غزوة بني قريظة _15576

غزوة بني قريظة


مؤامرة بني قريظة على الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين

...

مؤامرة بني قريظة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمسملين:

وفي هذه المحنة الشديدة التي أصابت المسملين بتجمع الأحزاب عليهم وانسحاب المنافقين من صفوفهم، انتهز يهود بني قريظة وكانوا يساكنون المسلمين بالمدينة- هذه الفرصة واستجابوا لتحريض بني النضير لهم، فنقضوا العهود التي بينهم وبين المسلمين وانقلبوا عليهم.

وكأنما رأى يهود بني النضير -وعلى رأسهم حيي بن أخطب- أن حصار الأحزاب للمسلمين ووقوفهم أمام الخندق سيطول أمده، وربما انتهى الأمر بفشلهم، وذلك خزي الدهر وعار الأبد.

وعرف هؤلاء اليهود من بني النضير أنه ما دام إخوانهم من يهود بني قريظة لا يزالون على ولائهم لمحمد -صلى الله عليه وسلم- فإن الأمر -في أغلب الأحوال- لن ينتهي بالخير الذي يتوقعونه، إذ تصبح هزيمة محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين بعيدة المنال، ومن يدري إذا انتصر محمد -صلى الله عليه وسلم: ماذا يفعل بهم جميعًا؟

ومن أجل ذلك دبروا أمرهم وأحكموا مكرهم، وتفننوا في أساليب الإغراء والترغيب حتى خدعوا يهود بني قريظة، وأخرجوهم عن الولاء لمحمد -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، فبدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.

ويروي المؤرخون في ذلك: أن حيي بن أخطب زعيم بني النضير أتى كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة.. فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دونه.

فاستأذن حيي عليه فأبى أن يفتح لها فناداه: ويحك يا كعب، افتح لي يا كعب، افتح لي. قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله ما أغلقت بابك إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها فغضب كعب حينما سمع هذه الكلمة وفتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر وبحر طام، قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.

فقال كعب: جئتني -والله- بذل الدهر. وبجهام1 قد أريق ماؤه، يرعد ويبرق، وليس فيه شيء ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاءً وصدقًا.

وقد ظل حيي يستميل كعبًا إليه بشتى الحيل والأساليب ويحرك فيه عاطفته الدينية حتى غلبته يهوديته، بل غلبته شقوته فنقض العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إخاء وولاء، وتبعه في ذلك يهود بني قريظة جميعًا.

__________

1 الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.

ولما انتهى الخبر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو -يومئذٍ- سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو -يومئذٍ- سيد الخزرج، ومعهما رجلان، وقال:

"انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنتظروا: أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن إن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".

قال: فدخلوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم ودعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، ولكنهم قابلوهم بالسباب والمشاتمة، ونالوا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأساءوا، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد.

فلما رجعوا إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخبروه، هاله الآمر وآلمه، ولكنه كان مطمئنًا إلى نصر الله وتأييده، وما دام هؤلاء اليهود من بني قريظة قد بدءوا بالغدر والخيانة فسوف يحيق بهم مكرهم {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ} 1.

وقد عظم الكرب واشتد بلاء المسلمين حينما عرفوا ذلك الموقف من هؤلاء اليهود وحينما رأوا أنهم بدءوا فعلًا يقطعون معاونتهم للمسلمين، وحينما وجدوا أن الأحزاب قد انتهزوا فرصة نقض هؤلاء اليهود لعهدهم وبدءوا يستعدون لهجوم عنيف من فوق الوادي، ومن جنبه، ومن جهة الخندق.

أجل لقد عظم الكرب واشتد البلاء بالمسلمين، ومرت بهم لحظات مريرة وأوقات عصيبة، وأخذت الوساوس والظنون تطوف بنفوسهم، وبل تملأ نفوس البعض منهم، حتى لقد خيل إليهم أن الأحزاب عمّا قليل سيدخلون المدينة

__________

1 سورة فاطر، الآية 43.

فيغيب عنها نور الإسلام وتعود إلى عهود الظلام.

وإلى ذلك الموقف الرهيب يشير الله -عز وجل- بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} 1.

__________

1 سورة الأحزاب، الآيتان 10، 11.

,

عاقبة الظلم ومصير بني قريظة

:

وحينما أتم الله نعمته على المسلمين بهزيمة الأحزاب ورجوعهم خاسرين، كان لا بد للظالم أن يذوق وبال أمره، ويجني عاقبة ظلمه وغدره.

ومن أجل ذلك نادى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفس اليوم الذي تم فيه رحيل الأحزاب فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" 1 فساروا مسرعين، وكان عددهم ثلاثة آلاف2.

__________

1 أخرجه البخاري 3893، ومسلم 1770 من حديث عبد الله بن عمر.

2 بحسب ما ذكر ابن سعد وغيره، وانظر "المواهب" 1/ 462، و"فتح الباري" 7/ 410.

وقد تحصن يهود بني قريظة بحصونهم حينما رأوا أنهم قد أحيط بهم، فحاصرهم المسلمون خمسًا وعشرين ليلة1 ... ولما اشتد الضيق بهم لم يجدوا بدًّا من التسليم والخضوع.

ثم صدر الحكم من سيد الأوس سعد بن معاذ -رضي الله عنه- وكان يقضي بقتل الرجال وسبي النساء والذرية.

وقد اطمأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهذا الحكم، وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد" 2.

وقد أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم جيء بهم مكتفين بالحبال فضربت أعناقهم ودفعوا في تلك الخنادق، وكان عددهم نحوًا من ستمائة رجل3، ثم قسمت أموالهم وأبناؤهم على المسلمين.

وهذا بلا ريب عدل القضاء، وحكم السماء أراده الله لهؤلاء اليهود من بني قريظة جزاءً وفاقًا لظلمهم وبغيهم. أجل، لقد ضربوا أسوأ مثل في الخيانة، فخذلوا المسلمين في أشد أوقات الحرج والضيق، ولولا لطف الله لتمكن الأحزاب من اقتحام المدينة وإفناء المسلمين، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله

__________

1 في قول ابن إسحاق، وعند ابن سعد: خمس عشرة ليلة، وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة، "المواهب اللدنية" 1/ 463.

2 أخرجه البخاري 3895، ومسلم 1768 من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه غيرهما عن غيره.

3 في "المواهب اللدنية" 1/ 467 كانوا بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السُّهيلي: المكثر يقول: ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عن الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل من طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعًا. انتهى.

قلت: نعم، حديث جابر عند الترمذي 1582 وقال: حسن صحيح.

وأراح المسلمين من شرهم. ولا غرو فالظلم لا يدوم ومرتع البغي وخيم.



كلمات دليلية: