غزوة تبوك_19762

غزوة تبوك


الفصل السابع والعشرون تبوك وموت إبراهيم

الخراج وجبايته- أنباء تهيؤ الروم- نفير محمد في المسلمين ليتهيئوا للقتال بالشام- الخوالف المنافقون- شدة محمد معهم- الجيش العرم- في لظى الطريق إلى الشام- انسحاب الروم خوفا من محمد- عهده ليوحنا ولأمراء الحدود- العود إلى المدينة- مرض إبراهيم ووفاته وبكاء محمد إياه.

,

تهيؤ الروم للغزو ودعوة النبي لغزوهم

وفيما كانت عينه على بلاد العرب جميعا حتى لا ينتقض فيها منتقض، وحتى يستتبّ الأمن في ربوعها من أقصاها إلى أقصاها، إذ اتّصل به نبأ من بلاد الروم أنها تهيئ جيوشا لغزو حدود العرب الشمالية غزوا ينسي النسا انسحاب العرب الماهر في مؤتة، وينسي الناس ذكر العرب وسلطان المسلمين الزاحف في كل ناحية ليتاخم سلطان الروم في الشام وسلطان فارس في الحيرة. واتّصل به هذا النبأ مجسما أيّما تجسيم. فلم يتردد هنيهة في تقرير مواجهة هذه القوى بنفسه، والقضاء عليها قضاء يقضي في نفوس سادتها على كل أمل في غزو العرب أو في التعرّض لهم. وكان الصيف لما ينته. والقيظ في أوائل الخريف يصل إلى درجات تجعله أشدّ من قيظ الصيف في هذه الصحاري إرهاقا وقتلا. ثم إن الشقّة من المدينة إلى بلاد الشام طويلة شاقّة تحتاج إلى الجلد وتحتاج إلى المؤونة وإلى الماء. إذا لا مفر من أن يطالع محمد الناس بعزمه السير إلى الروم وقتالهم، حتى يأخذوا لذلك عدّتهم. ولا مفرّ من أن يخالف بذلك تقاليده في سابق غزواته، حين كان يتوجّه في كثير من الأحيان بجيشه إلى غير الناحية التي إليها يقصد، تضليلا للعدوّ حتى لا يفشو خبر مسيرته. وأرسل محمد في القبائل جميعا يدعوها للتهيؤ كيما تعدّ أكبر جيش يمكن إعداده، وأرسل إلى أثرياء المسلمين ليشاركوا في تجهيز هذا الجيش بما آتاهم الله من فضله، وليحرّضوا الناس على الانضمام إليه حتى يكون من الأهبة بما يدخل الروع في نفوس الروم الذين عرفوا بوفرة عدتهم وكثرة عديدهم.

,

تلقي المسلمين دعوة الرسول

بم عسى أن يستقبل المسلمون هذه الدعوة إلى هجر أبنائهم ونسائهم وأموالهم في شدّة القيظ ليقطعوا فيافي وصحاري مجدبة قليلة الماء، ثم ليلقوا عدوّا غلب الفرس ولم يقهره المسلمون؟! أفيدفعهم إيمانهم وحبهم للرسول وشديد تعلّقهم بدين الله إلى الإقبال على دعوته متدافعين بالمناكب حتى يضيق بهم فضاء الصحراء دافعين أمامهم أموالهم وإبلهم، مدرّعين بسلاحهم مثيرين أمامهم من النقع ما إن يكاد يبلغ العدوّ نبؤه حتى يولي الأدبار لا يلوي على شيء؟ أم تمسكهم مشقّة الطريق وشدة الحرّ ومخافة الجوع والعطش فيتقاعسون ويتراجعون؟ لقد كان في المسلمين يومئذ من هؤلاء وأولئك: كان فيهم أولئك الذين أقبلوا على الدين بقلوب ممتلئة هدى ونورا، ونفوس غمرها ضياء الإيمان فلا تعرف غيره، وكان فيهم من دخل دين الله رغبا ورهبا؛

رغبا في مغانم الحرب بعد أن أصبحت قبائل العرب كلها لا تثبت أمام غزو المسلمين فتسلم لهم وتؤدّي إليهم الجزية عن يد وهي صاغرة، ورهبا من هذه القوّة التي تضرب أمامها كل قوة، ويخشى سلطانها كلّ ملك. فأمّا الأوّلون فأقبلوا يلبون دعوة رسول الله خفافا مسرعين. ومنهم الفقير الذي لا يجد الدابّة يحمل نفسه عليها، ومنهم الغنيّ ماله بين يديه يقدّمه في سبيل الله راضية نفسه طامعا في الاستشهاد والانحياز إلى جوار الله، وأمّا الآخرون فتثاقلوا وبدؤا يلتمسون الأعذار، وجعلوا يتهامسون فيما بينهم. ويهزؤن بدعوة محمد إيّاهم لهذا الغزو النائي في ذلك الجوّ المحرق. هؤلاء هم المنافقون الذين نزلت فيهم سورة التوبة، وفيها أعظم دعوة للجهاد وأشدّ تخويف من عذاب الله يصيب من تخلف عن إجابة رسوله.

قال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحرّ؛ فنزل قوله تعالى: (وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ. فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) «1» .

قال محمد للجدّ بن قيس أحد بني سلمة: «يا جدّ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟» . فقال:

«يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنّي، فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل أشدّ عجبا بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألّا أصبر» (وبنو الأصفر هم الروم) . فأعرض عنه رسول الله. وفيه نزلت هذه الآية: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) «2» .

وانتهز الذين تنطوي قلوبهم على بغضاء محمد هذه الفرصة ليزيدوا المنافقين نفاقا وليحرّضوا الناس على التخلّف عن القتال. هؤلاء لم ير محمد أن يتهاون معهم خيفة أن يستفحل أمرهم، ورأى أن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. بلغه أن ناسا منهم يجتمعون في بيت سويلم اليهوديّ، يثبطون الناس ويلقون في نفوسهم التخاذل والتّخلف عن القتال؛ فبعث إليهم طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، فحرّق عليهم بيت سويلم، ففرّ أحدهم من ظهر البيت فانكسرت رجله، واقتحم الباقون النار فأفلتوا، ولكنهم لم يعودوا لمثلها، ثم كانوا مثلا لغيرهم، فلم يجرؤ أحد بعدهم على مثل فعلهم.

,

تجيز جيش العسرة

وقد كان لهذه الشدّة في أخذ المنافقين ومن معهم أثرها؛ فقد أقبل الأغنياء وذوو اليسار فأنفقوا نفقة عظيمة لتجهيز الجيش. أنفق عثمان بن عفّان وحده ألف دينار، وأنفق كثيرون غيره، كلّ في حدود طاقته.

وتقدّم كلّ قادر على نفقة نفسه بعدّته ونفقته. وأقبل كثيرون من الفقراء يريدون أن يحملهم النبيّ معه، فحمل منهم من استطاع، واعتذر إلى الباقين وقال: لا أجد ما أحملكم عليه، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون. ولبكائهم هذا أطلق عليهم اسم البكّائين. واجتمع لمحمد في هذا الجيش. الذي سمّي جيش العسرة لشدة ما لاقى منذ يوم تكوينه، ثلاثون ألفا من المسلمين.

اجتمع الجيش وقام أبو بكر فيه يؤمّ الناس للصلاة في انتظار عود محمد من تدبير شؤون المدينة في أثناء غيبته. وقد استخلف عليها محمد بن مسلمة وخلّف عليّ بن أبي طالب على أهله وأمره بالإقامة فيهم، وأصدر ما رأى أن يصدر من الأوامر، ثم عاد إلى الجيش يتولّى قيادته. وكان عبد الله بن أبيّ قد خرج في جيش من قومه يسير به إلى جانب جيش محمد. لكنّ النبيّ رأى أن يظلّ عبد الله وجيشه بالمدينة، لأنه كان بعد ضعيف الثقة به وبصحة إيمانه. وأمر فتحرّك الجيش، وثار النقع، وصهلت الخيل، وارتقت نساء المدينة سقفها

__________

(1) سورة التوبة آيتا 81 و 82.

(2) سورة التوبة آية 49.

يشهدن هذا الجحفل الجرّار، يتوجه مخترقا الصحراء صوب الشام، مستهينا في سبيل الله بالحرّ والظمأ والمسغبة، تاركا وراءه القواعد والخوالف ممن آثروا الظلّ والنّعمة واللذّة على إيمانهم وعلى رضا الله عنهم. ولقد حرّك منظر الجيش يتقدّمه عشرة آلاف فارس ومنظر النسوة مأخوذات بجلاله وقوّته بعض نفوس لم تحرّكها دعوة الرسول فتقاعست ولم تتبعه. رجع أبو خيثمة بعد أن رأى هذا المنظر، فوجد امرأتين له قد رشّت كل واحدة منهما عريشها وبرّدت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما فلما رأى الرجل ما صنعتا قال: رسول الله في الضّح والريح والحرّ وأبو خيثمة في ظلّ بارد وطعام مهيّأ وامرأة حسناء في ماله مقيم!. هيئا لي زادا حتى ألحق به.

فهيأتا له زاده ولحق بالجيش. ولعل جماعة من الخوالف قد فعلوا فعل أبي خيثمة، بعد أن رأوا ما في التقاعس والخوف من شنار ومذلّة.

,

النزول بالحجر

وسار الجيش حتى بلغ الحجر، وبها أطلال لمنازل ثمود منقورة في الصخر. هنالك أمر رسول الله بالنزول، فاستقى الناس من بئرها. فلمّا راحوا قال لهم: لا تشربوا من مائها شيئا ولا تتوضّئوا منه للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فأعلفوه الإبل ولا تأكلوا منه شيئا، ولا يخرجنّ أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له. ذلك أن المكان لم يكن أحد يمرّ به، وكانت تعصف فيه أحيانا عواصف الرمل تطمر الناس والإبل. ولقد خرج رجلان علي خلاف أمر الرسول، فاحتملت أحدهما الريح وطمرت الآخر الرمال. فلما أصبح الناس ألفوا هذه الرمال قد طمت البئر فلم يبق بها ماء، ففزعوا خيفة الظمأ، وقدّروا هول ما بقي من طول الطريق.

وإنهم لكذلك إذ مرّت بهم سحابة أمطرتهم، فارتووا وأصابوا من الماء ما شاؤا وزايلهم الفزع، وطار أكثرهم سرورا، وأقبل بعض منهم على بعض يقولون إنها معجزة. أمّا آخرون فقالوا: إنما هي سحابة مارّة.

,

انسحاب الروم

وانطلق الجيش بعد ذلك قاصدا تبوك، وكانت الروم قد بلغها أمر هذا الجيش وقوته، فاثرت الانسحاب بجيشها الذي كانت وجّهت إلى حدودها ليحتمي داخل بلاد الشام في حصونها. فلما انتهى المسلمون إلى تبوك وعرف محمد أمر انسحاب الروم ونمي إليه ما أصابهم من خوف، لم ير محلّا لتتبّعهم داخل بلادهم.

وأقام عند الحدود يناجز من شاء أن ينازله أو يقاومه، ويعمل لكفالة هذه الحدود حتى لا يتخطى من بعد ذلك إليها أحد. وكان يوحنا بن رؤبة صاحب أيلة أحد الأمراء المقيمين على الحدود. ولقد وجّه إليه النبيّ رسالة أن يذعن أو يغزوه فأقبل يوحنّا وعلى صدره صليب من ذهب، وقدّم الهدايا والطاعة، وصالح محمدا وأعطاه الجزية، كما صالحه أهل الجرباء «1» وأذرح «2» وأعطوه الجزية. وكتب رسول الله لهم كتب أمن، هذا نص أحدها- وهو ما كتب ليوحنا: «بسم الله الرحمن الرحيم. هذه أمنة من الله ومحمد النبيّ رسول الله ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة سفنهم وسيّارتهم في البر والبحر لهم ذمّة الله ومحمد النبيّ ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر. فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيّب لمحمد أخذه من الناس. وإنه لا يحلّ أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من برّ أو بحر» . وإيذانا بالموافقة على هذا معهد

__________

(1) الجرباء: قرية من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام.

(2) أذرج: بلد في أطراف الشام من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز، وهي قريبة من الجرباء.

أهدى محمد إلى يوحنا رداء من نسج اليمن وأحاطه بكل صنوف الرعاية، بعد أن اتّفق على أن تدفع أيلة جزية قدرها ثلثمائة دينار في كل عام.

,

عودة المسلمين إلى المدينة

لم يكن عود محمد على رأس هذه الألوف من جيش العسرة من حدود الشام إلى المدينة بالأمر الهيّن. فلم يدرك كثيرون من هؤلاء مغزى الاتفاق الذي عقد مع أمير أيلة والبلاد المجاورة له، ولم يقيموا كبير وزن لما حقّقه محمد بهذه الاتفاقات من تأمين حدود شبه الجزيرة وإقامة هذه البلاد معاقل بينه وبين الروم، بل كان كل الذي نظروا إليه أنهم قطعوا هذه الشقة الطويلة، وتحمّلوا في قطعها ما تحملوا من الأذى، ثم عادوا لم يغنموا ولم يأسروا، بل لم يقاتلوا، وكلّ الذي فعلوا أن أقاموا بتبوك قرابة عشرين يوما. فهل لهذا قطعوا الصحراء في شدّة القيظ في حين كانت ثمار المدينة قد طابت وآن أن يستمتع الناس بها؟! وجعل جماعة منهم يستهزئون بما فعل محمد؛ ونقل من ملأ الإيمان قلوبهم نبأهم إليه. فأخذ المستهزئين بالشدّة حينا وباللين حينا، والجيش يسير قافلا إلى المدينة ومحمد يحفظ النظام في صفوفه. حتى إذا انتهى إليها لم يلبث ابن الوليد أن لحقه بها؛ لحقه ومعه أكيدر، وما حمل من دومة من إبل وشاة وبرّ ودروع، وعلى أكيدر حلّة من ديباج موشى بالذهب بهت أهل المدينة لمرآها.

هنالك اضطرب الذين تخلّفوا عن اتباعه اضطرابا ردّ المستهزئين إلى صوابهم. جاء المتخلّفون يعتذرون وأكثرهم يشوب معاذيره الكذب. وأعرض محمد عما صنعوا تاركا لله حسابهم. لكن ثلاثة صدقوا الله ورسوله فاعترفوا بتخلفهم واعترفوا بذنبهم. هؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك، ومرارة بن الرّبيع، وهلال بن أميّة.

وهؤلاء الثلاثة أمر محمد فأعرض المسلمون عنهم خمسين يوما لا يكلمهم أحد ولا تصل بينهم وبين مسلم تجارة.

ثم تاب الله على هؤلاء الثلاثة وعفا عنهم ونزل فيهم قوله تعالى: (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.

وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) «2»

__________

(1) دومة: هي المعروفة بدومة الجندل، على سبع مراحل من دمشق بينها وبين المدينة.

(2) سورة التوبة آيتا 117 و 118.

,

تبوك خاتمة الغزوات

بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه الجزيرة كلها، وأمن محمد كلّ عادية عليها، وأقبل سائر أهلها وفودا عليه يقدمون الطاعة ويعلنون لله الإسلام.

,

أثر تبوك وميل العرب إلى الإسلام

بغزوة تبوك تمّت كلمة ربك في شبه جزيرة العرب كلها، وأمن محمد كل عادية عليها. والحق أنه لم يكد يستقرّ بعد أن عاد من هذه الغزوة إلى المدينة حتى بدأ كل من أقام على شركة من أهل شبه الجزيرة يفكّر. ولئن كان المسلمون، الذين صحبوا محمدا في مسيره إلى الشام كابدوا من صنوف المشاق واحتملوا من القيظ والظمأ أهوالا، قد عادوا وفي نفوسهم شيء من السخط أن لم يقاتلوا ولم يغنموا بسبب انسحاب الروح إلى داخل الشام ليتحصنوا بمعاقلهم فيها- لقد ترك هذا الانسحاب في نفوس قبائل العرب المحتفظة بكيانها وبدينها أثرا عمقا، وترك في نفوس قبائل الجنوب باليمن وحضرموت عمان أثرا أشدّ عمقا. أليس الروم هؤلاء هم الذين غلبوا الفرس واستردّوا منهم الصليب وجاؤا به إلى بيت المقدس في حفل عظيم، وفارس كانت صاحبة السلطان على اليمن وعلى البلاد المجاورة لها أزمانا طويلة! فإذا كان المسلمون على مقربة من اليمن ومن غيرها من البلاد العربية جمعاء، فما أجدر هذه البلاد بأن تتضامّ كلها في تلك الوحدة التي تستظلّ بعلم محمد، علم الإسلام، لتكون بمنجاة من تحكم الروم والفرس جميعا! وماذا يضرّ أمراء القبائل والبلاد أن يفعلوا وهم يرون محمدا يثبّت من جاءه معلنا الإسلام والطاعة في إمارته وعلى قبيلته؟! فلتكن السنة العاشرة للهجرة إذا سنة الوفود، وليدخل الناس في دين الله أفواجا، وليكن لغزوة تبوك ولانسحاب الروم أمام المسلمين من الأثر أكثر مما كان لفتح مكة والانتصار في حنين وحصار الطائف.

,

إسلام عروة بن مسعود

ومن حسن صنيع القدر أن كانت الطائف- التي قاومت النبيّ في أثناء حصارها ما قاومت حتى انصرف المسلمون عنها دون اقتحامها- هي أوّل من أسرع إلى إعلان الطاعة بعد تبوك، وإن تردّدت طويلا في إعلان هذه الطاعة. فقد كان عروة بن مسعود، أحد سادة ثقيف المقيمين بالطائف، غائبا باليمن في أثناء غزو النبيّ بلاده بعد موقعة حنين. فلمّا عاد إلى موطنه ورأى النبيّ انتصر في تبوك وعاد إلى المدينة، أسرع إليه يعلن

إسلامه وحرصه على دعوة قومه للدخول في دين الله. ولم يكن عروة ليجهل محمدا وعظم أمره، وقد كان أحد الذين فاوضوه عن قريش في صلح الحديبية. وعرف النبيّ بعد إسلام عروة اعتزامه الذهاب إلى قومه يدعوهم إلى الدين الذي دخل فيه، وكان النبيّ يعرف من تعصّب ثقيف لصنمها اللّات ومن نخوتها وشدتّها ما جعله يحذّر عروة ويقول له: إنهم قاتلوك، لكن عروة اعتزّ بمكانه من قومه فقال: يا رسول الله، أنا أحبّ إليهم من أبصارهم. وذهب عروة فدعا قومه إلى الإسلام؛ فتشاوروا فيما بينهم ولم يبدوا له رأيا. فلما كان الصباح قام على علّية له ينادي إلى الصلاة. هنالك صدقت فراسة الرسول، فلم يطق قومه صبرا، فأحاطوا به ورموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم قاتل. واضطرب من حول عروة أهله، فقال وهو يسلم الروح: «كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم قبل أن يرتحل عنكم» . ثم طلب أن يدفن مع الشهداء فدفنه أهله معهم.

ولم يذهب دم عروة هدرا، فإن القبائل التي تحيط بالطائف كانت قد أسلمت كلها، ولذلك رأت فيما صنعت ثقيف بسيد من سادتها إثما ونكرا. ورأت ثقيف من أثر ذلك أنهم صاروا لا يأمن لهم سرب، ولا يخرج منهم رجل إلا اقتطع، وأيقنوا أنهم إن لم يجدوا سبيلا إلى صلح أو هدنة مع المسلمين فمصيرهم لا ريب إلى الفناء. وأتمر القوم فيما بينهم، وتحدثوا إلى كبير منهم (عبد يا ليل) ، كي يذهب إلى النبيّ يعرض عليه صلح ثقيف معه. وخشي عبد يا ليل أن يصيبه من قومه ما أصاب عروة بن مسعود، فلم يقبل أن يخرج إلى محمد حتى أوفدوا معه خمسة آخرين، اطمأنّ إلى أنه إذا خرج معهم ثم عادوا شغل كلّ رجل منهم رهطة.

ولقي المغيرة بن شعبة القوم حين دنوا من المدينة، فأسرع يريد أن يخبر النبيّ خبرهم. ولقيه أبو بكر يشتدّ في السير؛ فلما عرف منه ما جاء فيه طلب إليه أن يدع له هذه البشرى يزفّها إلى رسول الله ودخل أبو بكر فأخبر النبيّ بقدوم وفد ثقيف.



كلمات دليلية: