غزوة خيبر _19687

غزوة خيبر


القضاء الأخير على يهود شبه الجزيرة

أفيرسل محمد رسله إلى هؤلاء الملوك وهو ما يزال يخشى غدر اليهود الذين لا يزالون مقيمين شمال المدينة؟ صحيح أنه قد عهد عهد الحديبية، فأمن قريشا وأمن الجنوب كله؛ لكنه لن يأمن من ناحية الشمال أن يستعين هرقل أو أن يستعين كسرى بيهود خيبر، وأن يحرّك في نفوسهم ثاراتهم القديمة، وأن يذّكّرهم إخوانهم في الدين من بني قريظة وبني النّضير وبني قينقاع، وقد أجلاهم محمد عن ديارهم بعد أن حصرهم بها وقاتلهم فيها وقتل منهم وسفك دماءهم. واليهود من قريش عداوة له؛ لأنهم أحرص منهم على دينهم، ولأن فيهم ذكاء وعلما أكثر مما في قريش. وليس من اليسير أن يوادعهم بصلح كصلح الحديبية، ولا أن يطمئن لهم وقد سبقت بينه وبينهم خصومات لم ينتصروا في إحداها. فما أجدرهم أن يثأروا لأنفسهم إذا هم وجدوا من ناحية هرقل مددا. لابد إذا من القضاء على شوكة هؤلاء اليهود قضاء أخيرا حتى لا يكون لديهم من الوقت متسع للاستعانة بغطفان أو بغيرها من القبائل المعادية لمحمد والموالية لها.

,

السير لغزوة خيبر

وكذلك فعل؛ فإنه لم يقم بالمدينة بعد عوده من الحديبية إلا خمس عشرة ليلة على قول، وشهرا على قول آخر، ثم أمر الناس بالتجهيز لغزو خيبر على ألا يغزو معه إلا من شهد الحديبية، إلا أن يكون غازيا متطوعا ليس له من الغنيمة شيء. وانطلق المسلمون في ألف وستمائة ومعهم مائة فارس، وكلهم واثق بنصر الله،

ذاكر قوله تعالى في سورة الفتح التي نزلت في عهد الحديبية: (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) «1» .

وقطعوا مراحل الطريق ما بين خيبر والمدينة في ثلاثة أيام لم تكد خيبر تحسهم أثناءها، حتى لقد باتوا أمام حصونها. وأصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ومعهم مساحيهم ومكاتلهم؛ فلما رأوا جيش المسلمين ولّوا الأدبار يتصايحون: هذا محمد والجيش معه! وقال الرسول حين سمع قولهم: «خربت خيبر! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين» .

,

تفكير اليهود

على أن يهود خيبر كانوا يتوقعون أن يغزوهم محمد، وكانوا يودون أن يجدوا الوسيلة إلى الخلاص منه.

أما بعضهم فنصح لهم يبادروا إلى تأليف كتلة منهم ومن يهود وادي القرى وتيماء تغزو يثرب، دون اعتماد على البطون العربية في الغزو، وأما آخرون غيرهم فكانوا يرون أن يدخلوا في حلف مع الرسول، لعل ذلك يمحو ما ثبت من كراهيتهم في نفوس المسلمين والأنصار منهم خاصّة، بعد اشتراك حييّ بن أخطب وجماعة من اليهود معه في تأليب العرب لاقتحام المدينة وأخذها عنوة في غزوة الخندق. لكن النفوس من الجانبين كانت ملأى، حتى لقد سبق المسلمون قبل غزوة خيبر بقتل كلّ من سلّام بن أبي الحقيق واليسير بن رزّام من زعماء خيبر.

لذلك كانت اليهود على اتصال دائم بغطفان، ولذلك استعانوا بهم أول ما ترامى إليهم خبر اعتزام محمد غزوهم. ويختلف الرواة فيما كان من غطفان: أأعانتهم، أم حالت جيوش المسلمين بينها وبين خيبر.

,

ضخامة القوتين المتقاتلتين

وسواء اكانت غطفان قد أعانت اليهود أم كانت قد وقفت بمعزل بعد أن وعدها محمد حظّا من الغنائم، فقد كانت هذه الموقعة من أكبر المواقع، أن كانت جموع اليهود في خيبر من أقوى الطوائف الإسرائيلية بأسا، وأوفرها مالا وأكثرها سلاحا، وأن كان المسلمون مؤمنين بأنه ما بقيت لليهود شوكة في شبه الجزيرة فستظل المنافسة بين دين موسى والدين الجديد حائلا دون تمام الغلب لهم، لذلك ذهبوا مستقتلين لا يعرف التردّد إلى نفوسهم سبيلا. ووقفت قريش ووقفت شبه جزيرة العرب كلها متطلّعة إلى هذه الغزوة؛ حتى لقد كان من قريش من يتراهنون على نتائجها ولمن يتم الغلب فيها. وكان كثيرون من قريش يتوقعون أن تدور الدائرة على المسلمين، لما عرف من قوة حصون خيبر وقيامها فوق الصخور والجبال، ولطول ممارسة أهلها للحرب والقتال.

,

حصار حصون خيبر

وقف المسلمون أمام حصون خيبر متأهبين كاملي العدة. وتشاور اليهود فيما بينهم، فأشار عليهم زعيمهم سلّام بن مشكم، فأدخلوا أموالهم وعيالهم حصنى الوطيح والسّلالم، وأدخلوا دخائرهم حصن ناعم، ودخلت المقاتلة وأهل الحرب حصن نطاة، ودخل سلّام بن مشكم معهم يحرضهم على الحرب. والتقى الجمعان حول حصن نطاة واقتتلوا قتالا شديدا، حتى قيل: إن عدد الجرحى من المسلمين في هذا اليوم بلغ خمسين. فكم كان إذا عدد الجرحى من اليهود! وتوفي سلام بن مشكم، فتولى الحارث بن أبي زينب قيادة

__________

(1) سورة الفتح آية 15.

اليهود، وخرج من حصن تاعم يريد منازلة المسلمين؛ فدحره بنو الخزرج واضطروه أن يرتد إلى الحصن على أعقابه. وضيق المسلمون الحصار على حصون خيبر واليهود يستميتون في الدفاع إيمانا منهم بأن هزيمتهم أمام محمد هي القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب. وتتابعت الأيام فبعث الرسول أبا بكر إلى حصن ناعم كي يفتحه، فقاتل ورجع دون أن يفتح الحصن. وبعث الرسول عمر بن الخطاب في الغداة، فكان حظه كحظ أبي بكر. فدعا الرسول إليه عليّ بن أبي طالب، ثم قال له: خذ هذه الراية فامض بها حتى يفتح الله عليك. ومضى عليّ بالراية، فلما دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود فطرح ترسه من يده، فتناول عليّ بابا كان عند الحصن فتترّس به فلم يزل في يده وهو يقاتل حتى فتح الحصن ثم جعل الباب قنطرة اجتاز المسلمون عليها إلى داخل أبنية هذا الحصن. وإنما سقط حصن ناعم بعد أن قتل قائده الحارث بن أبي زينب، مما يدل على استماتة اليهود في القتال واستماتة المسلمين في الحصار وفي الهجوم.

وبعد حصن ناعم فتح المسلمون القموص بعد قتال شديد، وبعد أن قلّت المؤونة عندهم قلّة توجه بسببها جماعة منهم يشكون إلى محمد أمرهم، ويطلبون إليه ما يسدون به رمقهم؛ فلم يجد شيئا يعطيهم إيّاه، وأذن لهم في أكل لحوم الخيل. وقد رأى أحد المسلمين قطيعا من الغنم يدخل إلى أحد حصون اليهود، فاختطف منه شاتين فذبحوهما وأكلوها. على أنه بعد أن تم لهم فتح حصن الصّعب بن معاذ قلّت حاجتهم، أن وجدوا فيه طعاما كثيرا مكن لهم من متابعة قتال اليهود وحصارهم في سائر حصونهم. واليهود أثناء ذلك كله لا يسلّمون في شبر أرض ولا يسلمون حصنا إلا بعد أن يدافعوا عنه دفاع الأبطال، وبعد ألّا يبقى لهم على صد هجوم المسلمين قوة. خرج مرحب اليهودي من أحد الحصون وقد جمع للحرب سلاحه وأكمل عدته وهو يرتجز:

قد علمت خيبر أني مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب

أطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الليوث أقبلت تحرّب «1»

إن حماي للحمى لا يقرب ... يحجم عن صولتي المجرب

فصاح محمد بأصحابه: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له يا رسول الله. أنا والله الموتور الثاثر! قتل أخي بالأمس. وقام إليه بإذن النبي وتصاولا حتى كاد مرحب يقتله، لكن ابن مسلمة اتقى سيفه بالدّرقة فوقع السيف فيها فعضّت به فأمسكته، وضربه محمد بن مسلمة حتى قتله «1» . وكذلك كانت هذه الحرب بين اليهود والمسلمين ضروسا قاسية، وكانت منعة حصون اليهود تزيدها شدة وقسوة.

,

مبدأ يأس اليهود

حاصر المسلمون حصن الزبير وطال حصارهم إياه وقاتلوا قتالا شديدا، ومع ذلك لم يستطيعوا فتحه حتى قطعوا الماء عنه واضطروا اليهود فيه إلى الخروج منه وإلى قتال المسلمين قتالا انتهى بالأولين إلى أن يلوذوا بالفرار. وكذلك جعلت الحصون تقع واحدا بعد الآخر في أيدي المسلمين، حتى انتهوا إلى الوطيح والسلالم بمنطقة الكتيبة وكانا آخر حصنين منيعين لهم. هنالك استولى على نفوسهم اليأس، فطلبوا الصلح بعد أن حاز النبي أموالهم كلها بالشّقّ ونطاة والكتيبة، على أن يحقن دماءهم. وقبل محمد وأبقاهم على أرضهم التي آلت له بحكم الفتح، على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم.

__________

(1) تحرب: تغضب. يقال: حربه إذا أغضبه.

,

صلح خيبر وانهيار سلطانها السياسي

عامل محمد يهود خيبر بغير ما عامل به بني قينقاع وبني النّضير حين أجلاهم عن أرضهم، لأنه أمن بسقوط خيبر بأس اليهود، وآمن بأنهم لن تقوم لهم بعد ذلك قائمة أبدا. ثم إن ما كان بخيبر من الحدائق والمزارع والنخيل كان يحتاج إلى الأيدي العاملة الكثيرة لاستغلاله وحسن القيام على زراعته. ولئن كان أنصار المدينة أهل زراعة، لقد كانت أرضهم بها في حاجة إلى أذرعهم كما أن النبي كان في حاجة إلى جيوشه للحرب، فهو لا يرضى أن يتركها للزرع. وكذلك ظلّ يهود خيبر يعملون بعد أن انهار سلطانهم السياسي انهيارا جنى على نشاطهم؛ حتى لقد أسرعت خيبر من ناحية الزراعة نفسها إلى البوار والخراب، مع ما كان من حسن معاملة النبي أهلها، ومن عدل عبد الله بن رواحة رسوله إليهم كل عام بينهم في القسمة. وكان من إحسان النبي معاملة يهود خيبر أنه كان من بين ما غنم المسلمون حين غزوها عدّة صحائف من التوراة، فطلب اليهود ردها فأمر النبيّ بتسليمها لهم، ولم يصنع صنيع الرومان حين فتحوا أوريشلم وأحرقوا الكتب المقدسة وداسوها بأرجلهم، ولا هو صنع صنيع النصارى في حروب اضطهاد اليهود في الأندلس حين أحرقوا كذلك صحف التوراة.

ولمّا طلب يهود خيبر الصلح، أثناء محاصرة المسلمين إيّاهم في حصني الوطيح والسّلالم، بعث النبيّ إلى أهل فدك ليسلّموا برسالته أو يسلّموا أموالهم. ووقع في نفوس أهل فدك الرعب بعد الذي علموا من أمر خيبر، فتصالحوا على نصف أموالهم من غير قتال. فكانت خيبر للمسلمين لأنهم قاتلوا لاستخلاصها، وكانت فدك خالصة لمحمد لأن المسلمين لم يجلبوا عليها بخيل ولا ركاب.

,

إذعان وادي القرى

وتجهز الرسول بعد ذلك كله للعود إلى المدينة عن طريق وادي القرى؛ فتجهّز يهودها لقتال المسلمين، وقاتلوا. لكنهم اضطرّوا إلى الإذعان والصلح كما صنعت خيبر. أمّا يهود تيماء فقبلوا الجزية من غير حرب ولا قتال. وبذلك دانت اليهود كلها لسلطان النبيّ، وانتهى كل ما كان لهم من سلطان في شبه الجزيرة، وأصبح محمد بمأمن من ناحية الشمال إلى الشام، كما صار من قبل ذلك بمأمن من ناحية الجنوب بعد صلح الحديبية.

وبانهيار سلطان اليهود خفّت بغضاء المسلمين، والأنصار منهم خاصة، لهم، وتغاضوا عن رجوع بعضهم إلى يثرب، ووقف النبيّ مع اليهود الذين بكوا عبد الله بن أبيّ وعزّى ابنه، وأوصى معاذ بن جبل بألا يفتن اليهود عن يهوديتهم؛ ولم يفرض الجزية على يهود البحرين وإن ظلوا متمسكين بدين آبائهم؛ وصالح بني غازية وبني عريض على أن لهم الذمّة وعليهم الجزية. وعلى الجملة دان اليهود لسلطان المسلمين، وتضعضع في بلاد العرب مركزهم حتى اضطروا إلى مهاجرة تلك البلاد وكانوا من قبل بها أعزّة، وحتى تمّ جلاؤهم في حياة الرسول على قول، وبعد وفاته على قول آخر.

على أن إذعان أهل خيبر وسائر اليهود لمصيرهم في شبه الجزيرة، لم يقع مرّة واحدة بعد هزيمتهم، بل لقد كانت نفوسهم في أثر الهزيمة ملأى بالغلّ والغضب أخبث الغضب. أهدت زينب الحارث امرأة سلام بن مشكم إلى محمد شاة- بعد أن اطمأن وبعد أن وقع الصلح بينه وبين أهل خيبر- فجلس وأصحابه حولها لياكلوها، وتناول عليه السلام فلاك منها مضغة فلم يسغها، وكان بشر بن البراء معه تناول منها مثل ما تناول.

فأمّا بشر فأساغها وازدردها. وأما الرسول فلفظها وهو يقول: إن العظم ليخبرني أنه مسموم. ثم دعا بزينب فاعترفت وقالت: لقد بلغت من قومي ما لم يخف عليك فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر. ومات بشر من أكلته هذه.

وقد اختلف الرواة، فذكر أكثرهم أن النبي عفا عن زينب وقدّر لها عذرها بعد الذي أصاب أباها وزوجها. وذكر بعضهم أنها قتلت في بشر الذي مات مسموما.

زواج محمد صفية ابنة حيىّ بن أخطب

وقد تركت فعلة زينب في نفوس المسلمين أعمق الأثر، وجعلتهم في أعقاب خيبر لا يثقون باليهود، بل يخشون غدرهم أفرادا بعد أن قضى على جماعتهم القضاء الأخير. كانت صفيّة ابنة حيىّ بن أخطب النّضيرية من بين السبايا اللائي أخذ المسلمون من حصون خيبر، وكانت زوجا لكنانة بن الربيع، وكان عند كنانة مما يعرف المسلمون كنز بني النضير. فسأله النبيّ فأقسم لا يعرف مكانه. فقال له محمد: إن وجدناه عندك أأقتلك؟

قال نعم. وكان أحدهم قد رأى كنانة يطوف بخربة وذكر أمره للنبي، فأمر بالخربة فحفرت فأخرج منها بعض الكنز، فقتل في إنكاره. فلما خلصت صفيّة إلى المسلمين وصارت بين الأسرى، قيل للنبيّ: «صفية سيّدة بني قريظة والنّضير لا تصلح إلا لك» فأعتقها وتزوجها مقتفيا بذلك أثر الفاتحين العظماء الذين كانوا يتزوجون من بنات عظاماء الممالك التي يفتحونها ليخففوا من مصابهم ويحافظوا من كرامتهم. وقد خشي أبو أيوب خالد الأنصاري أن تتحرك في نفسها الضغينة على الرسول الذي قتل أباها وزوجها وقومها؛ لذلك بات حول الخيمة التي أعرس فيها محمد بصفيّة في طريق عودته من خيبر متوشحا سيفه. فلما أصبح الرسول ورآه سأله: ما لك؟

قال: خفت عليك من هذه المرأة وقد قتلت أباها وزوجها وقومها وقد كانت حديثة عهد بكفر. على أن صفيّة أقامت على الوفاء لمحمد حتى قبضه الله إليه. وقد اجتمع نساؤه حوله في مرضه الأخير؛ فقالت صفيّة: أما والله نبيّ الله لوددت أن الذي بك بي. فتغامز بها أزواج النبي. فقال لهن: مضمضن. قلن: من أيّ شيء يا نبيّ الله؟ قال: من تغامزكن بصاحبتكن، والله إنها لصادقة. وبقيت صفية بعد النبيّ حتى خلافة معاوية، وفيها توفيت ودفنت بالبقيع.



كلمات دليلية: