غزوة تبوك_14359

غزوة تبوك


غزوة تبوك

ثم غزوة تبوك (1)، وتعرف بغزوة العسرة وبالفاضحة (2)، من المدينة على أربع عشرة مرحلة، في رجب يوم الخميس (3).

وكان الحر شديدا، والجدب كثيرا، فلذلك لم يورّ عنها كعادته في سائر الغزوات (4).

_________

(1) مكان معروف، هو نصف الطريق بين المدينة ودمشق تقريبا، أقرب إلى دمشق بمرحلة أو ثلاث مراحل، وهي طرف الشام من جهة القبلة، وسميت باسم عين في ذلك المكان. (انظر الروض 4/ 195، وتهذيب النووي 3/ 43).

(2) أما غزوة العسرة، أو جيش العسرة: فقد وقع في الصحيح من حديث أبي موسى رضي الله عنه، أخرجه البخاري في المغازي، باب غزوة تبوك، وهي غزوة العسرة (4415) وهو مأخوذ من قوله تعالى: الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [التوبة:120]. وسميت كذلك لما كان فيه المسلمون من عسرة في الماء، والظهر، والنفقة، وشدة من الحر، وجدب من البلاد. وأما تسميتها بالفاضحة: فلافتضاح المنافقين فيها.

(3) كونها يوم الخميس: حكاه يونس عن ابن إسحاق كما في دلائل البيهقي 5/ 219. ورواه ابن سعد 2/ 167 من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه. وهي رواية للنسائي كما في الفتح عند شرح الحديث (4418).

(4) كذا في البخاري من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه (4418) وفيه: ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة. . فجلّى للمسلمين أمرهم. . فأخبرهم بوجهه الذي يريد.

وذلك أنه بلغه صلى الله عليه وسلم أن الروم تجمعت بالشام مع هرقل (1).

فقال قوم من المنافقين: لا تنفروا في الحر. فنزلت: {وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة:81] الآية (2).

,

[إنفاق عثمان رضي الله عنه]

:

وأنفق عثمان رضي الله عنه فيها نفقة عظيمة، وروي أنه حمل على تسعمائة بعير ومائة فرس بجهازها (3).

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم ارض عن عثمان، فإني عنه راض» (4).

_________

(1) هذا هو السبب الذي ذكره الواقدي وابن سعد وغيرهما، وأخرج البيهقي في الدلائل 5/ 254 وعزاه الحافظ في الفتح 7/ 715 إلى أبي سعد النيسابوري في شرف المصطفى أيضا، وحسّن إسناده مع كونه مرسلا: أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقا أنك نبي، فالحق بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء. فصدق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله عز وجل آيات من سورة بني إسرائيل بعد ما ختمت السورة: وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها. . . [الإسراء:76]، فأمره الله عز وجل بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها محياك ومماتك، ومنها تبعث. .

(2) انظر في سبب نزولها هذا: تفسير الطبري 10/ 201، والبغوي 2/ 315، والدر المنثور 4/ 255 - 256.

(3) كذا أيضا في جوامع السيرة/250/، والدرر 238 - 239. وفي السيرة 2/ 518 عن ابن هشام أن عثمان أنفق ألف دينار. وأضاف إليها ابن الأثير في الكامل 2/ 149: وثلاثمائة بعير. وفي الرياض النضرة 3/ 17 عن قتادة: ألف بعير وسبعين فرسا.

(4) بهذا اللفظ: أخرجه ابن هشام في السيرة 2/ 518، وابن الجوزي في صفة الصفوة 1/ 298، وعزاه المحب الطبري في الرياض 3/ 28 و 30 إلى أبي-

,

[البكاؤون]

:

وجاء البكاؤون يستحملونه (1)، فقال: {لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ. . .} (2).

وهم: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب المازني، والعرباض بن سارية، وهرميّ بن عبد الله، وعمرو بن عنمة، وعبد الله بن مغفّل، وعبد الله بن عمرو المزني، وعمرو بن الحمام، ومعقل المزني، وحضرمي بن مازن، والنعمان، وسويد، ومعقل، وعقيل، وسنان، وعبد الرحمن، وهند بنو مقرّن (3).

[المعذّرون]:

وجاء المعذّرون من الأعراب، فاعتذروا ليؤذن لهم، فلم يعذرهم، وقيل: عذرهم، وهم اثنان وثمانون رجلا (4).

_________

= الحسن الخلعي وخيثمة في فضائله. قلت: ويشهد له ما أخرجه الترمذي في المناقب (3702)، والبيهقي في الدلائل 5/ 215 من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» مرتين. وقال الترمذي: حسن غريب.

(1) يعني يطلبون منه عليه الصلاة والسلام إبلا تحملهم معه للجهاد، لأنهم كانوا فقراء معسرين، ذوي حاجة، لا يحبون التخلف عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(2) الآية (92) من سورة التوبة وبعدها: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ وبها يعرف سبب تسميتهم بالبكائين.

(3) اختلفت مصادر السيرة في تسمية هؤلاء البكائين، وفي أكثرها: أنهم سبعة فقط. وقد جمع المصنف هنا كل ما حكي في ذلك.

(4) في البخاري من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه الذي سبق أن أشرت إليه: أنهم كانوا بضعة وثمانين رجلا. وقال الحافظ في شرحه: ذكر الواقدي أن هذا

وقال ابن عساكر: كانوا من غفار (1).

واستخلف على المدينة: محمد بن مسلمة، وقيل: سباع بن عرفطة، وقيل: عليا. ورجحه ابن عبد البر (2).

,

[المتخلفون]

:

وتخلّف كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، من غير شك حصل لهم، وفيهم نزل: {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} (3) [التوبة:

118]، وأبو ذر، وأبو خيثمة، ثم لحقاه بعد (4).

_________

= العدد كان من منافقي الأنصار، وأن المعذرين من الأعراب كانوا أيضا اثنين وثمانين رجلا من بني غفار وغيرهم، وأن عبد الله بن أبي ومن أطاعه من قومه، كانوا من غير هؤلاء، وكانوا عددا كثيرا، وانظر الواقدي 3/ 995، وابن سعد 2/ 165 وفيهما: أن الذين عذرهم، هم من المنافقين، وأما المعذرون من الأعراب فلم يعذرهم. وهذا قول ابن إسحاق 2/ 518 أيضا. وقال ابن حزم /251/، وابن عبد البر/239/: عذرهم.

(1) هذا لابن إسحاق في السيرة 2/ 518.

(2) الدرر/239/، وانظر السيرة 2/ 519، والواقدي 3/ 995، والطبقات 1/ 165 وفيها يقول ابن سعد عن محمد بن مسلمة: وهو أثبت عندنا ممن قال استخلف غيره. قلت: وفي البلاذري 1/ 368 ذكر غير هؤلاء: ابن أم مكتوم، وأبا رهم، ثم رجح ما قاله ابن سعد.

(3) وآخرها: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ.

(4) أما أبو ذر رضي الله عنه-كما في السيرة، والسند ضعيف كما في الإصابة-: فقد أبطأ به بعيره، فأخذ متاعه فحمله على ظهره ثم لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما أبو خيثمة رضي الله عنه: فإنه لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك دخل على أهله في يوم حار، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائطه، وقد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاما، فلما دخل قام-

ولما رأى أبا ذر قال: «يمشي وحده، ويعيش وحده، ويموت وحده»، فكان كذلك (1).

,

[عدد الجيش]

:

وكان معه صلى الله عليه وسلم ثلاثون ألفا، وفي الإكليل: أكثر من ثلاثين، وقال أبو زرعة: سبعون. وفي رواية عنه: أربعون (2).

_________

= على باب العريش، فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال: سبحان الله! رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضّح-الشمس- والريح والحر، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنّصف. ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركه حين نزل تبوك، فأخبره بقصته، فقال له خيرا، ودعا له بخير. (انظر السيرة ومغازي الواقدي، ودلائل البيهقي).

(1) رواه ابن إسحاق في السيرة 2/ 524، والطبري في التاريخ 3/ 107، والحاكم في المستدرك 3/ 50 - 51، والبيهقي في الدلائل 5/ 222، كلهم من طريقه عن ابن مسعود رضي الله عنه. وأورده السيوطي في الخصائص 2/ 131 عن أبي المثنى المليكي، أخرجه الحارث بن أبي أسامة. وشرح السهيلي 4/ 195 معنى: يموت وحده: أي منفردا. قلت: وقصة نفيه إلى الربذة وموته بها مشهورة.

(2) أما الثلاثون: فقالها الواقدي 3/ 996 و 1002، وابن سعد 2/ 166 وأضاف: ومن الخيل: عشرة آلاف فرس. وفي أنساب الأشراف 1/ 368: وكانت الإبل: اثني عشر ألف بعير. وأما الزيادة على الثلاثين: فهي لابن إسحاق من رواية يونس كما في دلائل البيهقي 5/ 219، وعزاها الحافظ في الفتح 7/ 721 له وللحاكم في الإكليل من حديث معاذ رضي الله عنه، ثم نقل عن أبي زرعة الرازي: أنهم كانوا أربعين ألفا. وأما رواية أبي زرعة الأولى: فنقلها الصالحي 5/ 638 عن الحاكم في الإكليل عن أبي زرعة. والله أعلم.

,

[خبر الناقة التي ضلت]

:

وفي هذه الغزوة ضلت ناقته صلى الله عليه وسلم، فتكلم المنافقون (1)، فنزل الوحي وأخبره بأنها متعلقة بخطامها في شجرة، فوجدت كذلك (2).

,

[مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بتبوك]

:

وأقام بتبوك بضع عشرة ليلة.

وقال ابن سعد: عشرين (3).

وبها مات عبد الله ذو البجادين (4).

وانصرف صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدا وبنى في طريقه مساجد (5).



كلمات دليلية: