غزوة بني قريظة من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

غزوة بني قريظة   من كتاب السيرة النبوية في ضوء القران والسنة

اسم الكتاب:
السيرة النبوية في ضوء القران والسنة
المؤلف:
محمد محمد أبو شهبه

غزوة بني قريظة

قدمنا في غزوة الأحزاب أن حيي بن أخطب في جماعة من بني النضير ألّبوا العرب على محاربة الرسول بالمدينة حتى كانت غزوة الخندق، وأنهم سعوا إلى بني قريظة- والمشركون يحاصرون المدينة- أن ينقضوا ما بينهم وبين النبي، وأنهم نجحوا في ذلك حتى اشتد الكرب على المسلمين وأصبحوا بين نارين: نار المشركين ونار اليهود، حتى اضطر النبي إلى أن يرسل بعض المسلمين لحراسة الذراري والنساء من غدر اليهود، بعد أن نقضوا العهد.

ولما عاد النبي من الخندق ووضع سلاحه جاء جبريل فقال: أوضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: «نعم» . فقال جبريل: ما وضعنا السلاح، وإن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة فإني عامد إليهم فمزلزل بهم، فأمر رسول الله مناديا ينادي في الناس: «ألا لا يصلينّ أحد العصر إلا في بني قريظة» فأخذ بعضهم بظاهر الأمر، فلم يصلوا العصر حتى جاؤوا بني قريظة وقد غربت الشمس، وقال بعضهم: إنما أراد الإسراع وصلّوا في الطريق، فلما علم النبي لم يعنف واحدا منهم «1» .

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءهم فيمن بقي من الصحابة ولواؤه معقود لابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فلما عاين بنو قريظة جيش المسلمين امتلأت قلوبهم رعبا، وتحصنوا بحصونهم، وحاصرهم المسلمون خمسا وعشرين

__________

(1) لأن كلا الفريقين مجتهد، إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.

ليلة حتى اشتد بهم الحال، وأيقنوا أن رسول الله غير منصرف عنهم حتى يناجزهم، فقال لهم كعب بن أسد: أرى أن تسلموا فقد استبان لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي بشر به كتابكم؛ فتأمنوا على دمائكم ونسائكم وأبنائكم وأموالكم، فأبوا، فقال لهم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ونخرج إلى محمد مستميتين في القتال حتى يحكم الله بيننا وبينه، فإن نهلك لم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه، وإن نغلب فلن نعدم النساء والأبناء، فأبوا، فقال: الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب منهم غرّة، فأبوا وتخوفوا أن يعدوا في السبت فيصيبهم ما أصاب من قبلهم، فأعرض عنهم ورماهم بعدم الحزم.

,

استشارتهم أبا لبابة

فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف- وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله الرسول إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه النساء، وبكى الصبيان، فكأنه رقّ لهم، فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، يعني الذبح، فاستشعر أبو لبابة أنه زل، وندم ندما تصوره هذه العبارة التي قالها: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله!!.

,

توبة أبي لبابة

فاستحيا أبو لبابة أن يقابل رسول الله وقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي، وعاد إلى المدينة فربط نفسه إلى سارية من سواري المسجد النبوي- وكانت من جذوع النخل- وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على ما صنعت، فلما علم الرسول الكريم قال: «لو جاءني لاستغفرت له، وإذ قد فعل هذا فلن أطلقه حتى يقضي الله فيه ما يشاء» .

وأقام على هذه الحال ست ليال أو أكثر تأتيه امرأته في وقت كل صلاة

فتحله حتى يتوضأ ويصلي، ثم يرتبط حتى نزلت توبته من السماء في قول الله تعالى:

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» .

فتتابع إليه الناس يبشرونه بتوبة الله عليه، وأرادوا أن يحلوه فأبى وقال:

لا يحلّني إلا رسول الله، فلما خرج الرسول إلى صلاة الفجر حلّه من رباطه، ولم يكتف أبو لبابة بما صنع بنفسه وقال: يا رسول الله إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأن أنخلع من مالي كله، فقال النبي:

«يجزيك الثلث» فتصدق به.

وإن لنا هنا لوقفة ترينا مبلغ قوة الإيمان، وتذكر القلب، ويقظة الضمير من صحابة رسول الله، الذين إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون، وسرعان ما يتوبون، ومبلغ ما وصل إليه المجتمع الإسلامي حينئذ من حياء من المعاصي والرذائل، وتقدير للقيم الخلقية، والمعاني الروحية، واستهانة بالنفس والولد والمال في سبيل رضاء الله ورسوله، وأن هذا المجتمع لم يصل إليه أي مجتمع متحضر إلى وقتنا هذا.

,

نزول بني قريظة على حكم رسول الله

فلما لم ير بنو قريظة فائدة من تحصنهم، وأنهم لا ناصر لهم من دون الله، عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعاملهم معاملة بني النضير، فأبى إلا أن ينزلوا على حكمه ففعلوا، فأمر برجالهم فكتفوا، ثم سعى إلى رسول الله رجال من الأوس راجين أن يعاملهم معاملة بني قينقاع حلفاء إخوانهم الخزرج، فقال لهم السيد الحكيم: «ألا يرضيكم أن يحكم فيهم رجل منكم» ؟ فقالوا: بلى، فاختاروا سعد بن معاذ- وكان في خيمة في المسجد النبوي معدة لمعالجة الجرحى وتمريضهم بسبب سهم أصيب به في الخندق- فأرسل رسول الله في طلبه، فجاء

__________

(1) تفسير ابن كثير والبغوي، ج 4 ص 212. والاية هي 102 من سورة التوبة.

راكبا، فالتف حوله جماعة من الأوس قائلين له: أحسن في مواليك، ألا ترى ما فعل ابن أبي في مواليه؟ فقال لهم: لقد ان لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم ثم قال: فإني أحكم فيهم أن تقتلوا الرجال، وتسبوا النساء والذرية، فقال له رسول الله: «لقد حكمت فيهم يا سعد بحكم الله «1» من فوق سبع سماوات» . فنفّذ فيهم الحكم، فإذا كما قيل ثلاثمائة، وقيل أربعمائة، وقيل أكثر من ذلك.

وقتل معهم حيي بن أخطب وهو السبب فيما نزل بهم من قتل وبلاء، فقد كان دخل معهم حصنهم بعد انصراف قريش وغطفان، وعاد سعد إلى الخيمة بالمسجد، فلم يلبث- وقد أقر الله عينه- أن انفجر جرحه فمات شهيدا رضي الله عنه وأرضاه.

وبالقضاء على بني قريظة تخلّص المسلمون بالمدينة من اخر شوكة في ظهورهم، وأصبحت المدينة كلها- ما عدا المنافقين- على قلب رجل واحد، وموئل الإسلام، وحصنه الحصين.

,

دم بني قريظة في عنق حيي

وفي الحق أن دم بني قريظة معلق في عنق حيي بن أخطب النضري، وإن كان قتل معهم، فهو الذي حمل قريظة على نقض العهد وجسّم العداوة بين اليهود والمسلمين، حتى اعتقدوا أن اليهود لا تطيب نفوسهم إلا باستئصال النبي وأصحابه، وهو الذي دخل معهم حصنهم وأغراهم بعدم التسليم والاستمرار في المقاتلة، ولو أنهم استسلموا من أول الأمر لما أهدرت دماؤهم، ولقبل النبي

__________

(1) وهو ما قضى به كتابهم المقدس «العهد القديم» في حق العدو المهزوم ففي سفر التثنية الإصحاح 13، فقرة 13، 14: «وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء، والأطفال، والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها لنفسك. وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك» وهكذا يتبين لنا أن ما قضى به سيدنا سعد لم يخرج عما حكمت به التوراة وأيضا فهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب بل هم خائنون غادرون غير وافين بالعهد.

منهم ما قبل من بني قينقاع وبني النضير من قبل، وعفوه عن الاخرين بعد أن همّوا بقتله.

وقيل أن يستعظم أحد حكم سعد عليهم واعتبار ذلك قسوة، عليه أن يتدبر فيما لو نجح المشركون في عبور الخندق والتقوا بالمسلمين وجها لوجه، ونفذ بنو قريظة خطتهم التي همّوا بها بمهاجمة المسلمين من ظهورهم، والتعدّي على نسائهم وذراريهم، ماذا يكون الحال؟ وإلى أي مدى ستكون الكارثة؟ لا شك أن الكارثة ستكون بالنسبة إلى من اقتص منهم من بني قريظة أضعافا مضاعفة من رجال المسلمين ونسائهم وأولادهم.

وفي شأن بني قريظة نزل قول الله تعالى: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ «1» ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً «2» يعني الذين ظاهروا الأحزاب وهم قريظة.

,

قسمة أموال قريظة

وقسم النبي أموال بني قريظة بعد ما أخرج الخمس، جعل للفارس ثلاثة أسهم: سهمين للفرس، وسهما لراكبه أو للراجل، وكانت الخيل يومئذ ستا وثلاثين، وبعث رسول الله سعيد بن زيد بسبايا من بني قريظة إلى نجد فاشترى بها خيلا وسلاحا ليزيد من قوة المسلمين الحربية.

,

ريحانة

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت زيد بن عمرو بن خنافة، فعرض عليها الإسلام فامتنعت، ثم أسلمت بعد ذلك، فسرّ الرسول بإسلامها، وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، فاختارت أن تستمر على الرق

__________

(1) الصياصي: جمع صيصة، وهي الحصن. وكل ما يتحصن به يقال له: صيصة، ومنه سمي قرن الثور.

(2) سورة الأحزاب: الايتان 26، 27.

ليكون أسهل عليها وعليه، وقيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خيّرها اختارت الإسلام، فأعتقها وتزوجها وضرب عليها الحجاب، فغارت عليه غيرة شديدة فطلقها، فشق عليها وأكثرت البكاء فراجعها، ولم تختلف الروايات أنها ماتت في حياة النبي، قيل لما رجع من حجة الوداع، وقيل قبلها فرضي الله عنها «1» .

,

من استشهد

واستشهد من المسلمين يوم بني قريظة خلاد بن سويد، طرحت عليه امرأة رحى فجرحته جرحا بالغا فمات فقال النبي: «إنّ له لأجر شهيدين» ، وقد أمر رسول الله بقتل هذه المرأة، ولم يقتل من بني قريظة امرأة غيرها، ومات في أثناء الحصار أبو سنان بن محصن فدفن هناك رضي الله عنهما وأرضاهما.

__________

(1) الإصابة ج 4 ص 309.


ملف pdf

كلمات دليلية: