البطن من بني بكر، عصت على عصبتها الكبيرة وشذّت عنها، وأنّ قريشا بمكة لم تدخل في هذا الأمر، ولم ترض به، فهي على

وخاب صخر إذ أتى يرأب ما ... أثاه غدر قومه فانفصما

العهد مقيمة، فلذلك بعث عليه الصّلاة والسّلام ضمرة إلى قريش يسألهم عن هذا الأمر؛ ليزداد الموقف وضوحا، ولما لم يبق مجال للشكّ في أنّ القوم قد قاموا بما يوجب نقض العهد الذي أبرم أمس.. خيّرهم بين أمور ثلاثة، فكان عليه الصّلاة والسّلام قد أنذر وأعذر، وقام بالعهد المبرم.

بعث قريش أبا سفيان إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم:

ولمّا ردّت قريش ضمرة لذلك: على أن لا يدوا، ولا يبرؤوا، ولكنهم ينبذون على سواء.. ندمت على ذلك، فبعثت أبا سفيان إلى المدينة يسأله صلى الله عليه وسلم أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة، فلم يردّ عليه شيئا، ورجع لمكة، ولم يأت بنجح، كما قال الناظم:

(وخاب) أبو سفيان (صخر) بن حرب ولم يظفر بمطلوبه، وكان هو سيد قريش، والمقدّم فيها بعد أبي جهل (إذ أتى) وقدم على النّبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة (يرأب) أي: يصلح (ما) أي: الأمر الذي (أثآه) يقال:

رأب الثأي: أصلح الفساد، وأثأى في القوم: أي: جرح فيهم، وأثأى الشيء أي: أفسده (غدر) بفتح الغين المعجمة؛ أي: ترك وفاء (قومه) قريش بإعانتهم بني بكر على خزاعة حلفاء المسلمين، ودخول بعض من قريش في ميدان القتال خفية ليلا، وظهور ذلك ظهور نار القرى.

ولمّا دخل على ابنته أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها..

ذهب ليجلس على فراشه صلى الله عليه وسلم، فطوته عنه، فقال: ما أدري: أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قال: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحبّ أن تجلس على فراشه صلى الله عليه وسلم. قال: والله؛ لقد أصابك يا بنيّة بعدي شرّ، فقالت: بل هداني الله للإسلام، فأنت يا أبت سيّد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام، وأنت تعبد حجرا لا يسمع ولا يبصر؟ فقام من عندها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فكلمه أن يجدّد العهد ويزيد في المدّة، فلم يرد عليه شيئا.

قال في «شرح المواهب» : (وعند الواقديّ: فقال:

يا محمّد؛ إنّي كنت غائبا في صلح الحديبية، فأجدد العهد، وزدنا في المدة، فقال صلى الله عليه وسلم: «فلذلك جئت؟» قال: نعم، فقال: «هل كان من حدث؟» فقال:

معاذ الله! نحن على عهدنا وصلحنا، لا نغيّر ولا نبدّل، فقال صلى الله عليه وسلم: «فنحن على ذلك» فأعاد أبو سفيان القول، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر، فكلّمه أن يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، فأتى عمر، فقال: أأنا أشفع لكم؟ والله؛ لو لم أجد إلّا الذّرّ لجاهدتكم به، ثمّ دخل على عليّ وعنده فاطمة، وحسن غلام يدب بين يديها، فقال: يا عليّ؛ إنّك أمسّ القوم

بي رحما، وإنّي جئت في حاجة، فلا أرجع كما جئت خائبا، فاشفع لي، فقال علي: ويحك يا أبا سفيان! والله؛ لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة، فقال: يا بنت محمّد؛ هل لك أن تأمري بنيّك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله؛ ما بلغ بنيّ أن يجير بين الناس، وما كان يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ قال لعليّ: يا أبا حسن؛ إنّي أرى الأمور وقد اشتدّت عليّ فانصحني، قال: والله؛ ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثمّ الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ قال: لا والله ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيّها الناس؛ قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد، ثمّ ركب بعيره وانطلق ولم يأت بظفر، كما قال: (فانفصما «1» ) أي: انقطع وانكسر أبو سفيان.

,

ما كان من هند لزوجها أبي سفيان:

ولمّا قدم مكة لذلك، وقد طالت غيبته حتى رمته قريش بأشد التهمة، وقالوا: صبأ واتبع محمّدا سرّا.. دخل على امرأته هند بنت عتبة ليلا فقالت له: لقد غبت حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح.. فأنت

__________

(1) الألف للإطلاق.

الرجل، ثمّ جلس منها مجلس الرجل من امرأته فقالت:

ما صنعت؟ فأخبرها الخبر، وقال: لم أجد إلّا ما قال لي عليّ، فضربت برجلها في صدره، وقالت: قبّحت من رسول قوم! فما جئت بخير.

قال في «شرح المواهب» : (فلمّا أصبح.. حلق رأسه عند إساف ونائلة، وذبح لهما، ومسح بالدم رؤوسهما، وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت؛ إبراء لقريش ممّا اتهموه به، فقالوا له: ما وراءك؟ هل جئت بكتاب من محمّد، أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا؟ فقال: والله؛ لقد أبى عليّ، ثمّ جئت أبا بكر، فلم أجد فيه خيرا، ثمّ جئت ابن الخطّاب فوجدته أدنى العدّو، - وفي لفظ: أعدى العدو- وكلّمت عليه أصحابه، فما قدرت على شيء منهم إلّا أنّهم يرمونني بكلمة واحدة، وما رأيت قوما يوما أطوع لملك عليهم منهم له، إلّا أنّ عليا لمّا ضاقت بي الأمور.. قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين الناس، فناديت بالجوار، قالوا: هل أجاز ذلك محمّد؟ قال: لا، قالوا: رضيت بغير رضا، وجئتنا بما لا يغني عنّا ولا عنك شيئا ولعمر الله؛ إن زاد عليّ على أن بجائز، وإنّ إخفارك عليهم لهين، والله؛ إن زاد عليّ على أن تلعب بك تلعبا، فقال: والله؛ ما وجدت غير ذلك، وتركتهم فيما بينهم يتشاورون) .

,

كتاب حاطب بن أبي بلتعة لقريش:

ولمّا أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى

وحاطب إبن أبي بلتعة ... أرسل إذ زحوفه شرعت

مكة.. كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا أعطاه امرأة، وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، كما أشار له الناظم بقوله:

(وحاطب) «1» بالتنوين لضرورة النظم (إبن) عمرو بن عمير اللخميّ (أبي بلتعة) بموحدة مفتوحة، ولام ساكنة، ففوقية، فعين مهملة مفتوحتين (أرسل إذ زحوفه) أي:

__________

(1) يكنى بأبي محمّد، أو بأبي عبد الله، قال النووي: (قيل: كان لعبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد، فكاتبه، فأدّى كتابته، شهد بدرا، والحديبية، وشهد الله له بالإيمان في القرآن، وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب الإسكندرية سنة ست من الهجرة، فقال له المقوقس: أخبرني عن صاحبك، أليس هو نبيا؟ قال: بلى، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلدته؟ قال له حاطب: فعيسى ابن مريم رسول الله حين أراد قومه صلبه لم يدع عليهم حتى رفعه الله! قال له: أحسنت، أنت حكيم، جئت من عند حكيم، وبعث معه هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، منها مارية أم إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام، وسيرين أم عبد الرّحمن بن حسان، وأخرى أعطاها لأبي جهم بن حذيفة، وأرسل مع حاطب من يوصله مأمنه. روى مسلم في «صحيحه» : أنّ عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا، فقال: يا رسول الله؛ ليدخلنّ حاطبا النار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذبت، لا يدخلها: فإنّه شهد بدرا» وكان حاطب حسن الجسم، خفيف اللحية، ذكره ابن سعد، توفي سنة ثلاثين بالمدينة، وصلّى عليه عثمان رضي الله عنه، وعمره خمس وستون سنة. اهـ

إلى قريش رقعة مع مره ... فأودعتها قرنها تلك المره

فأخبر الهادي بها فأرسلا ... من جاءه كرها بها وامتثلا

جيشه صلى الله عليه وسلم (شرعت) بتاء التأنيث المكسورة للرويّ، وقوله: (إلى) كبار (قريش) وهم: سهيل، وصفوان، وعكرمة، وقد أسلموا بعد، رضي الله عنهم، وهو يتعلق ب (أرسل) أي: أرسل حاطب إلى قريش بمكة إذ ذاك (رقعة) بالضم، واحدة الرّقاع: التي تكتب (مع) بفتح الميم والعين في مع (مرة) بتثليث الميم وفتح الراء المخففة:

لغة في امرأة، استأجرها بدينار أو عشرة دنانير، واسمها سارة بنت صيفيّ بن أبي صيفيّ بن هاشم، كانت مغنيّة أهل مكة، جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أجئت مهاجرة؟» قالت: لا، قال: «فما جئت له؟» قالت: أنتم الأهل ولا مواسي، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كان في غنائك ما يغنيك؟» قالت:

إنّ قريشا منذ قتل منهم من قتل ببدر تركوا الغناء، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة وثيابا، ولمّا ناولها حاطب الرقعة.. قال لها: أخفيها ما استطعت، ولا تمرّي على الطريق؛ فإن عليه حرسا، فأخذت الرقعة (فأودعتها قرنها) بفتح القاف وسكون الراء: ذؤابتها (تلك المرة) .

وأطلع الله على ذلك نبيه عليه الصّلاة والسّلام، وجاءه الخبر من السماء، كما قال الناظم:

(فأخبر الهادي بها) أي: بالمرأة وخبرها لمّا جاء الوحي

بذلك (فأرسلا) بألف الإطلاق، كالألف في قوله بعد:

(وامتثلا) ، (من جاءه كرها) أي: من المرأة، ويتعلق بقوله: (جاءه) قوله: (بها) والذي جاءه بها عليّ، والزّبير، والمقداد، كما أخرجه الشيخان من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن علي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا، والزّبير، والمقداد، فقال: «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ «1» على بريد من المدينة؛ فإنّ بها ظعينة «2» معها كتاب، فخذوه منها» (وامتثلا) أمره صلى الله عليه وسلم.

قال عليّ- في تمام الحديث المذكور-: فذهبنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا:

أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، قلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب، فأخرجته من عقاصها «3» ، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكّة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «ما هذا يا حاطب؟» قال: لا تعجل عليّ يا رسول الله: إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش، ولم أكن من

__________

(1) بخائين معجمتين، على الصواب الذي ذكره النووي عن كافة العلماء.

(2) بفتح الظاء المعجمة، وكسر العين المهملة، هي: المرأة في الهودج.

(3) الشعر المضفور، أو الخيط الذي تعقص به أطراف الذوائب.

أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم، أن أصطنع إليهم يدا يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «أما إنّه قد صدقكم» فقال عمر: دعني «1» يا رسول الله فلأضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنّه شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله عزّ وجلّ اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم؟!»

قال عمرو- يعني ابن دينار، أحد رواة الحديث-:

ونزلت فيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.

قال السّهيلي في «الروض» : (زاد البخاريّ في بعض روايات الحديث فقال: «فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه،

__________

(1) إنّما قال ذلك عمر، مع تصديقه صلى الله عليه وسلم لحاطب فيما اعتذر به، لما كان عنده من القوة في الدين، والبغض لمن ينسب لنفاق، وظن أنّ من خالف أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم استحقّ القتل، لكنه لم يجزم بذلك، فلذلك استأذن في قتله، وأطلق عليه اسم منافق؛ لكونه أبطن خلاف ما أظهر، ولم يرد عمر أنّه أظهر الإسلام، وأبطن الكفر. وعذر حاطب: هو ما ذكره من خوفه على أهله بمكة، بأنّه فعل ذلك متأوّلا أن لا ضرر فيه. اهـ من «الفتح» بزيادة توضيح.

وقال: الله ورسوله أعلم» يعني: حين سمعه يقول في أهل بدر ما قال.

وفي «مسند الحارث» : أنّ حاطبا قال: يا رسول الله؛ كنت عريرا في قريش، وكانت امي بين ظهرانيهم، فأردت أن يحفظوني فيها، أو نحو هذا. ثمّ فسّر العزيز، وقال: هو الغريب.

وقد قيل: كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، وأقسم بالله؛ لو سار إليكم وحده.. لنصره الله عليكم؛ فإنّه منجز له ما وعده.

وفي «تفسير ابن سلّام» : أنّه كان في الكتاب الذي كتبه حاطب: أنّ النّبيّ محمّدا قد نفر: إمّا إليكم، وإمّا إلى غيركم، فعليكم الحذر) .

,

شفاعة أم سلمة فيهما:

وإلى هذا يشير بقوله: (وعنهما أعرض) وصدّ؛ لأنّهما (جرّا) على أنفسهما (مأثمة) أي: إثما بذلك الأذى والهجو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والهاء للسكت؛ إذ وبال ذلك راجع إليهما، (فاستشفعا) أي: طلبا الشفاعة (له)

__________

روى الحاكم عن عروة مرفوعا: «أبو سفيان بن الحارث. سيد فتيان أهل الجنة، قال: أي: عروة «حلقه الحلاق بمنى، وفي رأسه ثؤلول فقطعه، فمات، قال فيرون أنّه مات شهيدا» . وعن عمر بن شبة في «أخبار المدينة» عن عبد العزيز بن عمران قال: (بلغني أنّ عقيل بن أبي طالب رأى أبا سفيان يجول بين المقابر، فقال: يابن عمي؛ ما لي أراك هنا؟ قال: أطلب موضع قبري، فأدخله داره وأمره بأن يحفر في قاعها قبرا، ففعل، فقعد عليه أبو سفيان ساعة ثمّ انصرف، فلم يلبث إلّا يومين حتى مات، فدفن فيه، يقال: إنّه مات سنة خمس عشرة، فصلّى عليه عمر) اهـ من «الإصابة» . وذكر النووي في «شرح مسلم» أنّه قال عند موته: لا تبكوا عليّ؛ فإنّي لم أشطف- أي: أتلطخ- بخطيئة منذ أسلمت. اهـ

أي: عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليقبلهما (بأم سلمة) أم المؤمنين رضي الله عنها، فكلمته أم سلمة، فقالت: يا رسول الله؛ ابن عمك، وابن عمتك وصهرك، قال: «لا حاجة لي بهما؛ أمّا ابن عمي.. فهتك عرضي، وأمّا ابن عمّتي وصهري.. فهو الذي قال لي بمكة ما قال» يعني قوله: والله؛ لا آمنت بك حتى تتّخذ سلّما إلى السماء، فتعرج فيه وأنا أنظر، ثمّ تأتي بصكّ وأربعة من الملائكة، يشهدون أنّ الله أرسلك، فقالت له أم سلمة: لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك.

وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه لأبي سفيان فيما حكاه أبو عمر: (ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ فإنّه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له صلى الله عليه وسلم: «لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» ) .

خروج الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى مكة بجيشه:

هذا: ولمّا رجع أبو سفيان إلى مكة ولم ينل مطلوبه، وقبل عليه الصّلاة والسّلام عذر حاطب في كتابه لأهل مكة..

خرج قاصدا مكة لعشر مضين من رمضان بعد العصر سنة ثمان، وهو صائم والناس معه صيام، ولمّا بلغ الكديد- ماء

وأقبلت جنود صفوة الأمم ... أمامه حتّى انتهوا إلى الحرم

بين قديد وعسفان- أفطر؛ وذلك بعد أن استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة الغفاريّ، على الصحيح الذي رواه ابن إسحاق وغيره.

وأشار الناظم إلى مسيره إلى مكة تتقدمه جنود الله وعسكر الإسلام، حتى وصل إلى بيت الله الحرام بقوله:

(وأقبلت جنود) جمع جند، هو: العسكر والأعوان (صفوة) مثلث الأول، ككلّ ما كان على هذا الوزن واويّ اللام.

والمراد بصفوة (الأمم) : رسول الله الأعظم صلى الله عليه وسلم، وصفه بالصفوة وليست من أسمائه المشهورة؛ لأنّ الله تعالى اصطفى العرب من الناس، واصطفى قريشا من العرب، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم، فمن ثمّ كان الصفوة، والصفوة: خلاصة الشيء، فهو خلاصة الشرف، بل والكمالات كلها (أمامه) صلى الله عليه وسلم.

قال في «الإمتاع» : (وكان المهاجرون سبع مئة، ومعهم ثلاث مئة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف، ومعهم خمس مئة فرس، ومزينة ألفا، ومعها مئة فرس، ومئة درع، وأسلم أربع مئة، ومعها ثلاثون فرسا، وجهينة ثمان مئة، ومعها خمسون فرسا، وبنو كعب بن عمرو خمس مئة، وخرج يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان بعد العصر) اهـ

وضربت له هناك قبّه ... أرضى بها الله وأرضى حزبه

وأخذوا في السير (حتى انتهوا إلى الحرم) أي: مكة شرفها الله تعالى؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم حرّمها بقوله:

«مكة حرام، لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار» .

(وضربت له هناك) أي: بالحجون من أرض الحرم بمكة (قبة) يستظل «1» بها (أرضى بها الله، وأرضى حزبه) جنده أو قومه الذين هم على رأيه، أو طائفته.

قال في «روض النّهاة» : (وكل ذلك محتمل هنا؛ إذ يصح أن يكون أراد قريشا؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم أرضاهم ذلك اليوم بأفعاله الكريمة وأقواله الحميدة. كقوله: «اليوم يوم المرحمة» وقوله: «ما تروني فاعلا بكم؟» قالوا:

خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا، فأنتم الطّلقاء» ولأنّه صلى الله عليه وسلم لم يسبّ أحدا، ولم يغنم ناطقا ولا صامتا وهو فيما هو فيه من المقدرة، وجهد أصحابه في المعيشة، وقد ردّ المفتاح على أهله قبل من بني عبد الدار.

ويصح أن يكون المراد بالحزب الأنصار، وهم قومه الذين

__________

(1) لأنّه عليه الصّلاة والسّلام دخل مكة على الصحيح من أعلاها، ودخل خالد من أسفلها كما سيأتي، قال في «شرح المواهب» : (ولم يزل بالحجون، لم يدخل بيتا، وكان يأتي المسجد لكل صلاة من الحجون، وكان أبو رافع ضرب له به قبة من أدم، ومعه أم سلمة وميمونة) .

فاحترم الحرم إذ هو الحرم ... محرّم مؤمّن ممّن هجم

على رأيه، وأرضاهم أيضا ذلك اليوم بقوله صلى الله عليه وسلم: «المحيا محياكم، والممات مماتكم» وأن يكون المراد به المهاجرين والأنصار؛ لأنّهم جنده.

وأرضى المهاجرين أيضا بعفوه عن قريش، وقد شفّع عثمان، وعبد الرّحمن بن عوف منهم، هذا كله على أنّ الضمير في (حزبه) يعود على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ويحتمل عوده على لفظ الجلالة قال تعالى: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ وقد ظهر لقريش اليوم استمرار الغلب عليهم منذ يوم بدر، فأذعنوا وأسلموا.

(فاحترم الحرم) أي: مكة، فلم يسفك بها دما (إذ هو) أي: مكة، وذكّر الضمير؛ مراعاة للخبر الذي هو (الحرم) وقوله: (محرّم) خبر بعد خبر، كقوله: (مؤمّن ممّن هجم) «1» وأغار عليه.

والآيات في القرآن على تأمينه كثيرة، قال تعالى:

وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

وقال تعالى: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ.

__________

(1) هجم من باب دخل، يقال: هجم على الشيخ: دخل بغير إذن. اهـ

وقال عليه الصّلاة والسّلام في اليوم الثّاني من يوم الفتح، بعد أن حمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله: «أيّها الناس؛ إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السماوات والأرض، فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخّص فيها لقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقولوا له: إنّ الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها الآن كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب» .

,

تاريخ أنصاب الحرم:

قال العلّامة أبو الوليد محمّد بن عبد الله الأزرقيّ، بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنه: (أوّل من نصب أنصاب الحرم إبراهيم عليه السّلام، يريه ذلك جبريل عليه السّلام، فلمّا كان يوم فتح مكة.. بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعيّ، فجدد ما رثّ منها) .

وذكر أيضا أبو الوليد بالسند إلى عبيد الله بن عتبة: (أنّ إبراهيم عليه السّلام نصب أنصاب الحرم، يريه جبريل عليه السّلام، ثمّ لم تحرّك حتى كان قصيّ فجدّدها، ثمّ لم تحرك حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجدّدها، ثمّ لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فبعث أربعة من قريش، كانوا يتبدّون

وحين حلّ بإزاء الحرم ... أمر أن يوقد كلّ مسلم

نارا فأبصر أبو سفيانا ... وكان يرتقبه النّيرانا

في بواديها، فجدّدوا أنصاب الحرم، منهم مخرمة بن نوفل، وأبو هود سعيد بن يربوع المخزوميّ، وحويطب بن عبد العزّى، وأزهر بن عبد عوف الزهريّ) .

,

إرهاب قريش بإيقاد عشرة آلاف نار:

ثمّ أراد الناظم أن يذكر ما أمرهم به النّبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم حينما قارب مكة؛ ممّا جعل قريشا في رعب منهم، فقال: (وحين حلّ) ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم (بإزاء) أي: بمقابل (الحرم) بموضع يسمى مرّ الظّهران:

بفتح الميم، وتشديد الراء، هو المعروف اليوم بوادي فاطمة مسيرة ليلة من مكة على الجمال، وساعة بالسيارة (أمر أن يوقد كل مسلم نارا) لتراها قريش، فترعب من كثرتها، فأوقدوا عشرة آلاف نار (فأبصر أبو سفيانا) بالألف الزائدة لإطلاق القافية قوله: (وكان يرتقبه) أي: النّبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي: يخاف أن يخرج في أصحابه لقتاله، جملة معترضة بين أبصر، ومفعوله الذي هو (النيرانا) أي: فأبصر أبو سفيان هذه النيران الكثيرة حتى قال: ما هذه النيران؟

لكأنّها نيران عرفة، وكانت قد جرت عادتهم بإيقاد النيران الكثيرة ليلة عرفة.

فارتاع فانسلّ إذن عمّ النّبي ... فالتقيا فجا به عن كثب

,

فزع أبي سفيان من جيش المسلمين:

وقد كان أبو سفيان يرتقب النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يغزوه مع قومه (فارتاع) أي: أصاب أبا سفيان الروع والخوف.

قال الشهاب: (ولم يبلغ قريشا مسيره، وهم مغتمّون خائفون من غزوه، فبعثوا أبا سفيان، فقالوا: إن لقيت محمّدا.. فخذ لنا منه أمانا، فخرج أبو سفيان، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء- وقد أسلموا كلّهم رضي الله عنهم- حتى أتوا مرّ الظهران، فلمّا رأوا العسكر.. أفزعهم) .

,

قصة إسلام أبي سفيان وما كان من العباس معه:

وفي «صحيح الإمام البخاري» : فإذا هم بنيران كأنّها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه النيران؟ والله لكأنّها نيران عرفة، فقال له بديل: نيران بني عمرو (أي: خزاعة) فقال أبو سفيان: بنو عمرو أقل من ذلك، فرآهم ناس من حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركوهم، فأخذوهم، فأتوا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أبو سفيان؛ أي: انقاد إذ ذاك، وخضع لرسول الله عليه الصّلاة والسّلام (فانسلّ) بتشديد اللام؛ أي: فخرج (إذن) أي: حين رأى تلك النيران، وذلك الجيش العرموم العباس (عمّ النّبيّ) صلى الله عليه وسلم، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذته الرقّة والشفقة لأهل مكة، حتى جاء الأراك لعلّه يجد بعض الحطّابة، أو ذا الحاجة، يخبر أهل مكة بمكان

رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة، قال العباس: فو الله؛ إنّي لأسير عليها إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا، قال: يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، فيقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة؟ فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: مالك فداك أبي وأمّي، قال: قلت: والله: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، قد جاءكم بما لا قبل لكم به، فقال:

واصباح قريش والله! قال: فما الحيلة فداك أبي وأمّي؟ قال:

قلت: والله لئن ظفر بك.. ليضربنّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة، حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأستأمنه لك، فركب خلفي ورجع صاحباه، وهذا هو المشار إليه بقول الناظم:

(فالتقيا) أي: العباس وأبو سفيان (فجا) بالقصر: لغة في (جاء) بالمد؛ أي: فجاء العباس (به) أي: بأبي سفيان وقد أردفه على عجز الدابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن كثب) بفتح الكاف والمثلثة؛ أي: عن قرب، وكان كلّما مرّ به العباس على نار من نيران المسلمين.. قالوا: من هذا؟ وإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته.

قال العباس: حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال:

من هذا؟ وقام إليّ، فلمّا رأى أبا سفيان على عجز الدابة..

قال: أبو سفيان عدوّ الله؟ الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثمّ خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، فسقت، فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال:

يا رسول الله؛ هذا أبو سفيان، فدعني فلأضرب عنقه، قال:

قلت: يا رسول الله؛ إنّي قد أجرته، ثمّ جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت برأسه، فقلت: والله، لا يناجيه الليلة رجل دوني، فلمّا أكثر عمر في شأنه.. قلت:

مهلا يا عمر، فو الله؛ لو كان من رجال بني عديّ بن كعب..

ما قلت مثل هذا، قال: مهلا يا عباس، فو الله؛ لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليّ من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلّا أنّي قد عرفت أنّ إسلامك كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت.. فأتني به» فذهبت به، فلمّا أصبح.. غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلّا الله؟» قال:

بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك! لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد، قال:

«ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟» قال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأكرمك، وأوصلك! أمّا والله هذه؛ فإنّ في النفس حتى الآن منها شيئا، فقال له العباس: ويحك أسلم، واشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد شهادة الحقّ، فأسلم.

قال العباس: قلت يا رسول الله؛ إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئا «1» ، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، ومن أغلق بابه عليه.. فهو آمن، ومن دخل المسجد.. فهو آمن» .

ثمّ أمر العبّاس أن يحبس أبا سفيان بمضيق الجبل، عند خطم الجبل؛ حتى تمر به جنود الله فيراها، ففعل، فمرّت القبائل على راياتها، كلّما مرّت قبيلة.. قال: يا عباس من هذه؟ فأقول: سليم، قال: ما لي ولسليم، ثمّ تمر به القبيلة فيقول: يا عباس؛ من هؤلاء؟ فأقول مزينة، فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفدت القبائل، ما تمر به قبيلة.. إلّا سألني عنها، فإذا أخبرته بهم.. قال: ما لي ولبني فلان، حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلّا الحدق من الحديد،

__________

(1) قصد العباس بذلك تثبيت إسلام أبي سفيان؛ لئّلا يدخل عليه شيطان، بأنّه كان متبوعا فأصبح تابعا، ليس له من الأمر شيء، ولذا قال العباس: إنّه رجل يحب الفخر. اهـ

وإنّما قيل لها: الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، قال:

سبحان الله يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة!

وفي «صحيح البخاريّ» : أنّ كتيبة الأنصار جاءت مع سعد بن عبادة ومعه الراية، قال: ولم ير مثلها، ثم جاءت كتيبة هي أقل الكتائب «1» - أي: عددا- وأكثرها إجلالا، فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وراية النّبيّ صلى الله عليه وسلم مع الزّبير، فقال أبو سفيان: والله يا أبا الفضل؛ لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما، قال:

قلت: يا أبا سفيان، إنّها النبوة، قال: فنعم إذن، قال:

قلت: النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش؛ هذا محمّد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، فقامت إليه زوجه هند بنت عتبة، فأخذت بشاربه فقالت: اقتلوا الحميت «2» الدّسم الأحمس، قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم! لا تغرنّكم هذه من أنفسكم؛ فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، قالوا: قاتلك الله،

__________

(1) قال الحافظ اليعمري في «العيون» : (كذا وقع عند جميع الرواة- يعني بلفظ «أقل» - ورواه الحميدي في «كتابه» : «هي أجل الكتائب» وهو الأظهر) .

(2) الحميت: الزق، أو وعاء السمن، والأحمس الذي لا خير فيه عنده. اهـ من «روض النهاة» .

وما تغني عنا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه داره.. فهو آمن، ومن دخل المسجد.. فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

وذكر الطبريّ: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وجّه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى مكة، وقال:

من دخل دار حكيم.. فهو آمن، وهي بأسفل مكة، ومن دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، وهي بأعلى مكة، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة.

قال ابن إسحاق: (فحدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا انتهى إلى ذي طوى.. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة حمراء، وإنّ رسول الله ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إنّ عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل) اهـ والعثنون:

اللحية.

وقال في «روض النّهاة» : (إنّ أبا سفيان قال لمّا احتمله العباس إلى قبته، فأصبح عنده، رأى الناس قد ثاروا إلى ظهورهم «1» .. فقال أبو سفيان: يا أبا الفضل؛ ما للناس؟

أمروا فيّ بشيء؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة، فأمره العباس فتوضّأ، ثمّ انطلق به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا دخل به عليه الصّلاة والسّلام في الصّلاة وكبّر،

__________

(1) أي: إلى دوابهم؛ لأنّها كالظهر لهم. اهـ

وزعم ابن قيس ان سيحفدا ... رجالهم خلّته وأنشدا

فكبّر الناس بتكبيره، وركع فركعوا، ورفع فرفعوا.. قال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم طاعة قوم، جمعهم من ههنا وههنا، ولا فارس ولا الروم ذوات القرون بأطوع منهم له!

ولمّا عرض عليه الإسلام.. قال: كيف أصنع بالعزّى؟

فسمعه عمر من وراء القبة، فقال له: تخرأ عليها! فقال أبو سفيان: ويحك يا عمر! إنّك رجل فاحش، دعني وابن عمي فإياه أكلم.

ولمّا قالت هند المقالة السابقة، وقد أخذ الإسلام من قلبه كل مأخذ.. قال لها: والله؛ لتسلمنّ أو لأضربنّ عنقك، فأسلمت قبل انقضاء عدّتها، وبايعت، وأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحهما) .

استعداد حماس بن قيس لقتال الرسول صلّى الله عليه وسلّم ثمّ انهزامه:

(وزعم) حماس (بن قيس) بن خالد، بكسر أوله، وتخفيف ثانيه، وآخره مهملة، على ما ضبطه الحافظ في «الإصابة» وذكره في القسم الأول من حرف الحاء وقال:

(إنّه الأصح من تسمية ابن عبد البر له خناس بن قيس) .

والزعم يطلق على القول الحق، ومنه حديث: «زعم جبريل» وعلى القول الكذب، ومنه قوله تعالى: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ويطلق أيضا على القول غير الموثوق به ومنه قوله:

إن يغلبوا اليوم فما لي علّه ... هذا سلاح كامل وألّه

نبّئت قيسا ولم أبله ... كما زعموا خير أهل اليمن

وحديث الترمذيّ: «بئس مطية الكذب زعموا» فجعله ابن عطية من الثاني، قاله الأبيّ في «شرحه على مسلم» ولعلّ الثاني، أو الثّالث هو المراد هنا؛ أي: كذب في (أن سيحفدا) أي: يخدم (رجالهم) أي: رجال المسلمين (خلّته) بضم الخاء؛ أي: زوجته، أي يأسرهم؛ فيكونوا خولا وخدما لزوجته، ولم تسمّ؛ وذلك أنّه كان يشحذ سلاحه ويصلحه قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له امرأته: لماذا تعدّ سلاحك؟ فيقول: لمحمّد وأصحابه، فتقول: لا أرى محمّدا وأصحابه يقوم لهم شيء، فيقول:

أرجو أن أخدمك منهم.

(وأنشدا) عند ذلك: (إن يغلبوا) بالبناء للفاعل؛ أي:

أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (اليوم فما لي) أي:

فليس لي (علّة) ولا سبب؛ لأنّ (هذا سلاح كامل وألّه) بفتح الهمزة، وبعدها لام مشددة: جمع ألّ بالفتح أيضا، بمعنى: السلاح العريض، يقول في زعمه: إنّه لم يكن هناك سبب لغلبهم لنا؛ فإنّ لدينا من أسباب النصر ما يكفينا من أداة القتال، وما درى أنّ الله ناصر نبيه والمسلمين لا محالة، مهما كان العدوّ، ومهما كانت المعدّات الحربية، قال الله تعالى:

هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ* وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وقال تعالى: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ.

وشهد المأزق فيه حطما ... رمز (يب) من قومه فانهزما

وجاء فاستغلق بابه البتول ... فاستفهمته أين ما كنت تقول

ثمّ شهد الخندمة مع صفوان بن أميّة، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فلمّا لقيهم المسلمون من أصحاب خالد.. ناوشوهم شيئا من القتال، فقتل كرز بن جابر الفهري، وحبيش بن خالد الخزاعي- وكانا في خيل خالد فشذا عنه وسلكا طريقا غير طريقه فقتلا- وأصيب من المشركين نحو اثني عشر، ثمّ انهزموا، فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثمّ قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فأنشد الأبيات، وإلى هذا أشار بقوله:

(وشهد) حماس (المأزق) بوزن مجلس، أصله:

المضيق، واستعاره الناظم لموضع القتال، قال في «الصحاح» : (المأزق: المضيق، ومنه سمي موضع الحرب مأزقا) «1» (فيه) أي: في موضع القتال (حطما) بالبناء للمفعول؛ أي: كسر (رمز «يب» ) أي: اثنا عشر (من قومه) المشركين، يرمز إليهم، ويشار بالياء والباء من حروف الجمّل (فانهزما) بألف الإطلاق مع قومه.

(وجاء) ابن قيس مبادرا من ساحة القتال إلى داره (فاستغلق) أي: طلب أن تغلق عليه (بابه) بالنصب، معمول لاستغلق (البتول) أي: زوجه البتول، وهو وصف

__________

(1) مادة أزق.

فقال والفزع زعفر دمه: ... إنّك لو شهدت يوم الخندمه

إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه ... واستقبلتنا بالسّيوف المسلمه

مدح، قال في «روض النّهاة» : (ولعلّ هذه المرة أسلمت؛ لوصفه إيّاها به) .

(فاستفهمته أين ما كنت تقول) من وعدك أنّك تهزم جماعة محمّد، وتجعل لي منهم خدما وخولا.

(فقال) في جواب ذلك (والفزع) أي: والحال أنّ الخوف (زعفر دمه) أي: جعله كلون الزعفران، وإنّما يعتري الإنسان ذلك من أجل شدة الذعر والخوف، والجملة معترضة بين القول ومقوله الذي هو: (إنّك) مخاطبا لامرأته، وهو بكسر الهمزة (لو شهدت يوم الخندمه) اسم جبل بمكة، وقع عنده القتال مع خالد بن الوليد (إذ فرّ صفوان) نجل أميّة (وفرّ عكرمه) بن أبي جهل، ومكانهما في الشجاعة والبسالة بالمقام المعروف، وقد أسلما بعد رضي الله عنهما، وبعد البيت:

وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... (واستقبلتنا بالسيوف المسلمه)

يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربا فلا تسمع إلّا غمغمه

لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمه

وأبو يزيد: هو سهيل بن عمرو، وتقدم أنّه أسلم رضي الله عنه، والمؤتمة: المرأة ذات أيتام، والمسلمة:

وفاز من لاذ به واسترحمه ... يومئذ إذ هو يوم المرحمه

المسلمون، والغمغمة: الأصوات التي لا تفهم من اختلاطها، والنهيت مكبرا: صوت الصدر، والهمهمة:

الكلام الخفيّ.

*** ثمّ أراد الناظم أن يذكر بعض مظاهر شفقة نبينا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، بقبول من استجار به في ذلك اليوم مع القدرة عليه، وعظيم ما صدر منه من جناية فقال:

(وفاز من لاذ) أي: لجأ (به، واسترحمه) أي: طلب رحمته وعطفه (يومئذ) أي: يوم الفتح لمكة (إذ هو) أي:

ذلك اليوم (يوم المرحمة) «1» لقريش، أعزّها الله فيه.

واعلم: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان قد عهد إلى أمرائه حين أمرهم بدخول مكة، أن لا يقاتلوا إلّا من قاتلهم إلّا نفرا سمّاهم؛ فإنّهم يقتلون ولو وجدوا تحت أستار

__________

(1) هذا اليوم سمّاه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنّ الكتائب لمّا كانت تمر يوم الفتح بأبي سفيان.. فأقبلت كتيبة لم ير مثلها، فقال: من هذه؟ قال العباس: هؤلاء الأنصار عليهم سعد بن عبادة بيده الراية، فقال سعد لأبي سفيان: اليوم يوم الملحمة أي: يوم الحرب، أو يوم القتال- اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فقال أبو سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أمرت بقتل قومك؟ قال: «لا» فذكر له قول سعد، فقال: «يا أبا سفيان؛ اليوم يوم المرحمة، اليوم يعز فيه الله تعالى قريشا» وأرسل إلى سعد، فأخذ الراية من يده، فدفعها إلى ابنه قيس، ورأى صلى الله عليه وسلم أنّ اللواء لم يخرج عنه؛ إذ صار لابنه.

كابن أبي سرح وزير الخلفا ... وناخس البكر ببنت المصطفى

الكعبة، منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لكن لمّا لاذ بحضرة الرسول، بشفاعة أخيه عثمان من الرضاعة.. فاز بالرضا والقبول.

,

قصة ابن أبي سرح رضي الله عنه:

وإليها يشير الناظم بقوله: (كابن أبي سرح) بفتح السين وسكون الراء، وبالحاء المهملات، وهو عبد الله بن سعد القرشي العامريّ؛ فإنّه كان ممّن أهدر النّبيّ صلى الله عليه وسلم دمه يوم الفتح؛ لأنّه كان أسلم بمكة، وكان يكتب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم بها، ثمّ ارتد ولحق بالكفار.

قال في «شرح المواهب» : (روى أبو داوود والحاكم عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن سعد يكتب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فأزلّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر صلى الله عليه وسلم بقتله، فاستجار بعثمان، فأجاره، وأخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى: وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ أنّها أنزلت فيه، كان يكتب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم فيملي عليه «عزيز حكيم» فيكتب «غفور رحيم» ثمّ يقرأ عليه، فيقول هو: نعم، سواء، فرجع عن الإسلام، ولحق بقريش.

وروى الحاكم عن سعد بن أبي وقّاص: أنّه اختبأ عند عثمان، فجاء به حتى أوقفه على النّبيّ صلى الله عليه وسلم

وهو يبايع الناس، فقال: يا رسول الله؛ بايع عبد الله، فبايعه بعد ثلاث، ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله؟» فقال رجل: هلّا أو مأت إليّ؟ فقال: «إنّ النّبيّ لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين» ) اهـ

ثمّ أدركته العناية الأزلية، وأتته السعادة الأبدية، فأسلم وحسن إسلامه، وعرف فضله وجهاده في سبيل الله تعالى، وكان وزيرا لسيدنا عمر بن الخطاب وسيدنا عثمان بن عفان، كما يشير الناظم بقوله: (وزير) أي: معين (الخلفا) ء الراشدين؛ فإنّه ولّاه سيدنا عمر، وكان على ميمنة عمرو بن العاصي حين افتتح مصر، ثمّ ولّاه عثمان، وافتتح إفريقيا عام سبع وعشرين.

قال في «شرح المواهب» : (وكان من أعظم الفتوح، بلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار، واعتزل الفتنة حتى توفي سنة سبع وخمسين؛ أي: بعسقلان) .

وروى البغويّ بإسناد صحيح عن يزيد بن أبي حبيب، قال: (لمّا كان عند الصبح.. قال ابن أبي سرح: اللهمّ؛ اجعل آخر عملي الصبح، فتوضّأ، ثمّ صلّى، فسلّم عن يمينه، ثمّ ذهب يسلم عن يساره، فقبض الله روحه، رضي الله عنه) .

قال السّهيلي في «الروض» : وهو القائل في حصار عثمان رضي الله عنه:

وهلكت لنخسه وألقت ... ذا بطنها والبرح منه لاقت

أرى الأمر لا يزداد إلّا تفاقما ... وأنصارنا بالمكّتين قليل

وأسلمنا أهل المدينة والهدى ... إلى أهل مصر، والذليل ذليل

قصة هبّار بن الأسود رضي الله عنه:

وممّن أهدر دمه، ثمّ لاذ بالنبي المعظّم وفاز: هبّار بن الأسود بن المطّلب بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ القرشيّ الأسديّ، وهو المراد بقوله: (وناخس) بالجر، عطف على (ابن أبي سرح) أي: طاعن (البكر) بفتح الباء: هو الفتيّ من الإبل أي: طاعن الجمل (ببنت المصطفى) صلى الله عليه وسلم وهي زينب؛ فإنّه عرض لها حين هاجرت، وردها زوجها أبو العاصي للنّبيّ صلى الله عليه وسلم على العهد الذي عهد إليه، فنخس بها الجمل حتى سقطت على صخرة، وأسقطت جنينها، وأهراقت الدماء، ولم تزل مريضة حتى ماتت سنة ثمان، كما قال:

(وهلكت لنخسه وألقت) بكسر تاء التّأنيث؛ للرويّ (ذا بطنها) أي: جنينها (والبرح منه) بالنصب معمول لقوله:

(لاقت) أي: ولاقت زينب من هبّار وأفعاله القبيحة البرح والشدة، والشر ممّا لا يليق بشرفها؛ فلذا أهدر عليه الصّلاة والسّلام دمه، وأمر بقتله، بعد أن أمر بحرقه، ثمّ رجع إلى قتله فقط، لكن تداركته العناية الرّبّانية، فأسلم وحسن إسلامه، وفي هذا يقول الناظم:

بحرقه أمر ثمّ رجعا ... لقتله والنّار عنه دفعا

وبعد ما أشفى على الإحراق ... تداركته رحمة الخلّاق

(بحرقه) يتعلّق بقوله: (أمر) أي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحرق هبّار، فقال: «إن وجدتم هبارا..

فأحرقوه بالنار» ثم قال: «اقتلوه؛ فإنّه لا يعذّب بالنار إلّا ربّ النار» .

(ثمّ رجعا) بألف الإطلاق، والضمير للنّبيّ صلى الله عليه وسلم (لقتله) أي: عن قتل هبار؛ أي رجع عن حرقه إلى قتله- ولو عبر بعن.. لكان أولى (والنار) بالنصب معمول ل (دفع) (عنه) يتعلق بقوله: (دفعا) أي: دفع عنه التعذيب لما ذكر.

(وبعد ما) هي مصدرية داخلة على الفعل الذي هو:

(أشفى) أي: أشرف (على الإحراق تداركته) أي: هبّارا (رحمة الخلّاق) فحبّب إليه الإسلام، فأسلم بعد الفتح، وحسن إسلامه، وصحب النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقال في «شرح المواهب» : (أخرج الواقديّ عن جبير بن مطعم قال: كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من الجعرّانة، فطلع هبّار، فقالوا:

يا رسول الله؛ هبّار بن الأسود، قال: «قد رأيته» فأراد رجل القيام إليه، فأشار إليه: أن اجلس، فوقف هبّار، فقال:

السلام عليك يا نبيّ الله، أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، وقد هربت منك في البلاد، وأردت

فحقن الله بالاسلام دمه ... سبحانه من راحم ما أرحمه

اللّحاق بالأعاجم، ثمّ ذكرت عائدتك وصلتك وصفحك عمّن جهل عليك، وكنّا يا رسول الله أهل شرك، فهدانا الله بك وأنقذنا من الهلكة، فاصفح عن جهلي، وعمّا كان يبلغك عني؛ فإنّي مقرّ بسوء فعلي، معترف بذنبي فقال صلى الله عليه وسلم: «قد عفوت عنك، وقد أحسن الله إليك حيث هداك إلى الإسلام، والإسلام يجبّ ما قبله» ) .

(ف) من أجل ذلك (حقن) أي: منع (الله) تعالى رسوله (بالاسلام دمه) أن يسفك (سبحانه) تنزّه الله عن كل ما لا يليق به (من راحم ما أرحمه) !

قلت: ويشير بهذا إلى الحديث الصحيح، الذي رواه البخاريّ ومسلم في «صحيحيهما» واللفظ لمسلم، بسنده إلى عمر بن الخطاب، قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبي، فإذا امرأة من السّبي تبتغي، إذ وجدت صبيا في السّبي فأخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟» قلنا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» .

وروى مسلم بسنده إلى سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مئة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء

أحنى وأرأف من الأمّ بنا ... وهكذا رسوله كان لنا

والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة.. أكملها بهذه الرحمة» .

نسأل الله تعالى أن يشملنا برحمته الواسعة- فإنّا فقراء- منّا وفضلا، إنّ لله رحمة، وأحق الناس بالرحمة الضعفاء.

وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على سعة رحمة الله تعالى، وإذا كانت رحمة واحدة في هذه الدار المبنية على الأكدار، التي منها الإسلام والقرآن والصّلاة والرّحمة في قلبه، وغير ذلك ممّا أنعم الله به.. فكيف الظن بمئة رحمة في الدار الآخرة وهي دار القرار ودار الجزاء؟!

(أحنى) من الحنوّ؛ أي: أعطف (وأرأف) من الرأفة، وهي أشد الرحمة، فعطفها من عطف الخاص على العام؛ أي: أكثر رحمة (من الأمّ) المشفقة (بنا وهكذا) أي: مثل هذا (رسوله) صلى الله عليه وسلم (كان لنا) قال الله تعالى:

لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال تعالى:

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ.

ومن طالع أحواله وسيره ومعاملته صلى الله عليه وسلم مع أصحابه والوافدين إليه من جهلة الأعراب والبوادي يقضي العجب من شفقة نبيّ الرحمة ورأفته، فجزاه الله عنا خير الجزاء، وفرّحنا به في عرصات القيامة ويوم الجزاء بمنّه وكرمه، آمين.

مثل من رأفة الرسول صلّى الله عليه وسلّم وحسن معاملته:

فمن ذلك ما هو مشهور عند أهل السير: أنّ أعرابيا جاء يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثمّ قال:

«أحسنت إليك؟» قال الأعرابي: لا، ولا أجملت، فغضب المسلمون، وقاموا إليه، فأشار إليهم: أن كفّوا، ثمّ قام، ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي شيئا وزاده شيئا، ثمّ قال:

«أحسنت إليك؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي من ذلك شيء؛ فإن أحببت.. فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ؛ حتى يذهب ما في صدورهم عليك» قال:

نعم، فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه، فزعم أنّه رضي، أكذلك؟» قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل هذا، مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتّبعها الناس، فلم يزيدوها إلّا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ناقتي؛ فإنّي أرفق بها منكم. وأعلم، فتوجّه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردّها حتى جاءت واستناخت، وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه.. دخل النار» .

قال أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبيّ: (ومن شفقته على أمّته صلى الله عليه وسلم: تخفيفه وتسهيله عليهم،

وكراهته أشياء؛ مخافة أن تفرض عليهم؛ كقوله عليه الصّلاة والسّلام: «لولا أن أشقّ على أمّتي.. لأمرتهم بالسّواك مع كل وضوء» وخبر صلاة الليل، ونهيهم عن الوصال، وكراهة دخول الكعبة؛ لئلّا يعنت أمّته، وأنّه كان يسمع بكاء الصبيّ فيتجوز في صلاته) .

ومن شفقته صلى الله عليه وسلم: أن دعا ربه وعاهده، فقال: «أيّما رجل سببته أو لعنته.. فاجعل ذلك له زكاة، ورحمة، وصلاة، وطهورا، وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة» .

ولمّا كذبه قومه.. أتاه جبريل عليه السّلام، فقال له: إنّ الله تعالى قد سمع قول قومك لك، وما ردّوا عليك، وقد أمر ملك الجبال؛ لتأمر بما شئت فيهم، فناداه ملك الجبال، وسلّم عليه، وقال: مرني بما شئت؛ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئا» .

وإن شئت المزيد..، فعليك ب «الشفاء» للقاضي عياض و «المواهب» و «شرحها» وغير ذلك من الدواوين التي تبحث عن أحواله صلى الله عليه وسلم ورحمته لأمته، ومع ذلك فما ذكر إنّما هو قلّ من كثر، وغيض من فيض. نسأل الله تعالى أن يعمّنا برحمته وشفقته، آمين.

يدخلنا الجنّة إلّا من شرد ... عنه وعن توحيده أبى وصد

يقرب بالذّراع أو بالباع ... للمدّني بشبر أو ذراع

ومن أتى يمشي أتاه هروله ... فضاعف الأجر له وأجز له

,

جزاء المطيعين لله الجنة:

(يدخلنا) الله تبارك وتعالى معشر الموحّدين (الجنّة) بفضله المحض (إلّا من شرد) أي: فرّ ونفر (عنه وعن توحيده) يتعلق بقوله: (أبى) أي: امتنع عن توحيده (وصدّ) أي: أعرض.

ثمّ ذكر الناظم من تنزلات مولانا عزّ وجلّ لعباده المؤمنين، ما يحثّهم على المبادرة لطاعاته، والمسارعة إلى مرضاته، فقال:

,

قرب العبد من ربه وقرب الرب من عبده:

(يقرب بالذراع) لمن تقرّب إليه شبرا (أو بالباع) لمن تقرّب إليه ذراعا، والباع: قدر مدّ اليدين، ولذا قال:

(للمدّني) بضم الميم وتشديد الدال المفتوحة اسم فاعل، مأخوذ من: ادّنى مشدد الدال، قال السيد محمّد مرتضى في «تاج العروس» : (وادّنى ادّناء: افتعل، من الدنوّ؛ أي:

قرب) (بشبر أو ذراع) وفيه لف ونشر مرتب.

(ومن أتى يمشي) من المتقرّبين إليه (أتاه هرولة) بفتح الهاء: ما بين العدو والمشي، ولفظ الحديث بسند مسلم إلى أبي هريرة رضي الله عنه، عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال:

«قال الله عزّ وجلّ: إذا تقرب عبدي مني شبرا.. تقرّبت منه ذراعا، وإذا تقرّب مني ذراعا.. تقرّبت منه باعا- أو بوعا- وإذا أتاني يمشي.. أتيته هرولة» ذكره في موضوع (من أحبّ لقاء الله.. أحب الله لقاءه) .

وذكر في (كتاب الذكر والدعاء) بسنده إلى أبي هريرة، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله عزّ وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه.. ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ..

ذكرته في ملأهم خير منهم، وإن تقرّب مني شبرا.. تقربت منه ذراعا، وإن تقرّب مني ذراعا.. تقربت منه باعا، وإن أتاني يمشي.. أتيته هرولة» وهذا الحديث كسابقه من أحاديث الصفات، يجب الإيمان به، ويصرف عن إرادة ظاهره؛ لقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

قال الإمام أبو زكريا النوويّ في «شرح مسلم» :

(ومعناه: من تقرب إليّ بطاعتي.. تقربت إليه بالرحمة، والتوفيق، والإعانة، وإن زاد.. زدت، فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي.. أتيته هرولة؛ أي: صببت عليه الرحمة، وسبقته بها، ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود، والمراد: أنّ جزاءه يكون تضعيفه له على حسب تقربه) ولذا قال الناظم: (فضاعف الأجر له وأجز له) أي:

أكثره.

يضاعف الأجر لسبع مئة ... ففوق يؤجر بحسن النّيّة

ثمّ بيّن أنّ المضاعفة تكون على حسب حال العاملين، وحسن نياتهم وإخلاصهم بقوله:

(يضاعف الأجر لسبع مئة ففوق) بالبناء على الضم؛ أي: ففوق السبع مئة ضعف (يؤجر) العامل (بحسن النية) قال الله عزّ وجلّ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ربه تبارك وتعالى: «إنّ الله كتب الحسنات والسيئات» ثمّ بيّن ذلك بقوله: «فمن همّ بحسنة فلم يعملها.. كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها.. كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبع مئة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وإن همّ بسيئة فلم يعملها.. كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن همّ بها فعملها.. كتبها الله عنده سيئة واحدة» رواه البخاري ومسلم في «صحيحيهما» .

وهذا الحديث عظيم شريف، بيّن النّبيّ صلى الله عليه وسلم به مقدار تفضّل الله عزّ وجلّ على خلقه، قال الإمام أبو زكريا النووي: (فانظر يا أخي- وفقنا الله وإيّاك- إلى عظيم لطف الله تعالى، وتأمل هذه الألفاظ، وقوله: «عنده» إشارة إلى الاعتناء بها، وقوله: «كاملة» للتأكيد وشدة الاعتناء بها، وقال في السيئة التي همّ بها ثمّ تركها: «كتبها الله

من لطفه أنّ صحائف الذّنوب ... وهي عظيمة تروّع القلوب

لا تزن التّهليل في بطاقه ... كأنّها الظّفر في الدّقاقه

عنده حسنة كاملة» فأكّدها بكاملة، وإن عملها.. كتبها سيئة واحدة، فأكّد تقليلها ب «واحدة» ولم يؤكدها ب «كاملة» فلله الحمد والمنّة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه، وبالله التوفيق) .

,

حديث البطاقة:

(من لطفه) أي: رفق الله تعالى بعباده وبرّه بهم (أنّ صحائف الذنوب وهي عظيمة تروّع) بضم المثنّاة وتشديد الواو المكسورة؛ أي: تخوف (القلوب) وتفزعها لعظمها، وكل ذنب إذا قوبل بجلال الله وعظمته.. فهو عظيم، وهذه الجملة معترضة، وقعت بين اسم إن وخبرها الذي هو: (لا تزن التهليل) أي: كلمة «لا إله إلّا الله» الثابتة (في بطاقة) بكسر الباء؛ أي: رقعة صغيرة، قال في «النهاية» : (سميت بذلك؛ لأنّها تشد بطاقة في الثوب) فتكون الباء حينئذ زائدة (كأنّها) أي: البطاقة (الظفر) بالضم، وبضمّتين، والكسر شاذ، يكون للإنسان وغيره، قاله أبو البقاء في «كلياته» وذكر الناظم وجه الشبه بين البطاقة والظفر بقوله: (في الدقاقه) بضم الدال؛ أي: الدقة.

ويشير بهذا إلى الحديث الذي رواه الإمام أحمد بسنده إلى عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله عزّ وجلّ يستخلص رجلا من أمّتي على

رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا، كل سجل مدّ البصر، يقول: أتنكر من هذا شيئا؟

أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا ربّ، قال: أفلك عذر؟ قال: فبهت الرجل، فيقول: لا يا ربّ، فيقول: بلى إنّ لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، فيقول: أحضروه، فيقول: يا رب؛ ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنّك لا تظلم، قال:

فتوضع السجلات في كفّة، والبطاقة في كفّة، قال: فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة، قال: ولا يثقل شيء مع اسم الله» رواه الترمذيّ وابن ماجه من حديث الليث بن سعد، وقال الترمذي: حسن.

السجلات: جمع سجل، وهو الصك والكتاب، وطاش من الطيش، وهو الخفة؛ أي: خفت السجلات.

*** وبعد ما فرغ الناظم من هذه الأبيات الاستطرادية؛ لمناسبة تدارك الله تعالى هبارا بالعناية، وبسط يد رسوله صلى الله عليه وسلم بالعفو.. أراد أن يذكر ما ناله هبار من سوء المعاملة بالمدينة؛ لما فعله مع البضعة الطاهرة الزّكية، وكيف ردّهم رسول الله ونبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلم عنه رأفة به فقال:

بسبّه من سبّه آنسه ... نبيّنا أن عيّروه نخسه

صلّى عليه الله ما أحلمه ... عن سيّىء الحوب وما أكرمه

عطف الرسول صلّى الله عليه وسلّم على هبار بن الأسود:

(بسبّه) أي: هبار، وهو مضاف إلى فاعله، ومتعلق بقوله (آنسه) يعني: آنسه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإذن في أن يسب هبّار (من سبّه) وعيّره بنخس جمل السيدة زينب ونحو ذلك، قالوا: وكان هبار سبابا في الجاهلية (آنسه) وهو ضد أوحشه؛ أي: أدخل عليه الأنس بذلك، (نبينا) ب (أن عيّروه) عابوه بذلك (نخسه) أي: طعنه الجمل بزينب رضي الله عنها.

والحاصل: أنّه لما أسلم هبار، وأمّنه النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. قدم المدينة، فجعلوا يسبّونه؛ لنخسه بزينب بنته صلى الله عليه وسلم يوم خروجها من مكة إلى المدينة، فشكى ذلك لحضرة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فقال له: «سبّ من سبّك، فكفّوا عنه» قال في «شرح المواهب» : (رواه ابن شاهين من مرسل الزّهريّ) .

(صلّى عليه الله ما أحلمه) أي: أكثر حلمه، وصفحه (عن سيئ الحوب) أي: الإثم الصادر قديما من هبار، ومن غيره (وما أكرمه) فقد عفا وصفح عن أعدائه مع المقدرة منه في حال السلم والحرب، بما لم يعرف من غيره، كما يعلم ذلك من درس أحواله صلى الله عليه وسلم.

وكأبي سفيان وابن عمّته ... وكابن عمّه وأهل بكّته

وحسبك قوله عليه الصّلاة والسّلام يوم فتح مكة في عشرة آلاف من أصحابه الصناديد الأسود، وقد خضعت تلك الرقاب التي كانت تؤذيه وتحاربه، ونكست من رؤوسها: «ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال:

«اذهبوا فأنتم الطلقاء» إلى غير ذلك ممّا تجده في هذه الورقات، وغيرها من الأسفار والمجلدات.

رضاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم عن أبي سفيان بعد إسلامه وإكرامه إياه:

(وكأبي سفيان) صخر بن حرب، وهو معطوف على قوله سابقا: (كابن أبي سرح) أي: وفاز من لجأ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كابن أبي سرح، وكأبي سفيان؛ فإنّه ممّن لاذ به مع العباس عمه، وفاز بالإسلام، وكان تولى بعد بدر رياسة قريش وحرب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولمّا أسلم..

كان يمازح النّبيّ صلى الله عليه وسلم ويقول: تركتك وتركتك العرب ولم تنتطح فيّ عنزان، فجعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول: «أنت تقول هذا يا أبا حنظلة» .

وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من المسجد على أبي سفيان، فلمّا رآه.. قال في نفسه: ليت شعري بم غلبني؟ فضرب صلى الله عليه وسلم بين كتفيه فقال: بالله غلبتك يا أبا حنظلة، فقال أشهد أنّك رسول الله.

وفقئت عيناه: الأولى يوم الطائف، والثانية يوم اليرموك، تحت لواء ابنه يزيد.

وعن سعيد بن المسيب قال: خفتت الأصوات يوم اليرموك إلّا صوتا ينادي: يا نصر الله اقترب، فنظرت، فإذا صوت أبي سفيان تحت لواء ابنه يزيد.

وتوفي في خلافة عثمان، وتوفيت هند زوجه في خلافة أبي بكر، رضوان الله عليهم أجمعين، وتقدم الكلام على كثير من حياة أبي سفيان وقصة إسلامه.

عطف الرسول صلّى الله عليه وسلّم على عبد الله بن أبي أميّة وأبي سفيان بن الحارث وأهل مكة:

(و) ك (ابن عمته) وهو عبد الله بن أبي أميّة بن المغيرة، أمه عاتكة بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، (وك) أبي سفيان (ابن عمه) الحارث بن عبد المطلب؛ فإنّهما ممّن لاذ بالنّبي صلى الله عليه وسلم، ففازا بالقبول، وسبق الكلام عليهما آنفا.

(و) ك (أهل بكّته) بفتح الباء وتشديد الكاف، من أسماء مكة؛ لأنّها تبك؛ أي: تدق أعناق الجبابرة؛ فإنّهم فازوا به لما لجأوا إليه، وقال لهم: «يا معشر قريش؛ ماذا ترون أنّي فاعل بكم؟» قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال صلى الله عليه وسلم: «فإنّي أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الرّاحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

واختلفوا فيها فقيل أمّنت ... والحقّ عنوة وكرها أخذت

,

هل فتح مكة كان عنوة أو صلحا؟

ثمّ شرع يذكر الخلاف بين العلماء في مكة، هل كان فتحها عنوة أو صلحا؟ فقال:

(واختلفوا فيها) أي: في مكة (فقيل: أمنت) بالبناء للمجهول؛ أي: فتحت أمنا على أهلها وصلحا، وإليه ذهب الإمام الشافعيّ؛ لقوله عليه الصّلاة والسّلام: «من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن، ومن أغلق عليه داره.. فهو آمن» حيث أضيفت الدور إلى أهلها، ولأنّها لم تقسم، ولأنّ الغانمين لم يملكوا دورها، وإلّا.. لجاز إخراج أهل الدور منها، وينبني على هذا القول: أنّ لأهلها بيع دورهم، وإكرائها (والحق عنوة) أي: فتحت بالاستعانة بالسلاح (وكرها أخذت) بالكره من قريش بالخيل والركاب، وإنّما كان هذا هو الحق.. لأنّه قول الجمهور، ولقوة الدليل.

قال في «المواهب» و «شرحها» : (وحجتهم ما وقع التصريح به في الأحاديث الصحيحة من الأمر بالقتال، ووقوعه من خالد بن الوليد، وتصريحه عليه الصّلاة والسّلام بأنّها أحلّت له ساعة من نهار، ونهيه عن التأسّي به في ذلك؛ لأنّه من خصائصه، فهذه أربع حجج قوية، كل منها بانفراده كاف في الحجّية) اهـ

وعلى هذا القول: لا يجوز لأهل مكة بيع دورهم وكراؤها، بل هي مناخ لمن سبق، كما روي ذلك عن أمنا

عائشة رضي الله عنها، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأمر بنزع أبواب دور مكة إذا قدم الحاج، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بمكة أن ينهى أهلها عن كراء دورها إذا جاء الحاج؛ فإنّ ذلك لا يحلّ لهم، وقال الإمام مالك رحمه الله: إن كان الناس ليضربون فساطيطهم بدور مكة، لا ينهاهم أحد.

قال السّهيليّ بعد هذا: (وهذا كله منتزع من أصلين:

أحدهما: قوله تبارك وتعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال ابن عمر وابن عباس: الحرم كله مسجد.

والأصل الثّاني: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم دخلها عنوة، غير أنّه منّ على أهلها بأنفسهم وأموالهم، ولا يقاس عليها غيرها من البلاد، كما ظنّ بعض الفقهاء؛ فإنّها مخالفة لغيرها من وجهين:

أحدهما: ما خصّ الله به نبيه؛ فإنّه قال: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.

والثّاني: ما خصّ الله به مكة؛ فإنّه جاء: «لا تحل غنائمها، ولا تلتقط لقطتها، وهي حرم الله تعالى وأمنه» فكيف تكون أرضها أرض خراج؟ فليس لأحد افتتح بلدا أن يسلك به سبيل مكة، فأرضها إذن ودورها لأهلها، ولكن أوجب الله عليهم التوسعة على الحجيج إذا قدموها،

ولا يأخذوا منهم كراء في مساكنها، فهذا حكمها، فلا عليك بعد هذا؛ فتحت عنوة أو صلحا، وإن كانت ظواهر الأحاديث أنّها فتحت عنوة) اهـ

,

مناظرة الإمام الشافعي مع ابن راهويه في مكة:

ويحسن هنا أن نذكر مناظرة الإمام الشافعي مع ابن راهويه في هذا الموضوع، وقد ذكرها الإمام النووي في «مجموعه» في (كتاب البيوع) مع مذاهب العلماء في ذلك، وذكر حجج كل فريق؛ قال:

(روى الإمام البيهقيّ بإسناده عن إبراهيم بن محمّد الكوفي قال: رأيت الشافعي بمكّة يفتي الناس، ورأيت إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل حاضرين فقال أحمد لإسحاق: تعال حتى أريك رجلا لم تر عيناك مثله، فقال إسحاق: لم تر عيناي مثله؟ فقال: نعم، فجاء به فوقفه على الشافعيّ ... فذكر القصة إلى أن قال: ثمّ تقدم إسحاق إلى مجلس الشافعيّ، فسأله عن كراء بيوت مكة، فقال الشافعيّ: هو عندنا جائز، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل ترك لنا عقيل من دار؟» فقال إسحاق: حدّثنا يزيد بن هارون عن هشام، عن الحسن: أنّه لم يكن يرى ذلك، وعطاء وطاووس لم يكونا يريان ذلك، فقال الشافعيّ لبعض من عرفه: من هذا؟ قال:

هذا إسحاق بن راهويه الحنظليّ الخراسانيّ، فقال له الشافعيّ: أنت الذي يزعم أهل خراسان أنّك فقيههم؟ قال

وأخبر النّبيّ بارىء النّسم ... بقولهم يسكن بعدها الحرم

إسحاق: هكذا يزعمون، قال الشافعي: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت تقول: قال طاووس والحسن وعطاء، وهؤلاء لا يرون ذلك، وهل لأحد مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم حجة ... وذكر كلاما طويلا.

ثمّ قال الإمام الشافعيّ: قال الله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ أفتنسب الديار إلى مالكين أو غير مالكين؟ فقال إسحاق: إلى مالكين، قال الشافعيّ: قول الله أصدق الأقاويل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من دخل دار أبي سفيان.. فهو آمن» وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دار الحجامين ... وذكر الإمام الشافعيّ له جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له إسحاق: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ قال الشافعي: قال الله تعالى: وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ والمراد المسجد خاصة، وهو الذي حول الكعبة، ولو كان كما يزعم.. لكان لا يجوز لأحد أن ينشد في دور مكة وفجاجها ضالّة، ولا ينحر فيها البدن، ولا يلقي فيها الأرواث، ولكن هذا في المسجد خاصة، فسكت إسحاق ولم يتكلم، فسكت عنه الشافعي) اهـ

إخبار الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم بما قاله الأنصار بعد الفتح:

(وأخبر النّبيّ) صلى الله عليه وسلم، وهو مفعول مقدم

وبالّذي قالوه إذ لم يرهقا ... تداركته رحمة فأشفقا

ل (أخبر) على فاعله الذي هو (بارئ) أي: خالق (النسم) والبارئ من أسمائه تعالى البالغة مئة إلّا واحدا، من أحصاها.. دخل الجنة، والنسم، بتشديد النون المفتوحة، جمع نسمة: الإنسان.

والمعنى: أنّه بينما تتحدث الأنصار بعضها مع بعض في شأن سكنى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببلده التي فتحها اليوم، وقومه الذين تربّى بينهم، ونشأ فيهم، إذ جاءه الوحي بما تحدثوا به، والمخبر به هو (بقولهم) فهو يتعلق بقوله:

(أخبر) والضمير المضاف إليه عائد للأنصار المعلومين من المقام (يسكن بعدها) أي: بعد هذه الغزوة (الحرم) أي:

مكة؛ لأنّها مسقط رأسه.

(و) أخبره بارىء النسم أيضا (بالذي) أي: بالقول الذي (قالوه) أي: الأنصار؛ ضنا برسوله صلى الله عليه وسلم (إذ لم يرهقا) أي: لم يدخل الإرهاق والكلفة على قومه، ومقول قولهم: (تداركته) أي: الرسول الأعظم (رحمة) في عشيرته، ورغبة في قريته (فأشفقا) عليهم، وأطلقهم من الأسر، وقال لهم: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الرّاحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

وهذا مأخوذ ممّا رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا فرغ من طوافه.. أتى

وبالّذي قالوه في المؤذّن ... وبالّذي به فضالة عني

الصفا، فعلا منه حتى يرى البيت، فرفع يديه، وجعل يحمد الله ويذكره، ويدعو بما شاء الله أن يدعو، والأنصار تحته، فقال بعضهم لبعض: أمّا الرجل.. فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته، قال أبو هريرة: وجاء الوحي، وكان إذا جاء الوحي.. لم يخف علينا، فليس أحد من الناس يرفع طرفه إليه، فلمّا قضى الوحي.. قال: «يا معشر الأنصار» قالوا:

لبّيك يا رسول الله، قال: «قلتم: أمّا الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته؟» قالوا: قلنا ذلك يا رسول الله، قال: «فما اسمي إذا؟ كلّا، إنّي عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، المحيا محياكم، والممات مماتكم» فأقبلوا إليه يبكون، يقولون: والله يا رسول الله، ما قلنا الذي قلنا إلّا الضّن «1» بالله ورسوله، فقال صلى الله عليه وسلم: «فإنّ الله ورسوله يعذرانكم ويصدقانكم» .

إخبار الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم بما تحدثت به قريش عند أذان بلال:

(و) أخبر بارىء النسم رسول الله صلى الله عليه وسلم (ب) الكلام (الذي قالوه) أي: قريش (في) سيدنا بلال بن

__________

(1) قوله: (إلّا الضن) بكسر الضاد المعجمة، وشد النون؛ أي: البخل والشح به أن يشركنا فيه أحد غيرنا، قال في «شرح المواهب» لمّا نقل هذا الضبط عن الشامي: (ولعلّه الرواية، وإلّا.. ففتحها لغة أيضا، وكان ذلك وقع لطائفتين، فبادر بإخبار إحداهما لجزمها، وتلطّف في سؤال الأخرى لكونها لم تجزم، بل قالت: أترى ... إلخ، و «يعذرانكم» بكسر الذال المعجمة: يقبلان عذركم) اهـ

رباح «1» (المؤذن) بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على

__________

(1) واسم أمه حمامة، مولاة لبني جمح، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان عبدا لأميّة بن خلف، فأسلم مع أبي بكر، وزيد بن حارثة، وعلي، والسيدة خديجة. وأشار الحافظ السيوطي إلى الخلاف في أول من أسلم منهم مع الجمع بين الأقوال بقوله:

واختلفوا أوّلهم إسلاما ... وقد رأوا جمعهم انتظاما

أول من أسلم في الرجال ... صديقهم وزيد في الموالي

وفي النسا خديجة وذي الصغر ... علي، والرق بلال اشتهر

وكان أميّة لعنه الله يعذّب بلالا، حتى كان يضجعه في الرمضاء ببطحاء مكة، ويطرح عليه الحجارة، ويقول له: لا تزال كذلك، أو تكفر بمحمّد وإلهه، وبلال يقول: أحد أحد، وقد نهى ورقة بن نوفل عن تعذيبه، ولمّا رأى أبو بكر ذلك عظم عليه الأمر، فكلم أميّة أن يعطيه نسطاسا عبدا لأبي بكر كثير الخراج، إلّا أنّه متمرد إذ ذاك ويأخذ بدله بلالا، ففعل، فأعتق أبو بكر بلالا لوجه الله تعالى، لا لنعمة عنده تجزى، إلّا ابتغاء وجه ربه الأعلى، قال سيدنا عمر رضي الله عنه: أبو بكر سيدنا أعتق سيدنا. قال بعضهم:

أبو بكر حباه الله مالا ... فمذ دعى أجاب نعم بلا: لا

فكم واسى النبي بكل خير ... وأعتق من ذخائره بلالا

فلو أنّ البحر يبغضه اعتقادا ... لما أبقى الإله به بلالا

وكان من قضاء الله وقدره أنّ نسطاسا أسر يوم بدر، ثمّ أسلم بعد أحد رضي الله عنه، وأنّ بلالا قتل أميّة هذا الذي كان يعذبه، وولده عليا، ولذا هنّأه أبو بكر بقوله:

هنيئا زادك الرّحمن فخرا ... لقد أدركت ثأرك يا بلال

وكان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم حضرا وسفرا، وهو أول من أذن في الإسلام، واستمرّ حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمّ-

ظهر الكعبة للظهر؛ ليغيظ المشركين، وقريش فوق رؤوس الجبال، وقد فرّ جماعة من وجوههم وتغيّبوا، وأبو سفيان، وعتاب بن أسيد- بفتح الهمزة- وأخوه خالد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، وقد أسلموا بعد رضي الله عنهم، فقال عتاب وخالد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يسمع هذا فيغيظه، وقال الحارث: أما والله؛ لو أعلم أنّه محق..

لاتّبعته، إن يكن الله يكره هذا.. فسيغيره، وقال أبو سفيان:

__________

ذهب إلى الشام مجاهدا، قال النووي في «التهذيب» : (فأقام بها إلى أن توفي، وقيل: أذن لأبي بكر مرة، وأذن لعمر مرة، حين قدم عمر الشام، فلم يرباك أكثر من ذلك اليوم، وأذن في قدمة قدمها إلى المدينة لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، طلب ذلك الصحابة، فأذن ولم يتم الأذان) . ثبت في «الصحيحين» : أنّه صلى الله عليه وسلم قال: «أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام؛ فإنّي سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟» قال: ما عملت عملا أرجى عندي من أنّي لم أتطهّر طهورا في ساعة ليل أو نهار.. إلّا صلّيت بذلك الطهور ما كتب أن أصلي، ولمسلم بلفظ: «حشف نعليك» . وفي «الترمذي» : «يا بلال؛ بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط.. إلّا سمعت خشخشتك أمامي! ... » إلخ. قال في «عمود النسب» :

ممّن عليه منّ بالشراء ... والعتق فارتثّ من السواء

بلال السابق جيل الحبشة ... ومن له وسط الجنان خشخشة

أذن للنّبيّ والعتيق ... ومرة أذن للفاروق

فذكر النّبي فانهلت له ... دموعهم لذاك ما استعمله

ومناقبه كثيرة، وفضائله شهيرة، توفي على الصحيح بالشام سنة عشرين، ولمّا حضره الموت.. جعل أهله يبكون ويقولون: واكرباه، فيقول بلال: واطرباه، غدا ألقى الأحبّه محمّدا وحزبه. رضي الله عنه، ولقانا به وأحبابنا، بمنّه وكرمه، آمين.

لا أقول شيئا، لو تكلمت.. لأخبرت عني هذه الحصى، وقال بعض بني سعيد بن العاصي: لقد أكرم الله سعيدا أن قبضه الله قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة، وقال الحكم بن أبي العاصي: هذا والله هو الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بنية بني طلحة.

هذا الذي قالوه في شأن سيدنا بلال، وهو ما أراده الناظم، ورواه أبو يعلى عن ابن عباس، والبيهقي عن ابن إسحاق، وعروة وابن أبي شيبة عن أبي سلمة، كما في «شرح المواهب» وبعده: (فأتى جبريل فأخبره صلى الله عليه وسلم خبرهم، فخرج عليهم، وقال: «قد علمت الذي قلتم» وأخبرهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنّك رسول الله، وما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك) .

إخبار الله رسوله صلّى الله عليه وسلّم بما قاله فضالة بن عمير:

(و) أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أيضا (بالذي) همّ (به فضالة) بفتح الفاء، ابن عمير بن الملوح الليثي، فقوله:

(به) يتعلق بقوله: (عني) كرضي، ويصح بناؤه للمجهول، والذي قصده فضالة هو قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت، فلمّا دنا منه.. قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضالة؟» قال: نعم يا رسول الله، قال: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» قال:

لا شيء، كنت أذكر الله، فضحك رسول الله صلى الله عليه

وسلم، ثمّ قال: «استغفر الله» ثمّ وضع يده المباركة الميمونة على صدره، فسكن قلبه، فكان فضالة يقول: والله؛ ما رفع يده عن صدري حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه، قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها فقالت: هلمّ إلى الحديث، فقلت: لا، وانبعث فضالة يقول:

قالت هلمّ إلى الحديث فقلت لا ... يأبى عليّ الله والإسلام

لو ما رأيت محمّدا وقبيله ... بالفتح يوم تكسّر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بيّنا ... والشرك يغشى وجهه الإظلام

,

تحطيم الأصنام حول الكعبة:

ويشير «1» بقوله: (يوم تكسر الأصنام) إلى أنّه عليه الصّلاة والسّلام لمّا وصل إلى البيت الحرام.. وجد حوله ثلاث مئة وستين صنما، ملزقة بالرصاص والنحاس، فكان كلّما مرّ بصنم.. أشار إليه بقضيبه وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً فيقع الصنم مكسرا لوجهه.

قال الشهاب في «المواهب» : (وفي تفسير العلّامة أبي

__________

(1) أي: فضالة.

وأخذ المفتاح ثمّ ردّه ... عن رغم قومه الّذين عنده

عبد الله بن محمّد النقيب المقدسيّ: إنّ الله تعالى لمّا أعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بأنّه قد أنجز له وعده بالنصر على أعدائه، وفتحه مكة، وإعلاء كلمة دينه، أمره إذا دخل مكة.. أن يقول: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ فصار صلى الله عليه وسلم يطعن الأصنام التي حول الكعبة بمحجنه «1» ويقول: «جاء الحق، وزهق الباطل» فيخر ساقطا، مع أنّها كلها كانت مثبتة بالحديد والرصاص، وكانت ثلاث مئة وستين صنما، بعدد أيام السنة) .

,

خلود سدانة الكعبة في بني طلحة:

(وأخذ) النّبيّ صلى الله عليه وسلم من عثمان بن طلحة على الأصح- يوم الفتح (المفتاح) للكعبة، وكان عند أمه محفوظا، وقد أبت أن تسلّمه إيّاه، فقال عثمان: والله لتعطينّه، أو ليخرجنّ هذا السيف من صلبي، فأعطته إياه، فجاء به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فدفعه إليه، ففتح الباب، (ثمّ ردّه) أي: ردّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وقال: «خذوها- أي: سدانة الكعبة- خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم» .

ولمّا خرج صلى الله عليه وسلم من البيت.. سأله العباس

__________

(1) المحجن بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم: عصا محنية الرأس.

أن يعطيه المفتاح، ويجمع له بين السقاية «1» والسدانة فأبى، وإليه أشار بقوله: (عن رغم) بالراء مثلثة؛ أي: عن كره (قومه) وهم: العباس، وعلي، وبنو هاشم (الذين) كانوا (عنده) صلى الله عليه وسلم لمّا فتح البيت وخرج منه.

قال في «عيون الأثر» : (روينا عن سعيد بن المسيّب:

أنّ العباس تطاول يومئذ لأخذ المفتاح، في رجال من بني هاشم، فدفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان) .

وقال الشهاب في «المواهب» : (عن ابن سعد في «طبقاته» عن عثمان بن طلحة، قال: كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الإثنين والخميس، فأقبل النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوما يريد أن يدخل الكعبة مع الناس، فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني، ثمّ قال: «يا عثمان؛ لعلّك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت» فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلّت، قال: «بل عمرت وعزّت يومئذ» ودخل الكعبة، فوقعت كلمته مني موقعا ظننت أنّ الأمر سيصير إلى ما قال.

قال: فلمّا كان يوم الفتح.. قال: «يا عثمان؛ ائتني بالمفتاح» فأتيته به، فأخذه مني ثمّ دفعه إليّ، وقال:

__________

(1) السقاية: هي أحواض من جلد، يوضع فيها الماء العذب لسقاية الحاج، وربما يطرح فيها التمر والزبيب، فعل ذلك عبد المطلب لما حفر زمزم، وقام بها بعده العباس. والسدانة بفتح السين المشددة: هي خدمة البيت الحرام. اهـ

«خذوها خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلّا ظالم، يا عثمان:

إنّ الله استأمنكم على بيته، فكلوا ممّا يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف» «1» قال: فلمّا وليت.. ناداني، فرجعت إليه فقال: «ألم يكن الذي قلت لك؟ فذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: «لعلّك سترى هذا المفتاح يوما بيدي، أضعه حيث شئت» قلت: بلى، أشهد أنّك رسول الله) .

ومن شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه يهجو المشركين، ويمدح النّبيّ صلى الله عليه وسلم والأصحاب الكرام، ويذكرهم بفتح مكة، قوله رضي الله عنه:

عفت ذات الأصابع فالجواء ... إلى عذراء منزلها خلاء

ديار من بني الحسحاس قفر ... تعفّيها الروامس والسّماء

__________

(1) هذا إن صحّ.. احتمل معناه: ما يأخذونه من بيت المال على خدمته والقيام بمصالحه، ولا يحل لهم إلّا قدر ما يستحقونه، وما يقصدون به من البر والصلة على وجه التبرر.. فلهم أخذه، وذلك أكل بالمعروف، فلا يذهب إلى الوهم جواز أخذ الأجرة على دخول الكعبة؛ فإنّه لا خلاف في تحريمه، كما حكاه في «شرح المواهب» عن المحب الطبري، وأقرّه، وقال: إنّ ذلك من أشنع البدع. قال الشمس الحطاب المالكي: والمحرم إنّما هو نزع المفتاح منهم، لا منعهم من انتهاك حرمة البيت وما فيه قلّة أدب، فهذا واجب لا خلاف فيه، لا كما يعتقد الجهلة أن لا ولاية لأحد عليهم، وأنّهم يفعلون في البيت ما شاؤوا، فهذا لا يقوله أحد المسلمين.

وكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء

فدع هذا، ولكن من لطيف ... يؤرّقني إذا ذهب العشاء

لشعثاء الّتي قد تيّمته ... فليس لقلبه منها شفاء

كأنّ سبيئة من بيت راس ... يكون مزاجها عسل وماء

على أنيابها أو طعم غضّ ... من التفّاح هصّره الجناء

إذا ما الأشربات ذكرن يوما ... فهنّ لطيّب الراح الفداء

نولّيها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء

ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء

عدمنا خيلنا إن لم تروها ... تثير النّقع موعدها كداء

يبارين الأعنّة مصعدات ... على أكتافها الأسل الظّماء

تظلّ جيادنا متمطّرات ... تلطّمهنّ بالخمر النّساء

فإمّا تعرضوا عنّا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

وإلّا فاصبروا لجلاد يوم ... يعزّ الله فيه من يشاء

وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء

وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحقّ إن نفع البلاء

شهدت به فقوموا صدّقوه ... فقلتم لا نقوم ولا نشاء

وقال الله قد سيّرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللّقاء

لنا في كلّ يوم من معدّ ... سباب، أو قتال، أو هجاء

فنحكم بالقوافي من هجانا ... ونضرب حين تختلط الدماء

ألا أبلغ أبا سفيان عنّي ... مغلغلة فقد برح الخفاء

بأنّ سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدّار سادتها الإماء

هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء

هجوت مباركا برّا حنيفا ... أمين الله شيمته الوفاء

فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء

فإنّ أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمّد منكم وقاء

فإمّا تثقفنّ بنو لؤيّ ... جذيمة إنّ قتلهم شفاء

أولئك معشر نصروا علينا ... ففي أظفارنا منهم دماء

قال بعض من علّق على هذه القصيدة، عن مصعب الزّبيريّ: كان حسان قد ابتدأ هذه القصيدة في الجاهلية، ثمّ أكملها في الإسلام من عند قوله: (عدمنا خيلنا إن لم تروها) .

قلت: ويؤيده ما جاء أنّه مرّ بفتية يشربون الخمر في الإسلام فنهاهم، فقالوا: والله؛ لقد أردنا تركها، فيزينها لنا قولك: (ونشربها فتتركنا ملوكا) فقال: والله؛ لقد قلتها في الجاهلية، وما شربت منذ أسلمت.



كلمات دليلية: