withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram


غزوة ذات الرقاع _17072

غزوة ذات الرقاع


(15) غزوة ذات الرقاع

قال الزّرقانيّ: (بكسر الراء بعدها قاف، فألف، فعين مهملة: جمع رقعة بضمها، وهي غزوة محارب «1» ، وغزوة بني ثعلبة، وغزوة بني أنمار، وغزوة صلاة الخوف، وغزوة الأعاجيب، وقول البخاريّ: (وهي غزوة محارب بن خصفة بن ثعلبة بن غطفان) وهم؛ لاقتضائه أنّ ثعلبة جد لمحارب، وليس كذلك، كما عند ابن إسحاق وغيره، فصوابه: وبني ثعلبة بواو العطف؛ فإنّ غطفان هو ابن سعد بن قيس عيلان، ومحارب بن خصفة بن قيس عيلان، فمحارب وغطفان أبناء عم، فكيف يكون الأعلى منسوبا إلى الأدنى؟! وفي قوله: (ثعلبة بن غطفان) نظر أيضا، والأولى ما عند ابن إسحاق: (وبني ثعلبة من غطفان) ، بميم ونون، قاله الحافظ، ونبّه على ذلك أبو علي الجيّاني في أوهام الصحيح) .

قال اليعمريّ: (سمّيت بذلك لأنّهم رقّعوا فيها راياتهم؛ ويقال: ذات الرقاع، شجرة بذلك الموقع، وقيل: لأنّ أقدامهم نقبت، فكانوا يلفون عليها الخرق) اهـ

قلت: وهذا هو الأصحّ، لما رواه البخاريّ ومسلم عن

__________

(1) قال في «الفتح» : (جمهورهم على أنّ غزوة ذات الرقاع هي: غزوة محارب، وجزم به ابن إسحاق) .

أبي موسى، قال: خرجنا مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر، بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرّقاع؛ لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق.

,

الاختلاف في وقت وقوع هذه الغزوة:

واختلف متى كانت على أقوال: فعند ابن إسحاق بعد بني النضير، سنة أربع في ربيع الآخر، وبعض جمادى.

وعند ابن سعد، وابن حبان في المحرم سنة خمس.

ومال البخاري: إلى أنّها كانت بعد خيبر؛ لأنّ أبا موسى شهدها، وهو إنّما جاء من الحبشة بعد خيبر، سنة سبع، فلزم أنّها كانت بعد خيبر.

قال الحافظ: (وعجبت من ابن سيّد الناس كيف قال:

جعل البخاريّ حديث أبي موسى هذا حجّة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر، قال- يعني اليعمريّ-: وليس في حديث أبي موسى ما يدلّ على شيء من ذلك) قال الحافظ:

(هذا النفي مردود، والدلالة من ذلك واضحة) .

قلت: وذلك: لأنّ أبا موسى كان قدومه من الحبشة بعد فتح خيبر، وفي الصحيح قال أبو موسى: فوافينا النّبي صلى الله عليه وسلم حين فتح خيبر، لكن الناظم رحمه الله تعالى جرى على أنّها بعد بني النضير كأصله، فقال:

ثمّ إلى محارب وثعلبه ... ذات الرّقاع ناهزوا المضاربه

ولم يكن حرب وغورث جرى ... فيها له الّذي لدعثور جرى

(ثمّ) أي: بعد غزوة بني النضير، توجه صلى الله عليه وسلم (إلى) غزو (محارب) بضم الميم ابن خصفة، بفتح المعجمة والصاد (و) بني (ثعلبة) وهم بأرض نجد، و (ذات الرقاع) فإنّ الغزوة تسمى بهذه الثلاثة، كما تقدم، ثمّ استأنف الكلام بجملة وقعت جوابا عن كيفية الغزوة، فقال:

(ناهزوا) أي: قاربوا (المضاربة) والمقاتلة، (ولم يكن حرب) .

وذلك: أنّه لما بلغه صلى الله عليه وسلم أنّهم جمعوا الجموع.. خرج- كما قاله اليعمري عن ابن سعد- ليلة السبت، لعشر خلون من المحرم، في أربع مئة من أصحابه، ويقال: سبع مئة، واستعمل على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقيل: أبا ذرّ رضي الله عنه، قال في «شرح المواهب» : (وسار صلى الله عليه وسلم إلى أن وصل وادي الشّقرة، فأقام فيها يوما، وبعث السّرايا، فرجعوا إليه من الليل، وخبروه: أنّهم لم يروا أحدا، فسار حتّى نزل نخلا، بالخاء المعجمة: موضع من نجد، من أرض غطفان) .

قال ابن إسحاق: (فلقي جمعا منهم، فتقارب الناس، ودنا بعضهم من بعض، ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف) .

مع النّبيّ وعلى المعتمد ... جرت لواحد بلا تعدّد

قال الزرقانيّ: (وكان في صلاة العصر، كما رواه البيهقي عن جابر، ثمّ انصرف الناس، وكان ذلك أول ما صلاها) .

قال في «روض النّهاة» : (وممّا تخالف به غيرها من الحكم أنّه لا سهو فيها) اهـ

وكانت غيبته صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة، وبعث جعال بن سراقة بشيرا بسلامته وسلامة المسلمين.

غورث وما همّ به من قتل الرسول صلّى الله عليه وسلّم:

(وغورث) بن الحارث من بني محارب (جرى فيها) أي: في هذه الغزوة (له الذي) جرى (لدعثور) فهو يتعلق بقوله: (جرى) والدال فيه مضمومة، وفي البيت الإيطاء، ويتعلق به أيضا قوله:

(مع النّبيّ) صلى الله عليه وسلم، روى ابن إسحاق، وذكره اليعمري عنه: (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: أنّ رجلا من بني محارب يقال له: غورث، قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمّدا؟ قالوا: بلى، وكيف تقتله؟

قال: أفتك به، قال: فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس وسيفه في حجره، فقال: يا محمّد؛ أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: «نعم» فأخذه فاستله، ثمّ جعل يهزه ويهم، فيكبته الله تعالى. ثمّ قال: يا محمّد؛ أما تخافني؟

قال: «لا، وما أخاف منك؟» قال: أما تخافني وفي يدي السيف؟ قال: «لا، بل يمنعني الله منك» قال: ثمّ عمد إلى

سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّه عليه، فأنزل الله تبارك وتعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.

وقد رواه من حديث جابر أيضا أبو عوانة وفيه: (فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

«من يمنعك مني؟» قال: كن خير آخذ، قال: «تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّي رسول الله؟» قال الأعرابي: أعاهدك أنّي لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيله، فجاء إلى قومه فقال:

جئتكم من عند خير الناس) .

ثمّ قال الناظم تبعا لأصله.

(وعلى المعتمد جرت) هذه القصة (لواحد) اختلف الرواة في اسمه، فقال بعضهم: اسمه دعثور، وبعضهم:

غورث، وقوله: (بلا تعدّد) تأكيد، فإنّ اليعمريّ قال في «العيون» : (والظاهر: أنّ الخبرين واحد) وقال غيره من المحققين كابن كثير: الصواب: أنّهما قصتان في غزوتين:

قصة لرجل اسمه دعثور بغزوة ذي أمرّ وغطفان، وفيها التصريح بأنّه أسلم، ورجع إلى قومه، فاهتدى به خلق كثير.

وقصّة بذات الرقاع لرجل اسمه غورث، وليس في قصته تصريح بإسلامه.

وفي هذه القصة فرط شجاعته صلى الله عليه وسلم، وقوة يقينه، وقوة صبره على الأذى، وقوة حلمه على الجهال، عليه الصّلاة والسّلام من ذي الجلال.

قصة جابر وجمله مع الرسول صلّى الله عليه وسلّم:

فائدة:

في انصرافه صلى الله عليه وسلم من هذه الغزوة أبطأ جمل جابر بن عبد الله، فنخسه صلى الله عليه وسلم، فانطلق متقدما بين يدي الركاب، ثمّ قال: «أتبيعنيه؟» فابتاعه منه وقال:

«لك ظهره إلى المدينة» فلمّا وصل.. أعطى الثمن، وزاد، ووهب له الجمل، والحديث أصله في البخاريّ، قال الزرقانيّ: (في عشرين موضعا، لكن لم يقع فيه: أنّه في ذات الرقاع) .

قال ابن إسحاق: (وحدّثني وهب بن كيسان، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلمّا قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم.. قال:

جعلت الرفاق تمضي، وجعلت أتخلف، حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لك يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ أبطأ بي جملي هذا، قال:

«أنخه» قال: فأنخته، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثمّ قال: «أعطني هذه العصا من يدك، أو اقطع لي عصا من شجرة» قال: ففعلت، قال: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخسه بها نخسات، ثمّ قال: «اركب» فركبت، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة «1» ، قال: وتحدثت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي:

«أتبيعني جملك هذا يا جابر؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ بل أهبه لك، قال: «لا، ولكن بعنيه» قال: قلت: فسمنيه يا رسول الله، قال: «قد أخذته بدرهم» قال: قلت: لا، إذن تغبنني يا رسول الله، قال: «فبدرهمين» قال: قلت:

لا، قال: «فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمنه حتى بلغ الأوقية» قال: فقلت: أفقد رضيت يا رسول الله؟ قال: «نعم» قلت: فهو لك. قال: «قد أخذته» .

قال: ثمّ قال: «يا جابر؛ هل تزوجت بعد؟» قال:

قلت: نعم يا رسول الله، قال: «أثيّبا أم بكرا؟» قال:

قلت: لا، بل ثيّبا، قال: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك؟» قال: قلت: يا رسول الله؛ إنّ أبي أصيب يوم أحد، فترك بنات له سبعا، فنكحت امرأة جامعة، تجمع رؤوسهنّ،

__________

(1) المواهقة: أن تسير مثل سير صاحبك، قال في «النهاية» : (وفي حديث جابر: «فانطلق الجمل يواهق ناقته مواهقة» أي: يباريها في السير، ويماشيها، ومواهقة الإبل: مد أعناقها في السير) اهـ

وتقوم عليهنّ، قال: «أصبت إن شاء الله، أما إنّا لو قد جئنا صرارا «1» .. أمرنا بجزور، فنحرت، وأقمنا عليها يومنا ذاك، وسمعت بنا، فنفضت نمارقها» قال: قلت: والله يا رسول الله ما لنا من نمارق، قال: «إنّها ستكون، فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيّسا» .

قال: فلمّا جئنا صرارا.. أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجزور فنحرت، وأقمنا عيها ذلك اليوم، فلمّا أمسى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. دخل ودخلنا، قال:

فحدثت المرأة الحديث! وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فدونك سمعا، وطاعة، قال: فلمّا أصبحت.. أخذت برأس الجمل فأقبلت به.. حتى أنخته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثمّ جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الجمل فقال: «ما هذا؟» قالوا: يا رسول الله؛ هذا جمل جاء به جابر، قال: «فأين جابر؟» قال: فدعيت له، قال: فقال: «يا ابن أخي؛ خذ برأس جملك، فهو لك» ودعا بلالا، فقال له: «اذهب بجابر، فأعطه أوقية» قال: فذهبت معه فأعطاني أوقية، وزادني شيئا يسيرا، قال:

فوالله؛ ما زال ينمى عندي «2» ، ويرى مكانه من بيتنا، حتى

__________

(1) موضع على ثلاثة أميال من المدينة.

(2) من نمى المال زاد.

أصيب أمس فيما أصيب لنا، يعني يوم الحرة.

قال السهيلي: (ومن لطيف العلم في حديث جابر بعد أن يعلم قطعا: أنّه عليه الصّلاة والسّلام لم يفعل شيئا عبثا، بل لحكمة مؤيدة بالعصمة، اشتراء الجمل منه، ثمّ أعطاه الثمن، وزاده، ثمّ ردّ الجمل عليه، وكان يمكن أن يعطيه ذلك بلا مساومة، ولا اشتراء، ولا شرط توصيل، فالحكمة فيه بديعة جدا، فلتنظر بعين الاعتبار) .

وذلك: أنّه سأله: «هل تزوجت؟» ثمّ قال: «هلا بكرا» فذكر مقتل أبيه وما خلف من البنات، وقد كان عليه الصّلاة والسّلام أخبر جابرا بأنّ الله قد أحيا أباه، وردّ عليه روحه، وقال: ما تشتهي فأزيدك، فأكد صلى الله عليه وسلم هذا الخبر بمثل ما يشبهه:

فاشترى منه الجمل وهو مطيته كما اشترى الله من أبيه ومن الشهداء أنفسهم بثمن هو الجنة، ونفس الإنسان مطيته.

ثمّ زادهم زيادة فقال لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ.

ثمّ رد عليهم أنفسهم التي اشترى منهم فقال: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً.

فأشار صلى الله عليه وسلم باشتراء الجمل من جابر، وإعطائه الثمن وزيادته، ثمّ رد الجمل المشترى عليه، أشار بذلك كله إلى تأكيد الخبر الذي أخبر به عن فعل الله تعالى بأبيه، فتشاكل الفعل مع الخبر، كما تراه، وحاشا لأفعاله

ثمّ لميعاد ابن حرب بدر ... وكعّ عنها نجل حرب صخر

صلى الله عليه وسلم أن تخلو من حكمة، بل هي كلها ناظرة إلى القرآن، ومنتزعة منه صلى الله عليه وسلم) اهـ



كلمات دليلية: