غزوة تبوك_19956

غزوة تبوك


الفصل الخامس والعشرون معركة تبوك

«لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً «لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ «الشُّقَّةُ، وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ «اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ، يُهْلِكُونَ «أَنْفُسَهُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ «لَكاذِبُونَ.»

(القرآن الكريم، السورة 9، الآية 42)

أثار انبثاق الاسلام في بلاد العرب قلق الدولة النصرانية المجاورة.

لقد راقبت، بعين حسود، هذا النمو السريع الذي عرفه الاسلام.

والواقع أن عواطف المسلمين كانت دائما مع اليهود والنصارى بوصفهم أعداء الوثنيين وعبّاد النار. فحين اكتسحت جيوش الفرس الاجزاء الآسيوية من الامبراطورية الرومانية ومصر وقرعت أبواب القسطنطينية

ولاحت النهاية المشؤومة لكل عين، تنبأ القرآن الكريم بأن الامبراطورية الرومانية سوف تهزم فارس قبل انقضاء تسعة أعوام: «الم. غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ.

فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ، يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.» * وهكذا عندما انتصر المسلمون في بدر وفّقت الامبراطورية الرومانية إلى استرداد أراضيها المفقودة، واندفعت قواتها حتى بلغت تخوم فارس نفسها. ولكن الامبراطورية الرومانية لم تستطع أن تغضي عن تعاظم قوة الاسلام أو ترضى به. وكانت مناوشة قد حدثت ذات مرة، في مؤتة، بين المسلمين والبيزنطيين. حتى إذا تسامعت ديار الشام، الآن، بأن بلاد العرب كلها أنشأت تنضوي تحت لواء الاسلام، تطرّق الحسد الديني إلى نفوس النصارى. كان الأمل قد راودهم في أن يوفّقوا إلى تنصير بلاد العرب. ولقد خيّل لهم ان هجوما يشنّونه على الجزيرة خليق به على الأقل ان يعوق انتشار الاسلام. وبلغ المسلمين ان قيصر قد عبّأ قوة ضخمة لسحق الاسلام، وان القبائل النصرانية في بلاد العرب قد تضافرت معه.

وكانت قبائل غسان، بخاصة، مصدر خطر على أمن الجزيرة العربية.

فلم يكد النبيّ يتلقّى ذلك النّبأ حتى أمر بإعداد جيش يزحف إلى تخوم الشام.

إن القرآن الكريم يوصي بتحصين الحدود، كاحتراز من غزو مفاجئ.

والرسول، لم يدّخر، من ناحية روحية، وسعا لحماية قومه من جميع هجمات الشيطان المحتملة. وهكذا لم يكن في مستطاعه أن يستخفّ بالانباء المتوالية عن استعدادات قيصر الضخمة لأبادة الاسلام. وكانت

__________

(*) السورة 30، الآية 1- 6.

الطريقة الفضلى للدفاع عن النفس هي ابقاء العدو خارج تخوم بلاد العرب، ومن ثمّ ضرورة تسيير حملة إلى تلك التخوم. وهكذا دعا الرسول القبائل جميعها إلى الدفاع عن وطنها. كان الخطر المحدق يهدد أمن بلاد العرب كلها. ولكن عقبات عديدة كانت تعترض هذه السبيل.

كانت الرحلة طويلة، وكان الجو لاهبا. كانت المحاصيل قد نضجت، فهي تنتظر المنجل. وفوق هذا كله كان الخوف من مواجهة جيوش الامبراطورية الرومانية الحسنة الانضباط والتدريب يساور كثيرا من القلوب. وإلى هذا فلم يكن في امكان المسلمين ان يقوموا بمثل هذه الرحلة الطوية سيرا على الاقدام. وكان ثمة كثيرون لا يملكون من المال ما يمكنهم من شراء بعير أو جواد يستعينون به على الرحلة، ولم يكن الرسول بقادر على تزويدهم بشيء من ذلك. وهنا تبرّع عثمان [بن عفان] للحملة بألف بعير وعشرة آلاف دينار. وجهّز جيش مؤلف من ثلاثين ألف مقاتل، ففصل من المدينة في شهر رجب من السنة التاسعة للهجرة. حتى إذا بلغوا الحجر، موطن ثمود، أمرهم الرسول بأن يمروا بأطلالها في سرعة، معلّما إياهم بذلك درسا مفاده ان المسلم يجب ان لا تكون له أية علاقة بقوم خالفوا وصايا الله.

وعند منتصف الطريق بين المدينة ودمشق، على مسيرة اربعة عشر يوما من المدينة الأخيرة، تقع تبوك. وهنا عسكر الجيش الاسلامي، وأنشأ ينتظر أنباء العدوّ. لقد بدا وكأن القوة الاسلامية الحالية، مردفة بذكرى بسالة الثلاثة آلاف مسلم في مواجهة مئة ألف [من الروم] في موقعة مؤتة السالفة، قد أوهنت قوى قبائل غسان، ولخم، وجذام وغيرهم. وتخلّى قيصر أيضا عن فكرة الهجوم. وحين انتهى الرسول إلى الحدود وجدها آمنة بالكليّة. فلو ان غرضه كان فرض الاسلام بالسيف، كما يزعم في مناسبة وغير مناسبة، فهل كان في الامكان ان تكون ثمة فرصة لذلك خير من هذه الفرصة؟ لقد كان ثمة

تحت إمرة الرسول ثلاثون ألف مقاتل مسلحون تسليحا حسنا ... ثلاثون ألف مقاتل أولو جراءة وتفان. وكان ينبسط أمامه حقل واسع لاشباع شهوته إلى اكراه الناس على الدخول في الدين، إن يكن لديه شيء من مثل هذه الشهوة. ولكن التاريخ لم يسجل ان أيما رجل اعتنق الاسلام نتيجة لهذه الحملة الضخمة. وحتى لو ان الرغبة في التوسع الاقليمي كانت مستحوذة على الرسول فهل كان في الامكان أن تتاح له فرصة مواتية لذلك أكثر من هذه الفرصة؟ لقد تحمّل مشاق الرحلة الطويلة المرهقة في قيظ الصيف العربي المحرق. وكان قد انتهى أخيرا إلى أبواب بلاد العدو نفسها، ذلك العدو الذي ألفاه الرسول غير مستعد لإبداء أيما مقاومة. إن اندفاعة واحدة إلى الأمام نحو سورية المنبسطة أمامه كان خليقا بها أن تملّكه رقعة من الأرض الخصبة واسعة. ولكن فؤاده كان بريئا من الرغبة في التوسع الاقليمي براءته من ادخال الناس في الدين عنوة. فعلى الرغم من كل ذلك الانفاق وتلك المشاق، لم يكد الرسول يقتنع بعد تريّث دام عشرين يوما بأنه لم يكن ثمة داع للقلق حتى انقلب عائدا تنفيذا للوصية القرآنية التي تقول: «وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ» *. لقد أبى العدو القتال. فكيف يقاتله الرسول؟

وهكذا عقدت بعض الاتفاقات مع عدد من الدويلات النصرانية، وأقرّ السّلم على الحدود.

__________

(*) السورة 2، الآية 190.

الفصل السّادس والعشرون المنافقون

«إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ «نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا «مُجْرِمِينَ.»

(القرآن الكريم، السورة 9، الآية 66)

على الرغم من ان الهجرة إلى المدينة أتاحت للرسول قدرا من الحرية فقد زادت معارضة المشركين لقضيته اضعافا مضاعفة. فيوم كان في مكة نفّست قريش عن حقدها بتعذيب المسلمين، أما الآن فقد عقدت العزم على سحقهم والقضاء عليهم. ليس هذا فحسب، بل إن القبائل البدوية، التي اكتفت حتى ذلك الحين بالتفرج على اضطهاد المسلمين، تحركت لمقاومتهم بعد أن رأت إلى نموّ الاسلام في المدينة. وإذ كان اليهود بعيدين عن مكة فقد لزموا حتى ذلك الحين أيضا جانب الهدوء، حتى إذا أمسى المسلمون على مقربة دانية منهم، في المدينة، لم يعد في طوقهم ان يشهدوا نموّ الاسلام المطرد مكتوفي الأيدي، فهبّوا لمقاومته

أيضا. ولكن موجة معارضة أخرى، ذات طبيعة غريبة سرعان ما انطلقت على نحو متميّز من الموجات السالفة، وكان أبطال هذه المعارضة الجديدة هم المنافقين، كما يعرفون في المصطلح الاسلامي. لقد كانوا هم اولئك الذين لم يؤانسوا في أنفسهم الجرأة على مقاومة المسلمين في وضح النهار. وهكذا اعتنقوا الاسلام وفي نيّتهم ان ينسفوه من داخل.

وكان زعيمهم المقدّم هو عبد الله بن أبيّ. وكان هذا الرجل يتمتع، قبل هجرة الرسول، بنفوذ وسلطان عظيمين في المدينة. وكان الناس يفكرون في تنصيبه ملكا عليهم. ولكن وجود الرسول كسف أنوار شخصيته، فتضاءل حتى اللاشيئية. لقد قاوم الاسلام، في بادئ الأمر، بعض المقاومة، ولكنه لم يكد يرى إلى نمو الاسلام السريع حتى بدا له ان النفاق خليق به أن يكون هو السياسة الفضلى. وهكذا لبس قناع الاسلام، ومنذ ذلك الحين حتى وفاته في السنة التاسعة للهجرة لم يأل جهدا في سبيل انزال الاذى بالاسلام. إن المرء يستطيع ان يأخذ حذره من العدو الصريح، أما الاعداء المقنّعون بقناع الصداقة فليس أخطر من التعامل معهم. إنهم يخدّرون المرء بشعور من الأمن والسلامة، من طريق مظهرهم الودّي، حتى إذا سنحت لهم الفرصة الملائمة ضربوا ضربتهم على حين غرّة. ثم إنهم يكونون في وضع يمكّنهم من النفاذ إلى سريرة المرء، وهو ما يزيد خطرهم خطرا.

إنهم يقيمون صلات سرية مع أعداء المرء، فيطلعونهم على جميع خططه وحركاته. وهكذا جوبه الاسلام بكل شكل يمكن ان يتصوره الانسان من أشكال المقاومة والمكيدة. ومن هنا كان انتصاره النهائي برهانا حسّيا على الحقيقة التي تقول بأن النبتة التي تتعهدها يد الله نفسه تثبت في وجه أقوى العواصف وأهوجها.

واتخذ حقد عبد الله بن أبيّ مظهرا واضحا يوم معركة أحد. فلم يكد يستقين من أن قريشا عقدت العزم على سحق المسلمين وجهزت

من أجل ذلك جيشا مؤلفا من ثلاثة آلاف مقاتل حتى تخلّى عن الرسول وانسحب من الميدان مع رجاله الثلاثمئة وانقلب عائدا إلى المدينة.

لقد خيّل اليه أن صنيعه هذا لن يضعف قوة المسلمين فحسب، بل انه سوف يضعف معنويتهم أيضا، وبذلك يصبح في مستطاع قريش أن تسحقهم على نحو أيسر. وفوق هذا، وعد بني النّضير بأن يساعدهم على إيذاء الاسلام والمسلمين. ففي معركة الأحزاب، يوم كانت قوات المشركين، وعدّتها اربعة وعشرون ألف رجل، تضرب الحصار على المدينة، لم يشارك المنافقون في الدفاع عن المدينة بدعوى انهم مضطرون إلى حماية منازلهم المعرّضة لهجمات العدوّ. وحين وجّهت الحملة الاسلامية على بني المصطلق أطلق عبد الله بن أبيّ العنان لحقده على المسلمين. لقد قام بمحاولة عابثة إلى ايقاع الشقاق بين المهاجرين والانصار. وفي طريق العودة من تلك المعركة لفّق عبد الله وأتباعه تهمة خطيرة ضد طهارة عائشة، الفاضلة. لقد تمنّوا، في كل مناسبة، أن يمنى المسلمون بأدهى الكوارث والارزاء. كانوا يتحيّنون الفرصة للوثوب من داخل، إذا ما قدّر لأيما عدوّ خارجي ان يتغلب على الاسلام، اضأل ما يكون التغلّب. وفي معركة تبوك أتاح لهم الحرّ اللاهب ذريعة قوية للاحجام عن الاشتراك في الحملة. وكان الدافع الحقيقي الذي حفزهم على التخلّف في المدينة هو التآمر على الاسلام، هناك، في غيبة المسلمين. ولكن جميع جهودهم الرامية إلى ايقاع الاذى بالاسلام ذهبت أدراج الرياح.

ولعل تاريخ العالم الاخلاقيّ والديني لا يقدّم لنا غير مثل واحد على العمل بالقول المثالي «أحبّ عدوّك» . فلم يكن لدى الرسول ما يواجه به أعداء خطرين، كالمنافقين، غير ألطف المعاملة وأحسنها. إنه لم يعاقبهم، في أيما يوم، على جرائمهم. فحين انفضحت مؤامرة عبد الله الرامية إلى ايقاع الفرقة بين المهاجرين والأنصار قال عمر بن الخطاب

للرسول: [ «مر به بلالا] فليقتله» . فأجابه الرسول: «فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس وقالوا إن محمدا يقتل أصحابه!» بيد انه حين بنى المنافقون، بتحريض من أبي عامر، مسجدا في المدينة وفي نيتهم أن يجعلوه ملتقى للمتآمرين على الاسلام، أصدر الرسول أمره، تنفيذا للأمر الالهي، بأحراقه. وإنما بني ذلك المسجد قبيل معركة تبوك. وطلب المنافقون إلى الرسول أن يفتتح المسجد بالصلاة فيه، فاستمهلهم حتى يعود من حملة تبوك. وفي غضون ذلك علم الرسول، من طريق الوحي الالهي، ان ذلك المبنى لم يكن مسجدا، ولكنه كان في الواقع مرتعا لتدبير المؤامرات للقضاء على الاسلام (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ، وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى، وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً، لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ، فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ.

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.) * وهكذا اضرم الرسول النار في ذلك المسجد لدن عودته من تبوك. وبعد شهرين اثنين توفي عبد الله. وكان يعرف بين المسلمين ب «زعيم المنافقين» ، وكانت عداوته العميقة الجذور للاسلام أوضح من أن يعتورها أضأل الشك. بيد أنه كان من دأبه في ما يبدو ان

__________

(*) السورة 9، الآيات 107- 110.

يردّد الشهادتين وأن يدعو نفسه مسلما. وكان له ولد اسمه عبد الله أيضا، ولكنه كان مسلما صادق الايمان، فأقبل عبد الله هذا، لدن وفاة أبيه، على الرسول والتمس منه فضلين: أولا أن يعطيه رداءه كي يتخذ منه كفنا لأبيه، وثانيا ان يصلي بنفسه صلاة الجنازة عليه.

ماذا؟ أمثل هذه المعاملة لعدوّ مثل عبد الله بن أبيّ! وهي معاملة مخصصة للأصدقاء. ولكن قلب الرسول كان أكرم من أن يضنّ، حتى على عدوّ لدود، بفضل. وهكذا أجاب عبد الله إلى ما طلب، فقدم اليه رداءه يكفّن به أباه، واستعد لاقامة الصلاة عليه. فلم يكن من عمر بن الخطاب إلا أن حاول ثنيه عن ذلك، مؤكدا ان الميت كان عدوّا للاسلام كبيرا. ولكن الرسول قال انه سوف يصلي، برغم ذلك، على جثمانه. فاحتج عمر لافتا نظر الرسول إلى الآية القرآنية التي تقول: «اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ.

إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ» *.

فأجابه الرسول بقوله: «اذن فسوف أستغفر له أكثر من سبعين مرة.» ولقد سبق منا القول ان كرمه نحو المكيين كان لا يعرف حدودا، وها إن موقفه من هذا العدو الداخلي الألدّ لا يقلّ عن موقفه من المكيين سماحة وكرما. يا للمشاركة الوجدانية السابغة! لا ريب في أنه الشخصية الوحيدة في التاريخ المؤهلة بحكم الوقائع والارقام الثابتة لأن ينادى به «رحمة للعالمين» . كان فؤاده يفيض رأفة رؤوما لا بأصدقائه فحسب، بل بألدّ أعدائه أيضا.

وخمدت عداوة المنافقين للاسلام بوفاة عبد الله بن أبيّ. إن فضائل الاسلام ما لبثت أن تجلّت لهم، على نحو تدريجيّ، بعد أن أخفقت

__________

(*) السورة 9، الآية 80.

جميع محاولاتهم لقهره. كانوا قد بذلوا، حتى ذلك الحين، قصارى جهدهم لايذاء الاسلام، ولكن جهودهم تلك ذهبت كلها أدراج الرياح.

حتى إذا قضى زعيمهم نحبه أنشأوا يدركون أن يد الله كانت، بلا ريب، من وراء الاسلام تسنده وتدعمه. واقتنع كثير منهم بصدق الدعوة الاسلامية فأمسوا مسلمين أتقياء مخلصين. أما النفر القلائل الذين لم يشرح الله قلوبهم للدين فقد أبعدوا عن الجماعة الاسلامية، وفقا للأمر الالهي. ومما يستحق الاشارة ههنا، بخاصة، أن أيما قصاص لم ينزل بهؤلاء الرجال البتة. إنهم لم يقتلوا ولم ينفوا. كل ما تم في أمرهم هو تحذير المسلمين، على نحو علنيّ، من أذاهم. إن أيما زكاة لم تطلب منهم. * تلك، إن لم يكن من ذلك بدّ، هي العقوبة الوحيدة التي أنزلت بهم. وموقف الرسول هذا يلقي فيضا من النور على المعنى الحقيقي للجهاد في الاسلام. واليك الأمر القرآني في موضوع الجهاد: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ، وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» ** وإذا ما فسّرنا هذه الآية على ضوء معاملة الرسول الفعلية للمنافقين قادنا ذلك إلى هذا الاستنتاج: ان الجهاد يعني كل شيء إلا سفك الدماء من أجل نشر الدين. (***)

وهكذا وضع حدّ للمتاعب التي سبّبها المنافقون، والرسول ما يزال على قيد الحياة. لقد أمن الاسلام مؤامرات الاعداء الداخليين والاعداء الخارجيين على حد سواء. إن في ميسورك ان تتأتّى للعدو الصريح في سهولة ويسر، ولكن من المتعذر على الطاقة البشرية ان تبقي أيما حركة عامّة في نجوة من أمثال هؤلاء الأعداء الداخليين. وفوق هذا كله،

__________

(*) السورة 9، الآية 103.

(**) السورة 9، الآية 73.

(***) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: لا عجب إذا علمنا أن مؤلف الكتاب قادياني، من أصول مذهبه إلغاء فريضة الجهاد، فإن هذا الموضع هو الموضع ((الوحيد)) في كتابه الذي ورد فيه ذكر ((الجهاد)) ، وهذا الموضع الوحيد يقرر فيه أن: "الجهاد يعني كل شيء إلا سفك الدماء من أجل نشر الدين" (!!)

فأن العداوة للاسلام لم تمح من ارجاء الجزيرة كلها فحسب، ولكن اولئك الاعداء أنفسهم حوّلوا إلى أصدقاء متفانين. أكان ذلك شيئا في متناول البشر تحقيقه؟ لا، لقد حققته يد الله الذي كان قد قال قبل ذلك بفترة طويلة: «عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً، وَاللَّهُ قَدِيرٌ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.» *

__________

(*) السورة 60، الآية 7.

الفصل السّابع والعشرون عام الوفود

«إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ «النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ «أَفْواجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ «وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.»

(القرآن الكريم، السورة 110، الآية 1- 3)

وفي أواخر السنة التاسعة وطوال السنة العاشرة للهجرة تدفقت على المدينة وفود تمثّل مختلف العشائر والقبائل. فقد أقبل وفد الطائف لزيارة الرسول، حوالى نهاية السنة التاسعة. ولقد سبقت منا الإشارة إلى انه يوم نشبت المعركة بين المسلمين وهوازن والتجأ فريق من العدوّ المهزوم إلى الطائف، اضطرّ الرسول إلى ضرب الحصار على البلدة.

بيد أنه لم يكد يستيقن من أنهم لم يعودوا قادرين على ايقاع الاذى بالمسلمين حتى رفع الحصار عنها. وكان عروة [بن مسعود] زعيم

ثقيف، غائبا خلال ذلك في اليمن حيث راح يتمرّس بفنّ القتال.

حتى إذا رجع من رحلته هذه شخص إلى المدينة مباشرة. وكان قد تعرّف قبل ذلك إلى فضائل الاسلام، وكان قد اجتمع إلى الرسول أيضا بمناسبة صلح الحديبية [إذ كان أحد الذين تفاوضوا وإياه عن قريش في ذلك الصلح] . ولدن وصوله إلى المدينة اعتنق الاسلام، وأمسى كل همّه منذ ذلك الحين أن يرى بني قومه ينعمون ببركات الدين الجديد. وحاول الرسول ان يثنيه عن محاولة دعوتهم إلى الدين الذي دخل هو فيه، ذلك بأنه كان قد خبر، شخصيا، تعصّب ثقيف وضراوتها. ولكن عروة كان واثقا، أكثر مما ينبغي، من سلطانه على قومه. لقد أكد للرسول انه يتمتع فيهم باحترام عظيم جدا [قائلا: «يا رسول الله، أنا أحبّ اليهم من أبصارهم» ] ومن ثم فلن يصيبه منهم أيما أذى. وشخص عروة إلى الطائف فجمع قومه ودعاهم إلى الاسلام. وحين ارتفع الضحى قام [على علّيّة له] ينادي للصلاة، فحاصر بعض الرعناء بيته وأمطروه بالنبال حتى صرع.

وأفضى ذلك إلى وقوع مناوشة بين ثقيف، وهوازن التي كانت قد انضوت الآن تحت راية الاسلام. وأخيرا، وبعد أن رأى الثقفيّون إلى الاسلام وقد ساد في كل حدب وصوب، وبدت المعارضة عبثا لا طائل تحته، قرّروا الدخول في دين الله. وألّف وفد من ستة زعماء ونحو عشرين عضوا آخرين لزيارة المدينة. ولم يطلب الرسول منهم ولو توضيحا لمصرع عروة. وأبدوا رغبتهم في اعتناق الاسلام ولكنهم طلبوا إلى الرسول ان يدع لهم صنمهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها لأن الجهلة والنساء لن يرتاحوا إلى ذلك. ولكن الرسول رفض مطلبهم هذا. وأخيرا سألوه ان يدعها لهم شهرا واحدا. ولكن كيف يجتمع الاسلام والوثنية؟ وهكذا بعث الرسول بالمغيرة [بن شعبة] ليقوم

بهدم الصنم، إذ خشيت ثقيف أن تلمّ بها كارثة إذا ما هدمته بأيديها.

وخلال تلك السنة قام بزيارة الرسول، كما ذكرنا من قبل، وفد من بني تميم. وقبل انقضاء العام التاسع للهجرة كان الاسلام قد انتشر في جميع الأرجاء الجنوبية والشرقية من جزيرة العرب. وأسلمت الكثرة الكبيرة من زعماء اليمن، ومهرة، وعمان، والبحرين، واليمامة، سواء من طريق الوفود أو من طريق الرسائل. وكان العرب في عهودهم كلها أمة تعشق الحرية. وكانت القبيلة العربية تعتبر أن من العار عليها أن تدفع أيما جزية إلى قبيلة أخرى. ومن هنا فأن دفع الزكاة حال دون انضواء بعض القبائل تحت راية محمد. لقد أحبوا الاسلام، ولكنهم لم يستطيعوا ان يروضوا أنفسهم على الرضا بالهوان، كما خيّل اليهم ... هوان دفع ضريبة ما، ولو الهية. وأسلم نصارى مهرة واليمن أيضا حوالى نهاية ذلك العام. وبعث الرسول بأحد المتفقهين في الدين إلى المنذر، أمير البحرين، الذي دخل في الدين من غير ما تردّد البتة. وحوالى تلك الفترة أرسل بنو حنيفة، وهم قبيلة نصرانية، بوفد إلى النبي. وكذلك فعلت قبائل اليمامة. وكان ذلك هو الوفد الذي ضمّ مسيلمة الكذاب. لقد حسب ان الذي جعل محمدا نبيا لا يعدو أن يكون كلاما تافها عن أشياء الهية. فقاده ذلك إلى ادعاء النبوة، ولكنه صرع آخر الأمر في معركة حدثت في خلافة أبي بكر.

وبعث بنو تغلب، وهم قبيلة نصرانية أخرى، بوفد إلى الرسول أيضا مؤلف من ستة عشر عضوا. ولكن أشهر هذه الوفود النصرانية كان ذلك الذي أقبل من نجران، وعدد أعضائه سبعون. وكان زعيماهم عبد المسيح وعبد الحارث، ممثّلين بني كندة وبني الحارث على التعاقب. وكان هؤلاء القوم من أتباع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية

وبينا أنزلت الوفود الأخرى في بيوت عدد من المسلمين، أجيز لهذا الوفد أن ينزل في مسجد الرسول، حيث سمح لأفراده أيضا أن يؤدوا صلواتهم وفقا لطقوس دينهم. ودعي هؤلاء إلى الاسلام، ولكنهم كانوا راغبين في شيء من النقاش. حتى إذا رفضوا الحجج الواضحة السليمة التي قدّمت اليهم دعاهم الرسول إلى ما يعرف في المصطلح الاسلامي بالمباهلة. وقوام المباهلة التماس القرار الالهي- من طريق الصلاة- بعد أن يخفق الجدل في حسم مسألة من مسائل الخلاف الديني.

وهكذا اتفق الفريقان على الدعاء إلى الله أن ينزل بلاء سماويا ما على الفريق المخطئ لكي يكون في ذلك تحذير للآخرين. ولكن زعماء النصارى كانوا قد أدركوا صدق الاسلام. من أجل ذلك لم يقبلوا تحدّي الرسول لاجراء تلك المباهلة، ولم يرغبوا في الوقت نفسه في التخلّي عن عقيدتهم. وأخيرا انقلبوا إلى قومهم، بعد أن عقدوا اتفاقا مع الرسول. (وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ. إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.» *

وفي السنة العاشرة للهجرة زارت الرسول وفود من قبائل يمانية أخرى

__________

(*) السورة 3، الآيات 60- 64.

كان أبرزها وفد بجيلة. وكان لهذه القبيلة هيكل خاص بها يدعى «ذا الخلصة» ، وكان يعتبر «كعبة» اليمن. ولقد هدم «الخلصة» أيضا، وهو الصنم الذي عرف الهيكل باسمه.

ووفد وائل [بن حجر الكنديّ] والاشعث [بن قيس] ، وهما زعيمان من زعماء حضرموت، في جماعة كبيرة. كانوا يرتدون أردية حريرية. فسألهم الرسول هل يرغبون في اعتناق الاسلام. فأجابوه قائلين إنهم أقبلوا لهذا الغرض بالذات. عندئذ طلب اليهم الرسول أن يخلعوا ملابسهم الحريرية، ففعلوا، ودخلوا كلهم في الاسلام. والواقع ان الرسول لم يبعث لمجرد تعليم الناس بعض مبادئ الاخلاق. كانت رسالته تستهدف استئصال كل شرّ من الشرور الاخلاقية والاجتماعية.

لقد ألغى جميع ضروب الفساد السائدة منذ عهد بعيد، وأضفى على نسيج المجتمع كله صبغة اسلامية متميّزة. لقد ارتفع، في سنوات قليلة، بأنسانية ساقطة من حضيض الخزي إلى [ذروة السموّ] وطهّرها من جميع عاداتها السيئة، وأشربها طرائق الحياة الاسلامية الصافية البسيطة. والحق انه نفخ فيها حياة جديدة بالكلية.

وعلى هذا النحو بعثت القبيلة اثر القبيلة، والعشيرة اثر العشيرة، بوفودها إلى الرسول الكريم تعلن رغبتها في الانضمام إلى الجماعة الاسلامية.

وكان من دأب هذه الوفود أن تسأل النبيّ، بعد ذلك، ان يوجّه معها معلما يفقّهها في الدين، وجابيا يجمع منها ما فرضته عليها الشريعة من زكاة.

بيد أنه كان لا يزال ثمة جماعة لم تقطع الرجاء من توجيه ضربة إلى الاسلام قاضية. وعقد اثنان منهم، هما عامر [بن الطّفيل] وأربد [بن قيس] ، النية على قتل الرسول غيلة. وكان التدبير يقضي بأن يعمد عامر إلى إلهاء الرسول بالتحدث اليه، فيما يشهر أربد سيفه فيضربه به ضربة مميتة. وهكذا انطلقا لتنفيذ ما بيّتاه، حتى إذا لقيا

الرسول شرع عامر يحادثه، وفقا للخطة الموضوعة، ولكن أربد لم يجد في نفسه الشجاعة لاداء دوره في المؤامرة. وأخيرا، وبعد أن رأى عامر أن تلك الخطة لن تنجح، سأل الرسول أن يمنحه مقابلة شخصية، وكم كانت خيبته عظيمة عندما ضنّ الرسول عليه بذلك. وكان عامر زعيم قبيلة ذات بأس شديد. فلم يكد ينصرف من لدنه حتى هدد الرسول بقوله: «أما والله لأملانّها عليك خيلا ورجالا!» فاجتزأ محمد بأن سأل الله الحماية، قائلا: «اللهمّ اكفني عامر ابن الطّفيل!» ومن عجب ان عدو الاسلام هذا توفي بالطاعون في طريق عودته إلى بلده قبل أن يبلغ قومه. [وإنما أصابه الطاعون في عنقه وهو في بيت امرأة من بني سلول فقضى وهو يردّد: «يا بني عامر! أغدّة كغدّة البعير وموتة في بيت سلوليّة!» ]

وبكلمة موجزة، فقد انقضت فترة الحرب ودخل الناس في دين الله أفواجا؛ فلم تكد تنقضي سنتان حتى لم يبق في طول جزيرة العرب المترامية الأطراف غير دين واحد- الاسلام- وبعض الجاليات اليهودية والنصرانية الضئيلة المتناثرة ههنا وههناك. لقد تردّدت صيحة «الله أكبر» في كل رجا من أرجائها. يا لها من ظاهرة اعجوبية! لقد أتى على الرسول عهد طاف فيه بمختلف القبائل- وكان ذلك في أشهر الحج- يدعوها إلى الاسلام، ولكن أحدا منهم لم يصغ اليه. أما الآن، فها هي ذي القبائل نفسها تبعث اليه بوفودها وتعتبر انضواءها تحت راية الدين الجديد شرفا لها عظيما. فخلال سنتين اثنتين ليس غير انقضتا على انتهاء حالة الحرب وفّق الرسول لا إلى ضمّ بلاد العرب كلها إلى الحظيرة الاسلامية فحسب، بل وفّق في الوقت نفسه إلى إحداث تحوّل جبار في حياة الأمة العربية أزال جميع مفاسدها ورفعها إلى أسمى مراتب الروحانية.

الفصل الثامن والعشرون حجّة الوداع

«الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ «لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.»

(القرآن الكريم، السورة 5، الآية 3)

كانت السنة التاسعة للهجرة تدنو من ختامها، ولكن جزيرة العرب لم تكن قد طهّرت من الوثنية تطهيرا كاملا. كان لا يزال ثمة اناس تشبّثوا بدينهم التقليديّ. ومن هنا فأن حجج الرسول حتى ذلك الحين كانت كلها من الضرب المعروف ب «العمرة» ، أو الحج الأصغر.

بيد ان الاسلام كان قد انتشر الآن في كل رجا من أرجاء بلاد العرب، وكان عدد القبائل الوثنية قد أمسى أقلّ نسبيا. وهكذا وجّه الرسول جماعة من المسلمين، على رأسهم ابو بكر، إلى مكة ليؤدوا فريضة الحج على وجهها الصحيح. وسرعان ما أرسل عليّ بن ابي طالب إلى هناك ليعلن انه لن يحج إلى مكة بعد ذلك العام مشرك.

وكان هذا، في الواقع، ضربا من نبوءة تبشر باسلام شبه الجزيرة كلها، بحيث لا يبقى فيها مشرك حتى يحجّ البيت. ولقد انضوت الجزيرة برمّتها في السنة العاشرة، كما لاحظنا من قبل، تحت لواء الاسلام، وتوجّه الرسول بنفسه في تلك السنة إلى مكة ليؤدي فريضة الحج. يا له من مشهد مؤثّر! لقد احتشد مئة واربعة وعشرون ألف شخص من مختلف ارجاء بلاد العرب، ذلك الموسم، وليس فيهم مشرك فرد. إن الموطن نفسه الذي نبذ الرسول وأنكره، في مستهل بعثته، كان الآن مسرحا لتقديم أروع الولاء له. فحيثما سرّح طرفه رأى حشودا من الاصدقاء المتفانين في الاخلاص له. يا له مظهرا ملهما من مظاهر القوة الالهية! وإن في ميسور القارئ ان يتخيّل مدى تأثّر أولئك القوم كلهم بجلال الاله ورهبته.

وفيما لاحظ الرسول هذا البرهان الرائع على انتصار الحق النهائي أفهم من طرف خفي ان رسالته على الارض قد أدّيت. لقد كلّلت جهوده بالنجاح، كما لم يقدّر قط، ولن يقدّر ابدا، لجهود الانسان أن تنجح. وهكذا كان الأوان قد حان لانسحابه من هذه الحياة الأرضية بعد أن أنجز هدفها الرئيسي: فمن ناحية، كانت «بلاد العرب» كلها قد اعتنقت الاسلام، في حين كان الدين نفسه، من ناحية ثانية، قد بلغ اسمى غايات الكمال. وهبط الوحي الالهي لينبئ الرسول: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً.» * وهكذا لم يعد ثمة، منذ اليوم، أيما حاجة لظهور رسول جديد. فقد احاط القرآن الكريم بحاجات الانسان الدينية كلها. وخليق بهذا القرآن أن يكون هو وحده معين المعرفة الالهية الانسانية الذي ستنهل منه إلى يوم يبعثون.

__________

(*) السورة 5، الآية 3.

ولا ريب في انه لم يكن في الامكان اختيار فرصة أفضل لأعلان ذلك النبأ الخطير السعيد، نبأ إكمال الدين. فقد كان ذلك المكان هو الموطن الذي لم يشهد قط، في تاريخ العالم كله، أيما صراع زمنيّ أو أيما سفك للدماء. وكانت هذه هي الجماعة التي التقت هناك لتمجيد الاله ليس غير، قاطعة- مؤقّتا- كل صلة لها بالحياة الدنيوية. وكان ذلك اجتماعا هيمنت فيه المساواة الانسانية، وانعدم كل تمييز بين الملك والفلاح، حيث التقى القوم كلهم كأخوان في الانسانية، ليرفعوا آيات الولاء لربهم الذي في السماء، وحيث كان كل فؤاد مفعما بمخافة الله.

وكانت الخطبة التي ألقاها الرسول في تلك المناسبة رائعة حقا. كان ممتطيا ناقته، وكان الناس قد تحلقوا حوله في منى. فكانت الكلمات المنطلقة من بين شفتيه تردّد عاليا لكي تبلغ أقصى أطراف ذلك الاجتماع الحاشد. وكانت جميع القبائل والعشائر البدوية ممثلة في ذلك الموقف، وهكذا حملت الرسالة إلى كل رجا من ارجاء الجزيرة. وكان هذا هو مستهلّها:

«أيها الناس! اسمعوا قولي فأني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا.» وواضح ان الرسول كان قد استشعر دنوّ أجله من خلال الآية التي أعلنت إكمال الدين والتي أنزلت عليه في التاسع من ذي الحجة، في عرفات. لقد بعث- وهو يعلم ذلك علم اليقين- ابتغاء إكمال الشريعة الالهية. فلا عجب ان نجده يستنتج- حين أعلم ان الأكمال قد حقّق- ان وجوده على الارض لم يعد ضروريا.

وبعد هذا الاستهلال مضى الرسول يقول:

«أيها الناس، هل تدرون أي يوم هذا؟ إنه يوم النحر. هل تدرون أي شهر هذا؟ انه الشهر الحرام. هل تدرون أي بلد هذا؟

انه البلد الحرام. إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى ان تلقوا ربكم

كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلّغت.

«فمن كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها.

«وإن كلّ ربا موضوع*. ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.

«قضى الله ان لا ربا. وأن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله.

«وان كل دم في الجاهلية موضوع. وإن أول دمائكم اضع دم ابن ربيعة بن الحارث ابن عبد المطلب.

«اما بعد أيها الناس، فان الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا. ولكنه ان يطع في ما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون على أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

[ «أيها الناس، ان النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا يحلّونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله ويحرّموا ما أحلّ الله.]

[ «وان الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض.

وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية ورجب مفرد الذي بين جمادى وشعبان.]

«أما بعد، أيها الناس، فأن لكم على نسائكم حقا ولهنّ عليكم حقا. [لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه وعليهنّ ان ألّا يأتين بفاحشة أبدا. فأن فعلن فأن الله قد أذن لكم ان تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرّح. فأن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف.] واستوصوا بالنساء خيرا فأنهن عندكم عوان

__________

(*) أي مهدر.

لا يملكن لأنفسهن شيئا. [وانكم إنما اخذتموهن بأمانة الله واستحللتم.

فروجهن بكلمات الله.] وأما عبيدكم فاحرصوا على ان تطعموهم مما تأكلون، وتلبسوهم مما تلبسون.

«فاعقلوا ايها الناس قولي فأني قد بلغت. [وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلّوا أبدا امرا بيّنا: كتاب الله وسنّة رسوله.]

«أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه. تعلمنّ ان كل مسلم أخ للمسلم، وان المسلمين اخوة فلا يحلّ لامرئ من اخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمنّ أنفسكم.»

وبعد ذلك صاح الرسول بأعلى صوته: «اللهمّ هل بلّغت؟» فردّدت جنبات الوادي جوابا انطلق من عشرات الوف الألسنة معلنا:

«نعم! نعم!»

وليس من ريب في ان الرسالة كانت سامية، ولكن الحماسة التي القيت بها لم تكن أقلّ حماسة. اننا ههنا امام عظة أخرى على الجبل في تاريخ العالم، أعظم من الأولى وأيسر تطبيقا.



كلمات دليلية: