غزوة بني قريظة _3552

غزوة بني قريظة


الباب العشرون في غزوة بني قريظة

تقدم في غزوة الخندق أنّهم ظاهروا قريشا وأعانوهم على حرب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونقضوا العهود والمواثيق التي كانت بينهم وبين رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباءوا بغضب من الله ورسوله، والصّفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة. قال الله سبحانه وتعالى: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ- أَي أَعانوهم- مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ- أَي حصونهم- وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً.

وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً [الأحزاب 25: 27] .

قال محمد بن عمر عن شيوخه: لما تفرّق المشركون عن الخندق خافت بنو قريظة خوفا شديدا، وقالوا: محمد يزحف إلينا، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لم يأمر بقتالهم حتّى جاءه جبريل يأمره به.

روى الإمام أحمد والشّيخان- مختصرا- والبيهقي والحاكم في صحيحه مطوّلا عن عائشة، وأبو نعيم، والبيهقي من وجه آخر عنها، وابن عائذ عن جابر بن عبد الله، وابن سعد عن حميد بن هلال، وابن جرير عن عبد الله بن أبي أوفى والبيهقي وابن سعد عن الماجشون، والبيهقيّ عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وسعيد بن جبير وابن سعد عن يزيد بن الأصم، ومحمد بن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما رجع عن الخندق، والمسلمون وقد عضّهم الحصار، فرجعوا مجهودين، فوضعوا السلاح، ووضعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ودخل بيت عائشة ودعا بماء فأخذ يغسل رأسه- قال ابن عقبة قد رجّل أحد شقّيه. قال محمد بن عمر:

غسل رأسه واغتسل، ودعا بالمجمرة ليتبخّر، وقد صلّى الظّهر، قالت عائشة: فسلّم علينا رجل ونحن في البيت. قال محمد بن عمر: وقف موضع الجنائز، فنادى عذيرك من محارب! فقام رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فزعا فوثب وثبة شديدة، فخرج إليه، وقمت في أثره أنظر من خلل الباب، فإذا هو دحية الكلبيّ فيما كنت أرى- وهو ينفض الغبار عن وجهه، وهو معتمّ، وقال ابن إسحاق: معتجر بعمامة، قال الماجشون- كما رواه أبو نعيم عنها، سوداء من إستبرق، مرخ من عمامته بين كتفيه، على بغلة شهباء- وفي لفظ: فرس- عليها رحالة وعليها قطيفة من ديباج- قال الماجشون: أحمر- على ثناياه أثر الغبار،

وفي رواية: قد عصّب رأسه الغبار، عليه لأمته،

فاتكأ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على عرف الدّابّة، فقال: يا رسول الله، ما أسرعتم ما حللتم، عذيرك من محارب! عفا الله عنك، وفي لفظ غفر الله لك، أوقد وضعتم السّلاح قبل أن نضعه؟ فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «نعم قال: فو الله ما وضعناه، وفي لفظ: «ما وضعت الملائكة السّلاح منذ نزل بك العدوّ. وما رجعنا الآن إلّا من طلب القوم حتّى بلغنا حمراء الأسد- يعني الأحزاب- وقد هزمهم الله تعالى، وإن الله- تعالى- يأمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد إليهم بمن معي من الملائكة لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالنّاس» .

قال حميد بن هلال: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «فإنّ في أصحابي جهدا فلو أنظرتهم أيّاما

قال جبريل: انهض إليهم، فو الله لأدقّنهم كدقّ البيض على الصّفا لأضعضعنّها، فأدبر جبريل ومن معه من الملائكة حتّى سطع الغبار في زقاق بني غنم من الأنصار. قال أنس- رضي الله عنه- فيما رواه البخاري: كأني أنظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم- موكب جبريل حين سار إلى بني قريظة [ (1) ] .. انتهى.

قالت عائشة: فرجعت، فلمّا دخل قلت يا رسول الله- من ذاك الرجل الّذي كنت تكلّمه؟ قال: «ورأيته» ؟ قلت نعم، قال، «لمن تشبّهت» ؟ قلت: بدحية بن خليفة الكلبي، قال:

«ذاك جبريل أمرني أن أمضي إلى بني قريظة» .

قال قتادة فيما رواه ابن عائذ: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم بعث يومئذ مناديا ينادى «يا خيل الله اركبي» وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بلالا فأذّن في الناس: «من كان سامعا مطيعا فلا يصلّين العصر إلّا ببني قريظة» .

وروى الشيخان عن ابن عمر، والبيهقي عن عائشة، والبيهقي عن الزهري وعن ابن عقبة، والطبراني عن كعب بن مالك: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه: «عزمت عليكم ألّا تصلّوا صلاة العصر» .

ووقع في مسلم في حديث ابن عمر صلاة الظّهر فأدرك بعضهم صلاة العصر، وفي لفظ الظهر في الطّريق، فقال بعضهم: لا نصلّيها حتّى نأتي بني قريظة، إنّا لفي عزيمة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وما علينا من إثم، فصلّوا العصر ببني قريظة حين وصلوها بعد غروب الشمس. وقال بعضهم: بل نصلّي، لم يرد منّا أن ندع الصّلاة، فصلّوا، فذكر ذلك لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلم يعنّف واحدا من الفريقين، ودعا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب فدفع إليه لواءه، وكان اللّواء على حاله لم يحلّ من مرجعه من الخندق، فابتدره النّاس [ (2) ] .

__________

[ (1) ] انظر البخاري 7/ 470 (4117) .

[ (2) ] أخرجه البخاري 1/ 471 (4118) وأخرج عبد الرزاق في المصنف (9737) والبيهقي في دلائل النبوة 4/ 8 وابن كثير في البداية 4/ 117، وانظر مجمع الزوائد 6/ 143.

ذكر مسيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بني قريظة

قال محمد بن عمر، وابن سعد، وابن هشام، والبلاذري: فاستعمل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المدينة ابن أم مكتوم.

قال محمد بن عمر: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إليهم لسبع بقين من ذي القعدة، ولبس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- السّلاح والدّرع [ (1) ] والمغفر والبيضة وأخذ قناة بيده، وتقلّد التّرس، وركب فرسه اللّحيف [ (2) ] ، وحفّ به أصحابه، قد لبسوا السّلاح وركبوا الخيل، وكانت الخيل ستّة وثلاثين فرسا وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، والخيل والرّجّالة حوله قال ابن سعد:

وكان معه- صلّى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف، قلت: كذا ذكر محمد ابن عمر: إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم. ركب فرسا. وروى الطبراني في الأوسط بسند رجاله ثقات عن أبي رافع، وابن سعد عن البيهقي وغيره والطبراني عن ابن عباس: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: لما أتى بني قريظة ركب على حمار عري يقال له يعفور، والنّاس حوله [ (3) ] .

وروى الحاكم، والبيهقي وأبو نعيم عن عائشة وابن إسحاق عن..... ومحمد ابن عمر عن شيوخه: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مر بنفر من بني النجار بالصّورين فيهم حارثة بن النعمان قد صفّوا عليهم السّلاح فقال: «هل مرّ بكم أحد؟» قالوا: نعم، دحية الكلبي مر على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من إستبرق وأمرنا بحمل السلاح سلاحنا فأخذنا وصففنا، وقال لنا: هذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يطلع عليكم الآن،

قال حارثة بن النعمان: وكنا صفّين، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «ذاك جبريل بعث إلى بني قريظة ليزلزل بهم حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم»

[ (4) ] .

وسبق عليّ في نفر من المهاجرين والأنصار فيهم أبو قتادة- إلى بني قريظة.

روى محمد بن عمر عن أبي قتادة قال: انتهينا إلى بني قريظة، فلمّا رأونا أيقنوا بالشّرّ، وغرز عليّ الرّاية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأزواجه. قال أبو قتادة: وسكتنا، وقلنا: السّيف بيننا وبينكم، وانتهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى

__________

[ (1) ] الدّرع: قميص من حلقات من الحديد متشابكة يلبس وقاية من السلاح، يذكر ويؤنث، انظر المعجم الوسيط 1/ 280.

[ (2) ] قال في النهاية: كان اسم فرسه- صلى الله عليه وسلّم- اللحيف لطول ذنبه، فعيل بمعنى مفعول، كأنه يلحف الأرض بذنبه أي يغطيها به، انظر النهاية 4/ 238.

[ (3) ] الطبراني في الأوسط وقال الهيثمي 6/ 144 رجاله ثقات.

[ (4) ] أخرجه عبد الرزاق (9737) والبيهقي في الدلائل 4/ 9 وابن كثير في البداية 4/ 118 والحاكم 4/ 118، 3/ 34، 35 وأبو نعيم في الدلائل (437) .

بني قريظة، فنزل قريبا من حصنهم على بئر أنّا بأسفل حرّة بني قريظة، فلمّا رآه علي- رضي الله عنه- رجع إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وأمرني أن ألزم اللّواء، فلزمته، وكره أن يسمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أذاهم وشتمهم.

فقال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث، فإن الله- تعالى- كافيك اليهود. فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «لم تأمرني بالرّجوع؟ فكتمه ما سمع، فقال: «أظنّك سمعت منهم لي أذى» فقال: نعم يا رسول الله. قال: «لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئاً» . فسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إليهم، وتقدّمه أسيد بن الحضير- فقال: يا أعداء الله: لا نبرح عن حصنكم حتّى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر، فقالوا: يا ابن الحضير:

نحن مواليك دون الخزرج، وخاروا، فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إلّا وذمة، ودنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم. وترّسنا عنه، ونادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم، حتى أسمعهم فقال: «أجيبوا يا إخوة القردة والخنازير وعبدة الطّاغوت هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ أتشتمونني؟! فجعلوا يحلفون ما فعلنا، ويقولون: يا أبا القاسم ما كنت جهولا، وفي لفظ ما كنت فاحشا. واجتمع المسلمون عند رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- عشاء، وبعث سعد بن عبادة- رضي الله عنه- بأحمال تمر لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمسلمين. فكان طعامهم، وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم يومئذ «نعم الطّعام التّمر» .

,

ذكر محاصرة المسلمين لبني قريظة

غدا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سحرا، وقدّم الرماة وعبّأ أصحابه فأحاطوا بحصون يهود، ورموهم بالنّبل والحجارة، وهم يرمون من حصونهم حتّى أمسوا، فباتوا حول الحصون، وجعل المسلمون يعتقبون، يعقب بعضهم بعضا، فما برح رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يراميهم حتى أيقنوا بالهلكة، وتركوا رمي المسلمين، وقالوا: دعونا نكلمكم، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم: «نعم» فأنزلوا نبّاش بن قيس، فكلم رسول الله- صلى الله عليه وسلّم على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النّضير من الأموال والحلقة وتحقن دماءنا، ونخرج من بلادك بالنّساء والذّراري، ولنا ما حملت الإبل إلّا الحلقة، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: تحقن دماءنا وتسلّم لنا النّساء والذّريّة ولا حاجة لنا فيما حملت الإبل، فأبى رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- إلا أن ينزلوا على حكمه، وعاد نبّاش إليهم بذلك.

,

ذكر اعتراف كعب بن أسد كبير بني قريظة وغيره بصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

فلما عاد نبّاش إلى قومه، وأخبرهم الخبر، قال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة، والله قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاثا، فخذوا ما شئتم منها، قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرّجل ونصدّقه. فو الله لقد تبيّن لكم أنه نبي مرسل، وأنّه الّذي تجدونه في

كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم ونسائكم، والله إنكم لتعلمون أنّ محمّدا نبي، وما منعنا من الدّخول معه إلّا الحسد للعرب حيث لم يكن نبيا من بني إسرائيل، فهو حيث جعله الله، ولقد كنت كارها لنقض العهد والعقد ولكنّ البلاء والشؤم من هذا الجالس- يعني حيي بن اخطب- ولقد كان حيي بن اخطب دخل معهم في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وفاء لكعب بن أسد، بما كان عاهده عليه- أتذكرون ما قال لكم ابن جوّاس حين قدم عليكم: تركت الخمر والخمير والتمير، وأجئت إلى السّقاء والتّمر والشّعير، قالوا: وما ذاك؟ قال: إنّه يخرج بهذه القرية نبيّ، فإن يخرج وأنا حيّ أتبعه وأنصره، وإن خرج بعدي، فإياكم أن تخدعوا عنه، واتّبعوه، فكونوا أنصاره وأولياءه، وقد آمنتم بالكتابين، كليهما الأوّل والآخر، وأقرئوه منّي السّلام، وأخبروه أنّي مصدّق به. قال كعب: فتعالوا فلنتابعه ونصدّقه، فقالوا: لا نفارق حكم التّوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علىّ هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا مصلتين السّيوف ولم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بيننا وبين محمّد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، إن نظهر فلعمري لنجدنّ النّساء والأبناء. قالوا: أنقتل هولاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟

قال: فإن أبيتم علىّ هذه فإن اللّيلة ليلة السّبت، وأنّه عسى وأن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا، لعلّنا نصيب من محمّد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمّه ليلة واحدة من الدّهر حازما، فقال ثعلبة وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد ابن عمّهم، وهم نفر من هذيل ليسوا من بني قريظة، ولا النّضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عمّ القوم: يا معشر بني قريظة، والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنّ صفته عندنا، وحدّثنا بها علماؤنا وعلماء بني النّضير، هذا أولهم: يعني حيي بن اخطب مع جبير بن الهيبان- أنه أصدق النّاس عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التّوراة. فلمّا رأى هولاء النّفر إباءهم نزلوا تلك الليلة التي في صبحها نزلت بنو قريظة فأسلموا وأمنوا على أنفسهم وأهليهم وأموالهم.

وقال عمرو بن سعدى: يا معشر يهود، إنكم قد حالفتم محمّدا على ما حالفتموه عليه، فنقضتم عهده الذي كان بينكم وبينه، فلم أدخل فيه، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية فو الله ما أدري يقبلها أم لا، قالوا: فنحن لا نقرّ للعرب بخرج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإنّي بريء منكم. وخرج في تلك الليلة مع ابني سعية، فمرّ بحرس رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعليهم محمد بن مسلمة، فقال محمد:

من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، قال محمّد: مرّ اللهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، وخلّى

سبيله، وخرج حتّى أتى مسجد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبات به حتّى أصبح فلما أصبح غدا فلم يدر أنّى هو حتّى السّاعة فذكر شأنه لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-.

فقال: «ذاك رجل نجّاه الله بوفائه»

[ (1) ] .

,

ذكر بعض ما قيل من الأشعار في هذه الغزوة

روى البخاري والنسائي عن البراء بن عازب- رضي الله عنه- إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال

__________

[ (1) ] انظر التلخيص للحافظ ابن حجر (3/ 16) .

لحسّان يوم قريظة: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك.

[ (1) ]

وروى ابن مردويه عن جابر- رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب، وردّهم الله بغيظهم. قال النبي- صلى الله عليه وسلم- «من يحمي أعراض المسلمين؟» فقام كعب، وابن رواحة، وحسّان، فقال لحسّان: «اهجهم أنت فإنّه سيعينك عليهم روح القدس» ،

فقال حسان- رضي الله عنه:

لقد لقيت قريظة ما أساها ... وما وجدت لذلّ من نصير

أصابهم بلاء كان فيه ... سوى ما قد أصاب بني النّضير

غداة أتاهم يهوي إليهم ... رسول الله كالقمر المنير

له خيل مجنبّة تعادى ... بفرسان عليها كالصّقور

تركناهم وما ظفروا بشيء ... دماؤهم عليهم كالعبير

فهم صرعى تحوم الطّير فيهم ... كذاك يدان ذو العند الفجور

فأنذر مثلها نصحا قريشا ... من الرّحمن إن قبلت نذيري

وقال أيضا:

لقد لقيت قريظة ما أساها ... وحلّ بحصنها ذلّ ذليل

وسعد كان أنذرهم بنصح ... بأنّ إلهكم ربّ جليل

فما برحوا بنقض العهد حتّى ... فلاهم في بلادهم الرّسول

أحاط بحصنهم منّا صفوف ... له من حرّ وقعتهم صليل

وقال أيضا:

تفاقد معشر نصروا قريشا ... وليس لهم ببلدتهم نصير

هم أوتوا الكتاب فضيّعوه ... وهم عمي عن التّوراة بور

كفرتم بالقران وقد أتيتم ... بتصديق الّذي قال النّذير

فهان على سراة بني لؤيّ ... حريق بالبويرة مستطير

وقال أيضا

لقد سجمت [ (2) ] من دمع عينيّ عبرة ... وحقّ لعيني أن تفيض على سعد

قتيل ثوى في معرك فجعت به ... عيون ذواري الدّمع دائمة الوجد

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري 4/ 236، 5/ 144، 82/ 45 ومسلم في الفضائل (153، 157) وأحمد 4/ 302 والطبراني في الكبير 4/ 48 والبيهقي 10/ 237 والطحاوي في معاني الآثار 4/ 298.

[ (2) ] سجمت فاضت، انظر المعجم الوسيط 1/ 419.

على ملّة الرّحمن وارث جنّة ... مع الشّهداء وفدها أكرم الوعد

فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا ... وأمسيت في غبراء مظلمة اللّحد

فأنت الّذي يا سعد أبت بمشهد ... كريم وأثواب المكارم والحمد

بحكمك في حيّي قريظة بالّذي ... قضى الله فيهم ما قضيت على عمد

فوافق حكم الله حكمك فيهم ... ولم تعف إذ ذكّرت ما كان من عهد

فإن كان ريب الدّهر أمضاك في الألى ... شروا هذه الدّنيا بجنّاتها الخلد

فنعم مصير الصّادقين إذا دعوا ... إلى الله يوما للوجاهة والقصد

وقال أيضا يبكي سعد بن معاذ ورجالا من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم:

إلا يا لقومي هل لما حمّ دافع ... وهل ما مضى من صالح العيش راجع

تذكّرت عصرا قد مضى فتهافتت ... بنات الحشا وانهلّ منّي المدامع

صبابة وجد ذكّرتني أخوّة ... وقتلى مضى فيها طفيل ورافع

وسعد فأضحوا في الجنان وأوحشت ... منازلهم فالأرض منهم بلاقع [ (1) ]

وفوا يوم بدر للرّسول وفوقهم ... ظلال المنايا والسّيوف اللّوامع

دعا فأجابوه بحقّ وكلّهم ... مطيع له في كل أمر وسامع

فما نكلوا حتّى توالوا جماعة ... ولا يقطع الآجال إلّا المصارع

لأنّهم يرجون منه شفاعة ... إذا لم يكن إلّا النّبيّون شافع

فذلك يا خير العباد بلاؤنا ... إجابتنا لله والموت ناقع

لنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأوّلنا في ملّة الله تابع

ونعلم أنّ الملك لله وحده ... وأنّ قضاء الله لا بدّ واقع

,

شرح غريب ذكر محاصرة المسلمين لبني قريظة

«النّبل» : السّهام.

يتعاقبون: يتناوبون.

الحلقة- بفتح الحاء وسكون اللّام: السلاح كله.

إلّا أن ينزلوا على حكمه: على قضائه فيهم.

,

شرح غريب ذكر نزول بني قريظة على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم

جهدهم: اشتد عليهم.

كتّفوا: بالبناء للمفعول.

الأثاث- بفتح الهمزة: متاع البيت، الواحد، أثاثة، وقيل: لا واحد له من لفظه.

الجرار- بكسر الجيم وتخفيف الراء: جمع جرّة.

السّكر- بفتح السين المهملة والكاف: نبيذ التمر، وفي التنزيل تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً [النحل 67] أهريق- بضم الهمزة وفتح الهاء وتسكن.

حلفاؤنا: أراد الذين حالفناهم على المناصرة.

فينقاع: تقدم ضبطها في غزوتها.

الحاسر- بالحاء والسين المهملتين: الذي لا درع عليه.

دارع: صاحب درع.

ألحّوا عليه: تمادوا على قولهم.

الشّعث: التّفرّق والانتشار.

الضّائع: الذي ليس له من يقوم بأمره، وفي لفظ الضّيعة: بفتح الضاد المعجمة، وسكون التحتية، وفتح العين المهملة، وتاء تأنيث، أي ترك وضيّع، وهو أيضا: مصدر ضاع الشيء ضيعة وضياعا، وأضعتهم: تركتهم.

أعرابي: منسوب إلى الأعراب، وهم سكان بالبادية.

الشّنذة- بشين معجمة، فنون، فذال معجمة مفتوحات، تشبه الإكاف يجعل لمقدمته حنو وهو بالكسر واحد أحناء. السّرج والقتب، وحنو كل شيء اعوجاجه.

الخطام- بكسر الخاء المعجمة: ما تقاد به الدّابّة.

آن- بالفتح والمدّ: قرب ودنا.

اللّائم: العاذل.

النّعي: خبر الموت.

تمنّ علينا: تنعم.

ما آلوكم جهدا: أي ما أدع جهدا ولا أقصّر في ذلك.

الجهد: الطّاقة.

الموسى: آلة الحديد التي يحلق بها.

تسبى النّساء، السّبي: النّهب وأخذ الناس عبيدا وإماء.

أرقعة: أي السّموات، قال ابن دريد: كذا جاء على لفظ التّذكير على معنى السّقف قال ابن الأعرابي: سمّوها «الرقيع» لأنّها مرقوعة بالنّجوم.

الملك- بكسر اللام.

وضعت الحرب أوزارها: الأوزار: هنا السلام وآلة الحرب وهو كناية عن الانقضاء، وفيه حذف، أي حتى يضع أهل الحرب أثقالهم، فأسند الفعل إلى الحرب مجازا.



كلمات دليلية: