غزوة ذات الرقاع من كتاب الرحيق المختوم1

غزوة ذات الرقاع  من كتاب الرحيق المختوم1

اسم الكتاب:
الرحيق المختوم1
المؤلف:
صفي الرحمن المباركفوري

غزوة ذات الرقاع

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسر جناحين قويين من أجنحة الأحزاب الثلاثة؛ تفرغ تماما للإلتفات إلى الجناح الثالث، أي إلى الأعراب القساة الضاربين في فيافي نجد، والذين ما زالوا يقومون بأعمال النهب والسلب بين آونة وأخرى.

ولما كان هؤلاء البدو لا تجمعهم بلدة أو مدينة، ولم يكونوا يقطنون الحصون والقلاع، كانت الصعوبة في فرض السيطرة عليهم وإخماد نار شرهم تماما تزداد بكثير عما كانت بالنسبة إلى أهل مكة وخيبر، ولذلك لم تكن تجدي فيهم إلا حملات التأديب والإرهاب، وقام المسلمون بمثل هذه الحملات مرة بعد أخرى.

ولفرض الشوكة- أو لاجتماع البدو الذين كانوا يتحشدون للإغارة على أطراف المدينة- قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بحملة تأديبية عرفت بغزوة ذات الرقاع.

وعامة أهل المغازي يذكرون هذه الغزوة في السنة الرابعة، ولكن مساهمة أبي موسى الأشعري وأبي هريرة رضي الله عنهما في هذه الغزوة تدل على وقوعها بعد خيبر، والأغلب أنها وقعت في شهر ربيع الأول سنة 7 هـ.

وملخص ما ذكره أهل السير حول هذه الغزوة أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع باجتماع أنمار أو بني ثعلبة وبني محارب من غطفان، فأسرع بالخروج إليهم في أربعمائة أو سبعمائة من أصحابه، واستعمل على المدينة أبا ذر أو عثمان بن عفان، وسار فتوغل في بلادهم حتى وصل إلى موضع يقال له نخل على بعد يومين من المدينة، ولقي جمعا من غطفان فتوافقوا ولم يكن بينهم قتال، إلا أنه صلى بهم يومئذ صلاة الخوف.

وفي البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا

نلف على أرجلنا الخرق، فسميت ذات الرقاع، لما كنا نعصب الخرق على أرجلنا «1» .

وفيه عن جابر: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس في العضاة، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فعلق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومة، فجاء رجل من المشركين، فاخترط سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتخافني؟ قال: «لا. قال: فمن يمنعك مني؟ قال: الله. قال جابر: فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا، فجئنا فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فها هو ذا جالس» . ثم لم يعاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي رواية: وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الآخرى ركعتين، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع، وللقوم ركعتان «2» .

وفي رواية أبي عوانة: فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ. قال: تشهد ألاإله إلا الله وأني رسول الله؟» قال الأعرابي: أعاهدك ألاأقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى سبيله. فجاء إلى قومه، فقال جئتكم من عند خير الناس «3» .

وفي رواية البخاري قال مسدد عن أبي عوانة عن أبي بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث «4» قال ابن حجر: ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي دعثور، وأنه أسلم. لكن ظاهر كلامه أنهما قصتان في غزوتين والله أعلم «5» .

وفي مرجعهم من هذه الغزوة سبوا امرأة من المشركين، فنذر زوجها ألايرجع حتى يهريق دما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فجاء ليلا، وقد أرصد رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين ربيئة «6» للمسلمين من العدو، وهما عباد بن بشر وعمار بن ياسر، فضرب عبادا وهو قائم يصلي

__________

(1) صحيح البخاري باب غزوة ذات الرقاع 2/ 592، وصحيح مسلم باب غزوة ذات الرقاع 2/ 118.

(2) صحيح البخاري 1/ 407، 408، 2/ 593.

(3) مختصر سيرة الرسول للشيخ عبد الله النجدي ص 264، وانظر فتح الباري 7/ 416.

(4) صحيح البخاري 2/ 593.

(5) فتح الباري 7/ 428.

(6) ربيئة: أي مراقب وراصد.

بسهم فنزعه، ولم يبطل صلاته، حتى رشقة بثلاثة أسهم، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحان الله، هلا نبهتني، فقال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها. «1»

كان لهذه الغزوة أثر في قذف الرعب في قلوب الأعراب القساة، وإذا نظرنا إلى تفاصيل السرايا بعد هذه الغزوة، نرى أن هذه القبائل من غطفان لم تجترئ أن ترفع رأسها بعد هذه الغزوة، بل استكانت شيئا فشيئا حتى استسلمت، بل وأسلمت، حتى نرى عدة قبائل من هذه الأعراب، تقوم مع المسلمين في فتح مكة، وتغزو حنينا، وتأخذ من غنائمها، ويبعث إليها المصدقون فتعطي صدقاتها بعد الرجوع من غزوة الفتح، فبهذا تم كسر الأجنحة الثلاثة التي كانت ممثلة في الأحزاب، وساد المنطقة الأمن والسلام، واستطاع المسلمون بعد ذلك أن يسدوا بسهولة كل خلل وثلمة حدثت في بعض المناطق من بعض القبائل، بل بعد هذه الغزوة بدأت التمهيدات لفتوح البلدان والممالك الكبيرة، لأن داخل البلاد كانت الظروف قد تطورت لصالح الإسلام والمسلمين.

[,

غزوة نجد

وبهذا النصر الذي أحرزه المسلمون- في غزوة بني النضير- دون تضحيات توطد سلطانهم في المدينة، وتخاذل المنافقون عن الجهر بكيدهم، وأمكن الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتفرغ لقمع الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد، وتواثبوا على بعوث الدعاة يقتلون رجالها في نذلة وكفران «2» ، وبلغت بهم الجرأة إلى أن أرادوا القيام بجر غزوة على المدينة.

فقبل أن يقوم النبي صلى الله عليه وسلم بتأديب أولئك الغادرين نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، فسارع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخروج، يجوس فيافي نجد، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساوة، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين.

وأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال. وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين.

وقد ذكر أهل المغازي والسير بهذا الصدد غزوة معينة غزاها المسلمون في أرض نجد في شهر ربيع الثاني أو جمادى الأولى سنة 4 هـ، ويسمون هذه الغزوة بغزوة ذات

__________

(1) ابن هشام 2/ 190، 191، 192، زاد المعاد 2/ 71، 110، صحيح البخاري 2/ 574، 575.

(2) كلمة لمحمد الغزالي في فقه السيرة ص 214.

الرقاع. أما وقوع الغزوة خلال هذه المدة فلا شك فيه. وهذا الذي كانت تقتضيه ظروف المدينة، فإن موسم غزوة بدر التي كان قد تواعد بها أبو سفيان حين انصرافه من أحد كان قد اقترب، وإخلاء المدينة، مع ترك البدو والأعراب على تمردهم وغطرستهم، والخروج لمثل هذا اللقاء الرهيب- لم يكن من مصالح سياسة الحروب قطعا، بل كان لا بد من خضد شوكتهم، وكف شرهم قبل الخروج لمثل هذه الحرب الكبيرة التي كانوا يتوقعون وقوعها في رحاب بدر.

وأما أن تلك الغزوة التي قادها الرسول صلى الله عليه وسلم في ربيع أو جمادى الأولى سنة 4 هـ هي غزوة الرقاع فلا يصح، فإن غزوة ذات الرقاع شهدها أبو هريرة وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهما. وكان إسلام أبي هريرة قبل غزوة خيبر بأيام، وكذلك أبو موسى الأشعري رضي الله عنه وافى النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر. وإذن فغزوة ذات الرقاع بعد خيبر، ويدل على تأخرها عن السنة الرابعة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها صلاة الخوف، وكانت أول شرعية صلاة الخوف في غزوة عسفان، ولا خلاف أن غزوة عسفان كانت بعد الخندق، وكانت غزوة الخندق في أواخر السنة الخامسة.


ملف pdf

كلمات دليلية: