غزوة تبوك_15621

غزوة تبوك


غزوة تبوك وما تلاها من أحداث

,

مسير الحملة

:

اجتمع الجيش الإسلامي وأعطى الرسول -صلى الله عليه وسلم- لواءه لأبي بكر الصديق ثم تحرك صوب الشام مخترقًا الصحراء وسط صهيل الخيل، ورغاء الإبل حتى وصل إلى تبوك فلم يجد فيها جيشًا للروم فعسكر فيه حوالي عشرين يومًا1، ولم ير الرسول -صلى الله عليه وسلم- محلًا لتتبعهم داخل بلادهم، وأقام عند الحدود ينازل من يشاء أن ينازله متحديًا أية قوة تأتيه.

__________

1 كما قال ابن سعد والدمياطي.

,

موقف أمراء الحدود

:

وكان يوحنا بن رؤية أمير أيلة1 واليًا على القبائل المسيحية واليهودية في هذه المنطقة، فوجه إليه النبي رسالة يخبره فيها: إما بالإذعان وإما بالحرب، فآثر الأولى وأقبل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- معلنًا الطاعة، وعقد الرسول -صلى الله عليه وسلم- معه معاهدة اتفق فيها على أن يدفع جزية قدرها ثلاثمائة دينار كل عام2. كما وفد عليه

__________

1 وأيلة تقع على خليج العقبة.

2 "سيرة ابن هشام" 4/ 138 و"دلائل النبوة" للبيهقي، وغيرها.

أميرا قبيلتي أذرح وحرباء1، يطلبان تأمينهما ومحالفة المسلمين، فصالحهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الجزية.

ولم يكن أمام الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلا أمير دومة الجندل الذي كان يتوقع منه العداء، فبعث إليه خالد بن الوليد في قرابة خمسمائة فارس، وجاء هو بعد ذلك المدينة.

وأسرع خالد عائدًا إلى دومة الجندل، فانقض عليها في حين غفلة من أميرها، فلم يلق مقاومة تذكر، وفتحت له المدينة أبوابها، بعد أن وقع أميرها في الأسر، وغنم منها ألفي بعير، وثمانمائة شاة، وأربعمائة درع، وقدرًا كبيرًا من البر، ثم عاد إلى المدينة ومعه الغنائم والأسرى. فعرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أمير دومة الجندل، فأسلم وأصبح أميرًا على قومه1.

__________

1 هما من نواحي عمان.

2 "سيرة ابن هشام" 4/ 138، و"دلائل النبوة" للبيهقي 5/ 250، و"البداية والنهاية" 5/ 17، وقد جاءت هذه الحادثة من وجوه مرسلة كثيرة يقوي بعضها بعضًا.

,

الثلاثة الذين خلفوا

: 1

أولئك هم: كعب بن مالك، وهلال بن أُمية، ومرارة بن الربيع، وهم: ثلاثة نفر أخلصوا لله وجاهدوا في سبيله وشهدوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا من المشاهد والغزوات، وكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء مشكور، وجهاد مبرور..

ولكن الله الذي يمتحن عباده بالبلاء والمحن قد ابتلى هؤلاء الثلاثة بمحنة، لولا لطف الله لعصفت بإيمانهم وطوحت بهم في مهاوي الشقاء، وكثيرًا ما يبتلي الله عباده ليميز الخبيث من الطيب، ويظهر الزائف من الصحيح.

__________

1 وقصتهم صحيحة مخرجة في "صحيح البخاري" 8/ 118 من "فتح الباري"، و"صحيح مسلم" ص 2120، وغيرهما.

وقد قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} 1.

وذلك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى هذه الغزوة حيث كان الحر شديدًا والسفر بعيدًا، والعدو قاسيًا عنيدًا، وناهيكم بجيش جرار من الروم يتربص الدوائر بالمسلمين ويستعد للهجوم عليهم.. وقد استجاب لدعوة الحق رجال من المسلمين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فنفروا للجهاد سراعًا يضربون في البيداء المترامية بين الحر المرمض والسموم اللافح، لا يكترثون بوعثاء السفر ووعورة الطريق، ولا يثنيهم عن غايتهم ما يحيط بهم إذ ذاك من المتاعب والمخاوف والأراجيف التي يذيعها المنافقون، بل يجدون في طاعة الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- أمنًا وسلامًا وظلًّا ظليلًا دائمًا، يغنيهم عن ظلال الدنيا الزائلة، ومتاعها الفاني القليل.

ولعل ما يصور لنا عظمة الروح وقوة العقيدة في نفوس أولئك المؤمنين، ما وقع لأبي خيثمة الأنصاري أحد أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلقد تخلف عن المسير مع إخوانه المجاهدين أيامًا، ثم رجع إلى أهله في يوم حار فوجد امرأتين له في عريش لهما في حائطه، قد رشت كل واحدة منها عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعامًا.

فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضحى والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم. ما هذا بالنصف، ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. فهيئا لي زادًا ففعلتا.

__________

1 سورة محمد، الآية 31.

ثم خرج في طلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أدركه حين نزل تبوك1.

وقعد عن الجهاد قوم من المنافقين كانوا قد أظهروا الإسلام ولما يدخل الإيمان في قلوبهم. وكانوا بضعة وثمانين رجلًا غلبت عليهم شقوتهم، وأصاخوا2 لدعوة الشيطان فتركوا دون عذر ميدان الجهاد، لأنهم يحبون العاجلة، وهم أحرص الناس على حياة، ويظنون أن أمرهم سيخفى على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا رجع المسلمون من ميدان الجهاد قاسموهم في السراء دون الضراء، وشاركوهم في المغانم دون أن يشاركوهم في المغارم.

ولم يتخلف عن الجهاد من المؤمنين المخلصين سوى هؤلاء الثلاثة الذين نتحدث الآن عنهم، وهم الذين سماهم الله في كتابه العزيز: {الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} 3. ومعنى خلفوا أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خلفهم، أي أرجأ أمرهم إلى أن يقضي الله فيهم بأمره4.

ولقد أخطأ هؤلاء الثلاثة، ثم لم يلبثوا أن تابوا ورجعوا الله الله وأنابوا، فقبل الله توبتهم وغفر لهم خطيئاتهم: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} 5.

فقد روى لنا كعب بن مالك قصته وقصة صاحبيه، منذ تخلفوا عن ركاب إخوانهم المؤمنين المجاهدين إلى أن انجلى ليل محنتهم، وآذن الله رسوله -صلى الله عليه وسلم- بقبول توبتهم.

__________

1 انظر قصة أبي خيثمة في "سيرة ابن هشام" 4/ 133، و"دلائل البيهقي" 5/ 223، و"البداية" 5/ 8 وغير ذلك.

2 أي استمعوا وأنصتوا.

3 سورة التوبة، الآية 118، وقصتهم في الصحيحين كما مضى.

4 هذا تفسير كعب نفسه كما صح في البخاري ومسلم.

5 سورة البقرة، الآية 222.

يقول كعب1: إنه كان ينتقل في المدينة منذ خرج إخوانه للجهاد، فيحزنه ألا يرى في طرقاتها إلا طفلًا صغيرًا، أو رجلًا ضريرًا، أو شيخًا مهيض الجناح ليس عليه في تخلفه جناح2. ولا يرى أحدًا قد تخلف من الرجال الأقوياء سوى أهل النفاق والرياء.

ويقول كعب: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين رجع من تبوك دعاني حتى جئت بين يديه، فسألني عن أمر تخلفي وهو يتبسم تبسم المغضب. فاعترفت بذنبي ولم أفتر الكذب وأختلق الأعذار، كما فعل غيري من المتخلفين المنافقين، ثم دعا صاحبي إليه، فاعترفا بذنبهما، وإذ ذاك أمهلنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى يقضي الله فينا بأمره، ونهى الناس عن كلامنا حتى تنكرت لنا الدنيا وتغيرت، وضاقت علينا الأرض بما رحبت، ولم يعد لنا ملجأ من الله إلا إليه.

ويقول كعب: إن ملك غسان النصراني حينما بلغه نبأ محنتي، كتب إلي يستميلني إليه قائلًا:

أما بعد: قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.

وكأنما أراد الله أن يزيد في ابتلائي بمثل هذا الكتاب، هل أفتتن بالدنيا وزخرفها فأستجيب لدعوة ذلك الملك النصراني، حيث أقضي أيام الحياة بين العيش الناعم والفراش الوثير، وليكن بعد ذلك في الآخرة ما يكون؟ أم أصبر على ما يحيط بي من المتاعب والآلام مهما تتابعت وتلاحقت طمعًا في رحمة الله

__________

1 قال المؤلف: تصرفنا في نقل كلام كعب وكتبنا معظمه بأسلوبنا الخاص في حدود المعاني التي ذكرها كعب.

2 أي: إثم.

وانتظارًا لمغفرته ورضوانه، وإيثارًا للآخرة حيث السعادة والنعيم والملك الكبير؟

ولكني اخترت الباقية دون الفانية وآثرت الآجلة على العاجلة، فقمت إلى كتاب الملك الغساني فأحرقته في التنور، وفوضت أمري إلى الله الذي إليه تصير الأمور.

ويقول كعب: إن محنتنا استمرت خمسين يومًا متتابعة، ما كان أطولها وأقساها، ولكننا لم نجد ملجأ من الله إلا إليه، فصبرنا صبرًا جميلًا، وجاهدنا أنفسنا جهادًا طويلًا، حتى بدل العسر يسرًا، وجعل لنا من الضيق فرجًا ومن الهم مخرجًا، فآذن رسوله -صلى الله عليه وسلم- بغفران خطيئتنا وقبول توبتنا.

وجاءنا البشير بذلك فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مسرعين، فوجدنا وجهه يبرق من السرور، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وإذا به يتلو قول الله -عز وجل: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} 1.

وهكذا كانت غزوة تبوك خاتمة غزوات النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعدها أقام النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة مغتبطًا بما أفاء الله عليه، مطمئنة نفسه بهذا النصر الذي وصل إليه.

أما أولئك المنافقون البضع والثمانون فإنهم حينما رجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الجهاد قابلوه يحلفون بالله إنهم معذورون، والله يشهد إنهم لكاذبون، فلم يلبثوا حتى

__________

1 سورة التوبة، الآيات 117-118-119.

كشف الله أمرهم وبين للرسول -صلى الله عليه وسلم- عاقبتهم، وذلك قوله تعالى: {سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} 1.

وبعد فهذه قصة الثلاثة الذين خلفوا، ومن ثناياها يتجلى لكم مثل رائع من الإخلاص الصادق والإيمان العميق والعقيدة الراسخة التي لا تعصف بها الحوادث، ولا يزيدها تطاول الأيام إلا رسوخًا وقوة. وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.

ومن ثناياها ترون أن الصبر على البلاء والاطمئنان لقضاء الله وقدره، ذلكم هو السبيل القويم الذي يكفر الذنوب والآثام، ويضمن للإنسان البراءة والنجاة: {يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} 2.

ومن ثناياها ترون أن منطق النفاق كليل، وسلاحه مفلول، وعمره قصير، وحجته داحضة، والمنهج القاصد للمؤمن المجاهد هو أن يسير في حياته على أساس من الإيمان الصادق الذي لا يخادع ولا ينافق، حينئذٍ يحيا حياة طيبة، ويؤتيه الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

__________

1 سورة التوبة، الآيتان 195-196.

2 سورة النبأ، الآية 40.

,

بعض العبر في غزوة تبوك

:

- أظهرت هذه الغزوة أن النفاق لابد أن يفتضح أمره في وقت الشدة. فهؤلاء

المنافقون خافوامن الحر الشديد، فأرادوا أن يثبطوا همة المؤمنين، وقالوا لهم: {لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ} 1.

فكشف الله نفاقهم ورد عليهم بقوله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ، فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} 2.

إن الله -عز وجل- يفتح باب التوبة أمام المذنبين إذا اعترفوا بذنوبهم وندموا على ما فرط منهم 3، فهؤلاء الثلاثة الذين تخلفوا دون عذر عن هذه الغزوة حينما أدركوا خطأهم وندموا وتابوا، غفر الله لهم وتاب عليهم.

__________

1 سورة التوبة، الآية 81.

2 سورة التوبة، الآيتان 81 - 82.

3 الصواب: وندموا على ما فرطوا.

عام الوفود

,

خروج الجيش

:

خرج الجيش ومعه خالد بن الوليد، وودعه الناس، وسار النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم إلى خارج المدينة1 يدعو لهم بالنصر ويوصيهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين، وألا يهدموا المنازل، وألا يقطعوا الأشجار.

لكن العدو قد علم بمسير الجيش، فقام شرحبيل الغساني واستنجد بمن حوله من قبائل العرب المسيحيين- كما أمده هرقل بجيش كبير حتى بلغ عددهم حوالي مائة ألف أو أكثر.

وتقدمت الجيوش الإسلامية حتى إذا وصلوا إلى أرض الشام2، علموا أخبار

__________

1 إلى ثنية الوداع.

2 لموضع يقال له مُعان، بضم الميم.

* حتى قيل بلغوا مائتي ألف.

تجمعات الأعداء ومدى استعدادهم، فعقد زيد مجلسًا حربيًا للنظر والتشاور، فقال قائل منهم: نكتب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنخبره بكثرة الأعداء، فإما أن يرسل إلينا مددًا. وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فوقف عبد الله بن رواحة وأخذ يشجع الناس على المضي والتقدم قائلًا: انطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما نصر وإما شهادة. فأثرت كلماته في نفوسهم ودفعتهم إلى التقدم حتى وصلوا مؤتة.

والتقت قوة المسلمين القليلة بعددها، القوية بإيمانها، بقوة الأعداء، واندفع زيد بن حارثة في صدر العدو يصد الهجمات تارة، ويتقدم تارة أخرى، حتى مزقته رماح العدو، فوقع قتيلًا في ميدان الاستشهاد.

ثم انتقلت رياسة الجيش لجعفر بن أبي طالب، كما أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقاتل حتى أحاط العدو بفرسه فنزل عنها وتقدم راجلًا القوم يحصد الرءوس ويضرب الرقاب، وهو يقول:

يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها

والروم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

وظل هكذا حتى قُطعت يده، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل بعد أن أصيب بأكثر من سبعين جُرحًا، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح.

وعند ذلك انتقلت القيادة لعبد الله بن رواحة فنزل الميدان وهو يقول:

أقسمت يا نفس لتنزلنه ... ما لي أراك تكرهين الجنة

وسرعان ما سقط شهيدًا في سبيل الله وهو فرح مستبشر غير مدبر.

وهكذا استشهد هؤلاء الثلاثة في سبيل إعلاء كلمة الحق والدين، فكانوا مثلًا خالدًا من أمثلة البطولة والتضحية والإيمان، وأصبحوا قدوة كريمة على مدى الزمان لكل مؤمن يريد أن يكتب لأمته تاريخًا، ولوطنه خلودًا1.

وبعد استشهاد الأبطال الثلاثة اتفق الناس على تولية خالد بن الوليد، فاستطاع أن يوحد الصفوف ويجمع الشمل، وصار يناوش العدو حتى أقبل الليل فأخذ في تدبير الخطة وتنظيم الجيش من جديد، فجعل الساقة مقدمة والمقدم ساقة، والميمنة ميسرة والميسرة ميمنة.

فلما أصبح الصباح ظن العدو أن مددًا لحق بالمسلمين فلم يهاجموهم، وفرحوا حين سكت المسلمون عن قتالهم وتمنوا أن يعودوا دون اشتباك.

أما خالد فقد آثر المحافظة على المسلمين بالانسحاب، وكانت مهارة بارعة حيث استطاع أن ينقذ الجيش الإسلامي من خطر محقق وعاد إلى المدينة.

وقد بلغ الأسى من نفس رسول الله مقتل القواد الثلاثة مبلغًا كبيرًا.

فعن أسماء بنت عميس -رضي الله عنها- زوج جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- قالت: "دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: "ائتني ببني جعفر"، فأتيته بهم، فضمهم وذرفت عيناه بالدمع. قالت أسماء في لهفة وقد أدركت ما أصابه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: " نعم، أصيبوا هذا اليوم"، وفاضت عيناه بالدمع. قالت: فقمت أصيح. واجتمع علي النساء، وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول لي: "يا أسماء لا تقولي هجرًا ولا تضربي خدًّا".

__________

1 بل لدينه عزًّا.

ثم خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أهله فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم " 1.

وهكذا.. وبمثل هذا البر والوفاء كانت مواساته لأبناء الشهداء.

__________

1 حديث أسماء هذا أخرجه ابن إسحاق، وعنه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 370، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 161، وذكر أن فيه من يجهل حاله.

وأورده الحافظ ابن كثير في "البداية" 4/ 251 عنهما.

قلت: وللحديث هذا شواهد كثيرة يحسن بها ويصح، أوردها ابن كثير عقب هذه الرواية.



كلمات دليلية: