غزوة حنين 8 هـ_16902

غزوة حنين : 8 هـ


غزوة حنين

«1»

ولما سمعت «2» هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النضرى، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نضر وجشم كلها، وسعد بن بكر وناس من بنى هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء.

وفى بنى جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شىء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف.

فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة فى شجار «3» له يقاد به، فلما نزل قال: «فى أى واد أنتم؟» قالوا: بأوطاس. قال: «نعم مجال الخيل لا حزن ضرس»

ولا سهل دهس «5» ، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير ويعار الشاء؟» قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أمولهم ونساءهم وأبناءهم. قال: «أين مالك؟» فدعى له فقال: «يا مالك، إنك أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم له ما بعده، ما لى أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟» قال: سقت مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ليقاتل عنهم قال: فانقض به، وقال: «راعى ضأن والله! وهل يرد المنهزم شىء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت فى أهلك ومالك» .

ثم قال: «ما فعلت كعب وكلاب؟» قالوا: لم يشهدها منهم أحد. قال: «غاب

__________

(1) راجع هذه الغزوة فى: المنتظم لابن الجوزى (3/ 331- 341) ، مغازى الواقدى (3/ 885) ، طبقات ابن سعد (2/ 1/ 108) ، تاريخ الطبرى (3/ 71) ، الكامل (2/ 135) ، البداية والنهاية (4/ 322) .

(2) انظر: السيرة (4/ 71) .

(3) شجار: شبه الهودج إلا أنه مكشوف من أعلى.

(4) الحزن: المرتفع من الأرض. الضرس: الذى فيه حجارة محددة.

(5) سهل دهس: هو كل لين سهل لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين..

الحد «1» والجد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟» قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر. قال: «ذانك الجذعان «2» لا ينفعان ولا يضران! يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم ثم الق الصّبّاء «3» على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك» .

قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر عقلك والله لتطيعننى يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهرى، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو أرى، قالوا: أطعناك.

فقال دريد ابن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتنى:

يا ليتنى فيها جذع ... أخب فيها وأضع «4»

ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم، ثم شدوا شدة رجل واحد.

وبعث مالك بن عوف عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم فقال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد.

ولما سمع بهم نبى الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبى حدرد الأسلمى وأمره أن يدخل فى الناس، ويقيم فيهم حتى يعلم علمهم، ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبى حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسمع من مالك وأمر هوزان ما هم له ثم أقبل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر «5» .

__________

(1) غاب الحد: أى غابت الشجاعة والحدة.

(2) الجذعان: يريد أنهما ضعيفان بمنزلة الجذع فى سنه.

(3) الصباء: مفردها صابىء وكانوا يسمون المسلمون صباء.

(4) يا ليتنى فيها جذع: يتمنى أن يكون فى هذه الحرب شابا لم تحطمه الأيام. وأخب: من الخبب، وهو ضرب من السير.

(5) ذكر فى السيرة (4/ 73) زيادة فى هذا الموضع فقال: « ... فأخبره الخبر، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره الخبر فقال عمر: كذب ابن أبى حدرد، فقال ابن أبى حدرد: إن-

فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعا وسلاحا فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك فقال: «يا أبا أمية، أعرنا سلاحك هذا نلقى فيها عدونا غدا» ، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال: «بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك» ، قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ففعل «1» .

ثم خرج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامدا لحنين معه ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثنى عشر ألفا.

وذكر «2» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين ورأى كثرة من معه من جنود الله: «لن نغلب اليوم من قلة» «3» . وزعم بعض الناس أن رجلا من بنى بكرة قالها.

واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبى العيص بن أمية بن عبد شمس «4» على مكة أميرا على من تخلف عنه من الناس. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن.

قال ابن عقبة: وكان أهل حنين يظنون حين دنا منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعنى فى توجهه إلى مكة أنه بادىء بهم، وصنع الله لرسوله ما هو أحسن من ذلك، فتح له مكة فأقر بها عينه وكبت بها عدوه.

__________

- كذبتنى فربما كذبت بالحق يا عمر، فقد كذبت من هو خير منى، فقال عمر: يا رسول الله، ألا تسمع ما يقول ابن أبى حدرد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد كانت ضالا فهداك الله يا عمر» . هكذا وردت هذه الزيادة فى السيرة. وانظر هذه الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 324) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 121) .

(1) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (3/ 48، 49) ، السلسلة الصحيحة للألبانى (631) ، السنن الكبرى للبيهقى (6/ 89) .

(2) انظر: السيرة (4/ 77) .

(3) انظر الحديث فى: مستدرك الحاكم (1/ 443) ، سنن أبى داود (3/ 2611) ، سنن الترمذى (4/ 1555) .

(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1775) ، الإصابة الترجمة رقم (5407) ، أسد الغابة الترجمة رقم (3538) ، الثقات (3/ 304) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 370) ، تقريب التهذيب (2/ 3) خلاصة تذهيب (2/ 208) ، شذرات الذهب (1/ 56) ، العبر (1/ 16) ، تهذيب الكمال (2/ 900) ، مشاهير علماء الأمصار (155) .

فلما خرج صلى الله عليه وسلم إلى حنين خرج معه أهل مكة ركبانا ومشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم، ولا يكرهون أن تكون الصدمة برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وحدث «1» أبو واقد الليثى قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثوا عهد بالجاهلية، وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة خضراء عظيمة يقال لها: ذات أنواط. يأتونها كل سنة فيعلقون عليها أسلحتهم ويذبحون عندها ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير معه سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! قلتم والذى نفس محمد بيده كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ، قالَ: إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [الأعراف: 138] فإنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم» «2» .

وحدث «3» جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادى حنين انحدرنا فى واد من أودية تهامة أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارا قال: وذلك فى عمامة الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادى فكمنوا لنا فى شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيأوا، فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوى أحد على أحد.

وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ثم قال: «أيها الناس هلم إلى أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» قال: فلا شىء! حملت الإبل بعضها على بعض وانطلق الناس، إلا أنه قد بقى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر وعمرو ومن أهل بيته على بن أبى طالب والعباس وأبو سفيان بن الحارث وابنه والفضل بن عباس وربيعة بن الحارث وأسامة بن زيد وأيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن قتل يومئذ «4» .

قال «5» : ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية سوداء فى رأس رمح طويل

__________

(1) انظر: السيرة (4/ 75) .

(2) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (5/ 218) ، سنن الترمذى (4/ 2180) .

(3) انظر: السيرة (4/ 75) .

(4) انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (3/ 376) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 179) .

(5) انظر: السيرة (4/ 76) .

أمام هوازن وهم خلفه، إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا ذلك الرجل يصنع ما يصنع إذا أهوى له على بن أبى طالب ورجل من الأنصار يريدانه قال: فيأتى على من خلفه فضرب عرقوبى الجمل فوقع على عجزه ووثب الأنصارى على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رحله.

قال ابن إسحاق «1» : فلما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة تكلم رجال منهم بما فى أنفسهم من الضغن فقال أحدهم: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر. وإن الأزلام لمعه فى كنانته. وصرخ آخر منهم: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان بن أمية وهو يومئذ مشرك فى المدة التى جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

اسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربنى رجل من قريش أحب إلىّ من أن يربنى رجل من هوازن.

وقال شيبة بن عثمان بن أبى طلحة أخو بنى عبد الدار، وكان أبوه قتل يوم أحد، قلت: اليوم أدرك ثأرى، اليوم أقتل محمدا. قال: فأردت برسول الله لأقتله فأقبل شىء حتى تغشى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنى ممنوع منه «2» .

وذكر ابن أبى خيثمة حديث شيبة هذا، قال: لما رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يوم حنين أعرى ذكرت أبى وعمى قتلهما حمزة، قلت: اليوم أدرك ثأرى فى محمد، فجئته عن يمينه فإذا أنا العباس قائما عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته عن يساره فإذا أنا بأبى سفيان بن الحارث، قلت: ابن عمه لن يخله، فجئته من خلفه فدنوت ودنوت حتى لم يبق إلا أن أسور سورة بالسيف فرفع إلى شواظ من نار كأنه البرق فنكصت على عقبى القهقرى، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا شيبة ادنه» . فدنوت فوضع يده على صدرى فاستخرج الله الشيطان من قلبى فرفعت إليه بصرى فلهو أحب إلى من سمعى وبصرى، فقال لى: «يا شيبة قاتل الكفار» «3» . فقاتلت معه صلى الله عليه وسلم.

وحدث «4» العباس بن عبد المطلب قال: إنى لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها وكنت امرء جسيما شديد الصوت ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من أمر الناس: «أين أيها الناس؟» فلم أر الناس يلوون على شىء، فقال: «يا

__________

(1) انظر: السيرة (4/ 76- 77) .

(2) انظر: السيرة (4/ 77) .

(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (4/ 333) ، الدر المنثور للسيوطى (3/ 226) .

(4) انظر: السيرة (4/ 78) .

عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة» . قال: فأجابوا: لبيك لبيك.

قال: فيذهب الرجل ليثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها فى عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ويقتحم عن بعيره ويخلى سبيله فيؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوى أول ما كانت للأنصار ثم خلصت آخرا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم فقال: «الآن حمى الوطيس» «1» .

قال جابر بن عبد الله فى حديثه: واجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم!.

قال: والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبى سفيان بن الحارث وكان حسن الإسلام وممن صبر يومئذ معه وهو آخذ بثغر بغلته فقال: «من هذا؟» قال: أنا ابن أمك يا رسول الله «2» .

وذكر ابن عقبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما غشيه القتال يومئذ قام فى الركابين وهو على البغلة. ويقولون: نزل. فرفع يديه إلى الله يدعوه يقول: «اللهم إنى أنشدك ما وعدتنى، اللهم لا ينبغى لهم أن يظهروا علينا» . ونادى أصحابه فذمرهم: «يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، يا أصحاب سورة البقرة، يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بنى الخزرج» . وقبض قبضة من الحصباء فحصب بها وجوه المشركين ونواحيهم كلها. وقال: «شاهت الوجوه» «3» .

فهزم الله أعداءه من كل ناحية حصبهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتبعهم المسلمون يقتلونهم وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاههم وإبلهم، وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف فى ناس من أشراف قومه.

__________

(1) ذكره الإمام أحمد فى مسنده (1775) ، مسلم فى صحيحه (3/ 1398، 1399/ 76) .

(2) لم أقف على تخريجه فيما بين يدى من مصادر، وقصة أبى سفيان بن الحارث أنه كان أخذ بزمام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم أخرجها البخارى فى صحيحه كتاب المغازى (7/ 4315) من طريق أبى إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب ... وفيه: «فيفهم هوزان بالنبل والنبى صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» .

(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية (4/ 330) ، المعجم الكبير للطبرانى (10/ 188) ، مجمع الزوائد للهيثمى (6/ 82، 8/ 619) ، دلائل النبوة للبيهقى (5/ 131) ، فتح البارى لابن حجر (7/ 619) .

وأسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة وغيرهم حين رأوا نصر الله ورسوله وإعزاز دينه.

وحدث «1» جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مثبوت قد ملأ الوادى ولم أشك أنها الملائكة، فلم تكن إلا هزيمة القوم «2» .

والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبى طلحة وهى حازمة وسطها ببرد لها وإنها لحامل بعبد الله بن أبى طلحة، ومعها جمل أبى طلحة قد خشيت أن يعزها فأدنت رأسه منها فأدخلت يدها فى خزامته مع الحظام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أم سليم؟» قالت: نعم، بأبى أنت وأمى يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك فإنهم أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو يكفى الله يا أم سليم؟» . وقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر يا أم سليم؟ لخنجر رآه عندها. قالت: خنجر اتخذته إن دنا منى أحد من المشركين بعجته به. فقال أبو طلحة:

ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم! «3» .

وحدث «4» أنس: أن أبا طلحة استلب وحده يوم حنين عشرين رجلا «5» .

وقال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركا، فإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقنى بيده الأخرى، فو الله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الدم.

ويروى: ريح الموت. فلولا أن الدم نزفه لقتلنى، فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال. فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا فله سلبه. فقلت: يا رسول الله والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب فأجهضنى عنه القتال

__________

(1) انظر: السيرة (4/ 81- 82) .

(2) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 146) ، تاريخ الطبرى (2/ 169) ، تفسير ابن كثير (4/ 72) .

(3) انظر الحديث فى: صحيح مسلم كتاب الجهاد باب غزوة النساء مع الرجال (3/ 1442، 1443) ، سنن أبو داود (2718) ، مسند الإمام أحمد (3/ 108، 109، 190، 279، 286) .

(4) انظر: السيرة (4/ 81) .

(5) انظر الحديث فى: سنن الدارمى (2/ 2484) ، مسند الإمام أحمد (3/ 114، 123، 190، 279) ، مستدرك الحاكم (3/ 353) ، ابن حبان (7/ 4818) .

فما أدرى من استلبه. فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله فأرضه عنى من سلبه. فقال أبو بكر: لا والله لا ترضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه! اردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صدق اردد عليه سلبه.

قال أبو قتادة: فأخذته منه فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لأول مال اعتقدته «1» .

ولما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف فى بنى مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة ومعه كانت راية بنى مالك.

وكانت قبله مع ذى الخمار، فلما قتل أخذها عثمان فقاتل بها حتى قتل، فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله قال: «أبعده الله، فإنه كان يبغض قريشا» «2» .

وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس هرب هو وقومه من الأحلاف فلم يقتل منهم غير رجلين يقال لأحدهما وهب وللآخر الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: «قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة» «3» . يعنى الحارث بن أويس.

ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك فى نخلة من الناس ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع وكان يقال له: ابن الدغنة، وهى أمه غلبت على اسمه أدرك دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان فى شجار له، فأناخ به فإذا شيخ كبير وإذا هو دريد ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد:

ماذا تريد بى؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: انا ربيعة بن رفيع السلمى. ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما سلحتك أمك! خذ سيفى هذا من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإنى كذلك كنت أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك.

فزعم بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه فقالت: أما

__________

(1) انظر الحديث فى: صحيح مسلم (3/ 1370، 1371، 41) ، مسند الإمام أحمد (5/ 306) .

(2) انظر الحديث فى: مصنف عبد الرزاق (11/ 19904) .

(3) انظر الحديث فى: البداية والنهاية لابن كثير (4/ 335) .

والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثا «1» . وقالت عميرة بنت دريد ترثى أباها:

قالوا قتلنا دريدا قلت قد صدقوا ... فظل دمعى على السربال ينحدر

لولا الذى قهر الأقوام كلهم ... رأت سليم وكعب كيف يأتمر «2»

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعرى «3» فأدرك بعض المنهزمة فناوشوه القتال، فرمى بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعرى «4» ففتح الله عليه وهزمهم الله، ويزعمون أن سلمة بن دريد هو الذى رمى أبا عامر.

وذكر ابن هشام «5» عمن يثق به أن أبا عامر الأشعرى لقى يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا بعد رجل، ويحمل أبو عامر ويقول ذلك، حتى قتل تسعة وبقى العاشر، فحمل على أبى عامر وحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه. فقال الرجل: اللهم لا تشهد على، فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه قال: «هذا شريد أبى عامر» «6» ورمى أبا عامر يومئذ- فيما ذكر ابن هشام- خوان من بنى جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والأخر ركبته فقاتلاه، وولى الناس أبو موسى الأشعرى فحمل عليهما فقتلهما.

وذكر ابن إسحاق «7» أن القتل استحر فى بنى نصر بن رئاب، فزعموا أن عبد الله

__________

(1) انظر الحديث فى: دلائل النبوة للبيهقى (5/ 145) ، تاريخ الطبرى (2/ 170) ، الأصفهانى كتاب الأغانى (9/ 15، 16) .

(2) ذكر فى السيرة بعد هذان البيتان بيت آخر هو:

إذن لصحبهم غبا وظاهرة ... حيث استقرت نواهم جحفل دفر

انظر: السيرة (4/ 87) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3092) ، الإصابة الترجمة رقم (10185) ، أسد الغابة الترجمة (6043) .

(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (3226) ، الإصابة الترجمة رقم (10588) ، أسد الغابة الترجمة رقم (6294) .

(5) انظر: السيرة (4/ 89- 90) .

(6) انظر الحديث فى: فتح البارى لابن حجر (7/ 639) ، البداية والنهاية لابن كثير (4/ 338) .

(7) انظر: السيرة (4/ 87- 88) .

ابن قيس الذى يقال له: ابن العوراء، وهو أحد بنى وهب بن رئاب، قال: يا رسول الله، هلكت بنو رئاب. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم اجبر مصيبتهم» «1» .

وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة فوقف فى فوارس من قومه على ثنية من الطريق وقال لأصحابه: قفوا حتى يمضى ضعفاؤكم وتلحق اخراكم. فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم منهزمة الناس.

قال ابن هشام «2» : وبلغنى أن خيلا طلعت ومالك وأصحابه على الثنية فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا: نرى قوما واضعى رماحهم بين آذان خيلهم طويلة بوادهم.

فقال: هؤلاء بنو سليم ولا بأس عليكم منهم، فلما أقبلوا سلكوا بطن الوادى، ثم طلعت خيل اخرى تتبعها فقال لأصحابه: ماذا ترون، قالوا: نرى أقواما عارضى أرماحهم أغفالا «3» على خيلهم. قال: هؤلاء الأوس والخزرج ولا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية سلكوا طريق بنى سليم ثم اطلع فارس فقال لأصحابه: ماذا ترون؟ قالوا:

نرى فارسا طويل الباد واضعا رمحه على عاتقه عاصبا رأسه بملاءة حمراء. فقال: هذا الزبير بن العوام وأحلف باللات ليخالطنكم فاثبتوا له. فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: «إن قدرتم على بجاد، رجل من بنى سعد بن بكر، فلا يفلتنكم» ، وكان قد أحدث حدثا، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء بنت الحارث بن عبد العزى أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها فى السياق فقالت للمسلمين: تعلموا والله أنى لأخت صاحبكم من الرضاعة. فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبى صلى الله عليه وسلم فلما انتهوا بها إليه قالت: يا رسول الله إنى أختك. قال: وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضة عضضتنيها فى ظهرى وأنا متوركتك، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فبسط لها رداءه فأجلسها عليه وخيرها، فقال: إذا أحببت فعندى محبة مكرمة وإن أحببت أن أمتعك وترجعى إلى قومك فعلت، قالت: بل تمتعنى وتردنى إلى قومى. فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وردها إلى قومها. فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له: مكحول، وجارية، فزوجت أحدهما الآخر فلم يزل فيهم من نسلهما بقية «4» .

__________

(1) انظر الحديث فى: الطبقات الكبرى لابن سعد (2/ 152) ، الإصابة لابن حجر (4/ 121) .

(2) انظر: السيرة (4/ 88- 89) .

(3) أغفالا: جمع غفل، وهو الذى لا علامة له، يريد أنهم لم يتخذوا لأنفسهم علامة يعرفون بها.

(4) انظر الحديث فى: تاريخ الطبرى (2/ 171) ، الإصابة لابن حجر (8/ 123) ، الاستيعاب لابن-

وأنزل الله تبارك وتعالى فى يوم حنين لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ [التوبة: 25، 26] .

واستشهد من المسلمين يوم حنين من قريش ثم من بنى هاشم: أيمن بن عبيد «1» مولاهم. ومن بنى أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب «2» ، جمح به فرس يقال له الجناح فقتل.

ومن الأنصار: سراقة بن الحارث العجلانى «3» . ومن الأشعريين أبو عامر الأشعرى.

ثم جمعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا حنين وأموالها فأمر بها إلى الجعرانة فحبست بها حتى أدركها هنالك منصرفه عن الطائف على ما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.

وقال عباس بن مرداس السلمى «4» فى يوم حنين «5» :

عفا مجدل من أهله فمتالع ... فمطلا أريك قد خلافا لمصانع

ديار لنا يا جمل إذ جل عيشنا ... رخى وصرف الدهر للحى جامع

حبيبة ألوت بها غربة النوى ... لبين فهل ماض من العيش راجع

فإن تبتغى الكفار غير ملومة ... فإنى وزير للنبى وتابع

دعانا إليه خير وفد علمتم ... خزيمة والمرار منهم وواسع

__________

- عبد البر الترجمة رقم (1870، 4003) ، أسد الغابة لابن الأثير (7/ 166، 167) .

(1) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (131) ، الإصابة الترجمة رقم (394) ، أسد الغابة الترجمة رقم (353) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 41) ، معرفة الصحابة (2/ 372) .

(2) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (2800) ، الإصابة الترجمة رقم (9280) ، أسد الغابة الترجمة رقم (5552) .

(3) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (916) ، الإصابة الترجمة رقم (3113) ، أسد الغابة الترجمة رقم (1948) .

(4) انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (1387) ، الإصابة الترجمة رقم (4529) ، أسد الغابة الترجمة رقم (2801) ، تجريد أسماء الصحابة (1/ 295) ، تاريخ جرجان (281) ، تقريب التهذيب (1/ 399) ، تهذيب التهذيب (5/ 130) ، خلاصة تذهيب (2/ 37) ، تهذيب الكمال (2/ 660) ، الأعلام (3/ 267) .

(5) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 95- 96) .

فجئنا بألف من سليم عليهم ... لبوس لهم من نسج داود رائع

نبايعه بالأخشبين وإنما ... يد الله بين الأخشبين نبايع

فجسنا مع المهدى مكة عنوة ... بأسيافنا والنقع كاب وساطع

علانية والخيل يغشى متونها ... حميم وآن من دم الجوف ناقع

ويوم حنين حين سارت هوازن ... إلينا وضاقت بالنفوس الأضالع

صبرنا مع الضحاك لا يستفزنا ... قراع الأعادى منهم والوقائع

أمام رسول الله يخفق فوقنا ... لواء كخدروف السحابة لامع

عشية ضحاك بن سفيان معتص ... بسيف رسول الله والموت كانع

نذود أخانا عن أخينا ولو نرى ... مصالا لكنا الأقربين نتابع

ولكن دين الله دين محمد ... رضينا به فيه الهدى والشرائع

أقام به بعد الضلالة أمرنا ... وليس لأمر حمه الله دافع

وقال عباس أيضا «1» :

تقطع باقى وصل أم مؤمل ... بعاقبة واستبدلت نية خلفا

وقد حلفت بالله لا تقطع النوى ... فما صدقت فيه ولا برت الحلفا

خفافية بطن العقيق مصيفها ... وتحتل فى البادين وجرة فالعرفا «2»

فإن تتبع الكفار أم مؤمل ... فقد زودت قلبى على نأيها شغفا

وسوف ينبيها الخبير بأننا ... أبينا ولم نطلب سوى ربنا حلفا

وإنا مع الهادى النبى محمد ... وفينا ولم نستوفها معشر ألفا

بفتيان صدق من سليم أعزة ... أطاعوا فما يعصون من أمره حرفا

خفاف وذكوان وعوف تخالهم ... مصاعب زافت فى طروقتها كلفا

كأن النسيج الشهب والبيض ملبس ... أسودا تلاقت فى مراصدها غضفا «3»

بنا عز دين الله غير تنحل ... وزدنا على الحى الذى معه ضعفا

بمكة إذ جئنا كأن لواءنا ... عقاب أرادت بعد تحليقها خطفا

على شخص الأبصار تحسب بينها ... إذا هى جالت فى مواردها عزفا

__________

(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 96- 97) .

(2) خفافية: منسوبة إلى بنى خفاف وهم حى من سليم. مصيفها: المكان الذى تقيم فيه فى الصيف.

(3) غضفا: الغضف: جمع أغضف وهو المسترخى الأذنين.

غداة وطئنا المشركين ولم نجد ... لأمر رسول الله عدلا ولا صرفا

بمعترك لا يسمع القوم وسطه ... لنا [زجمة] «4» إلا التذامر والنقفا

ببيض تطير الهام عن مستقرها ... وتقطف أعناق الكماة بها قطفا

فكاين تركنا من قتيل ملحب ... وأرملة تدعو على بعلها لهفا

رضا الله ننوى لا رضا الناس نبتغى ... ولله ما يبدو جميعا وما يخفى

وقال عباس أيضا «1» :

ما بال عينك فيها عائر سهر ... مثل الحماطة أغضى فوقها الشفر

عين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورا وينحدر

كأنه نظم در عند ناظمه ... تقطع السلك منه فهو منتثر

ما بعد منزل من ترجو مودته ... ومن أتى دونه الصمان فالحفر

دع ما تقدم من عهد الشباب فقد ... ولى الشباب وزار الشيب والزعر

واذكر بلاء سليم فى مواطنها ... وفى سليم لأهل الفخر مفتخر

قوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر

الضاربون جنود الشرك ضاحية ... ببطن مكة والأرواح تبتدر

حتى رفعنا وقتلاهم كأنهم ... نخل بظاهرة البطحاء منقعر

ونحن يوم حنين كان مشهدنا ... للدين عزا وعند الله مدخر

إذ نركب الموت مخضرا بطائنه ... والخيل ينجاب عنها ساطع كدر

تحت اللوامع والضحاك يقدمنا ... كما مشى الليث فى غاباته الخدر

فى مأزق من مجر الحرب كلكلها ... تكاد تأفل منه الشمس والقمر

وقد صبرنا بأوطاس أسنتنا ... لله ننصر من شئنا وننتصر

حتى تأوب أقوام منازلهم ... لولا المليك ولولا نحن ما صدروا

فما ترى معشرا قلوا ولا كثروا ... إلا قد أصبح منا فيهم أثر

وقال عباس بن مرداس أيضا رضى الله عنه «2» :

يا أيها الرجل الذى تهوى به ... وجناء مجمرة المناسم عرمس

__________

(4) ما بين المعقوفتين ورد فى الأصل: «رحمة» ، والتصحيح من السيرة. وزجمة: تقول ما زجم فلان أى ما نطق بكلمة.

(1) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 97- 98) .

(2) انظر الأبيات فى: السيرة (4/ 98- 99) .

إما أتيت على النبى فقل له ... حقا عليك إذا اطمأن المجلس

يا خير من ركب المطى ومن مشى ... فوق التراب إذا تعد الأنفس

إنا وفينا بالذى عاهدتنا ... والخيل تقدع بالكماة وتضرس

إذ سال من أفناء بهثة كلها ... جمع تظل به المخارم ترجس

حتى صبحنا أهل مكة فيلقا ... شهباء يقدمها الهمام الأشوس

من كل أغلب من سليم فوقه ... بيضاء محكمة الدخال وقونس

وعلى حنين قد وفى من جمعنا ... ألف أمد به الرسول عرندس

كانوا أمام المؤمنين دريئة ... والشمس يومئذ عليها أشمس

نمضى ويحرسنا الإله بحفظه ... والله ليس بضائع من يحرس

ولقد حبسنا بالمناقب محبسا ... رضى الإله بهم فنعم المحبس

وغداة أوطاس شددنا شدة ... كفت العدو وقيل منها يحبس

ندعو هوازن بالإخاءة بيننا ... ثدى تمد به هوازن أيبس

حتى تركنا جمعهم وكأنه ... عير تعاقبه السباع مفرس

وقال عباس بن مرداس أيضا «1» :

نصرنا رسول الله من غضب له ... بألف كمى لا تعد حواسره

حملنا له فى عامل الرمح راية ... يذود بها فى حومة الموت ناصره

ونحن خضبناها دما فهو لونها ... غداة حنين يوم صفوان شاجره

وكنا على الإسلام ميمنة له ... وكان لنا عقد اللواء وشاهره

وكنا له يوم الجنود بطانة ... يشاورنا فى أمره ونشاوره

دعانا فسمانا الشعار مقدما ... وكنا له عونا على من يناكره

جزى الله خيرا من نبى محمدا ... وأيده بالنصر والله ناصره



كلمات دليلية: