غزوة حمراء الأسد _13019

غزوة حمراء الأسد


غزوة حمراء الأسد

:

بالحاء المهملة والمد. قال أبو عبيد البكري: تأنيث أحمر مضافة إلى أسد، "وهي" أنَّثه لكونه اسمًا للبقعة أو نظرًا للفظ حمراء، وإلّا ففي النور اسم مكان، والقاموس موضع، "على ثمانية أميال", وقيل: عشرة كما في الخميس، "من المدينة عن يسار الطريق إذا أردت" أيها الذاهب من المدينة "ذا الحليفة", تكون عن يسارك، "وكان صبيحة يوم أحد" وهو يوم السبت، فهذه الغزوة يوم الأحد "ليست عشرة ليلة مضت" عند ابن إسحاق, "أو لثمانٍ خَلَوْنَ" عند ابن سعد، "من شوال على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من الهجرة".

قال اليعمري: والخلاف عندهم كما سبق في أُحد، "لطلب عدوهم" مصدر مضاف لمفعوله، أي: الذين عادوهم "بالأمس" أي: اليوم الذي قبل يوم خروجهم؛ لأنه كما ذكر الواقدي، باتت وجوه الأنصار على بابه -صلى الله عليه وسلم خوفًا من كرة العدوّ، فلمَّا طلع الفجر وأذَّن بلال بالصلاة، وجاء عبد الله ابن عمرو المزني, فأخبره -صلى الله عليه وسلم- أنه قد أقبل من أهله, حتى إذا كان بملل بميم

ونادى مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "أن لا يخرج معنا أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس"، أي: من شهد أُحدًا.

__________

ولامين, موضع قرب المدينة، إذا قريش قد نزلوا فسمعهم يقولون: ما صنعتم شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدهم, ثم تركتموهم ولم تبيدوهم، فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم فارجعوا نستأصل من بقي، وصفوان بن أمية يأبى ذلك عليهم ويقول: لا تفعلوا، فإن القوم قد حربوا -بمهملة وموحدة، أي: غضبوا، وأخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج، فارجعوا والدولة لكم, فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. فقال -صلى الله عليه وسلم: "أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده, لقد سومت لهم الحجارة, ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب"، ودعا -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر وعمر, فذكر لهما ما أخبر به المزني، فقالا: يا رسول الله, اطلب العدو ولا يقحمون على الذرية، أي: يدخلون، فلمَّا انصرف من صلاة الصبح ندب الناس، "وأذَّن مؤذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم".

قال البرهان: لا أعرفه، وفيه تقصير، فقد ذكر الواقدي أنه بلال, أمره أن ينادي: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمركم بطلب عدوكم, و"أن لا يخرج معنا أحد إلّا من خرج معنا أمس".

زاد ابن إسحاق: وكلمه جابر فقال: إن أبي كان خلَّفني على أخوات لي سبع, وفي لفظ: تسع، وهو الصحيح. وقال: يا بني, إنه لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هذه النسوة لا رجل فيهنّ, ولست بالذي أترك الجهاد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على نفسي, فتخلف على أخواتك, فتخلفت عليهنَّ فأذن له -صلى الله عليه وسلم- فخرج معه.

وعند الواقدي: فوثب المسلمون إلى سلاحهم, وما عولوا على دواء جراحهم, وجرح من بني سلمة أربعون جريحًا, بالطفيل بن النعمان ثلاثة عشر جرحًا، وبخراش بن الصمة عشر، وبقطبة بن عامر تسع، وبكعب بن مالك بضعة عشر.

"أي: من شهد أُحد"؛ لعل حكمة ذلك وإن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إظهار الشدة للعدو, فيعلمون من خروجهم مع كثرة جرحاتهم أنَّهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول, والزيادة في تعظيم من شهد أُحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه كان يمنعهم دون المسلمين.

وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة: لما انصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا، فقال: "من يذهب في أثرهم"، فانتدب منهم سبعون رجلًا فيهم أبو بكر والزبير.

زاد الطبراني عن ابن عباس، وعمر وعثمان وعلي وعمّار وطلحة وسعد وابن عوف وأبو عبيدة وحذيفة وابن مسعود.

وإنما خرج -عليه الصلاة والسلام- مرهبًا للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنّوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

__________

قال الحافظ ابن كثير: هذا سياق غريب جدًّا، فالمشهور عند أصحاب المغازي أنَّ الذين خرجوا إلى حمراء الأسد كل من شهد أُحدًا، وكانوا سبعمائة، قُتِلَ منهم سبعون، وبقي الباقون.

قال الشامي: والظاهر أنه لا تخالف بين قولي عائشة وأصحاب المغازي؛ لأن معنى قولها: فانتدب منهم سبعون، أنهم سبقوا غيرهم، ثم تلاحق الباقون, ولم ينبه على ذلك الحافظ في الفتح، انتهى.

قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمّ مكتوم.

قال ابن سعد: ودعا -صلى الله عليه وسلم- بلوائه وهو معقود لم يحل, فدفعه إلى عليِّ، ويقال: إلى أبي بكر الصديق. "وإنما خرج -عليه الصلاة والسلام- مرهبًا." قال البرهان: بكسر الهاء, اسم فاعل، أي: مخيفًا "للعدو, وليبلغهم أنه خرج في طلبهم" عطف سبب على مسبب، أي: خرج ليبلغهم فيخافوا، وفي نسخة: حذف الواو وهو الذي في ابن إسحاق، وكذا في العيون عنه، "ليظنوا به قوةً, وأن الذي أصابهم لم يوهنهم", أي: لم يضعفهم، "عن عدوهم،" فهذا سبب الغزوة عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة وغيره أن سببها ما بلغه من إرادة أبي سفيان العود لاستئصال المسلمين، كذا جعله الشامي خلافًا، وانتقده شيخنا بأنَّ مثل هذا لا يستلزم أن يكون خلافًا في السبب، بل يجوز أنه لما بلغه خبر أبي سفيان خرج لإرهاب العدو حتى لا يرجعوا إلى المدينة, فذكر ابن عقبة السبب الحقيقي وهو بلوغ خبر أبي سفيان وابن إسحاق, ما أراده -صلى الله عليه وسلم- بعد بلوغ الخبر.

وذكر ابن سعد أنه -صلى الله عليه وسلم- ركب فرسه وهو مجروح، فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعةً في آثار القوم، فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد, ولهم زجل, ويأتمرون بالرجوع, وينهاهم صفوان، فبصروا بالرجلين فقتلوهما، ومضوا ومضى -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه, ودليله ثابت بن الضحاك بن ثعلبة بن الخزرج، حتى عسكر بحمراء الأسد، فوجد الرجلين فدفنهما بقبر واحد.

وروى النسائي والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: لما رجع المشركون عن أحد قالوا: لا محمدًا قتلتم ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم ارجعوا، فسمع بذلك -صلى الله عليه وسلم, فندب المسلمين فانتدبوا, حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عتبة، فأنزل الله -عز وجل: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُول} [آل عمران: 172] الآية، وهذا قول أكثر المفسرين ورجَّحه ابن جرير.

وقال مجاهد وعكرمة: نزلت في بدر الصغرى.

قال ابن كثير: والصحيح الأول.

وأقام -عليه الصلاة والسلام- بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة يوم الجمعة, وقد غاب خمسًا.

وظفر -عليه الصلاة والسلام- في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص, فأمر بضرب عنقه صبرًا.

__________

"وأقام -عليه الصلاة والسلام- بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء".

قال ابن سعد: وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار، حتى ترى من المكان البعيد، وذهب صوت معكسرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبت الله بذلك عدوهم.

وعند ابن إسحاق: أنه لقيه بحمراء الأسد معبد بن أبي معبد الخزاعي، فعزاه بمصاب أصحابه، وهو يومئذ مشرك، وأسلم بعد, كما جزم به ابن عبد البر وابن الجوزي، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان وأصحابه وهم بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة وقالوا: أصبنا في أُحد أصحاب محمد وقادتهم وأشرافهم، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم؛ لنكِرنَّ عليهم فلنفرغنَّ منهم، فلمَّا رأى أبو سفين معبدًا قال: ما وراءك؟ قال: محمد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط, يتحرقون عليكم تحرقًا, قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم, وندموا على ما صنعوا, فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول! قال: ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال: لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فثنى ذلك المشركين فرجعوا إلى مكة.

وروى ابن جرير عن ابن عباس قال: إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرعب يوم أحد بعد الذي كان منه، فرجع إلى مكة. فقال -صلى الله عليه وسلم: "إن أبا سفين قد أصاب منكم طرفًا، وقذف الله في قلبه الرعب".

"ثم رجع" -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء "إلى المدينة يوم الجمعة", لم يذكر ابن إسحاق وأتباعه يوم الجمعة، فلعله -صلى الله عليه وسلم- خرج من حمراء الأسد يوم الخميس، وبات بالطريق لغرض ما ليلة الجمعة، ثم دخل يومها، "وقد غاب خمسًا" كما جزم به البلاذري، "وظفر -عليه الصلاة والسلام- في مخرجه ذلك", أي: رجوعه من حمراء الأسد قبل روعه إلى المدينة "بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص" بن أمية بن عبد شمس، وهو جد عبد الملك بن مروان أبو أمه عائشة، "فأمر بضرب عنقه صبرًا" بأن أوثقه حتى أمر بقتله.

قال ابن هشام: ويقال: إن زيد بن حارثة وعمَّار بن ياسر قتلاه بعد حمراء الأسد، كان لجأ إلى عثمان فاستأمن له رسول الله -صلى الله عليه وسلم، فأمَّنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قُتِل، فأقام بعد ثلاث

قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمر في شوال، ويقال: سنة أربع. انتهى.

قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات, قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يشربون الخمر، ويأكلون الميسر،.............................................

__________

وتوارى، فبعثهما -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا"، فوجداه فقتلاه، وبهذ عارض البرهان الأول. وجمع شيخنا بأنه لما توارى أرسل يطلبه، فظفر به زيد وعمَّار وأوثقاه وجاءا به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم, فأمرهما بقتله, وأنهما لما ظفرا به أوثقاه ثم قتلاه اكتفاء بإشارته لهما بقتله، فيكون في قوله: "أمر بضرب عنقه صبرًا" تسمح.

وفي سيرة ابن هشام: وأخذ -صلى الله عليه وسلم- أبا عزَّة -بعين مهملة وزاي مشددة مفتوحة وتاء تأنيث- عمرو بن عبد الله الجمحي، وكان أسره ببدر، ثم مَنَّ عليه فقال: يا رسول الله, أقلني، فقال: "والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير"، فضرب عنقه.

قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال -صلى الله عليه وسلم: "إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت"، فضرب عنقه.

"قال الحافظ مغلطاي: وحُرِّمَت الخمرة في شوال" سنة ثلاث بعد وقعة أُحد. ففي الصحيح عن جابر قال: اصطبح الخمر يوم أُحد ناس، ثم قتلوا شهداء. زاد في رواية: وذلك قبل تحريمها، "ويقال: سنة أربع"، ذكره ابن إسحاق وفيه نظر؛ لأن أنسًا كان الساقي يوم حُرِّمَت، فلمَّا سمع النداء بتحريمها بادر فأراقها. فلو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر ع ذلك "انتهى" كلام مغلطاي بما زدته، كما نقله عنه المصنف في الحديبية، وفي نظره نظر؛ لأن أنسًا كان ابن أربع عشرة سنة، فليس يصغر عن ذلك على أن إراقتها كان بأمر الصحابة له، كما في البخاري عنه. وجزم الدمياطي بأن تحريمها كان سنة الحديبية.

"قال أبو هريرة فيما رواه أحمد: حُرِّمَت الخمر ثلاث مرات", أي: نزل تحريمها في القرآن ثلاثًا، إلّا أنها حرمت ثم حرمت. وهكذا قال الإمام الشافعي: ليس شيء أُحِلَّ ثم حُرِّمَ، ثم أُحِلَّ ثم حُرِّمَ إلا المتعة. قال بعضهم: نسخت ثلاثًا، وقيل: أكثر. ويدل عليه اختلاف الروايات في وقت تحريمها، نقله الحافظ في تخريج الرافعي, ومَرَّ في تحويل القبلة عن ابن العربي أنها كنكاح المتعة ولحوم الحمر الأهلية, نُسِخَت مرتين.

وزاد أبو العباس العزفي: الوضوء مما مسَّت النار، وأيًّا كان فليس الخمر منها, وبين المرات بقوله: "قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر" أي: يتناولون المال المتحصل من القمار، ويصرفونه في منافعهم، وخصَّ الأكل لكثرة وقوعه وعمومه

فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [البقرة: 219] إلى آخر الأية. فقال الناس: ما حرم علينا، إنما قال: فيهما إثم كبير.

وكانوا يشربون الخمر حتى كان يومًا من الأيام صلى رجل من المهاجرين, أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته، فأنزل الله آية أغلظ منها فيها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] .

__________

والاحتياج إليه، "فسألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنهما" عن حكمهما أحلال أم حرام؟ "فأنزل الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219] الآية، ما حكمهما؟ {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِير} [البقرة: 219] الآية، عظيم, وفي قراءة بالمثلثة لما يحصل بسببهما من المخاصمة والمشاتمة، وقول الفحش، {وَمَنَافِعُ لِلنَّاس} باللذة والفرح في الخمر، وإصابة المال بلا كَدٍّ في الميسر "إلى آخر الآية", يعني: وإثمهما أكبر من نفعهما، "فقال الناس: ما حرم علينا, إنما قا فيهما إثم كبير" كأنهم فهموا أن المراد به ما يكون سببًا لفعل الحرام من تغيير العقل بالخمرة، وقيام النفوس بالقمار, فهما مظنة للحرام، ولا يلزم منه التحريم، "وكانوا يشربون الخمر", وفي إقراره -صلى الله عليه وسلم- لهم دليل على أن المراد ما فهموه "حتى كان" وجد "يوم من الأيام" وفي نسخة: يومًا بالنصب على الظرفية، أي: في يوم، وعلى التقديرين فقوله: "صلى رجل" في موضع المصدر, لكن على النصب, المصدر المؤوّل اسم كان، وعلى الرفع فاعل لفعل مقدَّر، أي: حتى وجد يوم وقع فيه صلاة رجل "من المهاجرين" هو علي، وقيل: ابن عوف، على ما حكاه ابن كثير، "أمَّ أصحابه في المغرب خلط في قراءته".

وروى أبو داود، والترمذي، وحسَّنه النسائي والحاكم عن علي قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعامًا، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منَّا وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} ونحن نعبد ما تعبدون، "فأنزل الله آية أغلظ منها فيها،" ولم تقع هذه الجملة في حديث علي, إنما قال: فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ} [النساء: 43] الآية، أي: لا تصلوا {وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] الآية، من الخمر عند الأكثرين؛ لأن سبب نزولها صلاة جماعة حال السكر.

وقال الضحاك: المراد من النوم، قاله البغوي، {حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43] الآية" بأن تصحوا، وكان وجه الغلظ اشتمالها على النهي صريحًا، لكنه ليس عن شرب الخمر،

وكان الناس يشربون ثم نزلت آية أغلظ منها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} إلى قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90] قال: انتهينا ربنا.

والميسر: القمار وقيل غيره.

__________

وإنما هو عن الصلاة مع السكر خصوصًا، وقد فسَّر البيضاوي السكر بما يشمل غير الخمر من نحو نوم حتى ينتبهوا.

وقال ابن كثير: يحتمل أنَّ المراد التعريض بالنهي عن السكر بالكلية؛ لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة أوقات من الليل والنهار، فلا يتمكَّن شارب الخمر من أدائها في أوقاتها دائمًا، انتهى. فكأنما قيل لهم: حال الصحو لا تسكروا لئلّا يفوتكم به شيء من الصلاة.

"وكان الناس يشربون،" لأنهم ما نهوا عنه، "ثم نزلت آية أغلظ من ذلك" للأمر الصريح باجتنابها، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] "الآية، إلى قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الآية، وضمير اجتنبوه للرجس المعبّر به عن هذه الأشياء، كما جزم به الجلال.

وزاد البيضاوي: أو للتعاطي. قال: وأكد تحريمهما فصدر الجملة بإنما, وقرنهما بالأنصاب والأزلام، وسمَّاهما رجسًا، وجعلهما من عمل الشيان تنبيهًا على أنَّ الاشتغال بهما شر بحت أو غالب، وأمر باجتناب عينهما، وجعله سببًا يرجى منه الفلاح، ثم قرر ذلك بأن بيِّن ما فيهما من المفاسد، فقال: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَان} الآية. "قال: انتهينا ربنا" كذا في النسخ.

فقال الشارح: قائله عمر، كما مَرَّ عن البيضاوي, والذي مَرَّ حديث آخر غير هذ، والذي في المسند لأحمد عن أبي هريرة، ثم نزلت آية أغلظ من ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة: 90] الآية، إلى قوله {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُون} [المائدة: 91] الآية، قالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول الله ناس قتلوا في سبيل الله، وماتوا على فراشهم، وكانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسًا من عمل الشيطان، فأنزل الله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} [المائدة: 93] الآية، إلى آخر الآية. "والميسر" بكسر السين، وتضم وتفتح كما في القاموس، "القمار" بكسر القاف.

قال البيضاوي: سُمِّيَ به؛ لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره، أي: غناه، "وقيل غيره", فقيل هو التردد، وقيل: اللعب بالقداح، وقيل: الجزور التي كانوا يتقامرون عليها إذا أرادوا أن ييسروا، اشتروا جزورًا نسيئة، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسمًا، وعشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل، ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء،

وولد الحسن بن علي في هذه السنة.

__________

وغرم من خرج لهم الغفل، كذا في القاموس، انتهى.

"وولد الحسن بن علي في هذه السنة"، سنة ثلاث في منتصف رمضان.

قال أبو عمر: هذا أصحّ ما قيل، وقيل: ولد لنصف شعبان سنة ثلاث، وقيل: ولد بعد أُحد بسنة، وقيل: بسنتين، حكاها ابن الأثير.

قال الواقدي: وحملت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة، وكانت الداية أسماء بنت عميس وأم أيمن.

وروى ابن منده عن سوادة الكندية، قالت: كنت فيمن شهد فاطمة حين ضربها المخاض، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "كيف هي"؟ قلت: إنها لتجهد، قال: "فإذا وضعت فلا تحدثي شيئًا" فوضعت ابنًا، فسررته ووضعته في خرقة صفراء، فقال: "ائتيني به"، فلففته في خرقة بيضاء، فتفل في فيه، وسقاه من ريقه، ودعا عليًّا فقال: "ما سميته"؟، قال جعفرًا، قال: "لا, ولكنه الحسن".

وأخرج أحمد وأبو حاتم عن علي, لما ولد الحسن سميته حربًا، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابني ما سميتموه" , قلنا: سميناه حربًا فقال: "بل هو حسن"، فلمَّا ولد الحسين الثالث سميته حربًا، فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابن ما سميتموه" قلنا: حربًا، قال: "بل هو حسين" , فلمَّا ولد الثالث سميته حربًا, فجاء -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أروني ابني ما سميتموه"، قلنا: حربًا، فقال: "بل هو محسن".

"سرية أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد":

ثم سرية عبد الله بن عبد الأسد، هلال المحرَّم على رأس خمس وثلاثين شهرًا من الهجرة، إلى قطن -جبل بناحية فيد-

__________

ثم



كلمات دليلية: