فتح مكة_11999

فتح مكة


[غزوة مكة]

(ثم غزا- عليه السلام- مكة وفتحها، وقد مضى من هجرته سبع سنين، وثمانية أشهر، وأحد عشر يوما «1» ) .

وذلك لما كان من مظاهرة «2» / قريش، وبني بكر بن عبد مناف بن كنانة، على

__________

(1) عن خروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم لفتح مكة قال ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 88: قال ابن إسحاق « ... ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ... وخرج لعشر مضين من رمضان من السنة الثامنة من الهجرة ... » اه: السيرة النبوية.

(2) عن سبب الغزوة قال ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 85- 86: قال ابن إسحاق: « ... ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعد بعثه إلى «مؤتة» جمادى الاخرة ورجبا ... ثم إن بني بكر بن عبد مناة ... عدت على «خزاعة» ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له: «الوتير» ، وكان الذي هاج ما بين بني بكر، وخزاعة؛ أن رجلا من بني الحضرمي، واسمه «مالك بن عباد» - وحلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن- خرج تاجرا، فلما توسط أرض خزاعة، عدوا عليه فقتلوه، وأخذوا ماله، فعدت «بنو بكر» على رجل من «خزاعة» فقتلوه، فعدت «خزاعة» قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الديلي- وهم منخر بني كنانة وأشرافهم- سلمى وكلثوم وذؤيب- فقتلوهم ب «عرفة» عند أنصاب الحرم ... فبينا بنو بكر، وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلّم وبين قريش كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم وشرط لهم ... أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلّم وعهده فليدخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدها فليدخل فيه فدخلت «بنو بكر» في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد الرسول صلى الله عليه وسلّم وعهده ... فلما كانت الهدنة أغتنمها «بنو الديل» من بني بكر من خزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأرا بأولئك الأنفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم، وليس كل بني بكر تابعه، حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير- ماء لهم- فأصابوا منهم رجلا واقتتلوا، ورفدت بنو بكر السلاح، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا؛ حتى حازوا خزاعة إلى الحرم، فلما انتهوا إليه، قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا إلهك، فقال كلمة عظيمة: لا إله اليوم، يا بني بكر: أصيبوا ثأركم؛ فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم، أفلا تصيبون ثأركم فيه؟!. فلما دخلت خزاعة مكة لجأوا إلى دار «بديل بن ورقاء» ، ودار مولى لهم، يقال له: رافع ... فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلّم من العهد والميثاق، بما استحلوا من خزاعة، وكان في عقده وعهده، خرج «عمرو بن سالم» حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلّم المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس فقال:

يا رب إني ناشد محمدا ... قد كنتم ولدا وكنا والدا.

خزاعة، وهم في عقده وعهده- عليه السلام- فخرج «عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي» حتى قدم المدينة، فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال في قصيدته التي أولها:

يا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا

إلى أن قال:

هم بيتونا بالوتير هجدا ... وقتلونا ركعا وسجدا

فانصر هداك الله نصرا أبدا

فقال- عليه السلام-: «نصرت يا عمرو» . وأمر- عليه السلام- بالجهاز إليها، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها» .

__________

-

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا ... فانصر هداك الله نصرا اعتدا

وادع عباد الله يأتوا مددا ... فيهم رسول الله قد تجردا

إن وسيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق كالبحر يجري مزيدا

إن قريشا أخلفوك الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا

وجعلوا لي في كداء رصدا ... وزعموا أن لست أدعو أحد

وهم أذل وأقل عددا ... هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا ... فانصرهم هداك الله نصرا أبدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «نصرت ... الحديث» اه: السيرة النبوية. وفي «تاريخ الإسلام» للذهبي- فتح مكة- ص 436- 471 قال: « ... ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلّم- عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بصر بني كعب- يعني خزاعة ثم قدم «بديل بن ورقاء» ... إلخ» اه: تاريخ الإسلام.

فخرج- عليه السلام- في شهر رمضان لليلتين خلتا منه على الأصح «1» ، في عشرة آلاف من المسلمين.

واستعمل على المدينة «أبا رهم الغفاري «2» » ، وأرعب المهاجرين والأنصار، فلم يتخلف منهم أحد، فلما كان- عليه السلام ب «الجحفة «3» » لقيه العباس بن «عبد المطلب*» مهاجرا بعياله، ولما كان/ ب «نيق العقاب «4» » لقيه «أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب» «5» ، و «عبد الله بن أمية بن المغيرة المخزومي» فأسلما،

__________

(1) حول الاختلاف في وقت الغزوة قال الإمام الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» 5/ 266: «لا خلاف أن هذه الغزوة، كانت في رمضان، كما في الصحيح وغيره؛ ولكن الخلاف في اليوم، فالإمام أحمد، روى بإسناد صحيح: عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عام الفتح لليلتين خلتا من شهر رمضان ... » قال الحافظ: وأما ما قاله الواقدي: أنه خرج لعشر خلون من رمضان فليس بقوي؛ لمخالفته ما هو أصح منه. قلت: قد وافق الواقدي على ذلك ابن إسحاق وغيره، ورواه إسحاق بن راهوية بسند صحيح عن ابن عباس. وعند مسلم أنه دخل لست عشرة؛ ولأحمد لثماني عشرة وفي أخرى لثنتي عشرة، والجمع بين هاتين بحمل إحداهما على ما مضى، والأخرى على ما بقي اه: «سبل الهدى والرشاد» .

(2) قال ابن القيم في «زاد المعاد» بحاشية «المواهب» 4/ 273: «واستعمل على المدينة، أبا رهم كلثوم بن الحصين» . وقال الذهبي في «تاريخ الإسلام» ص 441: «اسم أبي رهم: كلثوم بن حصين. وقال ابن سعد في «الطبقات» 2/ 67: «بل استعمل عبد الله ابن أم مكتوم» .

(3) «الجحفة» ميقات أهل الشام، وكانت قرية جامعة، على اثنين وثمانين ميلا من مكة، وكانت تسمى «مهيعة» فنزل بها «بنو عبيد» ، وهم أخوة «عاد» ، وكان أخرجهم العماليق، من «يثرب» فجائهم سيل الجحاف فاجتحفهم فسميت الجحفة اه: القاموس.

(4) ونيق العقاب «موضع بالجحفة» . اه: القاموس.

(*) حول قوله: «ولقيه العباس ... » قال ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 88: قال ابن إسحاق: « ... وقد كان العباس بن عبد المطلب، لقي رسول الله صلى الله عليه وسلّم ببعض الطريق- قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلّم راض عنه، فيما ذكر ابن شهاب الزهري» اه: «السيرة النبوية» .

(5) عن إسلام «أبي سفيان بن الحارث» و «عبد الله بن أمية» ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 88- 89: قال ابن إسحاق: «وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب» و «عبد الله بن أمية بن المغيرة» قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلّم ب «نيق العقاب» - فيما بين مكة والمدينة- فالتمسا الدخول عليه؛ فكلمته «أم سلمة» - رضي الله عنها- فيهما فقالت يا رسول الله: ابن عمك، وابن عمتك وصهرك؛ قال: «لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي، فهتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري؛ فهو الذي قال لي بمكة ما قال ... » . فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع «أبي سفيان» - ابن عمه بني له فقال: «والله ليأذن لي، -

وكان ممن لقيه أيضا وهو نازل ب «مر الظهران» من أعمال مكة «أبو سفيان بن حرب «1» » ، جاء به العباس إليه، فاستأمنه وأسلم، ودخل- عليه السلام- مكة من كداء «2» - بفتح الكاف والمد- فنزل بأعلاها، وهو يومئذ غير محرم*، وضربت هنالك قبته، وأمر «خالد بن الوليد» فدخل من «الليط» «3» .

وأقام- عليه السلام- خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، وكان فتحها لثلاث عشرة خلت من رمضان «4» ، وهل فتحت عنوة أو صالحا؟ قولان:

__________

- أو لاخذن بني هذا؛ ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا؛ فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلّم رق لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما ... » اه: السيرة النبوية.

(1) حول إسلام «أبي سفيان ... » انظر: كتب تراجم الرجال كالاستيعاب لابن عبد البر، وأسد الغابة لابن الأثير، والإصابة للحافظ بن حجر. وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام المصدر السابق.

(2) حول دخوله صلى الله عليه وسلّم من كداء، أخرج البخاري في صحيحه- فتح الباري، كتاب (المغازي) فتح مكة 7/ 598 رقم: 4280: «عن» عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر الزبير بن العوام، أن يدخل مكة من «كداء» من أعلى مكة؛ وأن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتيه. اه: فتح الباري.

(*) حول قوله: «غير محرم ... » قال ابن القيم في «زاد المعاد» بحاشية «المواهب» 2/ 191: « ... ثم دخلها ... عام الفتح في رمضان، بغير إحرام» اه: زاد المعاد.

(3) حول دخول «خالد ... » من «الليط» قال ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 88- 89: قال إسحاق: « ... أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أمر خالد بن الوليد، فدخل من «الليط» أسفل مكة في بعض الناس، وكان «خالد ... » على المجنبة اليمنى، وفيها: أسلم، وغفار، ومزينة ... وقبائل من العرب ... إلخ» اه: السيرة النبوية.

(4) حول الاختلاف عن قدر إقامته بمكة قال الصالحي في «سبل الهدى والرشاد» 5/ 261: «عن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكة تسعة عشر يوما يصلي ركعتين» وفي لفظ: «أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمكة تسعة عشر نقصر الصلاة» ورواه البخاري. وأبو داود ... وعنده سبعة عشر بتقديم السين على الموحدة. وعن عمران بن حصين- رضي الله عنه- قال: «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين» رواه أبو داود. وعن أنس قال: «أقمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشرة نقصر الصلاة» رواه البخاري في مقام النبي صلى الله عليه وسلّم بمكة زمان الفتح وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- ... «أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة الرواية التي معنا- رواه أبو داود، من طريق ابن إسحاق، والنسائي من طريق «عراك بن مالك» كلاهما عن «عبيد الله» وصححه الحافظ» اه: سبل الهدى والرشاد.

والأول «1» مذهب الأكثر.

__________

- حول الاختلاف في مدة إقامته بمكة انظر: الجمع بينه في «سبل الهدى والرشاد» للصالحي 5/ 261.

(1) عن فتح «مكة» عنوة، أو صالحا قال الحافظ مغلطاي في كتابه «الإشارة» ص 312: «واختلف في فتح مكة: فالشافعي: يرى أنها ليست عنوة؛ فلذلك كان يجيز كراءها لأربابها. وأبو حنفية وغيره: خالفوا ذلك، وقيل: أعلاها فتح صالحا، وأسفلها عنوة» اه: الإشارة «لمغلطاي» . وقال ابن القيم- رحمه الله- في «زاد المعاد ... » بحاشية «المواهب» 4/ 432: «فصل» فإذا كانت مكة قد فتحت عنوة فهل يضرب الخراج على مزارعها كسائر أرض العنوة؟ وهل يجوز لكم أن تفعلوا ذلك أم لا؟. قيل: في هذه المسألة قولان لأصحاب العنوة. أحدهما: المنصوص المتصور الذي لا يجوز القول بغيره؛ أنه لا خراج على مزارعها، وإن فتحت عنوة؛ فإنها أجل وأعظم من أن يضرب عليها الخراج لا سيما والخراج هو جزية الأرض، وهو على الأرض كالجزية على الرؤوس، وحرم الرب أجل قدرا، وأكبر من أن تضرب عليه جزية، ومكة بفتحها عادت إلى ما وصفها الله عليه من كونها حرما آمنا يشترك فيه أهل الإسلام؛ إذا هو موضع مناسكهم ومتعبدهم، وقبلة أهل الأرض. الثاني: وهو قول بعض أصحاب أحمد- رحمه الله-؛ أن على مزارعها الخراج، كما على مزارع غيرها من أرض وهو فاسد مخالف لنص أحمد، ومذهبه ولفعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم وخلفائه الراشدين من بعده اه: «زاد المعاد» . وحول فتح مكة انظر المصادر والمراجع الاتية: أ- «السيرة النبوية» لابن هشام 4/ 84، 113. ب- «مغازي الواقدي» - شأن غزوة الفتح- 2/ 780، 3/ 875. ج- «تاريخ الطبري» ذكر الخبر عن فتح مكة- 3/ 38- 61. د- «الثقات» للإمام ابن حبان 1/ 40- 61. هـ- «الدرر ... » لابن عبد البر ص 224- 236. و «تاريخ الإسلام» للإمام الذهبي «المغازي» - فتح مكة زادها الله شرفا- ص 436- 471. ز- «الكامل في التاريخ» للإمام ابن الأثير- ذكر فتح مكة- 2/ 116- 127. ح- «فتح الباري شرح صحيح البخاري» غزوة الفتح في رمضان 7/ 519- 521. ط- «مختصر السيرة النبوية» للإمام محمد بن عبد الوهاب ص 145- 156.

[غزوة حنين «1» ]

(وغزا- عليه السلام- بعد ذلك بيوم غزوة حنين) ، وهو واد إلى جانب ذي المجاز قرب الطائف، بينه وبين مكة ثلاثة ليال، وخرج إليهم من مكة في اثني عشر ألفا: عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفان ممن أسلم من أهل مكة، وهم الطلقاء «2» ؛ وذلك يوم السبت لست ليال خلون من شوال، وخرج «3» معه ثمانون من المشركين منهم

__________

(1) «غزوة حنين» تسمى أيضا «غزوة هوازن» وتسمى «غزوة أوطاس» ذكر ذلك ابن القيم في «زاد المعاد» 4/ 361. وانظر: أيضا «شرح المواهب» للزرقاني 3/ 5. و «حنين» - بالتصغير- كما نطق القرآن- وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ... [سورة التوبة من الاية 25] . « ... واد قريب من الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا» ، من جهة «عرفات» . قال البكري: سمي باسم «حنين بن قابثة بن مهلائيل» اه: فتح الباري 8/ 27. وعن تسميتها ب «هوازن» قال الزرقاني في «شرح المواهب» 3/ 5: « ... سميت بهوزان- بفتح الهاء وكسر الزاي-: جمع هوزن، وهو ضرب من الطير، علم على قبيلة كبيرة من العرب، فيها عدة بطون، ينسبون إلى «هوازن بن منصور ... » سميت بذلك؛ لأنهم أتوا لقتاله صلى الله عليه وسلّم» اه: شرح الزرقاني على المواهب. وعن سبب تسميتها ب «أوطاس» قال ابن دريد في «الاشتقاق» 1/ 290: «وسميت بأوطاس باسم الموضع الذي كانت الوقعة أخيرا به اه» : الاشتقاق. وانظر: «شرح الزرقاني على المواهب» 3/ 5. سبب الغزوة: فتح مكة، هو الضربة القاصمة؛ التي أحاطت بالقبائل العربية المحيطة بمكة؛ كقبيلة «هوازن» وغيرها. ولنذكر ما قاله ابن سعد في «الطبقات» 2/ 108: قال- رحمه الله-: «قالوا: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلّم مكة مشت أشراف «هوازن» و «ثقيف» بعضها إلى بعض، وحشدوا، وبغوا، وجمع أمرهم «مالك بن عوف النصري» ، وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة، وأمرهم فجاؤا معهم بأموالهم، ونسائهم وأبنائهم؛ حتى نزلوا ب «أوطاس» ، وجعلت الأمداد تأتيهم، فأجمعوا المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم» اه: الطبقات.

(2) عن «الطلقاء» قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» : « ... وفي حديث حنين خرج إليها، ومعه الطلقاء: هم الذين خلى عنهم يوم فتح مكة، وأطلقهم؛ فلم يسترقهم. وأحدهم طليق- فعيل بمعنى مفعول-، وهو الأسير إذا أطلق سبيله ومنه الحديث «الطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف» كأنه ميز قريشا بهذا الاسم حيث هو أحسن من العتقاء ... إلخ» . اه: النهاية.

(3) حول خروج رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى «حنين» قال ابن سعد في (الطبقات) 2/ 108: «فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ... في اثني عشرة ألفا من المسلمين: عشرة آلاف من أهل المدينة، وألفا من أهل مكة. -

«صفوان بن أمية» / وركب صلى الله عليه وسلّم بغلته البيضاء، فاستقبل المسلمون وادي «حنين» وانحدروا «1» إليه؛ وذلك في غبش الصبح، فما راعهم إلا الكتائب خارجة من مضايق الوادي، فشدوا على المسلمين شدة رجل واحد، فرجع المسلمون، وانحاز- عليه السلام- ذات اليمين في جماعة من أهل بيته، وأصحابه، ثم قال: «أيها الناس هلم إلي أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» . وأمر العباس ينادي في الناس، فتراجعوا، وقبض- عليه السلام- قبضة من تراب، فرمى بها في وجوه المشركين،

__________

- فقال أبو بكر: لا نغلب اليوم من قلة!. وخرج مع رسول الله ناس من المشركين كثير، منهم «صفوان بن أمية» ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم استعار منه مائة درع بأداتها ... » اه: الطبقات.

(1) عن ركوب رسول الله صلى الله عليه وسلّم بغلته البيضاء، قال ابن سعد في «الطبقات» 2/ 121- 138: «وانحدر رسول الله صلى الله عليه وسلّم في وادى الحنين على تعبئة، وركب بغلته البيضاء «دلدل» ، ولبس درعين، والمغفر، والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السواد والكثبة؛ وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة واحدة، وانكشفت الخيل- خيل بني سليم- مولية وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «يا أنصار الله، وأنصار رسوله: أنا عبد الله ورسوله» ! ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى العسكر وثاب إليه من انهزم، وثبت معه يومئذ: «العباس بن عبد المطلب» و «على بن أبي طالب» ... في ناس من أهل بيته، وأصحابه ... وجعل يقول للعباس: «ناد يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، فنادى- وكان صيتا- فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: لبيك يا لبيك! فحملوا على المشركين، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم على قتالهم فقال: «الان حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب» ثم قال للعباس بن عبد المطلب: ناولني حصيات، فناولته حصيات من الأرض، ثم قال: «شاهت الوجوه!» ورمى بها وجوه المشركين، وقال: «انهزموا ورب الكعبة» وقذف الله في قلوبهم الرعب، وانهزموا لا يلوي أحد منهم على أحد، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يقتل من قدر عليه، فحنق المسلمون عليهم يقتلونهم حتى قتلوا الذرية، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فنهى عن قتل الذرية ... إلخ» اه: الطبقات. وانظر: «السيرة النبوية» لابن هشام 4/ 121- 138. وانظر: «الروض الأنف» للسهيلي 4/ 138- 147. وحول الغزوة انظر: المصادر والمراجع التي ذكرناها في التحقيق. وانظر: «صحيح البخاري» كتاب «المغازي» باب قول الله- تعالى- وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ... وصحيح مسلم كتاب «الجهاد والسير» ، باب غزوة «حنين» 5/ 168، 5/ 166- 167. وانظر «تاريخ الإسلام» للذهبي «المغازي» ص 475، 487.

فهزمهم الله، واتبعهم المسلمون يقتلونهم، وغنمهم الله نساءهم، وذراريهم، وأموالهم.

[غزوة الطائف «1» ]

(ثم غزا- عليه السلام- الطائف في هذه السنة) ، والطائف: بلد كبير مشهور كثير الأعناب والفواكه، على مرحلتين أو ثلاث من مكة، سار إليها- عليه السلام- في شوال حين خرج من «حنين» ، وكانت «ثقيف» لما انهزموا من «أوطاس» دخلوا حصنهم ب «الطائف» وأغلقوه عليهم، بعد أن ملؤوه عليهم بما يحتاجون إليه، فلما وصل إليهم نزل قريبا «2» من الحصن، حتى أوذي/ المسلمون بالنبل، فارتفع إلى موضع مسجده

__________

(1) عن «الطائف» قال الإمام ابن حجر في «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» كتاب «المغازي» ، باب غزوة الطائف في «شوال سنة ثمان قاله موسى بن عقبة» 8/ 43- 44: « ... بلد كبير مشهور كثير الأعناب والنخيل، على ثلاث مراحل، أو اثنتين من مكة، من جهة الشرق. قيل: أصلها أن «جبريل» عليه السلام اقتلع الجنة التي كانت لأصحاب الضريم، فسار بها إلى مكة، فطاف بها حول البيت، ثم أنزلها حيث الطائف؛ فسمي الموضع بها، وكانت أولا بنواحي «صنعاء» واسم الأرض «وج» - بتشديد الجيم- سميت برجل، وهو ابن عبد الجن من العماليق، وهو أول من نزل بها وسار النبي صلى الله عليه وسلّم بعد منصرفه من «حنين» ، وحبس الغنائم ب «الجعرانة» ، وكان «مالك بن عوف النصري» قائد هوزان «لما انهزم دخل «الطائف» ، وكان له «حصن» - بلية- وهي بكسر اللام وتخفيف التحتانية، على أميال من الطائف، فأمر بهدمه» اه: فتح الباري.

(2) حول نزول رسول الله صلى الله عليه وسلّم قريبا من الحصن قال ابن هشام في «السيرة النبوية» 4/ 104- 105. قال ابن إسحاق: ... ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى نزل قريبا من «الطائف» فضرب عسكره، فقتل به ناس من أصحابه بالنبل؛ وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف؛ فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون أن يدخلوا حائطهم، أغلقوه دونهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل، وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة. قال ابن هشام: ويقال: سبع عشرة ليلة ... فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وقاتلهم قتالا شديدا، وتراموا بالنبل. قال ابن هشام: ورماهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بالمنجنيق. قال ابن إسحاق: حتى إذا كان يوم الشدخة، عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار «الطائف» ؛ ليحرقوه، فأرسلت عليهم «ثقيف» سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم «ثقيف» بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلّم بقطع أعناب «ثقيف» ، فوقع الناس فيها يقطعون ... إلخ. اه: السيرة النبوية لابن هشام.

بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعة عشر يوما، وقتل رجلان من المسلمين، ولم يؤذن لهم في فتحها ذلك الوقت؛ فأمر «عمر بن الخطاب» «1» فأذن بالرحيل، وانصرف في شوال، حتى أتى «الجعرانة» حيث حبس سبي «هوازن» ، فنزلها، وكان السبي ستة آلاف بين الذراري والنساء، والإبل أربعة ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية، فقسمها «2» بين المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، كما في الصحيح.



كلمات دليلية: