فتح مكة_14063

فتح مكة


فتح مكة المشرفة

كان من شروط صلح الحديبية أن لكل قبيلة الحق في أن تتحالف مع من شاءت. فأعلنت خزاعة تحالفها مع محمَّد - صلى الله عليه وسلم -، وأعلنت بنو بكر تحالفها مع قريش، وكان بين هاتين القبيلتين ثارات جاهلية، وآخرها تمكن خزاعة من قتل أشراف بني كنانة من بني الأسود بن رَزْن الدِّيلي عند أنصاب الحرم من جهة عرفة، وقد حجز الإِسلام بينهم حتى كانت السنة الثامنة للهجرة حيث حانت فرصة لبني الأسود بن رَزن الديلي للأخذ بثأرهم، حين اجتمعت خزاعة على ماء يقال له الوتير (1) بأسفل مكة فهجدوهم ليلًا، وكان الأمر مباغتا لخزاعة فلم تستعد لقتال، ولذا فروا من المكان باتجاه الحرم، وحينما دخلوا حدود الحرم قال أناس من بني الديل لزعيمهم نوفل بن معاوية الديلي: إِلاهك، إِلاهك، فقال كلمة عظيمة: "لا إِله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم" فقاتلوا في الحرم وانتهكوا حرمته.

وكان المفترض أن قريشا تمنع مثل هذا الاعتداء وتستنكره، ولكنها أعانت على خزاعة بالسلاح وقيل بل شارك بعضهم كسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وغيرهما.

وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إِلى المدينة ووقف أمام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال منشدًا هذه الأبيات:

يا رب إِني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتموا وُلدًا وبها والدا ... ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا

فانصر، هداك الله، نصرا أعتدا ... وادع عباد الله يأتوا مددا

فيهم رسول الله، قد تجردا ... إِن سيم خسفا وجهه تربدا

__________

(1) الوتير: ماء في أسفل حي الكعكية الحالي بعد أنصاب الحرم. وقد هربوا منه جهة عرفه ثم دخلوا الحرم من هناك. انظر: عاتق البلادي، معجم معالم السيرة النبوية (ص 331).

إِن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا

فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: نصرت يا عمرو بن سالم. ونظر إِلى السماء فإِذا سحابُ فقال: إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب (1). وقد شعرت قريش بخطورة الأمر ولذا سار زعيمها أبو سفيان بن حرب إِلى المدينة مسرعا لاستجلاء الأوضاع، وقابل في الطريق بديل بن ورقاء الخزاعي في جماعة من خزاعة عند عسفان، فسأله: متى عهدكم بيثرب؟ فقال بديل: لا علم لنا بذلك، فعلم أنهم كتموا أمرهم، وحاول استجلاء الخبر فلم يصل إِلى شيء، وعند رحيلهم جاء مبرك نوقهم فوجد بعرها ففته فوجد نوى التمر فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدًا (2) وعندما وصل المدينة اتجه لابنته أم حبيبة أم المؤمنين ودخل عليها وعندما هَمّ بالجلوس طوت الفراش عنه فقال: "يا بنية أراغبة بالفراش عني؟ أم بي عنه؟ "

فأجابته: "بل به عنك، لأنه فراش الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأنت رجل مشرك، نجس".

فغضب منها، وقال: "والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر".

فقالت: "لا والله بل خير" (3).

وحاول تجديد العقد (4) ولكنه فشل في ذلك حيث حاول مع أبي بكر أن يكلم رسول الله فقال: ما أنا بفاعل. ثم سار إِلى عمر فقال له عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله؟ والله لو لم أجد إِلا الذر لجاهدتكم به.

__________

(1) ابن هشام، السيرة النبوية 2/ 294.

(2) الواقدي، المغازي 2/ 792، الصالحي، سبل الهدى والرشاد 5/ 206.

(3) ابن هشام، السيرة 2/ 296 والذهبي، المغازي 254.

(4) في رواية أنه قال: يا محمد جدد العهد وزدنا في المدة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدثٍ قبلكم؟ قال: معاذ الله. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فنحن على عهدنا وصلحنا.

وأخيرا انتهى إِلى أن قام بالمسجد قائلا -أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيها الناس إِني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد.

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة" وهذا عدم إِقرار لكلامه ورد له. ثم عاد إِلى مكة وأخبر قريشًا الخبر، فقالت: ما فعلت شيئًا (1).

وحرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند التجهز إِخفاء أمره حتى يباغت قريشًا فلا تستعد للقتال حتى لا يحصل بمكة قتال لتعظيم الله ورسوله لها. ولكن حاطب بن أبي بلتعة - رضي الله عنه - كتب لقريش يخبرهم بعزم الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسير إِليهم، وأخبر الله رسوله بخبر الرسالة، وأنها مع امرأة في روضة خاخ (2)، فبعث عليا، والمقداد، والزبير بن العوام، فلما طلبوا منها الكتاب أنكرت فقال علي: إِني أحلف بالله ما كَذب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا كُذب ولتخرجن الكتاب أو لنكشفنك. فقالت: أعرضوا، وحَلّت قرون رأسها واستخرجت الكتاب، ودعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله. إِني أمروء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إِنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإِن الرجل قد نافق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وما يدريك يا عمر أن الله عَزَّ وجَلَّ اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (3).

__________

(1) قال أكرم العمري: الخبر عند ابن حجر في المطالب العالية من مرسل محمد بن عباد بن جعفر بإِسناد إِليه صحيح.

(2) روضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد جنوب المدينة وهي من حدود وادى العقيق. محمَّد شراب، المعالم الأثيرة ص 107.

(3) صحيح البخاري ح رقم 3007.

وقد مَوّه - صلى الله عليه وسلم - كعادته في الخروج للغزو فأرسل أبا قتادة بن ربعي إِلى بطن إِضم (1)، ليظن الظان أنه متوجه صوب تلك المنطقة، وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في العاشر من رمضان بعد العصر وخَيرّ الناس بين الصوم والفطر، وسار حتى كان بالعرج (2)، وهو صائم فصب على رأسه ووجهه الماء من العطش، وعند الجحفه لقيه عمه العباس مسلمًا مهاجرًا بأهله، فأرسل أهله إِلى المدينة وسار هو مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولما بلغ قديدًا (3) لقيته سُليم، وعقد الألوية والرايات ودفعها للقبائل في قديد.

وكان قد لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة بنيق العقاب (4). فردهما فتوجهت لهم أم المؤمنين أم سلمة وقالت: لا يكون ابن عمك وصهرك أشقى الناس بك، فقبلهما وأسلما (5)، وعندما بلغ الكديد (6) أفطر وقت العصر وهو على دابته حتى يراه الناس، وبقي مفطرًا حتى آخر الشهر (7).

__________

(1) قال عاتق البلادي في معجم المعالم الجغرافية ص 29، إِضم، هو وادي المدينة إِذا اجتمعت أوديتها الثلاثة -بطحان وقناة والعقيق- بين أحد والشرثاء يسمى الوادي "الخُليل" إِلى أن يتجاوز كتانة التي يذكرها "كُثيِّر" -وهي غير كتانة غيقة- فيسمى الوادي "وادي الحمض" إِلى أن يصب في البحر بين الوجه وأملج. هذه أسماؤه اليوم، أما اسمه قديما، فكان يسمى إِضمًا منذ اجتماع تلك الروافد إِلى أن يصب في البحر.

(2) العرج: وادي من أودية الحجاز يمر به طريق الحاج وهو على بعد 113 كم من المدينة، المرجع السابق ص 203.

(3) قديد: بضم القاف وفتح الدال المهمله وهو من أودية الحجاز التهامية يأخذ مياهه من حرة ذرة، ويسمى أعلاه وادي ستارة، ويقطعه طريق المدينة عند الكيلو 120، ويصب في البحر عند بلدة القضيمة (المرجع السابق ص 249).

(4) نيق العقاب موضع قرب الجحفة. معجم البلدان 5/ 333.

(5) ابن هشام 2/ 400.

(6) الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال، يقع بين عسفان وخليص على مسافة 90 كم من مكة (البلادي المرجع السابق)

(7) صحيح البخاري، كتاب الصوم ح1944، 1948.

وعسكر جيش الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مر الظهران (1)، وأمر الناس بإِيقاد النيران، واستأذن العباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يأخذ بغلته لعله يجد أحدًا من الحطَّابة أو غيرهم حتى يُبلِّغوا أهل مكة بالسارعة إِلى لقاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويطلبوا الأمان، فسار على بغلة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإِذا بصوت أبي سفيان يحادث بُديل بن ورقاء قائلا: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرا!. فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، وهنا سمع العباس الصوت وعرفه. فقال: يا أبا حنظلة، فقال: لبيك يا أبا الفضل. فقال العباس: ويلك هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عشرة الآف، فقال: واصباح قريش والله، بأبي أنت وأمي فما تأمرني هل من حيلة؟ قال: نعم اركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأستأمنه لك.

فحمله العباس وسار وكلما مر بنار، قال الناس: من هذا؟ حتى مر بنار عمر بن الخطاب فعرفه عمر فقال: أي عدو الله!! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد فأسرع العباس يركض البغلة حتى دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه، وقبل أن يتكلم وإِذا بعمر يقول: يا رسول الله: هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى فلأضرب عنقه. قال العباس: يا رسول الله إِني قد أجرته، ولكن عمر كان يلح، فغضب العباس وقال: مهلًا ياعمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إِلي من إِسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إِلا أني قد عرفت أن إِسلامك كان أحب إِلى رسول الله من إِسلام الخطاب لو أسلم (2). واستأذن العباس بأن يأخذ أبا سفيان في رَحْلِه، وفي الصباح جاء به إِلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فأسلم، وأوقفه العباس بأمر

__________

(1) بلدة الجموم اليوم.

(2) ابن هشام، المصدر نفسه 2/ 403 وابن أبي شيبة 14/ 475، الصالحين، سبل الهدى 5/ 216.

رسول الله في عرجة الوادي حتى يرى قوة جيش المسلمين وسارت أمامه الكتائب حتى مَرّ به سعد بن عبادة فقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فاشتكى أبو سفيان للرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: بل اليوم تعظم الكعبة، اليوم أعز الله قريشًا، وعزل سعدًا وولى ابنه قيس (1). وقال أبو سفيان للعباس: لقد عظم ملك ابن أخيك اليوم، فقال العباس: إِنها النبوة. قال: نعم.

وأعطى الرسول - صلى الله عليه وسلم - سفيان فضلا وشرفًا حيث قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن (2).

وقسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجيش إِلى كتائب: منها كتيبة عليها الزبير وأمرها أن تدخل مكة من كَداء (الحجون). وكتيبة يقودها خالد بن الوليد وأمرها أن تدخل مكة من أسفلها من كُدَى (جبل الكعبة). وقد جمع بعض زعماء مكة قوة صغيرة عليها عكرمة، وصفوان، وسهيل، عند جبل خندمه، ومعهم شاب يقال له حماس بن قيس، رأته امرأته يصلح سلاحه فقالت: لمن تفعل هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إِني والله أرى أني سأخدمك بعض أصحابه، فخرج وبعد وقت ليس بالطويل عاد وَجِلًا خائفا، وأغلق الباب، وقال لامرأته: أحكمي غلق الباب. قالت: أين الخدم؟ فقال:

إِنك لو شهدت يوم الحندمه ... إِذ فر صفوان وفر عكرمة

وأبو يزيد قائم كالمؤتمه ... واستقبلتهم بالسيوف المسلمه

يقطعن كل ساعد وجمجمه ... ضربًا فلا يُسمع إِلا غمغمه

لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي باللوم أدنى كلمة (3)

__________

(1) ابن القيم، زاد المعاد 2/ 402.

(2) ابن هشام المصدر نفسه 2/ 405.

(3) ابن هشام المصدر نفسه 2/ 408، والصالحين، سبل الهدى 5/ 229.

ودخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أذاخر (ريع ذاخر) ورأى السيوف تلمع فقال: ما هذا ألم أنه عن القتال؟ فقالوا: يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل ولو لم يُقَاتل ما قَاتَل، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا ليخالف أمرك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قضاء خير. ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - مكة ومن تواضعه وشكره لله على نعمته أن فتح الله عليه البلد الحرام، كانت لحيته تكاد تمس رحله.

وسار حتى وصل البيت الحرام وفي يده قوس فصار كلما مر بصنم أشار إِليه وطعنه في عينيه؛ والأصنام تتساقط وهي ثلاثمائة وستون صنمًا وهو يقول: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (1). ثم دخل دار أم هانيء بنت أبي طالب فقدمت له كسر خبز يابس فكسرهن بالماء والخل، وصلى في دارها ثماني ركعات (2). قال بعض العلماء إِنها صلاة الشكر وقد فعلها سعد بن أبي وقاص يوم دخل المدائن، وقال بعضهم بل هي صلاة الضحى.

وكان قد أمر برجال ونساء أن يقتلوا أينما وجدوا، منهم:

عبد الله بن خطل، وجد متعلقا بأستار الكعبة فَقُتِل وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وقد فَرّا بعد الهزيمة جهة اليمن كل على حده، فأسلمت أم حكيم امرأة عكرمة، وطلبت الآمان لزوجها، فوهبه لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلحقت به حتى أعادته إِلى مكة، واستقبله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأوصى أصحابه قائلا: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه فإِن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت (3). ولما أقبل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: مرحبا بالراكب المهاجر.

__________

(1) سورة الإِسراء: 81.

(2) صلاته ثابتة في صحيح البخاري ح رقم 4292.

(3) الصالحي، سبل الهدى 5/ 253.

وأما صفوان فطلب صاحبه عمير بن وهب الجمحي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يؤمنه شهرين، وسار عمير حتى لحق به، وأخبره الخبر، وعاد صفوان ولا زال الخوف والوجل في قلبه فلما وقف على الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد صلى بالناس العصر في المسجد، قال له صائحًا: يا محمد، إِن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إِلى القدوم عليك، فإِن رضيتُ أمرًا وإِلا سيرتني شهرين، فقال: إِنزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسيير أربعة أشهر، فنزل صفوان (1).

وكان ممن أهدر دمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان قد أسلم ثم ارتد. وجاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جماعة، وصار يستشفع له ويطلب الصفح عنه ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتكلم، حتى طال الوقت فأعطاه الآمان، فخرج مع عثمان، فقال - صلى الله عليه وسلم -: أما فيكم رجلٌ رشيد يقوم إِلى هذا حين رأى أني قد صَمَتُّ فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هَلّا أومأت إِلينا بم فقال: إِنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (2).

وأمر - صلى الله عليه وسلم - بلالًا أن يصعد على الكعبة ليؤذن لصلاة الظهر؛ وليغيظ المشركين، وبالفعل حصل هذا فقال أحدهم: لقد أكرم الله أبي أن لا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، وقال الآخر: أما والله لو أعلم أنه مُحِقّ لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد علمت الذي قلتم" (3) وخطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بمكة خطبة عظيمة أبانت عن كرم خلقه وحلمه وعفوه وتجاوزه، حيث قال فيها: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن

__________

(1) الصالحي، سبل الهدى 5/ 254.

(2) الحديث في صحيح سنن أبي داود ح (2334).

(3) الواقدي، المغازي 2/ 846، الصالحي، سبل الهدى والرشاد 5/ 373.

أخ كريم وقد قَدِرْتَ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فإِني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء" (1).

وكان - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ مفتاح الكعبة فدخلها بعد أن طُهِّرت من الصور التي بداخلها وكَبّر في نواحيها وصلى ركعتين، ثم سَلّم مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وقال له: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إِلا ظالم (2).

وأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم - السرايا لهدم الأصنام ودعوة القبائل المحيطة بمكة، فأرسل خالد بن الوليد لهدم العزى، وخالد بن سعيد بن العاص إلى عُرَنه، وهشام بن العاص قِبَل يلملم، وسعد بن زيد الأشهلي إِلى مناة الطاغية عند المشلّل من قديد، وعمرو بن العاص إِلى رهاط لهدم الصنم سواع.

وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة (3). وفي البخاري روايتان: الأولى، عن أنس: أنهم أقاموا عشرًا، والثانية، عن ابن عباس: تسع عشرة ليلة (4).

وقد رتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمور مكة فعين عليها عتاب بن أسيد أميرًا عندما خرج إِلى حنين، كما عين أبا محذورة مؤذنًا للمسجد الحرام، وأمر معاذ بن جبل بتعليم الناس السنن والفقه والتدريس في المسجد الحرام، وأضاف معه بعد رجوعه من الطائف أبا موسى الأشعري.

__________

(1) المسند 2/ 11 و 3/ 410 بإِسناد ضعيف، ولم يثبت لفظ الطلقاء من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن ورد لفظ الطلقاء في صحيح البخاري ح رقم 4333 ومسلم ح رقم 1809 وصفًا لمسلمة الفتح، وهو ليس وصف تحقير، وإنما هو بيان واقع وحال.

(2) ابن سعد، الطبقات الكبرى 2/ 137، وهو عند الصالحي في سبل الهدى 5/ 367.

(3) ابن هشام السيرة النبوية 2/ 437.

(4) رقم 4297 و 4298 على التوالي.

وبعث تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم (1). وخطب - صلى الله عليه وسلم - في الناس موضحا حرمة مكة، وقال: إِن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وقد أذن الله له بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كما كانت (2).



كلمات دليلية: