غزوة حنين 8 هـ_3606

غزوة حنين : 8 هـ


الباب الثامن والعشرون في غزوة حنين

[وتسمى أيضا غزوة هوازن، لأنهم الّذين أتوا لقتال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال محمد بن عمر الأسلمي: حدثني ابن أبي الزناد عن أبيه: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع وتسير رؤساؤهم في العرب تجمعهم-] انتهى.

قال أئمة المغازي: لما فتح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة مشت أشراف هوازن، وثقيف بعضها إلى بعض، وأشفقوا أن يغزوهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، والرأي أن نغزوه، فحشدوا وبغوا وقالوا: والله إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال فأجمعوا أمركم، فسيروا في النّاس وسيروا إليه قبل أن يسير إليكم، فأجمعت هوازن أمرها، وجمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النّصريّ بالصاد المهملة- وأسلم بعد ذلك، وهو- يوم حنين- ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ونصر وجشم كلها، وسعد بن بكر، وناس من بني هلال، وهم قليل. قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، ولم يشهدها من قيس عيلان- أي بالعين المهملة- إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور وقال: والله لو ناوأوا محمّدا من بين المشرق والمغرب لظهر عليهم.

وكان في جشم دريد بن الصّمّة وهو يومئذ ابن ستين ومائة. ويقال عشرين ومائة سنة، وهو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شيء إلّا التّيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجرّبا قد ذكر بالشّجاعة والفروسيّة وله عشرون سنة، فلمّا عزمت هوازن على حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سألت دريدا الرياسة عليها فقال: وما ذاك وقد عمي بصري وما استمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لأن أشير عليكم برأيي على أن لا أخالف، فإن كنتم تظنون أني أخالف أقمت ولم أخرج قالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك بن عوف، وكان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه.

فقال له دريد: يا مالك إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب، وخافته العجم ومن بالشام، وأجلى يهود الحجاز، إمّا قتلا وإما خروجا على ذلّ وصغار، ويومك هذا الّذي تلقى فيه محمدا له ما بعده.

قال مالك: إني لأطمع أن ترى غدا ما يسرك.

قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت النّاس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوى عنه أن يسير بالظعن والأموال مع الناس.

فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أمر النّاس فخرجوا معهم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، وجعلت الأمداد تأتي من كلّ جهة، وأقبل دريد بن الصّمّة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده وقال: بأيّ واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس.

مالي أسمع بكاء الصّغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، وبعار الشّاء وخوار البقر؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني فقد خالفني فأنا أرجع إلى أهلي وتارك ما هنا. قيل: أفتلقى مالكا فتكلمه؟ فدعي له مالك، فقال: يا مالك إنك قد أصبحت رئيس قومك وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. مالي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وبعار الشاء وخوار البقر؟! قال: قد سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم، فأنقض به دريد وقال: راعي ضأن والله، ماله وللحرب. وصفّق دريد بإحدى يديه على الأخرى تعجّبا وقال: هل يردّ المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلّا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فارفع الأموال والنّساء والذّراري إلى عليا قومهم، وممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل والرجال بين أصفاف الخيل أو متقدمة دريّة أمام الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك الفاك ذلك، وقد أحرزت أهلك ومالك. فقال مالك بن عوف: والله لا أفعل ولا أغيّر أمرا صنعته، إنّك قد كبرت وكبر علمك، أو قال عقلك. وجعل يضحك مما يشير به دريد، فغضب دريد وقال: هذا أيضا يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، إنّ هذا فاضحكم في عورتكم، وممكّن منكم عدوّكم ولا حق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه، فسلّ مالك سيفه ثمّ نكّسه، ثم قال: يا معشر هوازن!! والله لتطيعنني أو لأتّكئنّ على هذا السّيف حتى يخرج من ظهري- وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي- فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا: والله- لئن عصينا مالكا ليقتلنّ نفسه وهو شابّ، ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه، فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه قال:

يا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع

أقود وطفاء الزّمع ... كأنّها شاة صدع

قال ابن هشام: أنشدني غير واحد من أهل العلم:

ثم قال دريد: ليتني فيها جذع يا معشر هوازن ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: ما

شهدها منهم أحد. قال: غاب الحدّ والجدّ، لو كان يوم علاء ورفعة، وفي لفظ: لو كان ذكرا وشرفا ما تخلّفوا عنه، يا معشر هوازن ارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء، فأبوا عليه، قال: فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر، قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان ولا يضرّان، قال مالك لدريد: هل من رأي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم؟ قال دريد: نعم تجعل كمينا، يكونون لك عونا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كمينا في الشعاب وبطون الأودية، فحملوا الحملة الأولى التي انهزم فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال دريد- من مقدّمة أصحاب محمد؟ قالوا: بني سليم، قال: هذه عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحى من سنن خيلهم، فنحيّ، بعيره مولّيا من حيث جاء.

ذكر استعماله- صلّى الله عليه وسلم- عتاب بن أسيد أميرا على مكة ومعاذ بن جبل- رضي الله عنهما- معلما لأهلها

قالوا: لما بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- خبر هوازن وما عزموا عليه أراد التّوجّه لقتالهم، واستخلف عتاب بن أسيد أميرا على أهل مكة، ومعاذ بن جبل يعلمهم السّنن والفقه، وكان عمر عتّاب إذ ذاك قريباً من عشرين سنة.

ذكر استعارته- صلى الله عليه وسلّم- أدرعا من صفوان بن أمية

روى ابن إسحاق من رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- وعن عمرو بن شعيب وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم والزهري: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لما أجمع السّير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدرعا وسلاحا، فأرسل إليه- وهو يومئذ مشرك- فقال: [يا أبا أميّة أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدوّنا] فقال صفوان:

أغصبا يا محمد؟ قال: «لا بل عارية مضمونة حتّى نردّها إليك» قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس. ورواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن أمية بن صفوان،

وسيأتي في أبواب معاملاته- صلى الله عليه وسلّم- ويقال أنه- صلى الله عليه وسلّم- استعار منه أربعمّائة درع بما يصلحها.

قال السّهيلي: واستعار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة حنين من نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال- صلى الله عليه وسلّم- كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين.

ذكر إرساله- صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أبي حدرد ليكشف خبر القوم

روى ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير عن جابر بن عبد الله- رضي الله تعالى عنهما- وعمرو بن شعيب، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم- رحمهم الله تعالى- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا سمع بخبر هوازن بعث عبد الله بن أبي حدرد- رضي الله عنه- فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، وقال: «اعلم لنا علمهم» فأتاهم فدخل فيهم فأقام فيهم يوما وليلة أو يومين، حتّى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسمع من مالك، وأمر هوازن وما هم عليه.

وعند محمد بن عمر أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف فيجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فيظهر عليهم، فإذا كان السّحر فصفّوا مواشيكم ونساءكم من ورائكم، ثم صفّوا، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أنّ الغلبة لمن حمل أولا. انتهى.

ثم أقبل حتى أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأخبره الخبر،

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لعمر بن الخطاب «ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد» ؟ فقال: عمر: كذب، فقال ابن أبي حدرد: والله لئن كذبتني يا عمر لربّما كذبت بالحقّ. فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد «كنت ضالّا فهداك الله» .

ذكر خروج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للقاء هوازن

روى البخاري عن أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم قال حين أراد حنينا «منزلنا غدا- إن شاء الله تعالى بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وفي رواية قال: منزلنا إن شاء الله تعالى إذا فتح الله الخيف حيث تقاسموا على الكفر»

[ (1) ] .

قال جماعة من أئمة المغازي: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من المدينة وألفين من أهل مكة.

وروى أبو الشيخ عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير اللّيثي- رحمه الله تعالى- قال: كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربعة آلاف من الأنصار، وألف من جهينة وألف من مزينة.

وألف من أسلم. وألف من غفار، وألف من أشجع، وألف من المهاجرين وغيرهم، فكان معه

__________

[ (1) ] تقدم.

عشرة آلاف، وخرج باثني عشر ألفا، وعلى قول عروة والزهري وابن عقبة يكون جميع الجيش الذين سار بهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أربعة عشر ألفا، لأنهم قالوا: إنه قدم مكّة باثني عشر ألفا، وأضيف إليهم ألفان من الطّلقاء.

قال محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- غدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم السبت لستّ خلون من شوّال.

وقال ابن إسحاق لخمس، وبه قال عروة، واختاره ابن جرير، وروي عن ابن مسعود قال ابن عقبة، ومحمد بن عمر- رحمهم الله تعالى- ثم بعد فتح مكّة خرج رسول- صلى الله عليه وسلّم- لحنين وكان أهل حنين وفي رواية أهل مكة يظنون حين دنا منهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنّه مبادر بهوازن، وصنع الله لرسوله أحسن من ذلك، فتح له مكة وأقرّ بها عينه وكبت بها عدوّه، فلما خرج إلى حنين خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا- ركبانا ومشاة حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظّارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصّدمة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم.

وكان معه أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، وجعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف أو متاع من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- نادى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: أن أعطنيه أحمله حتى أوقر بعيره.

قال محمد بن عمر: وخرج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزوجتاه أم سلمة وميمونة فضربت لهما قبة.

,

ذكر الآية التي حصلت لجواسيس المشركين في هذه الغزوة

روى أبو نعيم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدّثني أمية بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان أنه حدّث إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأصحابه، وأمرهم أن يتفرّقوا في العسكر فرجعوا إليه وقد تفرّقت أوصالهم، فقال:

ويلكم ما شأنكم، فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، والله ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلّا أهل السماوات وإن اطعتنا رجعت بقومك، فإنّ الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا. فقال: أفّ لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلّوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل، فخرج ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو الله ما تماسكت أن أصابني ما ترى، فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه [ (2) ] ، وروى محمد بن عمر نحوه عن شيوخه.

,

ذكر إعجاب المسلمين كثرتهم يوم حنين

روى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين:

لن نغلب من قلّة، فشق ذلك على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكانت الهزيمة.

وروى ابن المنذر عن الحسن قال: لمّا اجتمع أهل مكّة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ما قالوا مما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد على أحد.

وروى أبو الشيخ والحاكم- وصححه- وابن مردويه والبزار عن أنس- رضي الله عنه- قال: لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم فقال القوم: اليوم والله نقاتل، ولفظ البزّار، فقال غلام من الأنصار يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، لما هو إلا أن لقينا عدوّنا فانهزم القوم، وولّوا مدبرين [ (1) ] .

وروى محمد بن عمر عن ابن شهاب الزهري، قال رجل من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة.

قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل مكة: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله تعالى: «لن نغلب اليوم من قلّة» ،

كذا في هذه الرواية [ (2) ] .

والصّحيح أن قائل ذلك غير النبي- صلى الله عليه وسلم- كما سبق.

قال ابن إسحاق: وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قالها.

وروى محمد بن عمر عن سعيد بن المسيب- رحمه الله تعالى- أن أبا بكر- رضي الله عنه- قال: يا رسول الله لن نغلب اليوم من قلة كذا في هذه الرّواية، وبذلك جزم ابن عبد البر.

قال ابن عقبة: ولمّا أصبح القوم ونظر بعضهم إلى بعض، أشرف أبو سفيان، وابنه معاوية، وصفوان ابن أمية، وحكيم بن حزام على تلّ ينظرون لمن تكون الدائرة.

__________

[ (1) ] ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 181 باب غزوة حنين.

[ (2) ] المغازي للواقدي 3/ 896.

ذكر كيفية الوقعة وما كان من أول الأمر من فرار أكثر المسلمين عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ثم كانت العاقبة للمتقين، وما وقع في ذلك من الآيات

قال ابن سعد: أشهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال.

روى ابن إسحاق، والإمام أحمد وابن حبان عن جابر بن عبد الله، والإمام أحمد من طريقين، وأبو يعلى. ومحمد بن عمر عن أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنهما- لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف خطوط له مضايق وشعاب، وإنما ننحدر فيه انحدارا، وفي عماية الصّبح، وقد كان القوم سبقونا إلى الوادي فمكثوا في شعابه وأجنابه ومضايقه وتهيّئوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطّون إلّا الكتائب قد شدّوا علينا شدّة رجل واحد، وكانوا رماة.

قال أنس- رضي الله عنه- استقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط، من كثرة السّواد، قد ساقوا نساءهم وأبناءهم وأموالهم ثم صفّوا صفوفا، فجعلوا النّساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإبل والبقر والغنم، فجعلوها وراء ذلك لئلا يفرّوا بزعمهم فلما رأينا ذلك السّواد حسبناه رجالا كلهم، فلمّا انحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غبش الصّبح إن شعرنا إلّا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة رجل واحد، فانكشفت أوائل الخيل- خيل بني سليم- مولّيه وتبعهم أهل مكة وتبعهم النّاس منهزمين ما يلوون على شيء وارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفّه [ (1) ] .

وقال جابر: وانحاز رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ذات اليمين، ثم قال: «أيها الناس هلم إلى أيها الناس، هلم إليّ أنا رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أنا محمد بن عبد الله»

[ (2) ] .

قال: فلا شيء وحملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق النّاس.

وذكر كثير من أهل المغازي: أن المسلمين لما نزلوا وادي حنين تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب، وغالبهم من شبّان أهل مكة، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة، فحملوا حملة رجل واحد والمسلمون غارون، فرّ من فرّ، وبلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد.

وفي الصحيح عن البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: عجل سرعان القوم- وفي

__________

[ (1) ] انظر مجمع الزوائد 6/ 181.

[ (2) ] انظر المجمع 6/ 182- 183.

لفظة: شبان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فإنّا لمّا حملنا على المشركين انكشفوا، فاقبل الناس على الغنائم، وكانت هوازن رماة فاستقبلتنا بالسهام كأنما رجل جراد، لا يكاد يسقط لهم سهم [ (1) ] انتهى.

قال: وكان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء على رمح طويل أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإن فاته النّاس، رفع رمحه لمن وراءه فاتّبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، ورجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاريّ على الرّجل فضربه ضربة أطنّ قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة النّاس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى مكتّفين عند رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: لما انهزم النّاس ورأى من كان مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلّم منهم رجال بما في أنفسهم من الضّغن. قال أبو سفيان بن حرب وكان إسلامه- بعد- مدخولا: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإنّ الأزلام لمعه في كنانته، وصرخ جبلة بن الحنبل- وقال ابن هشام: كلدة بن الحنبل- وأسلم بعد ذلك، وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية، وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إلا بطل السّحر اليوم!! فقال له صفوان: اسكت فضّ الله فاك! والله أن يربّني رجل من قريش أحب إلي من أن يربّني رجل من هوازن.

وروى محمد بن عمر عن أبي بشير- ككريم- المازني- رضي الله عنهم- قال: لما كان يوم حنين صلّينا الصّبح، ثمّ رجعنا على تعبئة من رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما شعرنا- وقد كاد حاجب الشّمس أن يطلع، وقد طلع- إلا بمقدمتنا قد كرّت علينا، قد انهزموا، فاختلطت صفوفنا، وانهزمنا مع المقدّمة، وأكر، وأنا يومئذ غلام شابّ، وقد علمت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- متقدّم فجعلت أقول: يا للأنصار، بأبي وأمّي، عن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- تولّون؟ وأكرّ في وجوه المنهزمين، ليس لي همّة إلّا النظر إلى سلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى صرت إلى رسول لله- صلى الله عليه وسلّم- وهو يصيح: «يا للأنصار» فدنوت من دابّته، والتفتّ من ورائها، وإذا الأنصار قد كرّوا كرّة رجل واحد ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- واقف على دابّته في وجوه العدوّ، ومضت الأنصار أمام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقاتلون، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- سائر معهم يفرّجون العدوّ عنه، حتّى طردناهم فرسخا، وتفرّقوا في الشّعاب، حتّى فلّوا من بين أيدينا، فرجع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى منزله وقبته، وقد ضربت له- والأسرى مكتّفون حوله، وإذا نفر حول قبّته، وفي قبته زوجاته أم

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 622 (4317) .

سلمة وميمونة، حولها النّفر الّذين يحرسون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهم عباد بن بشر، وأبو نائلة، ومحمد بن مسلمة.

قال ابن عقبة: ومرّ رجل من قريش بصفوان بن أميّة فقال: أبشر بهزيمة محمّد وأصحابه، فو الله لا يجبرونها أبدا. فقال صفوان: أتبشّرني بظهور الأعراب» فو الله لربّ من قريش أحب إلي من ربّ من الأعراب، وغضب صفوان لذلك، وبعث صفوان غلاما له فقال: اسمع لمن الشّعار فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن يا بني عبيد الله، يا بني عبد الله، فقال:

ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب [ (1) ] .

وروى محمد بن عمر عن أبي قتادة- رضي الله عنه- قال: مضى سرعان النّاس من المنهزمين، حتى دخلوا مكّة، ساروا يوما وليلة- يخبرون أهل مكّة بهزيمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعتّاب بن أسيد بوزن أمير، على مكّة ومعه معاذ بن جبل، فجاءهم أمر غمّهم، وسر بذلك قوم من أهل مكة وأظهروا الشّماتة، وقال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمد وتفرّق أصحابه، فتكلم عتاب بن أسيد يومئذ فقال: إن قتل محمد، فإن دين الله قائم- والّذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا من ذلك اليوم حتّى جاء الخبر إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أوقع بهوازن، فسرّ عتاب بن أسيد، ومعاذ بن جبل، وكبت الله- تعالى- من هناك ممّن كان يسرّه خلاف ذلك.

فرجع المنهزمون إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فلحقوه بأوطاس وقد رحل منها إلى الطائف [ (2) ] .

ذكر ارادة شيبة بن عثمان- قبل أن يسلم- الفتك برسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رآه في نفر قليل، وما وقع في ذلك من الآيات

روى ابن سعد وابن عساكر عن عبد الملك بن عبيد، وأبو القاسم البغوي، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عكرمة- رحمهم الله تعالى- قالا: قال شيبة: لما كان عام الفتح دخل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مكة عنوة، وغزا حنينا، قلت أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة، وتذكّرت أبي وقتله حمزة، وعمي وقتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، وأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول:

لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا، فكنت مرصدا لما خرجت له، لا

__________

[ (1) ] المغازي للواقدي 3/ 910.

[ (2) ] انظر المصدر السابق.

يزداد الأمر في نفسي إلا قوة، فلما اختلط الناس، اقتحم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن بغلته، وأصلتّ السّيف، ودنوت منه، أريد ما أريد- وفي رواية فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه فإذا العبّاس قائم عليه درع بيضاء، فقلت: عمّه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوّره سورة بالسّيف إذ رفع إليّ فيما بيني وبينه شواظ من نار كأنّه برق. فخفت أن يتمحشني فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه» ، ومشيت القهقري، وعلمت أنّه ممنوع. فالتفت إلي وقال: «يا شيب أدن مني» فدنوت منه، فوضع يده على صدري وقال: «اللهم أذهب عنه الشيطان» . فرفعت إليه رأسي وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي، ثم قال: «يا شيبة قاتل الكفّار» قال: فتقدّمت بين يديه أحبّ- والله- أن أقيه بنفسي كل شيء، فلما انهزمت هوازن رجع إلى منزله ودخلت عليه فقال: «الحمد لله الّذي أراد بك خيرا مما أردت» [ (1) ] ثم حدثني بما هممت به- صلى الله عليه وسلم.

ذكر ارادة النضير بن الحارث الفتك برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما وقع في ذلك من الآيات

قال محمد بن عمر: حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري عن أبيه قال: كان النضير من أحلم قريش. وكان يقول: الحمد لله الذي أكرمنا بالإسلام ومنّ علينا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- ولم نمت على ما مات عليه الآباء، فذكر حديثا طويلا، ثم قال: خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم- بعد- أبو سفيان بن حرب، وصفوان بن أميّة، وسهيل بن عمرو، ونحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير، فلما تراءت الفئتان ونحن في حيز المشركين حملت هوازن حملة واحدة، ظننّا أنّ المسلمين لا يجبرونها أبدا، ونحن معهم وأنا أريد بمحمد ما أريد. وعمدت له فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء حولها رجال بيض الوجوه، فأقبلت عامدا إليه، فصاحوا بي: إليك، فأرعب فؤادي وأرعدت جوارحي. قلت: هذا مثل يوم بدر، إن الرجل لعلى حقّ، وإنه لمعصوم، وأدخل الله تعالى في قلبي الإسلام وغيّره عما كنت أهم به، فما كان حلب ناقة حتى كرّ أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كرّة صادقة، وتنادت الأنصار بينها: الكرة بعد الفرّة: يا للخزرج، يا للخزرج، فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، وتشتت أمرنا، وهمّة كلّ رجل نفسه فتنحيت في غبّرات الناس حتى هبطتّ بعض أودية أوطاس فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إلى أحد إلّا أن يدلّه الله- تعالى- علي، فمكثت فيه أيّاما وما يفارقني الرّعب مما رأيت، ومضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الطّائف، فأقام ما أقام، ثم رجع إلى الجعرّانة، فقلت: لو صرت إلى الجعرانة، فقاربت رسول

__________

[ (1) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 6/ 188، والمغازي للواقدي 3/ 910.

الله- صلى الله عليه وسلّم- ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فما بقي فقد رأيت عبرا، وقد ضرب الإسلام بجرانه، ولم يبق أحد، ودانت العرب والعجم لمحمد- صلى الله عليه وسلّم- فعزّ محمّد لنا عزّ، وشرفه لنا شرف، فو الله إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلقاني بالجعرانة كنّة لكنّة فقال: «النضير؟» قلت: «لبّيك، فقال: «هذا خير لك ممّا أردت يوم حنين ممّا حال الله بينك وبينه» فأقبلت إليه سريعا، فقال: «قد إن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع قلت: قد أرى إن لو كان مع الله- تعالى- إلها غيره لقد أغنى شيئا، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله.

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «اللهمّ زده ثباتا»

قال النّضير: فو الله الّذي بعثه بالحقّ لكأنّ قلبي حجر ثباتا في الدين وبصيرة في الحق، وذكر الحديث [ (1) ] .

ذكر ثبات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورميه الكفار، ونزوله عن بغلته، ودعائه ربه سبحانه وتعالى، وما وقع في ذلك من الآيات

روى ابن إسحاق، والإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، وابن إسحاق، وعبد الرزّاق، ومسلم عن العباس عم رسول الله- صلى الله عليه وسلم، قال العبّاس: شهدت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم: يوم حنين، فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم نفارقه، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلة له شهباء، قال عبد الرزاق: وربما قال معمر: بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يركض بغلته قبل الكفّار، وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وفي رواية: أكفّها أن لا تسرع، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين، وأبو سفيان بن الحارث آخذ، بركاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم-

وفي رواية بغرزه، وفي رواية بثغره، فالتفت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنّع في الحديد، فقال: «من هذا» فقال: ابن عمك يا رسول الله، وفي حديث البراء: وأبو سفيان ابن عمه يقود به، قال ابن عقبة- رحمه الله تعالى: وقام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الرّكابين، وهو على البغلة، فرفع يديه إلى الله- تعالى- يدعو يقول: «اللهم إني أنشدك ما وعدتني.. اللهمّ لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا»

انتهى.

قال العباس: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «يا عباس!! ناديا معشر الأنصار، يا أصحاب السّمرة، يا أصحاب سورة البقرة»

[ (2) ] .

قال العبّاس- وكنت رجلا صيتا- فقلت بأعلى صوتي: أين الأنصار، أين أصحاب

__________

[ (1) ] انظر المغازي للواقدي 3/ 911.

[ (2) ] أخرجه الطبراني في الكبير 10/ 188 وانظر المجمع 6/ 82، 8/ 619 والبيهقي في الدلائل 5/ 31 وعبد الرزاق في المصنف (9741) والحميدي (459) وابن سعد 2/ 1/ 112 واحمد 1/ 207.

السّمرة، أين أصحاب سورة البقرة، قال: والله لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها.

وفي حديث عثمان بن شيبة عند أبي القاسم البغوي، والبيهقي «يا عبّاس، اصرخ بالمهاجرين الّذين بايعوا تحت الشّجرة، وبالأنصار الذين آووا ونصروا»

قال: فما شبهت عطفة الأنصار على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلّا عطفة الإبل على أولادها. حتى ترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كأنه في حرجة، فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من رماح الكفّار- انتهى. فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبّيك. قال: فيذهب الرجل يثني بعيره ولا يقدر على ذلك، أي لكثرة الأعراب المنهزمين- كما ذكره أبو عمر بن عبد البر- فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره، فيخلّي سبيله، فيؤمّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلوا النّاس فاقتتلوهم والكفار، والدعوة في الأنصار يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، وكانوا صبّرا عند الحرب، وأشرف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في ركابيه، فنظر إلى مجتلدهم وهم يجتلدون وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم،

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا ورب محمد»

فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فو الله ما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدّهم كليلا وأمرهم مدبرا، فو الله ما رجع النّاس إلا وأسارى عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مكتّفون، قتل الله تعالى- منهم من قتل، وانهزم منهم من انهزم وأفاء الله تعالى علي رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم [ (1) ] .

وروى ابن سعد، وابن أبي شيبة، والإمام أحمد، وأبو داود، والبغوي في معجمه، والطبراني وابن مردويه، والبيهقي برجال ثقات عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري- يقال اسمه كرز- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في حنين في يوم قائظ شديد الحرّ، فنزلنا تحت ظلال السّمر، فلمّا زالت الشمس لبست لامتي، وركبت فرسي فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمته، الرواح قد حان، الرواح يا رسول الله، قال: «أجل» ثم قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «يا بلال» فثار من تحت سمرة كأنّ ظلّه ظلّ طائر، فقال: لبّيك وسعديك، وأنا فداؤك. قال: «أسرج لي فرسي» فأتاه بسرج دفّتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب فرسه، ثم سرنا يومنا، فلقينا العدوّ، وتشأمت الخيلان، فقاتلناهم فولّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فجعل رسول

__________

[ (1) ] أخرجه الطبراني في الكبير 7/ 358 وابن عساكر كما في التهذيب 6/ 351.

الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «يا عباد الله. أنا عبد الله ورسوله، يا أيها الناس إنّي أنا عبد الله ورسوله» فاقتحم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن فرسه، وحدّثني من كان أقرب إليه منّي أنه أخذ حفنة من تراب فحثاها في وجوه القوم، وقال: «شاهت الوجوه» قال يعلى بن عطاء: وأخبرنا أبناؤهم عن آبائهم أنّهم قالوا: ما بقي منّا أحد إلّا امتلأت عيناه وفمه من التّراب، وسمعنا صلصلة من السّماء كمرّ الحديد على الطّست، فهزمهم الله تعالى

[ (1) ] .

وروى أبو يعلى والطبراني برجال ثقات عن أنس- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخذ يوم حنين كفّا من حصى أبيض فرمى به وقال: «هزموا ورب الكعبة» وكان علي- رضي الله عنه- يومئذ أشدّ الناس قتالا بين يديه

[ (2) ] .

وروى أبو نعيم بسند ضعيف عن أنس- رضي الله عنه- والطبراني عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قالا: لما انهزم المسلمون بحنين ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته الشهباء- وكان اسمها دلدل- فقال لها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «دلدل البدي» فألزقت بطنها بالأرض، فأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: «حم لا ينصرون» فانهزم القوم، وما رمينا بسهم ولا طعنّا برمح، كذا في هذه الرواية اسمها دلدل،

والصّحيح أنّ دلدل أهداها المقوقس فهي غير التي أهداها فروة بن نفاثة [ (3) ] .

وروى أبو القاسم البغوي، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن عساكر عن شيبة بن عثمان- رضي الله عنه-: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال يوم حنين: يا عبّاس ناولني من الحصباء قال:

وأفقه الله- تعالى- البغلة كلامه، فانخفضت به حتّى كاد بطنها يمسّ الأرض، فتناول رسول الله- صلى الله عليه وسلم من البطحاء فحثا في وجوههم وقال: «شاهت الوجوه، هم لا ينصرون»

[ (4) ] .

وروى عبد بن حميد في مسنده، والبخاري في تاريخه، والبيهقي وابن الجوزي عن يزيد بن عامر السّوائي- رضي الله عنه- وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم- قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قبضةً من الأرض، ثم أقبل على المشركين فرمى بها في وجوههم وقال: «ارجعوا، شاهت الوجوه» قال: فما من أحد يلقى أخاه إلّا وهو يشكو القذى في عينيه ويمسح عينيه

[ (5) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه أبو داود (5233) وأحمد 1/ 255، 84، 3/ 438، 5/ 286، 372، 3881 وانظر الدر المنثور 5/ 205.

[ (2) ] ذكره الهيثمي في المجمع 6/ 180، 182 والمتقي الهندي في الكنز (30211، 30221) .

[ (3) ] انظر المجمع 6/ 183.

[ (4) ] أخرجه ابن عساكر كما في التهذيب 6/ 351 والطبراني في الكبير 7/ 359، والمجمع 6/ 184 وأبو نعيم في الدلائل 1/ 61 والبيهقي في الدلائل 5/ 141.

[ (5) ] البخاري في التاريخ 8/ 316 والطبري في التفسير 10/ 73 وابن حجر في المطالب (4372) ، والمجمع 6/ 182 والسيوطي في الدر 3/ 226.

وروى الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، وأبو نعيم، والبيهقيّ برجال ثقات عن ابن مسعود- رضي الله تعالى عنه- قال: كنت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، فولّى النّاس عنه، وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، فقمنا على أقدامنا ولم نولّهم الدّبر، وهم الذين أنزل الله- تعالى- عليهم السّكينة، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته لم يمض قدما، فحادت به بغلته فمال عن السّرج، فقلت له ارتفع رفعك الله. فقال: «ناولني كفا من تراب» فناولته، فضرب وجوههم فامتلأت أعينهم ترابا، ثم قال: «أين المهاجرون والأنصار؟» قلت: هم أولاء، قال: «اهتف بهم» فهتفت بهم، فجاؤوا وسيوفهم بأيمانهم كأنها الشّهب، وولّى المشركون أدبارهم

[ (1) ]

وروى ابن أبي شيبة والإمام أحمد، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي عن أنس- رضي الله عنه- قال: جاءت هوازن يوم حنين بالنّساء والصّبيان والإبل والغنم فجعلوهم صفوفا، ليكثروا على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فالتقى المسلمون والمشركون، فولّى المسلمون مدبرين- كما قال الله تعالى- وبقي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحده فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله» ونادى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نداءين لم يخلط بينهما كلاما، فالتفت عن يمينه فقال: «يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» فقالوا: «لبيك يا رسول الله، نحن معك» ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله، فقالوا: لبيك يا رسول الله نحن معك فهزم الله تعالى المشركين، ولم يضرب بسيف، ولم يطعن برمح

[ (2) ] .

وروى ابن سعد وابن أبي شيبة، والبخاري، وابن مردويه، والبيهقي من طرق عن أبي إسحاق السّبيعي- رحمه الله تعالى- قال: جاء رجل من قيس إلى البراء بن عازب- رضي الله عنهما- فقال: أكنتم ولّيتم؟ وفي رواية: أولّيت؟ وفي أخرى: أوليتم مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم؟

وفي أخرى: أفررتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أنّه ما ولّى، وفي رواية: لا والله ما ولى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين دبره، ولكنه خرج بشبّان أصحابه وهم حسّر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل النّاس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام كأنها رجل جراد لا يكادون يخطئون، وأقبلوا هناك إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث يقود به،

فنزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ودعا واستنفر، وقال- صلى الله عليه وسلم-: «أنا

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد 1/ 453 والطبراني في الكبير 10/ 209 وانظر المجمع 6/ 84، 183 والحاكم 2/ 117.

[ (2) ] أخرجه أحمد 3/ 190، 279، 5/ 286، وابن سعد 2/ 1/ 113 وابن أبي شيبة 14/ 530، 531 والبيهقي في الدلائل 5/ 141 وفي السنن 6/ 306 والدولابي في الكنز 1/ 42 وانظر الدر المنثور 3/ 224.

النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب، اللهمّ أنزل نصرك»

[ (1) ] .

قال البراء: وكنا إذا أحمرّ البأس نتّقي برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وإن الشجاع منا الذي يحاذيه:

يعني النبي- صلى الله عليه وسلم.

وروى البخاري، ومسلم، والبيهقي عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حنينا. فلما واجهنا العدوّ تقدمت فأعلو ثنيّة فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه، بسهم، وتوارى عنّي فما دريت ما صنع، ثم نظرت إلى القوم فإذا هم طلعوا من ثنيّة أخرى، فالتقوا هم وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فولّى أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأرجع منهزما. وعليّ بردتان مؤتزراً بإحداهما مرتدياً بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعا، ومررت برسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا منهزم- وهو على بغلته الشهباء، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» فلما غشوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نزل عن بغلته ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم إنه استقبل به وجوههم، وقال: شاهت الوجوه» فما خلّى الله تعالى منهم إنسانا إلّا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، فولّوا مدبرين. وقسّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- غنائمهم بين المسلمين

[ (2) ] .

وروى أبو الشيخ عن عكرمة- رحمه الله تعالى- قال: لما كان يوم حنين ولّى المسلمون، وثبت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «إنا محمد رسول الله» ثلاث مرات، وإلى جنبه عمّه العبّاس-

الحديث [ (3) ] .

وروى ابن سعد، والبخاري في التاريخ، والحاكم، والبيهقي عن عياض بن الحارث- رضي الله عنه- قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- كفا من حصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا [ (4) ] .

وروى البخاري في التاريخ، والبيهقي في الدلائل عن عمرو بن سفيان- رضي الله عنه- قال: قبض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين قبضة من الحصباء فرمى بها وجوهنا فانهزمنا، فما خيّل إلينا إلا أنّ كلّ حجر وشجر فارس يطلبنا. وروى ابن عساكر عن الحارث بن زيد مثله [ (5) ] .

وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد- برجال الصحيح- عن أنس بن مالك- رضي الله

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 7/ 622 (4317) ، ومسلم 3/ 1400 (78) والبيهقي في الدلائل 5/ 134.

[ (2) ] أخرجه مسلم 3/ 1402 (81) ، والبيهقي في الدلائل 5/ 140، 141، وانظر الدر المنثور 3/ 221.

[ (3) ] انظر الدر المنثور للسيوطي 3/ 225.

[ (4) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 142.

[ (5) ] المصدر السابق 50/ 143 وابن كثير في البداية 4/ 332.

عنه- قال: كان من دعاء النبي- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين: «اللهمّ إنّك إن تشاء لا تعبد بعد اليوم»

[ (1) ] .

وذكر محمد بن عمر- رحمه الله تعالى- قال: كان من دعاء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين انكشف عنه النّاس ولم يبق معه إلّا المائة الصّابرة «اللهم لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان» فقال له جبريل: «لقد لقنت الكلمات الّتي لقّن الله- تعالى- موسى يوم فلق البحر، وكان البحر أمامه وفرعون خلفه»

[ (2) ] .

ذكر ما قيل أن الملائكة قاتلت يوم حنين والرعب الذي حصل للمشركين

روى ابن أبي حاتم عن السدي الكبير- رحمه الله تعالى- في قول الله عزّ وجلّ:

وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها قال: هم الملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا [التوبة 26] قال:

قتلهم بالسيف. وروى أيضا عن سعيد بن جبير- رحمه الله تعالى- قال: في يوم حنين أمدّ الله- تعالى- رسوله- صلى الله عليه وسلّم- بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، ويومئذ سمّى الله تعالى الأنصار مؤمنين قال: «ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين [ (3) ] .

وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي عن جبير ابن مطعم- رضي الله عنه- قال: رأيت قبل هزيمة القوم- والناس يقتتلون- مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوت قد ملأ الوادي، لم أشكّ أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم.

وروى محمد بن عمر عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن عن شيوخ من قومه من الأنصار، قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السّود هوت من السماء ركاما، فنظرنا فإذا رمل مبثوت، فكنا ننفضه عن ثيابنا، فكان نصر الله- تعالى- أيّدنا به.

وروى مسدّد في مسنده، والبيهقي. وابن عساكر عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال:

حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لمّا التقينا نحن وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم، فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة- وفي رواية- إذ غشينا، فإذا هو رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فتلقّتنا عنده، وفي رواية: إذا بيننا وبينه رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا- وكانت إيّاها [ (4) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد 3/ 152 وابن أبي شيبة 10/ 351، 14/ 522 وابن سعد 2/ 1/ 52، وهو عند مسلم 3/ 1363 (23/ 1743) .

[ (2) ] الطبراني في الصغير 1/ 122 وانظر المجمع 10/ 183، والترغيب والترهيب 2/ 618.

[ (3) ] انظر الدر المنثور 3/ 225.

[ (4) ] أخرجه البيهقي في الدلائل 5/ 143 وابن كثير في التاريخ 4/ 332.

وروى ابن مردويه، والبيهقي، وابن عساكر عن مصعب بن شيبة بن عثمان الحجبيّ عن أبيه- رضي الله عنه- قال: خرجت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين، والله ما خرجت إسلاما، ولكن خرجت أنفا أن تظهر هوازن على قريش، فإني لواقف مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذ قلت: يا رسول الله إني لأرى خيلا بلقا، قال: «يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر» فضرب بيده في صدري وقال: «اللهم اهد شيبة» فعل ذلك ثلاث مرات- فو الله ما رفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله تعالى أحب إلي منه، فالتقى المسلمون فقتل من قتل، ثم أقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعمر آخذ باللّجام، والعبّاس آخذ بالثّغر، فنادى العباس: أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة- بصوت عال- هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فأقبل المسلمون والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب» فجالدوهم بالسيوف، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «الآن حمي الوطيس» .

وروى عبد بن حميد، والبيهقي عن يزيد بن عامر السّوائي- رضي الله عنه- وكان حضر يومئذ، فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطّست فيطنّ فيقول: أن كنّا نجد في أجوافنا مثل هذا.

روى محمد بن عمر عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: حدثني عدّة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون: «لقد رمى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تلك الرّمية من الحصى فما منّا أحد إلّا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطاس ما يهدأ ذلك الخفقان، ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا، على خيل بلق، عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين أكتافهم، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئا، ولا نستطيع أن نتأملهم من الرّعب منهم.

وروى أيضا عن ربيعة بن أبزي قال: حدّثني نفر من قومي، حضروا يومئذ قالوا: كمنّا لهم في المضايق والشعاب، ثمّ حملنا عليهم حملة، ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، وحوله رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا. فانهزمنا، وركب المسلمون أكتافنا، وكانت إيّاها، وجعلنا نلتفت وإنا لننظر إليهم يكدّوننا فتفرّقت جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرّعدة تستخفّنا حتى لحقنا بعلياء بلادنا، فإن كنا ليحكى عنا الكلام ما ندري به، لما كان بنا من الرّعب، وقذف الله- تعالى- الإسلام في قلوبنا.

وروى أيضا عن شيوخ من ثقيف أسلموا بعد ما كانوا حضروا ذلك اليوم قالوا: ما زال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في طلبنا- فيما نرى- ونحن مولّون حتى إن الرجل ليدخل منّا حصن الطائف وإنه ليظنّ أنه على أثره من رعب الهزيمة.

ذكر من ثبت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين

روى البيهقي عن حارثة بن النعمان- رضي الله عنه- قال: لقد حزرت من بقي مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين أدبر الناس، فقلت: مائة واحد.

وروى ابن مردويه عن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال: لقد رأينا يوم بدر وإن الفئتين لموليتان، وما مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مائة رجل.

وروى الإمام أحمد، والحاكم، والطبراني، والبيهقي، وأبو نعيم، برجال ثقات عن ابن مسعود قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين فولّى النّاس وثبت معه ثمانون رجلاً من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما، ولم نولّهم الدّبر إلى آخره، وتقدم.

قال محمد بن عمر يقال: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لمّا انكشف النّاس عنه يوم حنين- قال لحارثة «يا حارثة، كم ترى النّاس الّذين ثبتوا» قال: فما التفتّ ورائي تحرّجا، فنظرت عن يميني وعن شمالي، فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله!! هم مائة فما علمت أنهم مائة حتّى كان يوم مررت على النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يناجي جبريل عند باب المسجد، فقال جبريل: «يا محمد من هذا؟» قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «حارثة بن النعمان» فقال جبريل: هو أحد المائة الصّابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه، فأخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حارثة، قال: «ما كنت أظنه إلّا دحية الكلبي واقفا معك» .

وروى ابن أبي شيبة عن الحكم بن عتيبة- بلفظ تصغير عتبة الباب- رحمه الله تعالى- قال: لمّا فرّ النّاس يوم حنين عن النبي- صلى الله عليه وسلّم- جعل يقول:

«أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب»

فلم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي بن أبي طالب، والعبّاس وهما بين يديه، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من جانبه الأيسر، قال: فليس يقبل أحد إلّا قتل، والمشركون حوله صرعى، فمن أهل بيته عمّه العبّاس، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وأخوه ربيعة أبناء عم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- والفضل بن العباس، وعلي بن أبي طالب، وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث وقثم بن العباس- قال في الزهر: وفيه نظر، لأن المؤرّخين قاطبة فيما أعلم عدّوه فيمن توفي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو صغير، فكيف شهد حنينا!! وعتبة ومعتّب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وعقيل بن أبي طالب، وأسامة بن زيد، وأخوه لأمه أيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ، ومن المهاجرين: أبو بكر- رضي الله عنه- وعمر بن الخطاب- رضي الله عنه-

وعثمان بن عفان- رضي الله عنه- روى البزار عن أنس- رضي الله عنه-: أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا- رضي الله تعالى عنهم- ضرب كل منهم يومئذ بضعة عشر ضربة- وابن مسعود- رضي الله عنه- ومن الأنصار: أبو دجانة، وحارثة بن النعمان- قد ذكر في ذلك عند محمد بن عمر- وسعد بن عبادة، وأبو بشير- كما في حديثه عند محمد بن عمر- وأسيد بن الحضير، ومن أهل مكة: شيبة بن عثمان الحجبيّ- كما تقدّم- ومن نساء الأنصار: أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم الحارث جدّة عمارة بن غزيّة- بفتح العين، وكسر الزّاي المعجمتين- وأمّ سليط بنت عبيد- قال محمد بن عمر: يقال إنّ المائة الصّابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وستّة وستّون من الأنصار.

ذكر ثبات أم سليم بنت ملحان، وام عمارة

نسيبة- بفتح النون، وكسر السين المهملة، وسكون التّحتية، وبالموحّدة: بنت كعب- رضي الله تعالى عنها.

قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وقد خشيت أن يغرّ بها الجمل، فأدنت رأسه منها، وأدخلت يدها في خزامه [ (1) ] مع الخطام، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أم سليم» ؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أقتل المنهزمين عنك كما تقتل الّذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل» فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «أو يكفي الله يا أم سليم» .

وعند محمد بن عمر: «قد كفى الله تعالى عافية الله تعالى أوسع» .

وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، ومسلم عن أنس- رضي الله عنه- قال: اتخذت أمّ سليم خنجرا أيام حنين، فكان معها، فلقي أبو طلحة أم سليم ومعها الخنجر، فقال أبو طلحة:

ما هذا؟ قالت: إن دنا منّي بعض المشركين أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة: أما تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم؟ فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أقتل من يعدونا من الطّلقاء، انهزموا عنك فقال: «إن الله تعالى قد كفى وأحسن يا أم سليم»

[ (2) ] .

وروى محمد بن عمر عن عمارة بن غزيّة قال: قلت أم عمارة: لما كان يوم حنين والناس منهزمون في كل وجه، وكنّا أربع نسوة، وفي يدي سيف لي صارم، وأم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها، وإنّها يومئذ حامل بعبد الله بن أبي طلحة، وأم سليط، وأم الحارث.

__________

[ (1) ] الخزام بكسر الخاء المعجمة حلقة تصنع من شعر وتجعل في أنف البعير، انظر اللسان (خزم) .

[ (2) ] أخرجه مسلم في الجهاد (134) ، وابن أبي شيبة 14/ 532 وأحمد 3/ 279، والبيهقي في السنن 6/ 307. المغازي 3/ 904.

قال شيوخ محمد بن عمر: فجعلت أمّ عمارة تصيح يا للأنصار: أية عادة هذه. مالكم والفرار؟! قالت: وأنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل. فيقع على عجزه وأشد عليه، ولم أزل أضربه حتّى أثبتّه، وأخذت سيفا له.

ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- قائم، مصلت السيف بيده، قد طرح غمده ينادي: «يا أصحاب سورة البقرة» فكرّ الأنصار،

ووقفت هوازن قدر حلب ناقة فتوح، ثم كانت إيّاها، فو الله ما رأيت هزيمة قط كانت مثلها، قد ذهبوا في كل وجه، فرجع إليّ أبنائي جميعا:

حبيب وعبد الله أبناء زيد بأسارى مكتّفين، فأقوم إليه من الغيظ فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس يأتون بالأسارى فرأيت في بني مازن ابني النجار ثلاثين أسيرا، وكان المسلمون بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- جميعا، وكانت أم الحارث الأنصارية آخذة بخطام جمل الحارث زوجها، وكان يسمى المجسار فقالت: يا حار أتترك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والنّاس يولّون منهزمين؟! وهي لا تفارقه، قالت: فمر علي عمر بن الخطاب فقلت: يا عمر ما هذا؟ قال: أمر الله تعالى [ (1) ] .

,

ذكر من استشهد بحنين

أيمن بن عبيد الله بن زيد الخزرجي وابن أم أيمن، وسراقة بن الحارث الأنصاري، ورقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان، وأبو عامر الأشعري أصيب بأوطاس، كما سيأتي في السرايا، ويزيد بن زمعة بن الأسود جمح به فرس يقال له الجناح فقتل. واستحرّ القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن الحارث، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله، فقاتل حتى قتل،

ولمّا بلغ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتله، قال: «أبعده الله، فإنّه كان يبغض قريشا

[ (2) ] .

وروى البيهقي عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل الطّائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر.

ذكر عيادته- صلّى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد رضي الله عنه- من جرح أصابه

وروى عبد الرزاق، وابن عساكر عن عبد الرحمن بن أزهر- رضي الله عنه- قال: كان

__________

[ (1) ] المغازي 3/ 914- 915.

[ (2) ] عبد الرزاق (19904) وابن أبي عاصم 2/ 638 وابن سعد 5/ 380، وابن أبي شيبة 12/ 173، والعقيلي في الضعفاء 4/ 350.

خالد بن الوليد جرح يوم حنين، وكان على خيل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فجرح يومئذ، فلقد رأيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد ما هزم الله تعالى الكفار، ورجع المسلمون إلى رحالهم- يمشي في المسلمين ويقول: «من يدلني على رحل خالد بن الوليد؟» فأتي بشارب فأمر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم، وحثا عليه التّراب [ (1) ] .

قال عبد الرحمن: فمشيت، أو قال: سعيت بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد، حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى موخّرة رحله، فأتاه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنظر إلى جرحه، فتفل فيه فبرأ- رضي الله تعالى عنه-.

ذكر بركة يده- صلى الله عليه وسلم- في برء جرح عائذ بن عمرو- رضي الله عنه

روى الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر عن عائذ بن عمرو- رضي الله عنه- قال:

أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي، فسال الدم على وجهي وصدري، فسلت النبي- صلى الله عليه وسلم- الدم بيده عن وجهي وصدري إلى ثندؤتي، ثم دعا لي. قال حشرج والد عبد الله: فرأينا أثر يد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى منتهى ما مسح من صدره، فإذا غرّة سابلة كغرّة الفرس.

ذكر بركة يده- صلى الله عليه وسلم- في الماء بحنين

روى أبو نعيم عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- هوازن فأصابنا جهد شديد، فدعا بنطفة من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح فجعلنا نطّهّر به حتّى تطهّرنا جميعا.

ذكر نهيه- صلّى الله عليه وسلم- عن قتل النساء يوم حنين

روى الإمام أحمد، وأبو داود عن رباح بن ربيع- رضي الله عنه- أنه خرج مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمرّ رباح وأصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على امرأة مقتولة مما أصابت المقدّمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني ويعجبون من خلقها- حتّى لحقهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على راحلته، فانفرجوا عنها. فوقف عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» فقال لأحدهم: «الحق خالدا وقل له لا تقتل ذرّيّة ولا عسيفا

[ (2) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 4/ 88، 351، والحميدي (897) والبيهقي في الدلائل 5/ 140.

[ (2) ] أخرجه أحمد 3/ 488 وأبو داود 2/ 50 في الجهاد وابن ماجة (2842) والحاكم 2/ 122، والطبراني في الكبير 5/ 70 والطحاوي في المعاني 3/ 222.

ذكر قوله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين أنا ابن العواتك

روى الطبراني عن سيابة بن عاصم السلمي- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك»

[ (1) ] .

ذكر قوله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين من قتل كافرا فله سلبه

روى ابن شيبة، والإمام أحمد، وابن حبان عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من قتل قتيلا فله سلبه»

قال: فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم.

وقال أبو قتادة: يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل عاتقه، وعليه درع فأجهضت عنه فانظر في أخذها، فقام رجل قال محمد بن عمر: اسمه أسود بن خزاعي الأسلمي، حليف بني سلمة- كذا قال وفي الصحيح كما سيأتي: أنه قرشي، فقال: يا رسول الله: أنا أخذتها فأرضه منها وأعطينها، قال: وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا يسأل شيئاً إلا أعطاه، أو سكت، فسكت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال عمر: والله لا يغنها الله تعالى علي أسد من أسد الله- تعالى- ويعطيكها، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «صدق عمر»

[ (2) ] .

وروى الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أبي قتادة الحارث بن ربعي- رضي الله تعالى عنه- قال: خرجنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة. فرأيت رجلاً من المشركين قد علا رجلا من المسلمين. وفي رواية نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلاً من المشركين وآخر من المشركين يختله فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدّرع، وأقبل عليّ فضمّني ضمّة، وجدت منها ريح الموت، ثمّ أدركه الموت، فأرسلني، فلحقت-

وفي رواية- فلقيت عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في النّاس الّذين لم يهزموا، فقلت: ما بال النّاس؟ قال: أمر الله تعالى، فرجعوا وجلس رسول الله- صلى الله عليه وسلم فقال: «من قتل قتيلا له عليه بيّنة فله سلبه» فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثمّ جلست، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مثله. فقمت فقلت: من يشهد لي؟ ثمّ جلست، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- مثله، فقال: «مالك يا أبا قتادة؟» فأخبرته

[ (3) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه الطبراني في الكبير 7/ 201، وانظر المجمع 8/ 219 والبيهقي في الدلائل 5/ 135 وسعيد بن منصور (2840، 2841) وابن عساكر كما في التهذيب 1/ 289.

[ (2) ] أخرجه عبد الرزاق في المصنف (3973) وأحمد 1/ 245 وابن أبي شيبة 2/ 125، 14/ 531 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1671) والبيهقي 6/ 306 والطبراني في الكبير 12/ 216 والصغير 1/ 124.

[ (3) ] أخرجه البخاري 7/ 630 (4321) ومسلم 3/ 1370 (41/ 1751) ، وأبو داود في الجهاد باب (146) ، والبيهقي في السنن 6/ 306 والدلائل 5/ 148 والشافعي في المسند (223) ، ومالك في الموطأ (454) .

وذكر محمد بن عمر: إن عبد الله بن أنيس شهد له فقال رجل: صدق سلبه عندي فأرضه مني- أو قال منّيه- فقال أبو بكر: لا ها الله إذا، لا تعمد إلى أسد من أسد الله تعالى يقاتل عن الله- تعالى- ورسوله فيعطيك سلبه! فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «صدق فأعطه إياه» فأعطانيه،

وعند محمد بن عمر فقال لي حاطب بن أبي بلتعة: يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ فبعته بسبع أواق، فابتعت به مخرفا، وفي رواية: خرافا في بني سلمة، فإنّه لأول مال تأثّلته، وفي رواية:

اعتقبته- في الإسلام، زاد محمد بن عمر يقال له الرّديني قال في البداية في الرواية السابقة عن أنس: أن عمر قال ذلك، وهو مستغرب، والمشهور أن قائل ذلك أبو بكر كما في حديث أبي قتادة، وقال الحافظ: الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة، وهو صاحب القصة، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، قالا: فلعل عمر قال ذلك متابعة لأبي بكر ومساعدة له، وموافقة، فاشتبه على الراوي.

قال العلماء: لو لم يكن من فضيلة أبي بكر الصديق- رضي الله عنه- إلّا هذا لكفى فإنّه بثاقب علمه، وشدّة صرامته، وقوّة إنصافه، وصحّة توفيقه، وصدق تحقيقه بادر إلى القول بالحقّ، فزجر، وأفتى، وحكم، وأمضى، وأخبر في الشّريعة عن المصطفى بحضرته وبين يديه، وبما صدّقه فيه وأجراه على قوله.

وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- قال: غزونا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- هوازن فبينما نحن نتضحى مع رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيّد به الجمل، ثم تقدم فتغدّى مع القوم وجعل ينظر وفينا ضعفة ورقّة من الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى الجمل فأطلق قيده، ثم أناخه ثم قعد عليه فاشتد به الجمل واتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقة ورقاء، وفي رواية: أتى عين من المشركين إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث. انتهى. ثم انفتل، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «اطلبوه واقتلوه» قال سلمة:

وخرجت أشتدّ فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتّى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدّمت حتّى أخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلمّا وضع ركبته على الأرض، اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر، ثمّ جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والناس معه، فقال: «من قتل الرجل» ؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: «له سلبه أجمع»

[ (1) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري في الجهاد (3051) ، وأحمد 4/ 51 وأبو داود (2653) ، والطبراني في الكبير 7/ 29 والبيهقي في السنن الكبرى 9/ 6، 147، 306، والطحاوي في المشكل 4/ 140.

,

ذكر جمع غنائم حنين

لما انهزم القوم أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم بالغنائم أن تجمع، ونادى مناديه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغّل، وجعل الناس غنائمهم في موضع حيث استعمل عليها رسول الله- صلى الله عليه وسلّم.

وروى الحاكم بسند صحيح عن عبادة بن الصامت- رضي الله عنه- قال: أخذ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم حنين وبرة من بعير، ثم قال: «يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله- تعالى- عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدّوا الخيط والمخيط، وإيّاكم والغلول فإنّه عار على أهله يوم القيامة»

وذكر الحديث [ (1) ] .

وكان عقيل بن أبي طالب دخل على زوجته وسيفه ملطّخ بدم، فقالت: إنّي علمت أنّك قاتلت اليوم المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟ فقال: هذه الإبرة، تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، ثم خرج فسمع منادي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: من أصاب شيئا من المغنم فليردّه، فرجع عقيل إلى امرأته وقال: والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت منك، فأخذها فألقاها في المغانم.

وجاء رجل بكبّة من شعر فقال: يا رسول الله أضرب بهذه برذعة لي: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك»

[ (2) ] .

وأتى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الناس يوم حنين في قبائلهم يدعوهم وأنه ترك قبيلة من القبائل وجدوا في برذعة رجل منهم عقدا من جزع غلولا، فأتاهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكبّر عليهم، كما يكبّر على الميت.

وأصاب المسلمون يومئذ السّبايا، فكانوا يكرهون أن يقعوا عليهنّ ولهنّ أزواج فسألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فانزل الله تعالى وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ [النساء 24] وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ: «لا توطأ حامل من السّبي حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض»

[ (3) ] .

ولمّا جمعت الغنائم أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أن تنحدر إلى الجعرانة، فوقف بها إلى أن انصرف رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من حصار الطائف.

__________

[ (1) ] أخرجه الحاكم في المستدرك 3/ 49 والبيهقي 6/ 303 والنسائي 7/ 131 وابن حبان ذكره الهيثمي في الموارد (1693) .

[ (2) ] أخرجه احمد 2/ 184، 218 والنسائي 6/ 263.

[ (3) ] أخرجه أبو داود (2157) واحمد 3/ 62 والحاكم 2/ 95 والبيهقي في السنن الكبرى 5/ 359، 7/ 449، 9/ 124، والدارمي 2/ 171 وانظر نصب الراية 3/ 233.

قال ابن سعد وتبعه في العيون: كان السّبي ستة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين «ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.

وروى الطبراني عن بديل- بموحدة مضمومة فدال مهملة فتحتية ساكنة فلام، بن ورقاء- رضي الله تعالى عنه-: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أمر أن تحبس السّبايا والأموال بالجعرانة حتّى يقدم فحبست [ (1) ] .

قال ابن إسحاق: وجعل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- على الغنائم مسعود بن عمرو الغفاري، وروى عبد الرزاق عن سعيد بن المسيّب قال: سبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يومئذ ستّة آلاف سبي بين امرأة وغلام، فجعل عليهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان بن حرب. وقال البلاذري:

بديل بن ورقاء الخزاعي- والله تعالى أعلم.

ذكر صلاته- صلى الله عليه وسلّم- الظهر بحنين وحكومته بين عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في دم عامر بن الأضبط الأشجعي الذي قتله محلم بن جثامة

كما سيأتي

في نقل محمد بن إسحاق، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: صلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الظهر يوما بحنين ثم تنحّى إلى شجرة فجلس إليها، فقام إليه عيينة بن حصن يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي وهو يومئذ سيد قيس ومعه الأقرع بن حابس يدفع عن محلم بن جثامة لمكانه من خندف فاختصما بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وعيينة يقول: يا رسول الله، والله لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «تأخذ الدّية؟» فأبى عيينة حتّى ارتفعت الأصوات وكثر اللّغط، إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له مكيتل- قصير مجتمع عليه شكّة كاملة ودرقة في يده فقال: يا رسول الله، إني لم أجد لما فعل هذا شبها في غرّة الإسلام إلا غنما وردت فرمي أوّلها فنفر آخرها. فاسنن اليوم وغيره غدا فرفع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يده وقال تقبلون الدّية خمسين في فورنا هذا، وخمسين إذا رجعنا إلى المدينة» فلم يزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بالقوم حتّى قبلوا الدّية

وفي رواية: فقام الأقرع ابن حابس فقال: يا معشر قريش، سألكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قتيلا تتركونه ليصلح به بين الناس فمنعتموه إياه، أفأمنتم أن يغضب عليكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم فيغضب الله- تعالى عليكم- لغضبه، أو يلعنكم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيلعنكم الله تعالى بلعنته، والله لتسلمنه إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- أولا يأتين بخمسين من بني

__________

[ (1) ] الطبراني في الكبير والأوسط والبزار قال الهيثمي 6/ 189 لم يسم ابن بديل وبقية رجاله ثقات.

ليث كلهم يشهدون أنّ القتيل ما جلّي قط فلأبطلن دمه. فلما قال ذلك قبلوها. ومحلّم القاتل في طرف الناس، فلم يزالوا يؤزونه ويقولون: ائت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يستغفر لك، فقام محلم وهو رجل ضرب طويل آدم. محمر بالحناء عليه حلّة قد كان تهيأ فيها للقتل للقصاص،

فجلس بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله، قد كان من الأمر الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر لي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «ما اسمك» قال: أنا محلم بن جثامة. فقال «أقتلته بسلاحك في غرّة الإسلام؟! اللهم لا تغفر لمحلّم» بصوت عال ينفذ به الناس، قال فعاد محلّم فقال: يا رسول الله، قد كان الّذي بلغك، وإني أتوب إلى الله فاستغفر لي، فعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم لمقالته بصوت عال، ينفذ به النّاس «اللهمّ لا تغفر لمحلّم بن جثامة» حتّى كانت الثالثة، فعاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم لمقالته، ثم قال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم «قم من بين يدي» فقام من بين يدي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يتلقّى دمعه بفضل ردائه،

فكان ضمرة السلمي يحدث- وقد كان حضر ذلك اليوم- قال: كنا نتحدث فيما بيننا إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حرّك شفتيه بالاستغفار له، ولكنه أراد أن يعلم الناس قدر الدمّ عند الله تعالى [ (1) ] .

,

ذكر البشير الذي قدم المدينة بهزيمة هوازن

روى محمد بن عمر عن داود بن الحصين قال: كان بشير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى أهل المدينة بفتح الله- تعالى- عليه وهزيمة هوازن، نهيك بن أوس الأشهلي، فخرج في ذلك اليوم ممسيا، فأخذ في أوطاس حتّى خرج على غمرة، فإذا الناس يقولون هزم محمد هزيمة لم يهزم هزيمة مثلها قط، وظهر مالك بن عوف على عسكره، قال: فقلت الباطل يقولون، والله لقد ظفّر الله- تعالى- رسوله- صلى الله عليه وسلّم وغنّمه نساءهم وأبناءهم، قال: فلم أزل أطأ الخبر حتى انقطع بمعدن بني سليم أو قريبا منها، فقدمت المدينة وقد سرت من أوّل أوطاس ثلاث ليال وما كنت أمسي على راحلتي أكثر مما كنت أركبها فلما انتهيت إلى المصلّى ناديت: أبشروا يا معشر المسلمين بسلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ولقد ظفّره الله- تعالى- بهوازن، وأوقع بهم، فسبى نساءهم، وغنم أموالهم، وتركت الغنائم في يديه تجمع، فاجتمع النّاس يحمدون الله- تعالى- علي سلامة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، ثم انتهيت إلى بيوت أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبرتهن، فحمدن الله- تعالى- علي ذلك.

قال وكانت الهزيمة الأولى التي هزم المسلمون ذهبت في كل وجه حتى أكذب الله- تعالى- حديثهم.

__________

[ (1) ] انظر المغازي 3/ 920.

,

ذكر ما أنزل الله تبارك وتعالى في شأن هذه الغزوة

قال الله عز وجل يذكّر المؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ [التوبة 25] للحرب «كثيرة» كبدر وقريظة والنّضير (و) اذكر «يَوْمَ حُنَيْنٍ» واد بين مكة والطّائف، أي يوم قتالكم فيه هوازن، وذلك في شوال سنة ثمان «إذ» بدل من يوم، (أعجبتكم كثرتكم) - فقلتم: لن نغلب اليوم من قلّة، وكانوا اثني عشر ألفا، والكفار أربعة آلاف- كذا جزم به غير واحد، وجزم الحافظ وغيره بأنّهم كانوا ضعف عدد المسلمين، وأكثر من ذلك كما سيأتي، فعلى هذا كان المشركون أربعة وعشرين ألفا، (فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) ما مصدرية أي مع رحبها أي سعتها. فلم تجدوا مكانا تطمئنون إليه لشدّة ما لحقكم من الخوف «ثمّ ولّيتم مدبرين» منهزمين وثبت النبي- صلى الله عليه وسلم- على بغلته البيضاء، وليس معه غير العباس، وأبو سفيان آخذ بركابه، (ثمّ أنزل الله سكينته) طمأنينته (على رسوله وعلى المؤمنين) فردوا إلى النبي لما ناداهم العباس بإذنه وقاتلوا (وأنزل جنودا لم تروها) ملائكة (وعذّب الّذين كفروا) بالقتل والأسر (وذلك جزاء الكافرين. ثمّ يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء) منهم بالإسلام (والله غفور رحيم) .

,

ذكر ما قيل في هذه الغزوة من الشعر

قال عباس بن مرداس السّلمي يذكر قارب بن الأسود وفرازه من بني أبيه وذا الخمار وحبسه قومه للموت.

ألا من مبلغ غيلان عنّي ... وسوف إخال يأتيه الخبير

وعروة إنّما أهدى جوابا ... وقولا غير قولكما يسير

بأنّ محمّدا عبدا رسول ... لربّ لا يضلّ ولا يجوز

وجدناه نبيا مثل موسى ... فكلّ فتى يخايره مخير

وبئس الأمر أمر بني قسيّ ... بوجّ إذا تقسمت الأمور

أضاعوا أمرهم ولكلّ قوم ... أمير والدّوائر قد تدور

فجئنا أسد غابات إليهم ... جنود الله ضاحية تسير

تؤمّ الجمع جمع بني قسيّ ... على حنق نكاد له نطير

وأقسم لو همو مكثوا لسرنا ... إليهم بالجنود ولم يغوروا

فكنّا أسد ليّة ثمّ حتّى ... أبحناها وأسلمت النّصور

ويوم كان قبل لدى حنين ... فأقلع والدّماء به تمور

من الأيّام لم تسمع كيوم ... ولم يسمع به قوم ذكور

قتلنا في الغبار بني حطيط ... على راياتها والخيل زور

ولم تك ذو الخمار رئيس قوم ... لهم عقل يعاقب أو نكير

أقام بهم على سنن المنايا ... وقد بانت لمبصرها الأمور

فأفلت من نجا منهم جريضا ... وقتّل منهم بشر كثير

ولا يغني الأمور أخو التّواني ... ولا الغلق الصّريّرة الحصور

أمانهم وحان وملّكوه ... أمورهم وأفلتت الصّقور

بنو عوف تميج بهم جياد ... أهين لها الفصافص والشّعير

فلولا قارب وبنو أبيه ... تقسّمت المزارع والقصور

ولكنّ الرّياسة عمّموها ... على يمن أشار به المشير

أطاعوا قاربا ولهم جدود ... وأحلام إلى عزّ تصير

فإن يهدوا إلى الإسلام يلفوا ... أنوف النّاس ما سمر السّمير

وإن لم يسلموا فهم أذان ... بحرب الله ليس لهم نصير

كما حكّت بني سعد وحرب ... برهط بني غزيّة عنقفير

كأنّ بني معاوية بن بكر ... إلى الإسلام ضائنة تخور

فقلنا أسلموا إنّا أخوكم ... وقد برئت من التّرة الصّدور

كأنّ القوم إذ جاءوا إلينا ... من البغضاء بعد السّلم عور

وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى:

لولا الإله وعبده ولّيتم ... حين استخفّ الرّعب كلّ جبان

بالجزع يوم حيالنا أقراننا ... وسوابح يكبون للأذقان

من بين ساع ثوبه في كفّه ... ومقطّر بسنابك ولبان

والله أكرمنا وأظهر ديننا ... وأعزّنا بعبادة الرّحمن

والله أهلكهم وفرّق شملهم ... وأذلّهم بعبادة الشّيطان

«قال ابن هشام ويروي فيها بعض الرّواة» .

إذ قام عمّ نبيّكم ووليّه ... يدعون يا لكتيبة الإيمان

أين الّذين هم أجابوا ربّهم ... يوم العريض وبيعة الرّضوان

«وقال عباس بن مرداس:

فإنّي والسّوابح يوم جمع ... وما يتلوا الرّسول من الكتاب

لقد أحببت ما لقيت ثقيف ... بجنب الشّعب أمس من العذاب

هم رأس العدوّ من أهل نجد ... فقتلهم ألذّ من الشّراب

هزمنا الجمع جمع بني قسيّ ... وحكّت بركها ببني رئاب

وصرما من هلال غادرتهم ... بأوطاس تعفّر في التّراب

ولولا قين جمع بني كلاب ... لقام نساؤهم والنّقع كابي

ركضنا الخيل فيهم بين بسّ ... إلى الأوراد تنحط بالذهاب

بذي لجب رسول الله فيهم ... كتيبته تعرّض للضّراب

«وقال عباس بن مرداس أيضا» :

يا خاتم النّبّاء إنّك مرسل ... بالحقّ كلّ هدى السّبيل هداكا

إنّ الإله بنى عليك محبّة ... في خلقه ومحمّدا سمّاكا

إنّ الّذين وفوا بما عاهدتهم ... جند بعثت عليهم الضّحّاكا

رجلا به درب السّلاح كأنّه ... لمّا تكنّفه العدوّ يراكا

يغشى ذوي النّسب القريب وإنّما ... يبغي رضي الرّحمن ثمّ رضاكا

أنبيك إني قد رأيت مكرّه ... تحت العجاجة يدمغ الإشراكا

طولا يعانق باليدين وتارة ... يقري الجماجم صارما بتّاكا

[يغشى به هام الكماة ولو ترى ... منه الّذي عاينت كان شفاكا]

وبنو سليم معنقون أمامه ... ضربا وطعنا في العدوّ دراكا

يمشون تحت لوائه وكأنّهم ... أسد العرين أردن ثمّ عراكا

ما يرتجون من القريب قرابة ... إلّا بطاعة ربّهم وهواكا

هذي مشاهدنا الّتي كانت لنا ... معروفة ووليّنا مولاكا

«وقال عباس بن مرداس أيضا» :

عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلى أريك قد خلا فالمصانع

ديار لنا يا جمل إذ جلّ عيشنا ... رخيّ وصرف الدّهر للحيّ جامع

حبيبة ألوت بها غربة النّوى ... لتبن فهل ماض من العيش راجع

فإن تبتغي الكفّار غير ملومة ... فإنّي وزير للنّبيّ وتابع

دعانا إليه خير وفد علمتهم ... خزيمة والمرّار منهم وواسع

فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع

نبايعه بالأخشبين وإنّما ... يد الله بين الأخشبين نبايع

فجسنا مع المهديّ مكّة عنوة ... بأسيافنا والنّقع كاب وساطع

علانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع

ويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنّفوس الأضالع

صبرنا مع الضّحّاك لا يستفزّنا ... قراع الأعادي منهم والوقائع

أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخذروف السّحابة لامع

عشيّة ضحّاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع

نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنّا الأقربين نتابع

ولكنّ دين الله دين محمّد ... رضينا به فيه الهدى والشّرائع

أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمّه الله دافع

«وقال عباس بن مرداس أيضا» :

ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشّفر

عين تأوّبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر

كأنّه نظم درّ عند ناظمة ... تقطّع السّلك منه فهو منبتر

يا بعد منزل من ترجو مودّته ... ومن أتى دونه الصّمّان فالحفر

دع ما تقدم من عهد الشّباب فقد ... ولّى الشّباب وزار الشّيب والزّعر

واذكر بلاء سليم في مواطنها ... وفي سليم لأهل الفخر مفتخر

قوم همو نصروا الرّحمن واتّبعوا ... دين الرّسول وأمر النّاس مشتجر

لا يغرسون فسيل النّخل وسطهم ... ولا تحاور في مشتاهم البقر

إلّا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر

تدعى كفاف وعوف في جوانبها ... وحيّ ذكوان لا ميل ولا ضجر

الضّاربون جنود الشّرك ضاحية ... ببطن مكّة والأرواح تبتدر

حتّى رفعنا وقتلاهم كأنّهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر

ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدّين عزا وعند الله مدّخر

إذ ركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر

تحت اللّواء مع الضّحّاك يقدمنا ... كما مشى اللّيث في غاباته الخدر

في مأذق من مجرّ الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشّمس والقمر

وقد صبرنا بأوطاس أسنّتنا ... لله تنصر من شئنا وننتصر

حتّى تأوّب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا

فما ترى معشرا قلّوا ولا كثروا ... إلّا قد أصبح منّا فيهم أثر

وقال عباس بن مرداس أيضا:

يا أيّها الرّحل الّذي تهوي به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس

إمّا أتيت على النّبيّ فقل له ... حقا عليك إذا اطمأنّ المجلس

يا خير من ركب المطيّ ومن مشى ... فوق التّراب إذا تعدّ الأنفس

إنّا وفينا بالّذي عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس

إذ سال من أفناء بهثة كلّها ... جمع تظلّ به المخارم ترجس

حتّى صبحنا أهل مكّة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس

من كلّ أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدّخال وقونس

يروي القناة إذا تجاسر في الوغى ... وتخاله أسدا إذا ما يعبس

يغشى الكتيبة معلما وبكفّه ... عضب يقدّ به ولدن مدعس

وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمدّ بها الرّسول عرندس

كانوا أمام المسلمين دريئة ... والشّمس يومئذ عليهم أشمس

نمضي ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس

ولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضي الإله به فنعم المحبس

وغداة أوطاس شددنا شدّة ... كفت العدوّ وقيل منها: يا احبسوا

تدعو هوازن بالإخاوة بيننا ... ثدي تمدّ به هوازن أيبس

حتّى تركنا جمعهم وكأنّه ... عير تعاقبه السّباع مفرّس

وقال عباس بن مرداس أيضا:

نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كميّ لا تعدّ حواسره

حملنا له في عامل الرّمح راية ... يزود بها في حومة الموت ناصره

ونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره

وكنّا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللّواء وشاهرة

وكنّا له دون الجنود بطانة ... يشاورنا في أمره ونشاوره

دعانا فسمّانا الشّعار مقدّما ... وكنّا له عونا على من يناكره

جزى الله خيراً من نبيّ محمّدا ... وأيّده بالنّصر والله ناصره

«وقال عباس بن مرداس أيضا» :

من مبلغ الأقوام أن محمدا ... رسول الإله راشد حيث يمّما

دعا ربّه واستنصر الله وحده ... فأصبح قد وفّى إليه وأنعما

سرينا وواعدنا قديدا محمّدا ... يؤم بنا أمرا من الله محكما

تمادوا بنا في الفجر حتّى تبيّنوا ... مع الفجر فتيانا وغابا مقوّما

على الخيل مشدودا علينا دروعنا ... ورجلا كدفّاع الأتيّ عرمرما

فإنّ سراة الحيّ إن كنت سائلا ... سليم وفيهم منهم من تسلّما

وجند من الأنصار لا يخذولونه ... أطاعوا فما يعصونه ما تكلّما

فإن تك قد أمّرت في القوم خالدا ... وقدّمته فإنّه قد تقدّما

بجند هداه الله أنت أميره ... تصيب به في الحق من كان أظلما

حلفت يمينا برّة لمحمّد ... فأكملتها ألفا من الخيل ملجما

وقال نبيّ المؤمنين تقدّموا ... وحبّ إلينا أن تكون المقدّما

وبتنا بنهي المستدير ولم تكن ... بنا الخوف إلّا رغبة وتحزّما

أطعناك حتّى أسلم النّاس كلّهم ... وحتّى صبحنا الجمع أهل يلملما

يضلّ الحصان الأبلق الورد وسطه ... ولا يطمئنّ الشّيخ حتّى يسوّما

لدن غدوة حتّى تركنا عشيّة ... حنينا وقد سالت دوامعه دما

سمونا لهم ورد القطا زفّة ضحى ... وكلّ تراه عن أخيه قد أحجما

إذا شئت من كلّ رأيت طمرّة ... وفارسها يهوي ورمحا محطّما

وقد أحرزت منّا هوازن سربها ... وحبّ إليها أن نخيب ونحرما

,

شرح غريب ما قيل أن الملائكة قاتلت يوم حنين

قوله مسوّمين: معلمين.

البجاد- بكسر الموحّدة، وتخفيف الجيم، وبالدّال المهملة: الكساء، جمعه أبجد نمل مبثوت: متفرق.

أم برثن- بضم الموحدة، وسكون الراء، وضمّ الثّاء المثلثة، وبالنون- وقيل بالميم كببناهم: قلبناهم راجعين.

تطن- بفوقيّة، فطاء مهملة، تصوّت.

الخفقان: الاضطراب والتحرك.

الطّساس- جمع طست وتقدم الكلام عليه في الكلام على شق صدره الشريف.

الكتائب- جمع كتيبة بفتح الكاف، وكسر الفوقيّة: وهي الطّائفة المجتمعة من الجيش.

ما يليقون- بيائين تحتيين بينهما لام مكسورة فقاف، يقال: لا يليق بك: لا يعلق.

الرّعدة- بالكسر: اسم من ارتعد إذا اضطرب.

شرح غريب ذكر من ثبت معه- صلّى الله عليه وسلم- يومئذ

حارثة بن النعمان- بحاء مهملة، فألف، فراء، فمثلّثة.

نكص على عقبه بنون، فكاف، فصاد مهملة مفتوحات رجع.

الحكم- بفتحتين.

عتبة بن أبي لهب- بضم العين المهملة، وسكون الفوقية، وبالموحدة.

معتّب- أخوه بضم الميم، وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة.

أبو دجانة- بضم الدال المهملة، وبالجيم المخففة، والنون.

أبو بشير المازنيّ كأمير.

الحضير- بضم الحاء المهملة، وكسر الضاد المعجمة، وسكون التحتيّة أم سليم- بضمّ أوّله.

ملحان- بكسر الميم، وفتحها، قال في المطالع: والأوّل أشهر، وعليه اقتصر ابن الأثير والنووي.

نسيبة ككريمة وقيل بالتصغير.

يغر بها الجمل بالغين المعجمة.

الخزام- بكسر الخاء المعجمة.

برة- بضمّ الموحّدة، وتخفيف الراء: حلقة من صفر ونحوه يشد في أنف النّاقة، يشد بها الزمام.

الخطام- بكسر الخاء المعجمة: ما يقاد به الجمل.

الخنجر- بفتح الخاء المعجمة وكسرها سكّين كبير.

بعج بطنه: شقه.

جمل أورق: في لونه بياض إلى السّواد، أو يضرب لونه إلى الخضرة.

يوضع به جمله: يسرع.

أثبته: أصاب مقتله.

مصلت السيف: مخرجه من غمده.

الغمد- بكسر الغين المعجمة: قراب السّيف.

ناقة فتوح- بفتح الفاء، وضم الفوقية المخففة: واسعة الإحليل.

بنو مازن- بكسر الزّاي.

الشّعار: العلامة في الحرب.

صعصعة بمهملات وفتح أوله، وسكون ثانيه.

اليعسوب- بفتح التحتية، وسكون العين، وضمّ السّين المهملتين وبالموحدة: ملك النحل.

النّسمة- بفتحات: الإنسان.

لن تعلوه: لن تشربوا منه مرّة ثانية.

لن تغلوه: لن تعذبوه.

ثاب- بالمثلّثة: رجع.

اجزروهم: استأصلوهم.

المشقص- بكسر الميم، وسكون الشين المعجمة، وفتح القاف: سهم فيه نصل عريض.

الكنانة- بكسر الكاف: ما يجعل فيه السّهام.

بجاد- بفتح الموحدة وبالجيم والدال المهملة، ولم أر له ذكرا في الصحابة وكأنه لم يسلم.

الشّيماء: تقدم الكلام عليها في الرّضاع.

وما علامة ذلك- بكسر الكاف: خطاب المؤنث.

متورّكتك: أي جعلتك على وركي.

وادي السّرر- بكسر السين المهملة وبضمّها وفتح الرّاء: على أربعة أميال من مكة.

البهم بفتح الموحدة.

أطلان بفتح الطاء المهملة وباللّام.

محبّبة- بضم الميم، والموحدة المشددة اسم مفعول وكذا مكرّمة.

وافاها: [لحق بها] عسكروا بأوطاس: اجتمعوا.

نخلة- بالخاء المعجمة: اسم موضع.

بنو غيرة- بكسر الغين المعجمة، وفتح التحتية، وبالرّاء: بطن من ثقيف.

ربيعة- براء، فموحدة، فمثناة، فعين مهملة.

رفيع بالتصغير.

أهبان- بضم أوله.

العجان- بكسر العين المهملة، وبالجيم، والنّون: ما بين الخصية وحلقة الدّبر.

الثّنيّة: الطريق في الجبل.

ليّة- بكسر اللام، وفتح التحتية المشدّدة: جبل بالطائف، كان به حصن مالك بن عوف سراقة- بضم السين المهملة.

رقيم- بضمّ الرّاء، وفتح القاف.

لوذان- بفتح اللام، وسكون الواو، وبالذال المعجمة.

زمعة- بفتح الزّاي والميم وبسكونها، وبالعين المهملة.

جمح به فرسه: استعصى عليه.

الجناح- بلفظ جناح الطّائر.

استحرّ القتل: اشتدّ وكثر. وهو استفعل من الحرّ.

ذو الخمار: اسمه سبيع بن الحارث بن مالك لم يعلم له إسلام.

شرح غريب ذكر بركة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في برء جرح عائذ بن عمرو وفي الماء، ونهيه عن قتل النساء، وقوله: أنا بن العواتك

عائذ- بهمزة بعد الألف، فذال معجمة.

الثّندؤة- بالثّاء المثلّثة، وسكون النون، وضم الدّال المهملة ومن ضمّ الثّاء: همز، ومن فتحها لم يهمز كالثّدي للمرأة.

حشرج- بفتح الحاء المهملة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الراء وبالجيم.

سابلة: مستطيلة عريضة.

غرّة الفرس: بياض في جبهته فوق الدّرهم.

النّطفة- بضمّ النّون: والمراد بها هنا الماء الصّافي القليل.

الإداوة بكسر أوّله وبالدّال المهملة: المطهرة.

رباح- بفتح الرّاء، وتخفيف الموحّدة، وبالحاء المهملة.

ربيع بفتح الراء.

العسيف: الأجير لفظا ومعنى، وهو أيضا المملوك.

سيابة- بفتح السين المهملة وتخفيف التحتية وبالموحدة.

شرح غريب ذكر قوله- صلى الله عليه وسلم- من قتل قتيلا فله سلبه

السّلب- بفتح السين المهملة، واللّام: ما يسلب، أي ينزع.

حبل العاتق: وهو الوريد، والعاتق: موضع الرّداء من المنكب.

أجهضت عنه: غيبت عنه وأزيلت.

أسود بن خزاعيّ- بضم الخاء المعجمة.

ربعي بكسر الراء.

الجولة: حركة فيها اختلاط.

يختله- بفتح التحتية، وسكون الخاء المعجمة، وكسر الفوقية: يأخذه على غرّة.

فقطعت الدّرع: أي الّتي كان لابسها، وخلصت الضربة إلى يده فقطعتها.

وجدت منها ريح الموت: أي شدّتها.

أرسلني: أطلقني.

أمر الله: حكمه وقضاؤه.

لاها الله- قال الجوهري: «ها» للتنبيه، وقد يقسم بها، يقال: ها الله ما فعلت كذا، قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التّنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلّا مع الله، أي لم يسمع لاها الرّحمن، كما سمع لا والرّحمن، قال: وفي النّطق بها أربعة أوجه، أحدها: ها لله باللّام بعد الألف، بغير إظهار شيء من الألفين، ثانيها مثله، لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، ثالثها بثبوت الألفين وبهمزة قطع، رابعها بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى. والمشهور في الرّواية الثّالث ثم الأوّل.

إذا- قال الحافظ أقوال كثيرة ممّن تكلّم على هذا الحديث: أنّ الذي وقع فيه بلفظ إذا خطأ، وإنّما هو ذا تبعا لأهل العربية، ومن زعم أنّه ورد في شيء من الرّوايات خلاف ذلك فلم يصب، بل يكون ذلك من إصلاح بعض من قلّد أهل العربية، قد ثبت في جميع الرّوايات المعتمدة والأصول المحقّقة من الصّحيحين وغيرهما بكسر الألف، ثم ذال معجمة منونة، قال الطيبي: ثبت في الرّوايات «لاها الله إذن» والحديث صحيح، والمعنى صحيح، وهو كقولك لمن قال لك: أفعل كذا؟ فقلت: لا والله إذن لا أفعل، فالتّقدير: والله إذن لا يعمد إلى أسد..

إلخ. قال أبو العباس القرطبيّ: الّذي يظهر لي أن الرّواية المشهورة صواب وليست بخطأ، وذلك أنّ الكلام وقع على جواب إحدى الكلمتين للأخرى، والهاء هي التي عوّض بها عن واو القسم، وذلك أنّ العرب تقول في القسم: الله لأفعلنّ، بمدّ الهمزة وبقصرها، فكأنّهم عوضوا من الهمزة هاء فقالوا «ها لله» لتقارب مخرجيها، وكذلك قالوا: «ها» بالمدّ والقصر، وتحقيقه أنّ الّذي مد مع الهاء كأنّه نطق بهمزتين أبدل من إحداهما ألفا، استثقالا لاجتماعهما، كما تقول:

«الله» . والّذي قصر كأنه نطق بهمزة واحدة كما تقول: «الله» . وأمّا إذا فهي بلا شك حرف جواب وتعليل، وهي مثل الّذي وقعت في قوله- صلى الله عليه وسلم-، وقد سئل عن بيع الرطب بالتّمر فقال «أينقص الرّطب إذا جفّ» قالوا: نعم قال: «فلا إذن» فلو قال: فلا والله إذا كان مساويا لما وقع هنا- وهو قوله: «لاها الله إذا» من كل وجه، لكنّه لم يحتج هنا إلى القسم فتركه، قال: فقد وضح تقدير الكلام ومناسبته واستقامته معنى ووضعا من غير حاجة إلى تكلّف بعيد يخرج عن البلاغة، ولا سيّما من ارتكب وأبعد وأفسد، فجعل «الهاء» للتّنبيه «وذا» للإشارة، وفصل بينهما بالمقسم به، قال: وليس هذا قياسا فيطرد، ولا فصيحا فيحمل عليه الكلام النّبوي، ولا مرويا برواية ثابتة. قال: وما وجد للعذرى والهروي في مسلم «لا ها الله ذا» فإصلاح ممّن اغترّ بما حكي عن بعض أهل العربية، والحق أحق أن يتّبع.

وقال أبو جعفر الغرناطي نزيل حلب- رحمه الله تعالى- استرسل جماعة من القدماء في هذا الإشكال إلى أن جعلوا المخلص من ذلك أن اتهموا الإثبات في التصحيف فقالوا:

الصّواب «لاها الله ذا» باسم الإشارة، قال: ويا عجبا من قوم يقبلون التّشكيك على الرّوايات الثّابتة. ويطلقون لها تأويلا، وجوابهم أنّ «ها الله» لا يستلزم اسم الإشارة. كما قال ابن مالك، وأمّا من جعل لا يعمد جواب فأرضه فهو سبب الغلط وليس بصحيح ممن زعمه وإنما هو جواب شرط مقدّر يدلّ عليه قوله «إن صدق فأرضه» فكان «أبو بكر» قال: إذا صدق في أنه صاحب السّلب إذا لا يعمد إلى السّلب فيعطيك حقه، فالجزاء على هذا صحيح لأنّ صدقه سبب الا يفعل ذلك، قال: وهذا واضح لا تكلّف فيه، قال الحافظ: فهو توجيه حسن، والّذي قبله أقعد ويؤيده كثرة وقوع هذه الجملة في كثير من الأحاديث. وسردها الحافظ، وبسط الكلام على

هذا اللفظ هو والشيخ في شرح الموطأ، فمن أراد الزّيادة على ما هنا فليراجع كلامهما رحمهما الله تعالى.

لا يعمد بالتحتية للأكثر، وللنووي بالنون: أي لا يقصد رسول الله- صلى الله عليه وسلم إلى رجل كأنه أسد في الشّجاعة يقاتل على دين الله ورسوله- فيأخذ حقه ويعطيكه بغير طيبة من نفسه.

كلّا: حرف ردع وزجر.

أصيبغ بمهملة، ثم معجمة عند القابسي. وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر، قال ابن التين: وصفه بالضعف والمهانة. والأصيبغ نوع من الطّير، أو شبّهه بنبات ضعيف يقال له الصيغا إذا طلع من الأرض يكون أوّل ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابي، وهذا على رواية القابسي، وعلى الرواية الثانية تكون تصغير الضّبع على غير قياس، كأنه لمّا عظّم أبو قتادة» بأنه أسد صغّر خصمه وشبهه بالضّبع لضعف افتراسه، وما يوصف به من العجز، وقال ابن مالك:

أضيبع- بمعجمة وعين مهملة- تصغير أضبع، ويكنى به عن الضعيف.

ويدع- بالرفع والنصب والجزم أي يترك.

صدق: أي القائل.

فأعطه- بصيغة الأمر، يقول: اعترف بأن السّلب عنده.

المخرف- بفتح الميم، والرّاء، وسكون الخاء المعجمة بينهما، ويجوز كسر الراء، أي بستانا سمي بذلك لأنه يخترف منه التّمر أي يجتنى، وأما بكسر الميم فهو اسم الآلة الّتي يخترف بها.

في رواية خرافا- بكسر الخاء: وهو التّمر الذي يخترف أي يجتنى، وأطلقه على البستان مجازا فكأنه قال: بستان خراف.

في بني سلمة- بكسر اللّام: بطن من الأنصار، وهم قوم أبي قتادة.

تأثّلته بالفوقية والثّاء المثلّثة: أي تأصّلته، وأثلة كل شيء أصله.

اعتقدته جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد لأن من ملك شيئا عقد عليه.

نتضحّى معه: نأكل وقت الضّحى.

انتزع طلقا: قيدا من جلود.

من حقبه- بفتح المهملة والقاف: حبل يشد به الرحل إلى بطن البعير ممّا يلي ثيله.

رقة من الظهر: ضعف.

ناقة ورقاء في لونها بياض إلى السواد ويضرب لونها إلى الخضرة.

اخترط سيفه: سلّه من غمده، وهو افتعل من الخرط.

الوبرة من البعير- بفتح الواو والموحدة.

عيينة- بضم العين المهملة وكسرها وفتح التحتية الأولى وسكون الثانية.

حصن- بكسر الحاء، وسكون الصّاد المهملتين، وبالنون.

ابن الأضبط- بوزن الأحمر بالضّاد المعجمة، والموحدة، والطاء المهملة.

محلّم- بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وكسر اللّام المشددة، وبالميم.

جثامة- بفتح الجيم، وتشديد الثّاء المثلّثة وبعد الألف ميم مفتوحة وتاء تأنيث واسمه زيد بن قيس.

خندف- بكسر الخاء المعجمة وسكون النون، وكسر الدّال المهملة، وبالفاء.

مكيتل- بضم الميم، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وكسر الفوقيّة، واللّام، ويروى بكسر الثّاء المثلّثة، وباللّام.

الشّكة بكسر الشين المعجمة: السلاح.

والرّجل المجتمع: الذي بلغ أشدّه.

غرّة الإسلام بالغين المعجمة أوله «فورنا» بفتح الفاء وسكون الواو وبالراء هنا: الوقت الحاضر: الذي لا تأخير فيه، ثم استعمل في الحالة التي لا بطء فيها.

يؤزونه- بالزّاي يغرون ويهيجون.

ضرب- بفتح الضاد المعجمة وسكون الرّاء، وبالموحّدة، وهو هنا الخفيف اللّحم الممشوق المستدق.

آدم- بالمد: أسمر.

ينفذ به النّاس- بالنّون، والفاء، والذّال المعجمة: يسمعهم.

الحصين- بضم الحاء، وفتح الصاد المهملتين مصغر.

نهيك- ككريم- آخره كاف.

غمرة- بغين- معجمة مفتوحة، فميم ساكنة: منهل من مناهل طريق مكّة، يصل بين تهامة ونجد.

أطأ الخبر: أعلنه وأبينه.

معدن- بفتح الميم، وكسر الدّال المهملة.

سليم- بضم السين.

المصلّى- بضم الميم، وفتح الصّاد المهملة، واللّام المشدّدة: موضع الصّلاة، وهو موضع مصلّى النبي- صلى الله عليه وسلم في الأعياد خارج المدينة بالعقيق معروف.



كلمات دليلية: