فتح مكة_13060

فتح مكة


باب غزوة الفتح الأعظم

:

"ثم فتح مكة زادها الله شرفا", يحتمل أنه دعاء من المصنف، وأنه إخبار بأن الفتح النبوي زادها الله به شرفا على شرفها السابق، "وهو كما قال" العلامة ابن القيم، "في زاد المعاد" في هدي خير العباد: "الفتح الأعظم" من بقية الفتوحات قبله، كخيبر وفدك والحديبية، وعد فتحا لأمور تقدمت منها أن مقدمة الظهور ظهور، وهو قد كان مقدمة لهذا الفتح الأعظم، "الذي أعز الله به دينه", قواه وأظهره على جميع الأديان، إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون، "ورسوله وجنده" أنصاره المسلمون الذين بذلوا نفوسهم في نصرة دينه، وجعلوا أنصارا وجندا، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} لإخلاصهم في إعلاء كلمة الله وإظهار دينه، "وحرمه الأمين" الآمن فيه من دخله، "واستنقذ" خلص "به بلده وبيته"، والإضافة للتشريف ولتمييزه لهما على غيرهما من البقاع، "الذي جعله الله هدى للعالمين" هاديا لهم لأنه قبلتهم ومتعبدهم، كما قال تعالى: {مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} "من أيدي الكفار والمشركين" عبدة الأوثان، فهو عطف أخص على أعم، بعد

وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء، وضربت أطناب عزه على مناكب الجوزاء ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الأرض ضياء وابتهاجا".

خرج له صلى الله عليه وسلم بكتائب الإسلام وجنود الرحمن لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية فإنه كان قد وقع الشرط: أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده.

__________

طول استيلائهم عليه، وعبادتهم لغير الله فيه، فجعله مثابة لعامة من قصده من المسلمين.

"وهو الفتح الذي استبشر به أهل السماء وضربت أطناب" جمع طنب بضمتين وهو حبل الخباء الخمية، "عزه" استعارة بالكناية شبه العز بخباء متين، وأثبت الإطناب تخييلا، "على مناكب الجوزاء" بفتح الجيم وسكون الواو، وبالزاي والمد، يقال: إنها تعرض في جوز السماء، أي وسطها ولا استعارة فيها، ولا في مناكب أيضا لأنها اسم لنجوم متصلة بها، "ودخل الناس في دين الله أفواجا" جماعات جمع فوج، جاءوا بعد الفتح من أقطار الأرض طائعين، "وأشرق به وجه الأرض" وفي نسخة الدهر، "ضياء وابتهاجا" سرورا "خرج له صلى الله عليه وسلم بكتائب" بالفوقية جمع كتيبة، وهي القطعة من الجيش، "الإسلام وجنود الرحمن" أي الملائكة لما ورد أنها تحضر مواضع قتال المسلمين، مع الكفار وإن لم تقاتل، فالعطف مباين أو عام على خاص، إن أريد بجنوده ما يشمل الملائكة وغيرهم، وهذا أحسن من أنه مساو، "لنقض قريش العهد الذي وقع بالحديبية" في شعبان سنة ثمان على رأس اثنين وعشرين شهرا، من صلح الحديبية.

روى الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم ال لعائشة صبيحة وقعة خزاعة: "لقد حدث يا عائشة في خزاعة أمر". فقالت: أترى قريشا تجترئ على نقض العهد الذي بينك وبينهم وقد أفناهم السيف؟ فقال: "ينقضون العهد لأمر يريده الله". قالت: يا رسول الله خير. قال: "خير". "فإنه كان قد وقع الشرط". كما رواه ابن إسحاق. حدثني الزهري عن المسور ومروان: "أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فعل، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فعل، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده", وكانت حلفاء عبد المطلب، وكان عليه الصلاة والسلام بذلك عارفا، ولقد جاءته خزاعة يومئذ بكتاب عبد المطلب، فقرأه عليه أبي بن كعب وهو: باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن هاشم لخزاعة إذا قدم عليه سراتهم وأهل الرأي غائبهم يقر بما قاضى عليه شاهدهم أن بيننا وبينكم

وكان بين بني بكر وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية، فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام، فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية الديلي من بني بكر في بني الديل.

__________

عهود الله وعقوده وما لا ينسى أبدا.

اليد واحدة والنصر واحد ما أشرف ثبير وثبت حراء وما بل بحر صوفة ولا يزداد فيما بيننا وبينكم إلا تجددا أبد الدهر سرمدا، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما أسلمتم عليه من الحلف، وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة، ولا حلف في الإسلام". انتهى.

من الشامية والحلف المنهي عنه ما كان على الفتن والقتال والغارات والذي قواه الإسلام ما كان على نصر المظلوم وصلة الأرحام والخير ونصرة الحق، كما في النهاية.

قال ابن إسحاق: "وكان بيني بني بكر" بن عبد مناة بن كنانة "وخزاعة حروب وقتلى في الجاهلية" وذلك أن مالك بن عباد من بني الحضرمي خرج تاجرا فلما توسط أرض خزاعة عدوا عليه وقتلوه وأخذوا ماله وكان حليفا للأسود بن رزن بفتح الراء وكسرها، كما في الروض والمحكم فزاي ساكنة وتفتح كما في الإملاء فنون فعدت بنو بكر على خزاعي فقتلوه حمية للأسود فعدت خزاعة على بني الأسود وهم ذؤيب تصغير ذئب وسلمى بفتح السين وكلثوم فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم وكان قوم الأسود يؤدون ديتين لفضلهم في بني بكر وباقيهم دية دية، فبينما هم كذلك بعث صلى الله عليه وسلم "فتشاغلوا عن ذلك لما ظهر الإسلام" وإن لم يسلموا، "فلما كانت الهدنة خرج نوفل بن معاوية" بن عروة بن يعمر بن نفاثة بضم الون وخفة الفاء فألف فمثلثة ابن عدي بن الديل "الديلمي" بكسر المهملة وسكون التحتية كما ضبطه الحافظ وغيره أبو معاوية صحابي من مسلمة الفتح وعاش إلى أول إمارة يزيد وعمر مائة وعشرين سنة.

روى له البخاري ومسلم والنسائي "من بني بكر في بني الديل" بكسر الدال المهملة وسكون الياء كما قاله الكسائي وأبو عبيد وغيرهما، وقال الأصمعي وسيبويه وأبو حاتم وغيرهم هو بضم الدال وكسر الهمزة وإنما فتحت في النس كما فتحت ميم النمر في النمري، ولام سلمة في السلمي فرارا من توالي الكسرات وكان عيسى بن عمر ويونس وغيرهما يكسرانها في النسب تبقية على الأصل.

قال الأصمعي: وهو شاذ في القياس وهو الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة كما في مقدمة الفتح ونحوه في التبصير له، ففي قول الشامي بكسر الدال وسكون الهمزة وتسهل نظر

حتى بين خزاعة وهم على ماء لهم يقال له: الوتير, فأصاب منهم رجلا يقال له: منبه، واستيقظت لهم خزاعة فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال.

وأمدت قريش بني بكر بالسلاح، وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية.

__________

لأن الذين قالوا بكسر الدال، إنما قالوا بعدها تحتية لا همزة، والذين قالوا همزة إنما قالوا بكسرها والدال مضمومة قال ابن إسحاق ونوفل يومئذ قائدهم وليس كل بني بكر تابعه "حتى بيت خزاعة وهم على ماء لهم" بأسفل مكة "يقال له: الوتير" بفتح الواو وكسر الفوقية وسكون التحتية آخره راء.

قال السهيلي: وهو في كلام العرب الورد الأبيض سمي به الماء "فأصاب منهم رجلا" أبهمه ابن إسحاق في أول عبارته ثم بعد قليل قال: "يقال له: منبه" بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة.

قال ابن إسحاق وكان رجلا مفئودا أي ضعيف الفؤاد، خرج هو ورجل من قومه يقال له: تميم فقال له منبه: يا تميم انج بنفسك فوالله إني لميت قتلوني أو تركوني لقد أنبت فؤادي فأفلت تميم وأدركوا منبها فقتلوه فليسا برجلين كما اقتضاه قول البرهان قوله رجلا لا أعرف اسمه ثم ضبط منبها بلفظ اسم الفاعل، قال ولا أعلم ترجمته إلا أنه كافر إلا أن يقال مراده لا أعرف له اسما عند من ذكر أسماء الرجال، وإنما وقفت عليه في السيرة فيحتمل أنه اسم كما هو الظاهر المتبادر وأنه صفة وله اسم آخر، وهذا مع ما فيه من التعسف أحوج إليه التماس المخرج لمثل هذا الحافظ حتى لا يتناقض في أسطر يسيرة، "واستيقظت" تنبهت "لهم خزاعة" لما علموا بهم "فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم ولم يتركوا القتال" فلما انتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل: إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة لا إله له يا بني بكور أصيبوا ثأركم فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبوا ثأركم فيه؟ "وأمدت قريش" حلفاءهم "بني بكر بالسلاح وقاتل بعضهم معهم ليلا في خفية" منهم: صفوان بن أمية وشيبة بن عثمان وسهيل بن عمرو قاله موسى بن عقبة. وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص قاله ابن سعد.

فلما دخلوا مكة لجأت خزاعة إلى دار بجديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولى لهم، يقال له: رافع فانتهوا بهم في عماية الصبح ودخلت رؤساء قريش منازلهم وهم يظنون أنهم لا يعرفون، وأن هذا لا يبلغه عليه الصلاة والسلام وأصبحت خزاعة مقتولين على باب بديل ورافع فقال سهيل لنوفل: قد رأيت الذي صنعنا بك وبأصحابك وبمن قتلت من القوم وأنت قد حصرتهم تريد قتل من بقي وهذا ما لا نطاوعك عليه فاتركهم فتركهم فخرجوا وندمت قريش على ما صنعوا وعرفوا أنه نقض للذمة والعهد الذي بينهم وبين المصطفى وجاء الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى صفوان, ومن سمي، فلاماهم بما صنعوا، وقالا: إن بينكم وبين محمد مدة، وهذا نقض لها أخرج مسدد في مسنده، والواقدي أن قريشا ندمت، فقالت: إن محمدا غازينا، فقال ابن

ولما خرج عمرو بن سالم الخزاعي في أربعين راكبا من خزاعة، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه. فقام صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه وهو يقول: "لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر منه نفسي".

وفي المعجم الصغير، من حديث ميمونة أنها سمعته صلى الله عليه وسلم يقول في متوضئه

__________

أبي سرح: لا يغزوكم حتى يخيركم في خصال كلها أهون من غزوه، يرسل إليكم أن دوا قتلى خزاعة وهم ثلاثة وعشرون قتيلا أو تبرءوا من حلف بني نفاثة أو ننبذ إليكم على سواء، فقال سهيل: نبرأ من حلفهم أسهل وقال شيبة: ندي القتلى أهون.

وقال قرطة بن عبد عمرو: لا ندي ولا نبرأ لكنا ننبذ إليه على سواء. وقال أبو سفيان ليس هذا بشيء وما الرأي الأصوب إلا جحد هذا الأمر أن تكون قريش دخلت في نقض عهد أو قطع مدة وأنه قطع قوم بغير رضا منا ولا مشورة فما علينا. قالوا: هذا الرأي لا رأي غيره، "ولما" انقضى القتال "خرج" كما رواه ابن إسحاق وغيره "عمرو" بفتح العين وقيل بضمها وصححه الذهبي "ابن سالم" بن كلثوم "الخزاعي" أحد بني كعب الصحابي.

ذكر ابن الكلبي، وأبو عبيد، والطبري أنه أحد من عمل ألوية خزاعة يوم الفتح.

زاد ابن سعد وشيخه "في أربعين راكبا من خزاعة" ترجى اليعمري أن يكونوا هم النفر الذين قدموا مع بديل وفيه أن الأربعين لا يقال لهم: نفر، "فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرونه بالذي أصابهم ويستنصرونه فقام صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه", وهو يقول: "لا نصرت إن لم أنصركم بما أنصر" ضمن معنى أمنع فعدي بمن في قوله "منه" وفي نسخة به "نفسي" فلا تضمين.

وروى عبد الرزاق وغيره عن ابن عباس، مرفوعا: "والذي نفسي بيده لأمنعنهم مما أمنع منه نفسي وأهل بيتي".

وروى أبو يعلى بسند جيد عن عائشة: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب ما كان من شأن بني كعب غضبا لم أره غضبه منذ زمان، وقال: "لا نصرني الله تعالى إن لم أنصر بني كعب". "وفي المعجم الصغير" قيد به، لأنه ساق الحديث بتمامه إلى آخر الشعر.

وروى في الكبير بعض الحديث، وأما من عزاه لهما كالشامي فلذكره عنه ما اتفقت عليه روايته في الكبير والصغير "من حديث ميمونة" بنت الحارث، أم المؤمنين "أنها" قالت: بات عندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقام ليتوضأ إلى الصلاة "سمعته" لفظها فسمعته "صلى الله عليه وسلم يقول في متوضئه" بميم مضمومة ففوقية مفتوحة فواو فضاد معجمة مشددة مفتوحتين فهمزة مكسورة أي مكان وضوئه، كما قال الشامي؛ لأنه أنسب من زمانه ومن نفسه وإن أطلق عليهما أيضا، فإن مزيد الثلاثي

ليلا: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". كأنك تكلم إنسانا فهل كان معك أحد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا راجز بني كعب يستصرخني ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر". ثم خرج عليه الصلاة والسلام فأمر عائشة أن تجهزه ولا تعلم أحدا. قالت: فدخل عليها أبو بكر فقال: يا بنية، ما هذا الجهاز؟ فقالت: والله ما أدري، فقال: والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر.

__________

يستوي فيه اسم الفاعل، واسم المفعول، واسم الزمان، والمكان، والمصدر في لفظ واحد، ليلا: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت". بفتح التاء، فيها خطابا للذي سمعه "ثلاثا، فلما خرج قلت: يا رسول الله سمعتك تقول في متوضئك: "لبيك لبيك لبيك -ثلاثا- نصرت نصرت نصرت -ثلاثا". كأنك تكلم إنسانا فهل كان معك أحد؟ " فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا راجز" بجيم وزاي، قائل الرجز نوع من الشعر معروف وصحف من قال، راجل "بني كعب" بطن من خزاعة "يستصرخني" يستغيث بي "ويزعم أن قريشا أعانت عليهم بني بكر" ففي إخباره به قبل قدومه علم من أعلام النبوة باهر، فأما أنه أعلم بذلك بالوحي وعلم ما يصوره الراجز في نفسه، أو يكلمه به أصحابه فأجابه بذلك، وأنه كان يرتجز في سفره، وأسمعه الله كلامه قبل قدومه بثلاث، ولا يعد في ذلك، فقد روى أبو نعيم مرفوعا: "إني لأسمع أطيط السماء وما تلام أن تئط". الحديث.

قال ميمونة: "ثم خرج عليه الصلاة والسلام" بعد قدوم الوفد، وبديل ثم أبي سفيان كما عند أصحاب المغازي لا قبل مجيئهم كما يوهمه السياق ففيه اختصار، "فأمر عائشة أن تجهزه" بالتثقيل أي: تهيئ له أهبة السفر وما يحتاج إليه في قطع المسافة "ولا تعلم أحدا" وعند ابن إسحاق وابن عقبة، والواقدي، أنه قال: "جهزينا وأخفي أمرك". وقال: "اللهم خذ على أسماعهم وأبصارهم فلا يرونا إلا بغتة، ولا يسمعون بنا إلا فلتة" وأمر جماعة أن تقيم بالأنقاب وكان عمر يطوف على الأنقاب فيقول لا تدعوا أحدا يمر بكم تنكرونه إلا رددتموه وكانت، الأنقاب مسلمة إلا من سلك إلى مكة فإنه يتحفظ منه ويسأل عنه.

"قالت" ميمونة، راوية الحديث: "فدخل عليها" أي على عائشة "أبو بكر، فقال: يا بنية ما هذا الجهاز" بفتح الجيم والكسر لغة قليلة كما في المصباح "فقالت: والله ما أدري، فقال" أبو بكر: "والله ما هذا زمان غزو بني الأصفر", وهم الروم؛ لأن جدهم روم بن عيص بكسر العين ابن إسحاق بن إبراهيم تزوج بنت ملك الحبشة فجاء ولده بين البياض والسواد فقيل له الأصفر أو لأن جدته سارة، حلته بالذهب، وقيل غير ذلك وكأنه خصهم لتوقعهم الغزو إليهم لما فعلوا، مع

فأين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: والله لا علم لي. قالت فأقمنا ثلاثا ثم صلى الصبح في الناس فسمعت الراجز ينشده:

يا رب إني ناشد محمدًا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وزعموا أن لست تدعو أحدا ... .........................

__________

أهل مؤتة "فأين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت" عائشة: "والله لا علم لي" وعند ابن أبي شيبة من مرسل أبي سلمة أنها أعلمته، فقال: والله ما انتقضت الهدنة بيننا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فذكر له أنهم أول من غدر ثم أمر بالطرق فحبست فعمي على أهل مكة لا يأتيهم خبر ويحتمل الجمع بأنه دخل عليها مرتين الأولى قالت له: لا علم لي، حتى أخبرته صلى الله عليه وسلم وأذن لها في إخبار أبيها لكونه غيبة سره فدخل عليها ثانيا فأخبرته وكأنه لم يبلغه نقضهم العهد أو تأول أنه غير ناقض لكونه لم يصدر من جميعهم، فقال: ما انتقضت الهدنة، وأخبر النبي والله أعلم. "قالت" ميمونة: كما هو رواية الطبراني "فأقمنا ثلاثا" لفظ الطبراني بالناس، صبح اليوم الثالث، "فسمعت الراجز ينشده" وعند الواقدي، وغيره فلما فرغوا من قصتهم قام عمرو بن سالم، فقال وهو جالس بالمسجد: ظهري الناس "يا رب إني ناشد" طاب ومذكر "محمدا".

"حلف" بكسر المهملة وإسكان اللام مناصرة "أبينا وأبيه" عبد المطلب إشارة إلى ما مر "الأتلدا" بفتح أوله وسكون والفوقية وفتح اللام، وبالدال المهملة، أي الأقدم مما بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم وقول الشامي أي القديم لا يناسب، أفعل التفضيل إنما هو تفسير للتليد وزاد في رواية ابن إسحاق وغيره:

قد كنتم ولدا وكنا والدا ... ثمت أسلمنا فلم نزغ سدى

ولد بضم الواو وسكون اللام، لغة في ولد، وذلك أن ولد بني عبد مناف أمهم من خزاعة وكذا أم قصي فاطمة الخزاعية، كما في الروض وثمت حرف عطف أدخل عليه تاء التأنيث، "إن" بكسر الهمزة، وتقديره أقول: "قريشا أخلفوك" أو هو التفات وإلا فمقتضى الظاهر أخلفوه، "الموعدا".

"ونقضوا" عطف تفسير لأخلفوك "ميثاقك" عهدك "المؤكدا" بالكتب والإشهاد "وزعموا أن لست" بفتح التاء على الخطاب "تدعو أحدًا" لنصرتنا، وبضم التاء على رواية إسحاق، وجماعة بعد قوله، المؤكد أقوله جماعة:

وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحدا

.......................... ... فانصر هداك الله نصرا أبدا

وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا

إن سيم خسفا وجهه تربدا

قال في القاموس: وتربد -يعني بالراء- تغير. انتهى. وزاد ابن إسحاق:

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا

وزعموا أن لست أدعوا أحدا ... وهم أذل وأقل عددا

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم".

__________

"فانصر هداك الله نصرا أبدا" مستمرا لا ينقطع أثره من التأبيد وهذه رواية الطبراني، ورواه ابن إسحاق، وطائفة نصرا اعتدا بفتح العين المهملة وكسر الفوقية، بعدها مهملة، أي حاضرا مهيئا أو قويا.

"وادع عباد الله يأتوا مددا" بفتحتين جيوشا ينصرونا، ويقوونا "فيهم رسول الله" أتى به لدفع توهم أنه يبعث سرية وإنما القصد أنه فيهم حالة كونه "قد تجردا" روي بحاء مهملة أي غضب وبجيم أي شمر وتهيأ لحربهم "إن سيم" بكسر المهملة وسكون التحتية، وبالميم، مبني للمفعول، "خسفا" بفتح المعجمة وضمها وسكون المهملة وبالفاء، أي أولى ذلا "وجهه تربدا،" بفتح لفوقية فراء فموحدة فمهملة "قال في القاموس وتربد يعني بالراء تغير. انتهى".

والمعنى هنا أنه صلى الله عليه وسلم إن قصد بذل له أو لأحد من أهل عهده تغير وجهه حتى ينتقم ممن أراد ذلك لله وهذه رواية الطبراني في الصغير، "وزاد ابن إسحاق" عليه في الرجز "هم بيتونا" أي قصدونا ليلا من غير علم "بالوتير هجدا" بضم الهاء، وفتح الجيم مشددة جمع هاجد، وهو النائم "وقتلونا ركعا وسجدا" هذا يدل على أنه كان فيهم من صلى لله فقتل.

قال السهيلي متعقبا قول نفسه، في قوله: ثمت أسلمنا من السلم لأنهم لم يكونوا آمنوا بعد، قال في الإصابة وتأوله بعضهم، بأنهم حلفاء الذين يركعون ويسجدون ولا يخفى بعده، قال: وقد رواه ابن إسحاق أي: في رواية، غير زياد هم قتلونا بصعيد هجدا، نتلو القرآن ركعا وسجدا. انتهى.

يعني فهذا يبطل التأويل "وزعموا أن لست"، بضم التاء، أنا "أدعو أحدا، وهم أذل وأقل، عددا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نصرت يا عمرو بن سالم" جوز البرهان، ضم عمرو، وفتح ابن وفتحهما وضمهما، قال: وذكر الثالث في التسهيل. انتهى.

في شرح التسهيل للدماميني رواه الأخفش عن بعض العرب، وكان قائله، راعى أن التابع ينبغي أن يتأخر عن المتبوع ولم يراع أن الأصل الحامل على الاتباع قصد التخفيف. انتهى.

فكان ذلك ما هاج فتح مكة. وقد ذكر البزار من حديث أبي هريرة بعض الأبيات المذكورة.

__________

"فكان ذلك ما" الذي "هاج" حرك "فتح مكة" زاد ابن إسحاق ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: "إن هذه السحاب، لتستهل بنصر بني كعب". والعنان بفتح المهملة، ونونين بينهما ألف السحاب، "وقد ذكر"، أي روى "البزار من حديث أبي هريرة، بعض الأبيات المذكورة" بإسناد حسن، موصول.

ورواه ابن أبي شيبة عن أبي سلمة، وعكرمة، مرسلا كما في الفتح، قال في الإصابة: ورويت هذه الأبيات لعمر بن كلثوم، أخرجه ابن منده، ويحتمل أن يكون هو عمرو بن سالم ونسب في هذه الرواية إلى جد جده. انتهى.

وعند الواقدي، أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن سالم وأصحابه: "ارجعوا وتفرقوا في الأودية". فرجعوا وتفرقوا وذهبت فرقة إلى الساحل بعرض الطريق وعند ابن إسحاق وغيره، ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه فأخبروه صلى الله عليه وسلم الخبر، ورجعوا، قال ابن عقبة: ولزم بديل الطريق في نفر من قومه وروى الواقدي عن محجن بن وهب أن بديلا لم يفارق مكة من الحديبية حتى لقيه في الفتح بمر الظهران قال الواقدي: وهذا أثبت. انتهى.

وليس بشيء والمثبت مقدم على النافي.

وروى ابن عائذ، عن ابن عمران، ركب خزاعة لما قدموا وأخبروه خبرهم، قال صلى الله عليه وسلم: "فمن تهمتكم وظنتكم"؟ قالوا بني بكر: قال: "أكلها"؟ قالوا: لا ولكن بنو نفاثة ورأسهم نوفل، قال: "هذا بطن من بني بكر، وأنا باعث إلى أهل مكة، فسائلهم عن هذا الأمر ومخيرهم في خصال ثلاث"، فبعث إليهم ضمرة يخبرهم بين أن يدوا قتلى خزاعة، أو يبرءوا من حلف بني نفاثة أو ينبذ إليهم على سواء، فأتاهم ضمرة، فأخبرهم، فقال قرطة بن عمرو: لا ندي ولا نبرأ لكنا ننبذ إليه على سواء، فرجع بذلك فندمت قريش على ما ردوا وبعثت أبا سفيان، قال: في الفتح، وكذا، أخرجه مسدد من مرسل محمد بن عباد بن جعفر، وأنكره الواقدي وزعم أن أبا سفيان إنما توجه مبادرا قبل أن يبلغ المسلمين الخبر, والله أعلم. انتهى.

وروى الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كأنكم بأبي سفيان، قد جاء يقول جدد العهد، وزد في المدة وهو راجع بسخطة". ومشى الحارث بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة إلى أبي سفيان، فقالا: لئن لم يصلح هذا الأمر لا يروعكم إلا محمد في أصحابه، فقال أبو سفيان: قد رأت هند بنت عتبة رؤيا كرهتها وخفت من شرها، قالوا: وما هي؟ قال: رأت دما أقبل من الحجون يسيل، حتى وقف بالخندمة مليا، ثم كان ذلك الدم كأن لم يكن فكرهوا الرؤيا، وقال أبو سفيان: هذا أمر لم أشهده

وقدم أبو سفيان بن حرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة. فأبى عليه.

__________

ولم أغب عنه لا يحمل إلا علي ولا والله ما شوورت فيه ولا هويته، حين بلغني ليغزوننا محمد إن صدقني ظني وهو صادقي، وما بد في أن آتي محمدا فأكلمه، فقالت قريش: أصبت فخرج ومعن مولى له على راحلتين، "وقدم" كما رواه ابن إسحاق، وابن عائذ عن عروة "أبو سفيان بن حرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة" فدخل على بنته أم حبيبة، فذهب ليجلس على فراشه صلى الله عليه وسلم فطوته عنه، فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك، نجس ولم أحب أن تجلس على فراشه صلى الله عليه وسلم. قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر, فقالت: بل هداني الله تعالى للإسلام، فأنت يا أبت سيد قريش وكبيرها، كيف يسقط عنك الدخول في الإسلام وأنت تعبد حجرا لا يسمع، ولا يبصر فقام؟ من عندها فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، "يسأله أن يجدد العهد ويزيد في المدة فأبى عليه" قال ابن إسحاق: فكلمه فلم يرد عليه شيء, وعند الواقدي: فقال: يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية، أجدد العهد وزدنا في المدة، فقال صلى الله عليه وسلم: "فلذلك جئت". قال: نعم. فقال: "هل كان من حدث"؟. فقال: معاذ الله نحن على عهدنا وصلحنا لا نغير ولا نبدل، فقال صلى الله عليه وسلم: "فنحن على ذلك". فأعاد أبو سفيان القول فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبي بكر، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما أنا بفاعل، وعند الواقدي، فقال: تكلم محمدًا وتجير أنت بين الناس، فقال: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى عمر. فقال: أنا أشفع لكم والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به.

زاد الواقدي ما كان من حلفنا جديدا فأخلقه الله وما كان منه متينا فقطعه الله، وما كان منه مقطوعا فلا وصله الله فقال: أبو سفيان جوزيت من ذي رحم شر إثم. دخل عليٌّ عليَّ، وعنده فاطمة وحسن غلام يدب بين يديه، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما وإني جئت في حاجة فلا أرجع كما جئت خائبا فاشفع لي، فقال عليٌّ: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه فالتفت إلى فاطمة وقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر، قالت: والله ما بلغ بني أن يجير بين الناس، وما كان يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند الواقدي، أنه أتى عثمان قبل، علي، فقال: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى عليا، ثم سعد بن عبادة، فقال: يا أبا ثابت إنك سيد هذه البحيرة، فأجر بين الناس وزد في المدة، فقال سعد: جواري في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يجير أحد عليه صلى الله عليه وسلم، فأتى أشراف قريش والأنصار فكلهم يقول: جواري في جوار رسول الله

وانصرف إلى مكة.

فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير إعلام أحد بذلك.

__________

ما يجير أحد عليه، فلما أيس منهم دخل على فاطمة، فقال: هل لك أن تجيري بين الناس، فقالت: إنما أنا امرأة وأبت عليه فقال: مري ابنك، فقالت: ما بلغ أن يجير، فقال لعلي: يا أبا حسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني، قال: والله ما أعلم شيئا يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك قال: أوترى ذلك مغنيا عني شيئا، قال: لا والله ما أظنه ولكن لا أجد لك غير ذلك، فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إني قد أجرت بين الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة"؟. ثم ركب بعيره "وانصرف إلى مكة".

وعند الواقدي: وطالت غيبته واتهمته قريش أشد التهمة وقالوا: قد صبأ واتبع محمدًا سرا وكتم إسلامه، فلما دخل على هند امرأته ليلا، قالت: لقد غبت حتى اتهمك قومك، فإن كنت مع طول الإقامة جئتهم بنجح، فأنت الرجل، ثم جلس منها مجلس الرجل من امرأته فقالت: ما صنعت؟ فأخبرها الخبر وقال: لم أجد إلا ما قال لي علي فضربت برجلها في صدره، وقالت: قبحت من رسول قوم فما جئت بخير فلما أصبح حلق رأسه عند إساف ونائلة وذبح لهما ومسح بالدم رأسيهما وقال: لا أفارق عبادتكما حتى أموت إبراء لقريش مما اتهموه به، فقالوا له: ما وراءك هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا فقال: والله لقد أبى عليّ. ولابن إسحاق كلمته فوالله ما رد عليّ شيئا ثم جئت أبا بكر، فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو وفي لفظ أعدى العدو وكلمت عليه أصحابه فما قدرت على شيء منهم إلا أنهم يرمونني بكلمة واحدة وما رأيت قوما يوما، أطوع لملك عليهم منهم له. إلا أن عليا، لما ضاقت بي الأمور، قال: أنت سيد بني كنانة، فأجر بين الناس فناديت بالجوار. قالوا: هل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا. قالوا: رضيت بغير رضا وجئتنا بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ولعمر الله ما جوارك بجائز وإن إخفارك عليهم لهين والله إن زاد على عليٍّ أن لعب بك تلعبا، فقال: والله ما وجدت غير ذلك.

وفي مرسل عكرمة عند ابن أبي شيبة، فقالوا: ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بصلح فنأمن "فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غير إعلام أحد بذلك" لعامة الناس أولا فلا ينافي عند ابن إسحاق وغيره ثم إنه صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ، وقال: "اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها". فتجهز الناس، وقال حسان يحرضهم ويذكر مصاب

فكتب حاطب كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك. فأطلع الله نبيه على ذلك.

__________

رجال خزاعة:

عناني ولم أشهد ببطحاء مكة ... رحال بني كعب تحز رقابها

بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ... وقتلى كثير لم تجس ثيابها

ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي ... سهيل بن عمرو حرها وعقابها

فلا تأمننا يابن أم مجالد ... إذا احتلبت صرفا واعضل نابها

فلا تجزعوا منها فإن سيوفنا ... لها وقعة بالموت يفتح بابها

قال ابن إسحاق: بأيدي رجال يعني، قريشا وابن أم مجالد: عكرمة بن أبي جهل وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي مالك الأشجعي قال: خرج صلى الله عليه وسلم من بعض حجره، فجلس عند بابها، وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد، حتى يدعوه، فقال: "ادع لي أبا بكر". فجاء، فجلس بين يديه فناجاه طويلا ثم أمره فجلس عن يمينه، ثم قال: "ادع لي عمر". فجلس فناجاه طويلا فرفع عمر صوته، فقال: يا رسول الله هم رأس الكفر هم الذين زعموا أنك ساحر وأنك كاهن وأنك كذاب وأنك مفتر، ولم يدع شيئا مما كانوا يقولونه إلا ذكره فأمره فجلس، عن شماله ثم دعا الناس، فقال: "ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين". قالوا: نعم يا رسول الله فأقبل بوجهه الكريم عل أبي بكر، فقال: "إن إبراهيم كان ألين في الله تعال من الدهن بالليل، ثم أقبل على عمر، فقال: إن نوحا كان أشد في الله تعالى من الحجر وإن الأمر أمر عمر فتجهزوا وتعاونوا". فتبعوا أبا بكر فقالوا: إنا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: قال لي: "كيف تأمرني في غزو مكة". قلت: يا رسول الله هم قومك، حتى رأيت أنه سيطيعني، ثم دعا عمر، فقال عمر: هم رأس الكفر حتى ذكر له كل شيء كانوا يقولونه وايم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة, وقد أمركم بالجهاز لتغزوا مكة، "فكتب حاطب" بن أبي بلتعة بموحدة مفتوحة ولام ساكنة، ففوقية فعين مهملة مفتوحتين عمرو بن عمير اللخمي حليف بني أسد اتفقوا على شهوده بدرا مات في سنة ثلاثين، وله خمس وستون سنة.

قال ابن عبد البر: لا أعلم له غير حديث واحد: "من رآني بعد موتي" ... الحديث. ورده في الإصابة بأن له خمسة أحاديث به وذكرها "كتابا وأرسله إلى مكة يخبر بذلك" مع امرأة استأجرها بدينار وقيل: بعشرة دنانير، وقال لها: أخفيه ما استطعتي، ولا تمري على الطريق، فإن عليه حرسا ذكره الواقدي، "فأطلع الله نبيه على ذلك" وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، وغيره وأتاه الخبر

فقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب والزبير والمقداد: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها". قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب.

__________

من السماء "فقال عليه الصلاة والسلام لعلي بن أبي طالب، والزبير، والمقداد" كما أخرجه الشيخان وغيرهما من طريق عبيد الله بن أبي رافع عن علي قال: بعثني صلى الله عليه وسلم أنا والزبير، والمقداد فقال: "انطلقوا".

وللبخاري في غزوة بدر من رواية عبد الرحمن السلمي عن علي بعثني وأبا مرثد الغنوي، والزبير وكلنا فارس، قال الحافظ: فيحتمل أن الثلاثة كانوا معه، فذكر أحد الراويين عنه ما لم يذكر الآخر ولم يذكر ابن إسحاق مع علي والزبير أحدا وساق الخبر بالتثنية. قال: انطلقا فخرجا حتى أدركاها فاستنزلاها. فالذي يظهر أنه كان مع كل منهما آخر تبعا له. انتهى.

ووقع في البيضاوي زيادة عمار وطلحة، والله أعلم بصحته "حتى تأتوا روضة خاخ" بخاءين معجمتين بينهما ألف على بريد من المدينة.

قال السهيلي: وصحفه أبو عوانة، وهشيم بحاء وجيم "فإن بها ظعينة" بفتح الظاء المعجمة وكسر العين المهملة فتحتية فنون مفتوحة امرأة في هودج سماها ابن إسحاق سارة، والواقدي، كنود، وفي رواية: أم سارة، وقيل: كانت مولاة العباس ذكره الحافظ وذكر المصنف في الجهاد أن اسمها سارة على المشهور، وتكنى أم سارة. انتهى.

وفي الإصابة سارة مولاة عمرو بن هاشم بن المطلب كان معها كتاب أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، كذا في التجريد، "معها كتاب" وزاد في غزوة بدر من حاطب بن أبي بلتعة إلى المركين "فخذوه منها". "قال: فانطلقنا" تعادي بنا خيلنا كما في الرواية، بحذف إحدى التاءين تجري "حتى أتينا الروضة" المذكورة "فإذا نحن بالظعينة".

وعند ابن إسحاق من مرسل عروة، فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني أبي أحمد، بقاف وخاء معجمة كسفينة، منزل على اثني عشر ميلا من المدينة، وعند ابن عقبة، أدركاها ببطن ريم بكسر الراء وسكون التحتية والهمز وتركه واد بالمدينة، فيحتمل أن روضة اسم لمكان يشتمل على بطن رئم والخليقة، وإلا فما في الصحيح أصح.

وللبخاري في غزوة بدر فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقلنا" لها: "أخرجي" بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء "الكتاب. قالت: ما معي كتاب".

زاد البخاري في بدر: فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابا فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

قلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب. قالت: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر.

__________

المصنف بفتحتين وللأصيلي بضم الكاف، وكسر المعجمة مخففة "قلنا: لتخرجن" بضم الفوقية وكسر الراء والجيم "الكتاب أو لنلقين" بضم النون، وكسر القاف، وفتح التحتية ونون التأكيد الثقيلة نحن "الثياب".

وللأصيلي وأبي الوقت بضم الفوقية وحذف التحتية، وفي بعض الأصول أو لنلقي بتحتية مكسورة أو مفتوحة، بعد القاف والصواب في العربية أو لتلقن بدون باء لأن النون الثقيلة إذا اجتمعت مع الياء الساكنة حذفت الياء لالتقاء الساكنين، لكن أجاب الكرماني وتبعه البرماوي، وغيره بأن الرواية إذا صحت تؤول الكسرة بأنها لمشاكلة لتخرجن، وباب المشاكلة واسع والفتح بالحمل على المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قاله المصنف في الجهاد، وفي رواية ابن إسحاق، فقال لها علي: إني أحلف بالله ما كذب صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا لتخرجن لنا هذا الكتاب، أو لنكشفنك "قالت": كذا بالتأنيث في الفرع وفي غيره. قال: أفاده المصنف ويوجه التأنيث بأن فيه حذفا، ففي رواية ابن إسحاق فلما رأت الجد منه قالت: أعرض فأعرض فحلت قرونها "فأخرجته من عقاصها" بكسر المهملة وبالقاف والصاد المهملة الخيط الذي تعتقص به أطراف الذوائب أو الشعر المضفور.

وقال المنذري: هو لي الشعر بعضه على بعض على الرأس وتدخل أطرافه في أصوله. وقيل: هو السير الذي تجمع به شعرها على رأسها.

وللبخاري في بدر فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها وهي محتجزة بكساء فأخرجته الحجزة بضم المهملة وسكون الجيم وفتح الزاي معقد الإزار، قال في النور: والظاهر أن الكتاب كان ف ضفائرها وجعلت الضفائر في حجزتها. انتهى.

وذكر في الفتح هنا أنه قدم في الجهاد وجه الجمع بين كونه في عقاصها أو في حجزتها وراجعته فلم أجده فيه ولا في بدر، "فأتينا به" بالكتاب "رسول الله صلى الله عليه وسلم" وللمستملي في الجهاد فأتينا بها، وللبخاري في بدر فانطلقنا بها، قال المصنف: أي بالصحيفة المكتوب فيها قول الكرماني أو بالمرأة معارض بما رواه الواقدي بلفظ: "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب إلى المشركين فخذوه وخلوا سبيلها فإن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها". انتهى.

"فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة" وهي التظرف في اللغة واسمه عمر، وقاله السهيلي: "إلى ناس من المشركين بمكة": سهيل, وصفوان، وعكرمة كما يأتي "يخبرهم ببعض أمر

رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا حاطب، ما هذا"؟. قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ، إني كنت امرأ ملصقا في قريش -يقول: كنت حليف ولم أكن من أنفسها- وكان من معكم من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضى بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد صدقكم". فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا.

__________

رسول الله صلى الله عليه وسلم" وفي مرسل عروة يخبرهم بالذي أجمع عليه صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم فقال: "يا حاطب ما هذا"؟. وفي مرسل عروة، فدعاه. فقال: "ما حملك على هذا؟ " وللبخاري في بدر: "ما حملك على ما صنعت"؟، "قال: يا رسول الله لا تعجل عليّ" بالمؤاخذة على ما صنعت. ولابن إسحاق: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت ولا بدلت، "إني كنت امرأ ملصقا" بضم الميم وفتح الصاد، "في قريش" أي مضافا لهم من إلصاق الشيء بغيره وليس منه وقد فسره بقوله: "يقول: كنت حليفا" لها "ولم أكن من أنفسها" بضم الفاء، قال في الإصابة: يقال: إنه حالف الزبير وقيل: كان مولى عبد الله بن حميد بن زهير بن أسد بن عبد العزى فكاتبه، فأدى كتابته وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق: ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه، "وكان من معك من المهاجرين" ممن له أهل أو مال بمكة "لهم قرابات" بالجمع "يحمون بها أهليهم وأموالهم" فليس المراد جميع المهاجرين لأن كثيرا منهم ليس له بمكة مال ولا أهل، "فأحببت إذ" أي حين "فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخد"، مصدرية في محل نصب مفعول أحببت "عندهم يدا" أي نعمة ومنة عليهم "يحمون بها قرابتي"، وروى ابن شاهين، والطبراني وغيرهما، فقال حاطب: والله ما ارتبت في الله منذ أسلمت ولكنني، كنت امرأ غريبا ولي بمكة بنون وأخوة وعند ابن مردويه، من حديث ابن عباس، عن عمر، فكتبت كتابا لا يضر الله ولا رسوله "ولم أفعله ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما" بفتح الهمزة، وخفة الميم "إنه قد صدقكم" بتخفيف الدال، أي قال الصدق، فيما أخبركم به زاد البخاري في بدر: "ولا تقولوا له إلا خيرا". "فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال: "إنه قد شهد بدر" وكأنه قال: وهل شهودها يسقط عنه هذا الذنب الكبير، فقال: "وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا".

وللبخاري في الجهاد: "وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر".

قال المصنف: استعمل لعل استعمال عسى، فأتى, فإن قال النووي: الترجي هذا راجع إلى

فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} [الممتحنة: 1] رواه البخاري.

قال في فتح الباري: وإنما قال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق مع تصديق.

__________

عمر لأن وقوع هذا الأمر محقق عند الرسول. انتهى.

وفي الفتح هي بشارة عظيمة لم تقع لغيرهم. وقد قال العلماء: الترجي في كلام الله وكلام الرسول للوقوع وعند أحمد، وأبي داود، وابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة، بالجزم، ولفظه: "إن الله اطلع على أهل بدر". "فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" , زاد البخاري في بدر: فدمعت عينا عمر، وقال: الله ورسوله أعلم.

قال الحافظ اتفقوا على أن هذه البشارة فيما يتعلق، بأحكام الآخرة لا بأحكام الدنيا من إقامة الحدود وغيرها. "فأنزل الله تعالى" السورة كما في لفظ البخاري: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فيه أن الكبيرة لا تسلب اسم الإيمان {لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ} أي كفار مكة {أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ} حال من ضمير لا تتخذوا أي لا تتخذوهم أولياء ملقين {إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} أي تبذلونها لهم ودخول الباء وعدمه سواء عند الفراء، وقال سيبويه: لا تزاد في الواجب فمفعول تلقون عند طائفة من البصريين محذوف أي النصيحة.

وقال النحاس: أي تخبرونهم بما يخبر به الرجل أهل مودته وهذا التقدير إن نفع هنا لم ينفع في مثل قول العرب: ألقى إليه بوسادة أو ثوب، فيقال: إن ألقى قسمان وضع الشيء بالأرض وفي الآية إنما هو إلقاء بكتاب وإرسال به فعبر عنه بالمودة؛ لأنه من أفعال أهلها فمن ثم حسنت الباء؛ لأنه إرسال بشيء، كذا في الروض "إلى قوله: {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ} " أخطأ طريق الهدى والصواب، والسواء في الأصل السوط ودل هذا الأغياء على أن قوله فأنزل الله السورة مجاز من تسمية الجزء باسم الكل، أو من مجاز الحذف أي بعض السورة التي أولها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}



كلمات دليلية: