فتح مكة_16438

فتح مكة


غزوة فتح مكة

فأقام عليه السلام بعد مؤتة جمادى ورجبا. ثم حدث الأمر الذى أوجب نقص عهد قريش المعقود يوم الحديبية، وهو: أن خزاعة كانت فى عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم: مؤمنها وكافرها، وكانت كفار بنى بكر بن عبد مناة ابن كنانة فى عقد قريش، فعدت بنو بكر بن عبد مناة على قوم من خزاعة، على ماء لهم يقال له: الوتير، بأسفل مكة. وكان سبب ذلك: أن رجلا يقال له: مالك بن عباد الحضرمى، حليفا لآل الأسود بن رزن، خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله، وذلك قبل الإسلام بمدة، فعدت بنو بكر بن عبد مناة، رهط الأسود بن رزن، على رجل من بنى خزاعة، فقتلوه بمالك بن عباد. فعدت خزاعة على سلمى وكلثوم وذؤيب، بنى الأسود بن رزن، فقتلوهم، وهؤلاء الإخوة أشراف بنى كنانة، كانوا يودون فى الجاهلية ديتين، ويودى سائر قومهم دية دية.

وكل هذه المقاتل قبل الإسلام؛ فلما جاء الإسلام حجز ما بين من ذكرنا، واشتغل الناس به. فلما كانت الهدنة المنعقدة يوم الحديبية أمن الناس بعضهم بعضا، فاغتنم بنو الديل من بنى بكر بن عبد مناة تلك الفرصة، وغفلة خزاعة، وأرادوا إدراك ثأر بنى الأسود بن رزن. فخرج نوفل بن معاوية الديلى بمن أطاعه من بنى بكر بن عبد مناة، وليس كلهم تابعه، جاء حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير، فاقتتلوا، ورفدت قريش بنى بكر بالسلاح وأعانهم قوم من قريش بأنفسهم مستخفين، وانهزمت خزاعة إلى الحرم. فقال قوم نوفل بن معاوية: يا نوفل، الحرم، اتق الله إلهك. فقال الكافر: لا إله له اليوم، والله يا بنى كنانة إنكم لتسرقون فى الحرم، أفلا تدركون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلا من خزاعة يقال له: منبه، وانجحرت فى دور مكة، فدخلوا دار بديل بن ورقاء الخزاعى، ودار مولى لهم اسمه رافع، وكان هذا نقضا للعهد الواقع يوم الحديبية.

فخرج عمرو بن سالم الخزاعى ثم أحد بنى كعب، وبديل بن ورقاء، وقوم من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مستغيثين مما أصابهم به بنو بكر بن عبد مناة وقريش، فأجابهم. وأنذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أبا سفيان سيأتى ليشد العقد ويزيد فى المدة، وأنه سيرجع بغير حاجة. وندمت قريش على ما فعلت، فخرج أبو سفيان إلى المدينة ليشد العقد ويزيد فى المدة، فلقى بديل بن ورقاء بعسفان، فكتمه بديل مسيره إلى النبى صلى الله عليه وسلم، وأخبره أنه إنما سار فى خزاعة على الساحل؛ فنهض أبو سفيان حتى أتى المدينة، فدخل على بنته أم حبيبة، أم المؤمنين، فذهب ليقعد على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطوته دونه، فقال لها فى ذلك.

فقالت: هو من أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس عليه. فقال: لقد أصابك بعدى شر يا بنية.

ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم فى المسجد، فكلمه، فلم يجبه بكلمة.

ثم ذهب أبو سفيان إلى أبى بكر الصديق، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتى له، فأبى أبو بكر من ذلك، فلقى عمر فكلمه فى ذلك، فقال عمر: أنا أفعل ذلك؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به، فدخل على على بيته، فوجد عنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحسن وهو صبى، فكلمه فيما أتى له، فقال له على: والله ما نستطيع أن نكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى أمر قد عزم عليه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس؟ فقالت: ما بلغ بنى ذلك، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال على: يا أبا سفيان، أنت سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس ثم ألحق بأرضك. فقال: أترى ذلك مغنيا عنى شيئا؟

قال: ما أظن ذلك، ولكن لا أجد لك سواه. فقام أبو سفيان فى المسجد فقال أيها الناس، إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب فانطلق راجعا إلى مكة

حتى قدمها، وأخبر قريشا بما فعل وبما لقى، فقالوا له: ما جئت بشىء وما زاد على بن أبى طالب على أن لعب بك.

ثم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سائر إلى مكة، فأمرهم بالتجهز لذلك، ودعا الله تعالى أن يأخذ عن قريش بالأخبار «1» . فكتب حاطب بن أبى بلتعة إلى قريش كتابا يخبرهم فيه بقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأتى الخبر بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، فدعا على بن أبى طالب والزبير والمقداد، وهم فرسان، فقال لهم: انطلقوا إلى روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب لقريش. فانطلقوا، فلما أتوا المكان الذى وصف لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجدوا المرأة فأناخوا بها، ففتشوا رحلها كله فلم يجدوا شيئا، فقالوا: والله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال على: والله لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب. فحلت قرون رأسها، فأخرجت الكتاب منها؛ فأتوا به النبى صلى الله عليه وسلم، فلما قرئ عليه قال: ما هذا يا حاطب؟ فقال حاطب:

يا رسول الله، والله ما شككت فى الإسلام، ولكنى ملصق فى قريش، فأردت أن أتخذ عندهم يدا يحفظوننى بها فى شأفتى بمكة وولدى وأهلى.

فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعل الله تعالى قد اطلع على أهل بدر فقال:

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عشرة آلاف، واستحلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وذلك لعشر خلون من رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، بين عسفان وأمج، فأفطر بعد صلاة العصر، وشرب على راحلته علانية ليراه الناس، وأمر بالفطر، فبلغه صلى الله عليه وسلم

__________

(1) نص الحديث: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها فى بلادها.

أن قوما تمادوا على الصيام فقال: أولئك العصاة. فكان هذا نسخا لما تقدم من إباحة الصيام فى السفر. ولم يسافر صلى الله عليه وسلم بعدها فى رمضان أصلا، فهذا الحكم فى السفر ناسخ لما قبله، ولم يأت بعد شىء ينسخه، ولا حكم يرفعه.

فلما نزل مر الظهران، ومعه من بنى سليم ألف رجل، ومن مزينة ألف رجل وثلاثة رجال، وقيل: من بنى سليم سبعمائة، ومن غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم، ومن سائر القبائل أيضا جموع.

وقد أخفى الله تعالى عن قريش الخبر تدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم وجسون خائفون؛ وقد خرج أبو سفيان، وبديل بن ورقاء، وحكيم بن حزام، يتجسسون الأخبار.

وقد كان العباس بن عبد المطلب هاجر فى تلك الأيام، فلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذى الحليفة، فبعث ثقله إلى المدينة، وانصرف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازيا. فالعباس من المهاجرين من قبل الفتح، وقيل: بل بل لقيه بالجحفة.

وذكر أيضا أن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، أخا أم سلمة أم المؤمنين، لقياه بنيق العقاب مهاجرين؛ فاستأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يأذن لهما، فكلمته أم سلمة، فأذن لهما، فاسلما.

فلما نزاوا بمر الظهران أسفت نفس العباس على ذهاب قريش، إن فجئهم الجيش قبل أن يأخذوا «1» لأنفسهم فيستأمنوا «2» ، فركب بغلة النبى صلى الله عليه وسلم ونهض، فلما أتى الأدراك وهو يطمع أن يرى حطابا أو صاحب لبن

__________

(1) فى الأصل: يأخذا.

(2) فى الأصل: «فيستامنون» .

يأتى مكة فينذرهم، فبينما هو يمشى كذلك، إذ سمع صوت أبى سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتساءلان، وقد رأيا نيران عسكر النبى صلى الله عليه وسلم، وبديل يقول لأبى سفيان: هذه والله نيران خزاعة. فيقول له أبو سفيان:

خزاعة أقل وأذل من أن تكون لها هذه النيران. فلما سمع العباس كلامه ناداه:

يا أبا حنظلة. فميز أبو سفيان صوته، فقال: أبو الفضل؟ قال: نعم. فقال له أبو سفيان: ما الشأن؟ فداك أبى وأمى. فقال له العباس: ويحك يا أبا سفيان، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الناس، واصباح قريش! فقال له أبو سفيان:

وما الحيلة؟ فقال له العباس: والله إن ظفر بك ليقتلنك، فارتدف خلفى وانهض معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأردفه العباس، فأتى به العسكر، فلما مر على نار عمر، نظر عمر إلى أبى سفيان فميزه، فقال: أبو سفيان عدو الله، الحمد لله الذى أمكن منك بغير عقد ولا عهد. ثم خرج يشتد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسابقه العباس، فسبقه العباس على البغلة، وكان عمر بطيئا فى الجرى، فدخل العباس ودخل عمر على أثره، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بلا عقد، فأذن لى أضرب عنقة. فقال العباس:

يا رسول الله، قد أجرته. فراده عمر الكلام، فقال العباس: مهلا يا عمر.

فلو كان من بنى عدى بن كعب ما قلت هذا، ولكنه من بنى عبد مناف.

فقال عمر: مهلا، فو الله لإسلامك، يوم أسلمت، كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بى إلا أنى قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحمله إلى رحله، ويأتيه به صباحا، ففعل العباس ذلك. فلما أتى به النبى صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألم يأن لك؟ ألم تعلم أنه لا إله إلا الله؟ فقال أبو سفيان:

بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! والله لقد ظننت أنه لو كان معه إله غيره لقد أغنى. ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك يا أبا سفيان،

ألم يأن لك، ألم تعلم أنى رسول الله؟ فقال: بأبى أنت وأمى، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك! أما هذه والله فإن فى نفسى منها شيئا حتى الآن. فقال فقال له العباس: ويحك، أسلم قبل أن تضرب عنقك. فأسلم، فقال العباس:

يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن.

وهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل من كان لا يقاتل من أهل مكة، من أهل مكة، بنص جلى لا إشكال فيه، فمكة مؤمنة بلا شك، ومن ثم لم تؤخذ عنوة بوجه من الوجوه، ولو أمن مسلم من أى المسلمين قرية من دار الحرب على أن يغلقوا أبوابهم ولا يقاتلوا، على ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهل مكة، لكان أمانا صحيحا، وللزم ذلك كل مسلم، ولحرمت دماؤهم وأموالهم وديارهم، وللزمهم الإسلام أو الجلاء، إلا أن يكونوا كتابيين، فيباح لهم القرار، على الجزية والصغار، فكيف أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم! فمن قال: إن مكة صلح على هذا المعنى، فقد صدق؛ ومن قال:

إنها صلح على أنهم دافعوا وامتنعوا حتى صالحوا، فقد أخطأ؛ وأما من قال:

عنوة، فقد أخطأ على كل حال.

والصحيح اليقين: أنها مؤمنة على دمائهم وذراريهم وأموالهم ونسائهم، إلا من قاتل أو اسثتنى فقط.

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس أن يوقف أبا سفيان بخطم الجبل أو الوادى «1» ليرى جيوش الله تعالى. ففعل ذلك العباس، وعرض عليه القبائل، قبيلة

__________

(1) خطم الجبل: مقدمة، وخطم كل شىء مقدمه، وخطم الدابة مقدم أنفها. وهو هنا شىء يخرج من الجبل تضيق به الطريق.

قبيلة، إلى أن جاء موكب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المهاجرين والأنصار، رضوان الله عليهم، خاصة، كلهم فى الدروع والبيض. فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المهاجرين والأنصار، فقال:

والله ما لأحد بهؤلاء من قبل. والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. فقال العباس: إنه النبوة يا أبا سفيان. قال: فهذا إذن.

فقال العباس: يا أبا سفيان، النجاء إلى قومك «1» . فأسرع أبو سفيان.

فلما أتى مكة عرفهم بما أحاط بهم، وأخبرهم بتأمين رسول الله صلى الله عليه وسلم كل من دخل داره، أو المسجد، أو دار أبى سفيان.

وتأبش «2» قوم ليقاتلوا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رتب الجيش.

وكان قد جعل الراية بيد سعد بن عبادة، ثم بلغه أنه قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفع الراية إلى الزبير بن العوام، وقيل: إلى على بن أبى طالب، وقيل: إلى قيس بن سعد ابن عبادة، وكان الزبير على الميسرة، وخالد بن الوليد على الميمنة، وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة، وكان أبو عبيدة بن الجراح على مقدمة موكب النبى صلى الله عليه وسلم، وسرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الجيوش من ذى طوى، وأمر الزبير بالدخول، من ذى كداء، فى أعلى مكة، وأمر خالدا بالدخول من الليط، أسفل مكة، وأمرهم بقتال من قاتلهم.

وكان عكرمة بن أبى جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، قد جمعوا جميعا بالخندمة ليقاتلوا، فناوشهم أصحاب خالد القتال. وأصيب من المسلمين رجلان، وهما: كرز بن جابر، من بنى محارب بن فقر، وخنيس.

__________

(1) النجاء إلى قومك: السرعة أى أسرع إليهم وأعلمهم بما رأيت.

(2) تأبش قوم تجمعوا وتجيشوا ليقاتلوا المسلمين.

ابن خالد بن ربيعة بن أصرم الخزاعى، حليف بنى منقذ، شذا عن جيش خالد فقتلا.. وأصيب أيضا من المسلمين سلمة بن الميلاء الجهنى. وقتل من المشركين نحو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا.

وكان شعار المسلمين يوم الفتح وحنين والطائف: فشعار الأوس:

يا بنى عبيد الله؛ وشعار الخزرج: يا بنى عبد الله؛ وشعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن.

وأمن النبى صلى الله عليه وسلم الناس كما ذكرنا، حاشا عبد العزى بن خطل، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وعكرمة بن أبى جهل، والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصى، ومقيس بن صبابة، وقينتى بن خطل، وهما: فرتنا وصاحبتها، وسارة، مولاة لبنى عبد المطلب.

فأما ابن خطل- وهو من بنى تيم الأدرم بن غالب، كان قد أسلم وبعثه صلى الله عليه وسلم مصدقا، وبعث معه رجلا من المسلمين، فعدا عليه وقتله ولحق بالمشركين- فوجد يوم الفتح وقد تعلق بأستار الكعبة، فقتله سعيد بن حريث المخزومى وأبو برزة الأسلمى.

وأما عبد الله بن سعد بن أبى سرح، فكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بمكة فاختفى، وأتى به عثمان بن عفان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أخاه من الرضاعة، فاستأمن له رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فسكت عليه السلام ساعة، ثم أمنه وبايعه. فلما خرج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: هلا قام إليه بعضكم فضرب عنقه؟ فقال رجل من الأنصار: هلا أو مأت إلينا؟ فقال:

ما كان لنبى أن يكون له خائنة الأعين. فعاش حتى استعمله عمر، ثم ولاه عثمان مصر. وهو الذى غزا إفريقية، ولم يظهر منه بعد إسلامه إلا خير وصلاح ودين.

وأما عكرمة بن أبى جهل ففر إلى اليمن، فاتبعته امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فردته، فأسلم، وحسن إسلامه.

وأما الحويرث بن نقيذ، وكان يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فقتله على بن أبى طالب يوم الفتح.

وأما مقيس بن صبابة، فكان قد أتى النبى صلى الله عليه وسلم مسلما، ثم عدا على رجل من الأنصار فقتله لقتله أخاه خطأ، فقتله يوم الفتح نميلة بن عبد الله الليثى، وهو ابن عمه.

وأما قينتا ابن خطل، فقتلت إحداهما، واستؤمن للأخرى، فأمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاشت إلى أن ماتت بعد ذلك بمدة، وكانتا تغنيان بهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما سارة، فاستؤمن لها أيضا، فأمنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاشت إلى أن أطأها رجل فرسا بالأبطح فماتت.

واستتر رجلان من بنى مخزوم عند أم هانئ بنت أبى طالب، فأمنتهما، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمانها لهما، وكان على رضوان الله عليه قد أراد قتلهما، وقيل: إنهما الحارث بن هشام، وزهير بن أبى أمية أخو أم سلمة، فأسلما، وكانا من خيار المسلمين.

وطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة، ودعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة بعد أن مانعت أم عثمان دونه، ثم أسلمته. فدخل صلى الله عليه وسلم الكعبة، ومعه أسامة بن زيد، وبلال، وعثمان بن طلحة، ولا أحد معهم، وأغلقوا الأبواب، وتموا حينا، وصلى صلى الله عليه وسلم فى داخلها، ثم خرج وخرجوا، ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، وأبقى له حجابة البيت، فهى فى ولده إلى اليوم، فى ولد شيبة بن عثمان بن طلحة.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر الصور التى داخل الكعبة وخارجها، وتكسير الأصنام التى حول الكعبة وبمكة. وأذن له بلال على ظهر الكعبة.

وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانى يوم الفتح، فأخبر أنه قد وضع مآثر الجاهلية حاشا سدانة البيت، وسقاية الحاج. وأخبر أن مكة لم يحل القتال فيها لأحد قبله، ولا لأحد بعده، وأنها لم تحل لأحد غيره، ولم تحل له إلا ساعة من نهار، ثم عادت كحرمتها بالأمس، لا يسفك فيها دم.

ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأصنام وهى مشددة بالرصاص، فأشار إليها مقضيب كان فى يده وهو يقول: جاء الحق وزقق الباطل. فما أشار لصنم منها إلا خر لوجهه.

وتوقعت الأنصار أن يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأخبرهم أن المحيا محياهم، والممات مماتهم.

ومر بفضالة بن عمير بن الملوح الليثى، وهو عازم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال: لا شىء، كنت أذكر الله. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفر الله. ووضع يده على صدره، فكان فضالة يقول: والذى بعثه بالحق، ما رفع يده عن صدرى حتى ما أجد على ظهر الأرض أحب إلى منه.

وهرب صفوان بن أمية إلى اليمن، فاتبعه عمير بن وهب الجمحى بتأمين رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه، فرجع فأكرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنظره أربعة أشهر.

وكان بن الزبعرى السهمى الشاعر قد هرب إلى نجران، ثم رجع فأسلم

وهرب هبيرة بن أبى وهب المخزومى، زوج أم هانئ بنت أبى طالب إلى اليمن، فمات كافرا هناك

ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم السرايا حول مكة، يدعو إلى الإسلام، ويأمرهم بقتال من قاتل. وفى جملتهم خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، فقتل منهم وأخذ، فأنكر النبى صلى الله عليه وسلم ذلك، وبعث عليا بمال إليهم، فودى لهم قتلاهم، ورد إليهم ما أخذ منهم.

ثم بعث خالد بن الوليد إلى العزى، وكان بيتا بنخلة تعظمه قريش وكنانة وجميع مضر، وكان سدنته بنو شيبان من سليم خلفاء بنى هاشم فهدمه.

وكان فتح مكة لعشر بقين من رمضان سنة ثمان.



كلمات دليلية: