غزوة تبوك_21291

غزوة تبوك


غزوة تبوك

«1»

,

اسباب غزوة تبوك

1- اسباب مباشرة:

حشدت قوات الروم لغزو حدود العرب الشمالية والقضاء على سلطة الإسلام هناك، فقد بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام وأن القيصر هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدّموا مقدماتهم الى البلقاء.

2- اسباب غير مباشرة:

أ- حماية حرية نشر الإسلام خارج شبه الجزيرة العربية بعد انتشاره داخلها، والدفاع عن الإسلام داخل الجزيرة العربية.

ب- تقوية معنويات القبائل العربية الخاضعة لسلطان الروم، تلك القبائل التي أخذت تقبل على اعتناق الإسلام، على الرغم من مكافحة الروم لهذا الاتجاه.

ج- محو آثار انسحاب المسلمين من (مؤتة) من النفوس.

د- استطلاع قوة الروم وحلفائهم في أرض الشام استعدادا للفتح القريب.

,

الحركة

1- المسلمون:

ترك جيش المسلمين المدينة في رجب من السنة التاسعة الهجرية وأخذ يقطع الصحراء القاحلة في موسم الحر الشديد، فلما وصل منازل ثمود في (الحجر) «1» تلك المنطقة التي تهبّ فيها العواصف الرملية بين حين وآخر فتطمر قافلة بكاملها، أوصى النبي صلّى الله عليه وسلم أصحابه ألّا يخرج أحدهم إلا ومعه صاحبه؛ وهناك عطش المسلمون عطشا شديدا حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعصرون أكراشها ويشربون ماءها، ولولا سقوط المطر عليهم يومذاك، لهلك كثير من المسلمين عطشا.

واستمرّ الجيش على المسير حتى وصل تبوك، وكانت المراحل تقطع ليلا للتخلص من الحر الشديد. وعند تبوك، لم يجدوا قوات الروم هناك، فقرّر النبي صلّى الله عليه وسلم البقاء في تبوك بقواته الرئيسة بعد أن علم بانسحاب الروم الى الشمال.

2- الروم:

ثم حشد قوات الروم المؤلفة من جنودها النظاميين ومن القبائل العربية الموالية لها في تبوك قبل وصول المسلمين إليها، ولكنّ المعلومات التي وصلتهم عن ضخامة جيش المسلمين وارتفاع معنوياتهم اضطرت الروم الى الانسحاب من تبوك شمالا.

,

السيطرة على المنطقة

1- مصالحة صاحب أيلة «2» :

وجّه النبي صلّى الله عليه وسلم الى يوحنا بن رؤبة صاحب (أيلة) ، رسالة يطلب فيها

__________

(1) - الحجر: اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام، وهي قرية صغيرة قليلة السكان. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 3/ 220.

(2) - أيلة: مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مما يلي الشام، وهي آخر الحجاز وأول الشام. أنظر معجم البلدان 1/ 391. وهي مدينة العقبة على رأس خليج العقبة في شمال البحر الأحمر، وهي أقصى مدينة في جنوب الأردن.

منه أن يذعن للمسلمين أو يغزوه؛ فأقبل يوحنا بنفسه الى النبي صلّى الله عليه وسلم وقدّم له الهدايا والطاعة، وكان نص وثيقة الصلح بين المسلمين ويوحنا ما يلي: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنا بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسياراتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثا فانه لا يحول ماله دون نفسه وإنه طيب لمحمد أخذه من الناس. وإنه لا يحل أن يمنعوا ما يريدونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر) . واتفق الطرفان على أن تدفع أيلة جزية قدرها ثلاثمائة دينار في كل عام للمسلمين.

2- مصالحة أهل الجرباء «1» وأذرح «2» :

تمّ الصلح بين المسلمين وأهل (الجرباء) - وهي قرية في منطقة عمان بالبقاء من أرض الشام، وبين المسلمين وأهل (أذرح) وهي بلدة قريبة من (الجرباء) - على الجزية أيضا.

3- مصالحة أهل دومة الجندل:

بعث النبي صلّى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا الى (دومة الجندل) ، فباغت خالد الأكيدر الكندي مليكها وأخاه حسّان وهما يطاردان

__________

(1) - الجرباء: موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام. أنظر معجم البلدان 3/ 72. وهي موقع الى الشمال الغربي من مدينة معان الأردنية بعد أذرح، وعليه عيون ماء منها الجرباء الكبيرة والجرباء الصغيرة، ويشرف عليها جبل الأشعري حيث جرى التحكيم بين أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص في خلاف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان بعد معركة صفين. وتعتبر من منازل قبائل الحويطات.

(2) - أذرح: اسم بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان. أنظر معجم البلدان 1/ 161. وهي قرية أذرع الأردنية، وتقع الى الشمال الغربي من بلدة معان، وتعتبر من قرى الشراه.

بقر الوحش، فقتل حسّان وأسر الأكيدر، فهدّده خالد بالقتل إن لم تفتح (دومة الجندل) أبوابها للمسلمين.

فتحت المدينة أبوابها فداء لمليكها، فدخلها المسلمون وغنموا منها ألفي بعير وثمانمائة شاة وأربعمائة وسق من بر وأربعمائة درع، وذهب بها خالد ومعه الأكيدر حتى لحق بالنبي صلّى الله عليه وسلم في المدينة فحقن الرسول صلّى الله عليه وسلم دم الأكيدر وصالحه على الجزية، وتركه يعود الى قومه في (دومة الجندل) .

,

عودة المسلمين

أقام المسلمون حوالي عشرين يوما في منطقة تبوك، انتظارا لعودة جيوش الروم، وتأمينا للحدود الشمالية من بلاد العرب بعقد المعاهدات مع سكانها، ودعما لهيبة المسلمين في نفوس القبائل، والعمل لحماية حرية نشر الدعوة في تلك الأرجاء؛ فلما أنجزوا كل ذلك تحركوا عائدين الى المدينة المنورة.

وصل المسلمون الى المدينة، فجاء المتخلّفون عن الخروج يعتذرون، وكان هؤلاء المتخلفون قسمين: القسم الأول من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، وهؤلاء أعرض عنهم النبي صلّى الله عليه وسلم تاركا لله حسابهم؛ والقسم الثاني من المسلمين الذين لا شائبة في إسلامهم، وهم ثلاثة: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن ربيع، وهؤلاء اعترفوا بذنبهم، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلم المسلمين أن يعرضوا عنهم حتى يأتي أمر الله.

,

دروس من تبوك وسرايا الدعوة

1- الحرب الاجماعية:

الحرب الإجماعية أو الحرب الاعتصابية أو الحرب المطلقة أو الحرب الشاملة معناها: حشد كل قوى الأمة- لا الجيش وحده- المادية والمعنوية والعقلية للأغراض الحربية.

وقد نشر لودندروف آراءه عن الحرب الإجماعية في كتابه: (الأمة في الحرب) ، ومجمل آراء هذا القائد: (إن الحرب الحديثة لم تبق حرب جيوش وقوى عسكرية فقط، وإنما هي حرب إجماعية تقوم على حرب الأمم ضد الأمم؛ ولهذا يجب أن تضع الأمة كل قواها العقلية والأدبية والمادية في خدمة الحرب، وأن تكون هذه القوة مخصصة للحرب التالية) .

ويرى لودندروف بالاضافة الى ذلك، أن الحرب وسيلة لا غاية، ولهذا

يجب أن تعد الأمة كلها للحرب، وأن تكون دائما على قدم الاستعداد:

(واجب النساء ينحصر في إنتاج أبناء أقوياء للأمة يحملون أعباء الحرب الإجماعية، وواجب الرجال ينحصر في حشد كل قواهم لهذه الغاية) .

هذه مجمل آراء لودندروف في الحرب الاجماعية التي اعتبرها العسكريون آراء جديدة، وراحوا يفسّرونها وينشرون مبادئها ويحثّون على الأخذ بها.

وليس في ذلك غرابة، ولكن الغريب أن يعتبرها العسكريون المحدثون آراء جديدة في الحرب الحديثة لم يسبق إليها الألمان أحد من الناس! ...

إن الحرب الاجماعية التي طبّقتها ألمانيا وإيطاليا وروسيا في الحرب العالمية الثانية، ليست جديدة ... فقد طبقها المسلمون قبل أربعة عشر قرنا خلت.

ولكن هناك فرقا واحدا بين حرب الأمم الحديثة وحرب المسلمين قديما، هذا الفرق هو أن حرب المسلمين حرب دفاعية غايتها نشر السلام وتوطيد أركانه، لا تعتدي على أحد، وتحترم العهود والمواثيق، فهي حرب الفروسية بكل ما في الكلمة من معان: يسالم المسلمون من يسالمهم، ولكنهم لا يقبلون الاعتداء عليهم، ويدافعون عن عقيدتهم وعن حرية نشرها بين الناس لتكون كلمة الله هي العليا.

يقول القرآن الكريم: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «1» ، لذلك فقد كان المسلمون كلهم جنودا وكانت أموالهم كلها لإمداد هؤلاء الجنود.

كان عدد المسلمين ثلاثين ألفا في غزوة (تبوك) بينهم عشرة آلاف فارس، وقد تحرّكوا صيفا في موسم قحط شديد لمسافة طويلة في الصحراء، فليس من السهل إمداد مثل هذا الجيش الكبير في مثل تلك الظروف القاسية بمواد

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة التوبة 9: 41، وانظر تفسير هذه الآية في تفسير (الكشاف) للامام الزمخشري لتجد أن المسلمين سبقوا العالم الى مفهوم الحرب الاجماعية.

الإعاشة والماء والنقلية والسلاح، لذلك سمي هذا الجيش بجيش العسرة: اشترك فيه المسلمون كلهم عدا ثلاثة تخلفوا عنهم، واشترك المسلمون كلهم في تجهيزه.

أنفق أبو بكر الصديق رضي الله عنه جميع ما بقي عنده من مال، وكان له يوم أسلم أربعون ألف دينار أنفقها كلها في سبيل الله، حتى تخلل بالعباءة.

وأنفق عثمان بن عفان رضي الله عنه ثلاثمائة بعير وألف دينار وأنفق عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصف ماله، كما أنفق العباس عم النبي صلّى الله عليه وسلم وطلحة وعاصم بن عدي كثيرا من المال، وبهذا الإنفاق السخي أمكن تجهيز هذا العدد العظيم من جيش العسرة.

إن المسلمين عرفوا الحرب الإجماعية قبل أن يعرفها العالم بأربعة عشر قرنا؛ ولكن شتان بين حرب الفروسية التي عرفها المسلمون، وحرب العدوان التي عرفها العصر الحديث.

2- عقاب المتخلفين:

يتخلّف عن الاشتراك بالقتال في كل حرب قديمة أو حديثة قسم من العسكريين لأسباب شتى، وفي كل أمة قوانين معيّنة، يعاقب بموجبها المتخلّفون.

ويهمنا أن تعرف أن كثيرا من عوائل المتخلفين أبيدت عن بكرة أبيها في الدول التي طبقت الحرب الإجماعية خلال الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين.

بمثل هذه القسوة الفظيعة في حرب حديثة في دول قوية راقية أخذ بها البريء بذنب الجاني، استطاعت تلك الأمم بمثل هذه القسوة الوحشية التقليل من التخلف بين صفوف جنودها عندما كانت في أوج قوتها؛ فلما تداعت قواتها تحت مطارق الحرب، تكاثر المتخلفون في صفوفها برغم قوانينها الرادعة.

ويهمني بعد ذلك أن تعرف كيف عالج الاسلام قضية التخلف بالعقاب النفسي الذي أخذ المسيء وحده بذنبه، دون أن يلحق بغيره من الأبرياء أي عقاب.

اسمع قصة تخلف كعب بن مالك كما يرويها بنفسه، لتر كيف كان عقاب المتخلفين في الاسلام!

قال كعب: (جئت فسلّمت عليه (يقصد على النبي صلّى الله عليه وسلم) ، فتبسّم تبسّم المغضب، ثم قال: تعاله. فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟

(قلت: بلى! والله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا؛ ولكن والله لقد علمت إن حدّثتك حديث كذب ترضى به عليّ، ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدّثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إني لأرجو فيه عفو الله عني ... والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك.

(فقال النبي صلّى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدقت فيه، فقم حتى يقضي الله فيك) ، فقمت ...

(وثار رجال من بني سلمة، فأتبعوني يؤنبونني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت قد أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عجزت ألا تكون اعتذرت الى رسول الله صلّى الله عليه وسلم بما اعتذر إليه المخلفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

(قال كعب: فو الله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي، ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم مرارة بن الربيع العمري من بني عمرو بن عوف وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا (بدرا) فيهما أسوة ... فصمتّ حين ذكروهما لي ...

(ونهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا، حتى تنكرت لي الأرض فما هي بالتي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.

(أما صاحباي، فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان؛ وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج وأشهد الصلوات مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلّمني أحد؛ وآتي رسول الله صلّى الله عليه وسلم فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فاذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني ...

(حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسوّرت «1» جدار أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ، فسلّمت عليه فو الله ما ردّ عليّ السلام! ...

(فقلت: يا أبا قتادة! أنشدك الله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟

فسكت! .. فعدت له فنشدته، فسكت ... فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم ... ففاضت عيناي وتولّيت حتى تسوّرت الجدار ... ثم غدوت الى السوق ...

(فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، وإذا نبطيّ من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه في المدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى إذا جاءني، دفع إليّ كتابا من ملك غسان وكتب كتابا في سرقة «2» من حرير، فاذا فيه: أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت لما قرأتها: وهذا

__________

(1) - تسوّرت: علوت. وفي كتاب الله: (إذ تسوّروا المحراب) .

(2) - سرقة: شقة من الحرير، ويقال: السرق، أحسن الحرير وأجوده.

من البلاء أيضا! قد بلغ ما وقعت فيه أن طمع فيّ رجل من أهل الشرك، فعدت بها الى تنّور، فسجرته بها «1» .

(فأقمنا على ذلك حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، وإذا رسول الله يأتيني فقال: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، قلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها ...

(وأرسل الى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض ...

(فجاءت امرأة هلال بن أمية، فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا، ولكن لا يقربك.

(قالت: إنه والله ما به حركة الى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان أمره ما كان الى يومه هذا، ولقد تخوّفت على بصره! ...

(قال كعب: فقال لي بعض أهلي لو استأذنت رسول الله لامرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه، فقلت: والله لا استأذن فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلم، وما يدريني ما يقول رسول الله صلّى الله عليه وسلم إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب ...

(ولبثت بعد ذلك عشر ليال حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا على الحال التي ذكر الله منا: قد ضاقت علينا الأرض بما رحبت وضاقت عليّ نفسي، وكنت قد ابتنيت خيمة في ظهر (سلع) فكنت أكون

__________

(1) - سجرته بها: أي احرقتها وألهبت بها التنور.

فيها، إذ سمعت صوت صارخ أو في على ظهر (سلع) يقول بأعلى صوته:

يا كعب بن مالك، أبشر ... فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء الفرج.

وآذن رسول الله صلّى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى الفجر: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا، إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «1» .

(فلما جلست إليه قلت: يا رسول الله! إن من توبتي الى الله عز وجل أن أنخلع من مالي صدقة الى الله والى رسوله. فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك. قلت: إني ممسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله! إن الله قد نجّاني بالصدق، وإن من توبتي الى الله ألا أحدث إلا صدقا ما حييت ... ) .

أي عقاب نفسي هذا الذي جعل المتخلف يقدّم بين يدي توبته شرطين ما أصعبهما وما أشقهما: التنازل عن المال، والصدق في القول. ليس من السهل أن يتنازل المرء عن ماله، وأصعب من ذلك الثبات على الصدق في جميع الأحوال والظروف.

فأي أثر عظيم تركه هذا العقاب النفسي الصارم، وأين هذا العقاب الذي طبّقه المسلمون على المتخلفين في القرن السابع الميلادي من هذا العقاب الذي طبقته أرقى الدول على المتخلفين في القرن العشرين؟

إن الدرس العظيم الذي يمكن أخذه من هذه المقاطعة، هو لزوم مقاطعة كل من أساء الى عقيدته ومقدساته خاصة في أوقات الشدائد والمحن.

3- التدريب العنيف:

تعمل الجيوش الحديثة على تدريب جنودها تدريبا عنيفا: اجتياز موانع

__________

(1) - الآية الكريمة من سورة التوبة 9: 118.

وعراقيل صعبة جدا، وقطع مسافات طويلة في ظروف جوية مختلفة، وحرمان من الطعام والماء بعض الوقت، وذلك لإعداد هؤلاء الجنود لتحمّل أصعب المواقف المحتمل مصادفتها في الحرب ...

لقد تحمّل جيش العسرة مشقات لا تقل صعوبة عن مشقات هذا التدريب العنيف إن لم تكن أصعب منها بكثير: تركوا المدينة في موسم نضج ثمارها، وقطعوا مسافات طويلة شاقة في صحراء شبه الجزيرة العربية صيفا، وتحمّلوا الجوع والعطش مدة طويلة.

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (خرجنا الى (تبوك) في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي من الماء على كبده) .

إن غزوة تبوك تدريب عنيف للمسلمين، كان غرض النبي صلّى الله عليه وسلم منه إعدادهم لتحمّل رسالة حماية حرية نشر الاسلام خارج شبه الجزيرة العربية وتكوين الدولة الاسلامية المترامية الاطراف؛ فقد كانت هذه الغزوة آخر غزوات الرسول صلّى الله عليه وسلم، فلا بدّ من الاطمئنان الى كفاية جنوده قبل أن يلتحق بالرفيق الأعلى.

4- المسير الليلي (السرى) :

قطع المسلمون أكثر المراحل بين المدينة وتبوك ليلا، ليتخلصوا من الحر الشديد.

إن الحركة ليلا في موسم الحر ضرورية جدا خاصة في الصحراء؛ وهذا ما تطبقه الجيوش الحديثة في العصر الحاضر.

5- المعنويات:

يمكن اعتبار غزوة تبوك معركة معنويات لا معركة ميدان.

لم يستطع المسلمون الاصطدام بجيوش الروم وحلفائهم، لانسحاب جيوشهم من منطقة تحشّدها في تبوك، بعد أن وصلتهم معلومات وثيقة عن قوة المسلمين ماديا ومعنويا؛ ومع ذلك فقد انتصر المسلمون في غزوة تبوك على الروم انتصارا معنويا لا يقل أهمية عن الانتصار المادي في القتال.

لقد أدى اندحار الروم معنويا في غزوة تبوك، الى تفكير القبائل العربية الخاضعة لهم بعدم جدوى اعتمادهم عليهم لينالوا حمايتهم، ولا بدّ لهم من التحالف مع المسلمين الأقوياء ليضمنوا لهم الحماية والاستقرار، لذلك أقبلت تلك القبائل على مصالحة المسلمين وموالاتهم، وازداد انتشار الاسلام فيها عما كان عليه بعد غزوة (مؤتة) .

6- المعلومات:

لقد كانت استخبارات الروم عن حركات المسلمين ونياتهم قوية جدا، وكانوا يستخدمون (النبط) الذين يتاجرون مع المدينة وقسم من أفراد القبائل العربية الموالية لهم، في نقل المعلومات إليهم عن المسلمين.

لقد رأيت كيف عرف ملك غسان الموالي للروم أمر غضب الرسول صلّى الله عليه وسلم وغضب المسلمين على كعب بن مالك لتخلّفه عنهم يوم تبوك، وكيف أرسل إليه رسالة يعرض عليه فيها الالتحاق بالغساسنة؛ فاذا استطاع الروم وأحلافهم الاطلاع على مثل هذه القضية الشخصية، فمن المؤكد أنهم استطاعوا الاطلاع على القضايا المهمة خاصة القضايا التي لها تأثير على الموقف العسكري حينذاك ...

لقد كانت عيون الروم منتشرة في المدينة لإحصاء حركات المسلمين وسكناتهم وتزويد الروم بكل ذلك.

ولم يكن المسلمون غافلين عن حركات الروم العسكرية وعن نياتهم، فقد استطاعوا معرفة تحشّدات قواتهم ومواضع تلك التحشّدات ونياتهم مبكرا

وبصورة مفصلة، مما جعلهم يتحركون الى تبوك للقضاء على قوات الروم قبل أن يستفحل أمرها وتتعرض بالحدود الاسلامية.

لقد كانت محاولات المسلمين والروم للحصول على المعلومات متميزة جدا.

7- الضبط:

إن إقبال المسلمين على الانخراط بجيش العسرة وتحمّلهم المشقات بنفس رضيّة قانعة يدل على مبلغ الضبط العالي الذي وصلوا إليه.

إن الضبط أساس الجندية، ولا ينجح جيش لا يتحلى بالضبط المتين في أية معركة مهما يكن عدده كثيرا وسلاحه مؤثّرا، وإذا كان هناك فرق واضح بين العسكريين والمدنيين فهو الضبط الذي يتمسك به العسكريون قبل كل شيء ...

إن إطاعة المسلمين لأمر الرسول صلّى الله عليه وسلم الذي هو قائدهم في هجر المتخلفين دليل على ضبطهم المتين، وأيّ ضبط هذا الذي جعل أمر القائد ينفّذه أهل المتخلف حتى زوجه وأولاده بشكل أدق وأعنف مما ينفذه الغرباء عنه، وهو في محنته القاسية التي تستدرّ العطف والإشفاق من الناس جميعا.

ولكنّ هذه الأوامر كانت للمصلحة العامة، والمسلمون كلهم جنود مخلصون لهذه المصلحة.

,

النتائج

يمكن إجمال نتائج غزوة تبوك بما يلي:

1- رفع معنويات المسلمين تجاه الروم وحلفائهم وعند العرب في شبه الجزيرة العربية كلها، وبذلك استطاع النبي صلّى الله عليه وسلم أن يجعل المسلمين يعتقدون بأن في إمكانهم محاربة الروم والتغلب عليهم.

لم يكن العرب (يحلمون) قبل الرسول صلّى الله عليه وسلم بأنهم يستطيعون صدّ اعتداء الروم عليهم في عقر بلادهم، فأصبحوا (يعتقدون) بعد تبوك بأن في مقدورهم محاربة الروم في بلاد الروم نفسها والقضاء على جيوشهم هناك.

2- قضى انتصار المسلمين المعنوي على الروم قضاء حاسما على تردّد المتخلفين عن الإسلام من العرب، فاذا كانت قوات المسلمين تهدد الروم في عقر ديارهم، فكيف تستطيع قوات القبائل العربية الثبات تجاه تلك القوات؟

لذلك أقبلت وفود أكثر تلك القبائل الى المدينة بعد عودة الرسول صلّى الله عليه وسلم من تبوك إليها معلنة إسلامها، وأقبل الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ولهذا سمي هذا العام بعام الوفود.

3- استطاع الرسول صلّى الله عليه وسلم تنظيم نقاط ارتكاز على الحدود الشمالية التي تربط شبه الجزيرة العربية ببلاد الشام الخاضعة للروم، وذلك بعقد المحالفات مع سكان تلك المنطقة وإقبال بعضهم على الإسلام.

إن نقاط الارتكاز هذه سهّلت مهمّة الفتح الإسلامي على عهد الخلفاء الراشدين، فمنها انطلقت قوات المسلمين الى الشمال وعليها ارتكزت لتحقيق هدفها العظيم في فتح أرض الشام.

التطبيق العملي

(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ)

(القرآن الكريم)



كلمات دليلية: