غزوة بني المصطلق_3497

غزوة بني المصطلق


الباب الثامن عشر في غزوة بني المصطلق

وهي غزوة المريسيع، وسببها أن الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن مالك بن جذيمة بن كعب بن خزاعة سيّد بني المصطلق جمع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قدر عليه من قومه ومن العرب، فتهيّأوا للمسير إليه، وكانوا ينزلون ناحية الفرع، فبلغ خبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث بريدة- بضم الموحدة- ابن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- الأسلميّ يعلم ذلك، واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول، فأذن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تألّبوا وجمعوا الجموع، فقالوا: من الرّجل؟

قال: رجل منكم قدمت لمّا بلغني عن جمعكم لهذا الرّجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فنكون يدا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث بن أبي ضرار: فنحن على ذلك فعجّل علينا، فقال بريدة: أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي، فسرّوا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس، وأخبرهم خبر عدوّهم، فأسرع الناس الخروج.

,

ذكر خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع

استخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة، فيما قال محمد بن عمر، وابن سعيد. وقال ابن هشام: أبا ذرّ الغفاريّ، ويقال: نميلة بن عبد الله الليثيّ، وهو بضم النون تصغير نملة.

وقاد المسلمون ثلاثين فرسا، للمهاجرين عشرة، منها فرسان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لزاز- بلام فزاي فألف فزاي أخرى- والظّرب- بظاء معجمة مشددة مفتوحة فراء مكسورة فموحدة.

وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قطّ مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا، ولقرب السّفر عليهم.

فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك على الخلائق فنزل بها،

فأتي يومئذ برجل من عبد القيس فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أين أهلك؟ قال: بالرّوحاء، فقال: أين تريد؟ قال: إياك جئت لأؤمن بك، وأشهد أن ما جئت به حق، وأقاتل معك عدوّك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الحمد لله الذي هداك إلى الإسلام، وسأل: أيّ الأعمال أحب إلى الله؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:

الصلاة لأوّل وقتها.

وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عينا للمشركين، فسأله عنهم، فلم يذكر من شأنهم شيئا،

فعرض عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب فضرب عنقه.

وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، وقد بلغ القوم مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتله عينهم، فتفرّق عن الحارث من كان قد اجتمع عليه من أفناء العرب.

وضرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبّة من أدم.

وكان معه من نسائه عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وتهيّأ الحارث للحرب، فصفّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب فنادى في الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، ففعل عمر ذلك، فأبوا، فتراموا بالنّبل ساعة، فكان أول من رمى رجل منهم بسهم، فرمى المسلمون ساعة بالنّبل، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يحملوا، فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من المشركين إنسان، وقتل عشرة منهم، وأسر سائرهم، وسبا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرّجال والنّساء والذّرّيّة والنّعم والشاء.

وفي الصحيحين أنه صلّى الله عليه وسلم هجم عليهم وهم غارّون وما قتل من المسلمين إلا رجل واحد يقال له: هشام بن صبابة- بصاد مهملة مضمومة فموحدة مخففة فألف فموحدة أخرى- أصابه رجل من الأنصار يقال له: أوس من رهط عبادة بن الصامت، يرى أنه من المشركين فقتله خطأ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج ديته، فقبضها أخوه مقيس بن صبابة، وعدا على قاتل أخيه فقتله، فارتدّ ولحق بقريش فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فقتل يوم الفتح.

قال أبو قتادة: حمل لواء المشركين يومئذ صفوان ذو الشّقرة، فلم تكن لي ناهية حتى شددت عليه، وكان الفتح.

وكان شعار المسلمين يومئذ: «يا منصور أمت» .

وروى محمد بن عمر عن جويرية رضي الله عنها قالت: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن على المريسيع، فأسمع أبي يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: فكنت أرى من الناس والسّلاح والخيل ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجعنا جعلت أنظر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يلقيه في قلوب المشركين.

وكان رجل منهم قد أسلم وحسن إسلامه يقول: كنّا نرى رجالا بيضا على خيل بلق ما كنا نراهم قبل ولا بعد.

,

ذكر افتداء من بقي من السبي

روى الشيخان وأبو داود والنّسائيّ ومحمد بن عمر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق، فأصبنا سبايا، وبنا شهوة إلى النساء، واشتدت علينا العزوبة، وأحببنا الفداء، فقلنا: نعزل ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا؟

فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم ألّا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا هي كائنة

[ (2) ] .

__________

[ (1) ] أخرجه أحمد في المسند 5/ 179 والبيهقي في السنن 9/ 75 والحاكم في المستدرك 4/ 26 وابن حبان (1547) وابن سعد في الطبقات 8/ 83 وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (39708) .

[ (2) ] أخرجه البخاري 3/ 194 وأبو داود (2172) وأحمد في المسند 3/ 68 وأبو نعيم في الحلية 5/ 146.

قال محمد بن عمر رحمه الله: فكان أبو سعيد يقول: فقدم علينا وفدهم فافتدوا الذّرّيّة والنّساء، ورجعوا بهم إلى بلادهم، وخيّر من خيّر منهنّ أن تقيم عند من صارت في سهمه فأبين إلا الرجوع. وافتديت المرأة والذرية بست فرائض،

وخرجت بجارية أبيعها في السوق، فقال لي يهودي: يا أبا سعيد، لعلك تريد بيعها وفي بطنها منك سخلة، فقلت: كلا إني كنت أعزل عنها، قال: تلك الموءودة الصّغرى، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ذلك، فقال: كذبت يهود، كذبت يهود.

,

ذكر ما ظهر من ابن أبي في هذه الغزوة من النفاق

بينما المسلمون على ماء المريسيع وقد انقطع الحرب، وهو ماء ظنون إنما يخرج في الدّلو نصفه، أتى سنان بن وبر الجهنيّ وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه وأدلى جهجاه بن مسعود الغفاريّ أجير عمر بن الخطاب، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه، وتنازعا فضرب جهجاه سنانا فسال الدم، فنادى سنان: يا للأنصار، ونادى جهجاه: يا للمهاجرين، وفي لفظ: يا لقريش،

فأقبل جمع من الحيّين، وشهروا السلاح حتى كادت أن تكون فتنة عظيمة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية؟! فأخبر بالحال فقال:

«دعوها فإنها منتنة، ولينصر الرجل أخاه ظالما كان أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، وإن كان مظلوما فلينصره» .

وإن جماعة من المهاجرين كلموا عبادة بن الصامت، وجماعة من الأنصار كلموا سنانا فترك حقّه، وكان عبد الله بن أبيّ جالسا مع عشرة مع المنافقين: [منهم] مالك، وسويد، وداعس، وأوس بن قيظيّ، ومعتّب بن قشير، وزيد بن اللّصيت وعبد الله بن نبتل، وفي القوم زيد بن أرقم رضي الله عنه وهو غلام لم يبلغ الحلم أو قد بلغ، فبلغ ابن أبيّ صياح جهجاه: يا آل قريش، فغضب ابن أبيّ غضبا شديدا، وقال: والله ما رأيت كاليوم قطّ، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكنّ قومي غلبوني، أو قد فعلوها؟ لقد نافرونا وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منّتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلّا كما قال القائل: «سمن كلبك يأكلك» ، والله لقد ظننت أنّي سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه، وأنا حاضر لا يكون لذلك منّي غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذلّ. ثم أقبل علي من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم: أنزلتموهم بلادكم فنزلوا، وأسهمتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير بلادكم، ثم لم يرضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا، فقتلتم دونه، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا.

فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كلّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده نفرا من المهاجرين والأنصار، فأخبره الخبر، وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وتغيّر وجهه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا

غلام لعلك غضبت عليه! قال: لا والله يا رسول الله، فقد سمعته منه، قال: لعله أخطأ سمعك، قال: لا والله يا رسول الله، قال: فلعله شبّه عليك، قال: لا والله يا رسول الله.

وشاع في العسكر ما قال ابن أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال، وجعل الرّهط من الأنصار يؤنّبون الغلام ويلومونه، ويقولون: عمدت إلى سيّد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرّحم! فقال زيد: والله لقد سمعت ما قال، والله ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبيّ، ولو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني لأرجو أن ينزل الله على نبيّه ما يصدّق حديثي.

فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، مر عباد بن بشر- ويقال: محمد بن مسلمة- فليأتك برأسه، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المقالة، وقال: لا يتحدّث الناس إن محمدا يقتل أصحابه،

وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلّم ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبيّ فأخبروه. وقال أوس بن خوليّ. يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلم فليستغفر لك. ولا تجحده، فينزل فيك ما يكذّبك، وإن كنت لم تقله فأت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر له، واحلف له ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا.

ثم مشى ابن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بن أبيّ إن كانت منك مقالة فتب، فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلّمت به.!

فقال من حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عسى أن يكون الغلام أوهم في حديثة ولم يحفظ ما قال الرّجّل» ، حدبا علي ابن أبي ودفعا عنه، وكان شريفا في قومه عظيما، فظانّ يظن أنه قد صدق، وظانّ يظن به السوء.

,

ذكر تكبيس ظهره صلى الله عليه وسلم

روى محمد بن عمر عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: لما كان من أمر ابن أبيّ ما كان جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فيء شجرة عنده غلام أسود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك! فقال: تقحّمت بي النّاقة الليلة، فقلت: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنق ابن أبيّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أو كنت فاعلا؟» قلت:

نعم والذي بعثك بالحق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذن لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه، قلت: يا رسول الله فمر محمد بن مسلمة يقتله، قال: لا يتحدّث الناس أنّي أقتل أصحابي، قلت: فمر الناس بالرّحيل، قال: نعم، قال: فأذّنت بالرّحيل في الناس،

ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلع على ناقته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا أنّه لمّا جاءه خبر ابن أبيّ رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه

سعد بن عبادة، ويقال: أسيد بن حضير، وبه جزم ابن إسحاق. وقال محمد بن عمر: إنه الثّبت،

فقال: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال: يا رسول الله قد رحلت في ساعة منكرة لم تكن ترحل فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولم يبلغك ما قال صاحبكم؟» قال: أيّ صاحب يا رسول الله؟ قال:

ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل، قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذلّ وأنت الأعزّ، والعزّة لله ولك وللمؤمنين.

ثم قال: يا رسول الله: ارفق به، فو الله لقد جاء الله تعالى بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز فما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهوديّ، قد أرب بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها، فجاء الله تعالى بك على هذا الحديث، فلا يرى إلا أن قد سلبته ملكه.

وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبيّ [ (1) ] مقالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فو الله لأحملنّ إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبرّ بوالديه منّي، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر ولا شرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار. وعفوك أفضل، ومنّك أعظم» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله ما أردت قتله ولا أمرت به، ولنحسننّ له صحبته ما كان بين أظهرنا»

فقال عبد الله: «يا رسول الله، إن أبي كانت أهل هذه البحيرة قد اتّسقوا عليه ليتوّجوه عليهم، فجاء الله تعالى بك، فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قوم يطوفون به يذكّرونه أمورا قد غلب الله تعالى عليها.

ثم متن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشّمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض، فوقعوا نياما، ولم ينزل أحد عن رحلته إلا لحاجة أو لصلاة، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحثّ راحلته ويخلفها بالسّوط في مراقّها، وإنما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي.

ثم راح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النّقيع- بالنون- ويقال نقعاء- بالنون المفتوحة والقاف الساكنة والمدّ.

__________

[ (1) ] (عبد الله) بن عبد الله بن أبي بن مالك بن الحر بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج الأنصاري الخزرجي ... وهو ابن أبي ابن سلول وكانت سلول امرأة من خزاعة وكان أبوه رأس المنافقين وكان اسم هذا الحباب بضم المهملة والموحدتين وبه يكنى أبوه فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله وشهد عبد الله هذا بدرا وأحدا والمشاهد قال ابن أبي حاتم صحبة وذكره ابن شهاب وعروة. [الإصابة 4/ 95، 96] .

ذكر إخباره صلّى الله عليه وسلم بموت كبير من المنافقين وإخباره عن موضع ناقته حين فقدت وبما قاله بعض أهل النفاق

روى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثت هذه الريح لموت منافق.

فلما قدمنا المدينة أذّن: قد مات عظيم من عظماء المنافقين [ (1) ] .

قال محمد بن عمر: لما سرّح الناس ظهرهم أخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها وقالوا: لم تهج هذه الرّيح إلا لأمر قد حدث، وإنما بالمدينة الذّراريّ والصّبيان، وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وعيينة بن حصن مدّة، وكان ذلك حين انقضائها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس عليكم فيها بأس، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدوّ حتى تأتوها، ولكن مات اليوم بالمدينة منافق عظيم النفاق، فلذلك عصفت هذه الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم، كان كهفا للمنافقين» .

وروى محمد بن عمر، عن جابر رضي الله عنه قال: كانت الريح [يومئذ] أشدّ ما كانت قطّ إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدوّ الله فسكنت الريح.

وقال محمد بن عمر: حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه: قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبيّ: يا أبا الحباب، مات خليلك؟ قال: أيّ خليل؟ قال: من موته فتح للإسلام وأهله، قال: من؟ قال زيد بن رفاعة بن التابوت، قال: يا ويلاه، كان والله وكان! فقال عبادة:

اعتصمت والله بالذّنب الأبتر، قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قال: قلت: رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا أنه مات هذه الساعة. فسقط في يديه، وانصرف كئيبا حزينا.

وروى ابن إسحاق والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة، وعروة وابن إسحاق عن محمد بن عمر عن ابن رومان وعاصم بن عمر بن قتادة واللفظ لابن عمر قالوا: فقدت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء من بين الإبل، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه، فقال زيد بن اللّصيت، وكان منافقا وهو في جماعة من الأنصار، منهم عباد بن بشر بن وقش، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسيد بن حضير، فقال: أين يذهب هؤلاء في كل وجه؟ قالوا:

يطلبون ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ضلّت، قال: أفلا يخبره الله بمكانها؟ فأنكر عليه القوم، فقالوا:

__________

[ (1) ] أخرجه مسلم 4/ 2145 (15- 2782) .

قاتلك الله، يا عدو الله، نافقت. ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: والله لولا أني لا أدري ما يوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك لأنفذت خصيتك بالرّمح يا عدو الله فلم خرجت معنا وهذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، ولعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء. ووقعوا به جميعا، وقالوا: والله لا يكون منك سبيل أبدا، ولا يظلّنا وإياك ظلّ أبدا، ولو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا [ساعة من نهار] فوثب هاربا منهم أن يقعوا به، ونبذوا متاعه، فعمد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوّذا به،

وقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما قال من السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يسمع: «إن رجلا من المنافقين شمت أن ضلّت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم» ، وقال: «ألا يخبره الله بمكانها؟، فلعمري إن محمدا ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة» ، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وأن الله تعالى قد أخبرني بمكانها، وإنها في هذا الشّعب مقابلكم، قد تعلّق زمامها بشجرة، فاعمدوا نحوها

(3) .

فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر المنافق إليها سقط في يده، فقام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، وإذا هم جلوس لم يقم رجل منهم من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منّا! فقال: أكلّمكم، فدنا فقال: أنشدكم الله- وفي لفظ:

أذكركم الله- هل أتى أحد منكم محمدا فأخبره بالذي قلت؟ قالوا: لا، والله، ولا قمنا من مجلسنا، قال: فإني قد وجدت عند القوم ما تكلّمت به، وتكلّم به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه قد أتي بناقته، وقال: إني قد كنت في شك من شأن محمد، فأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأني لم أسلم إلا اليوم. قالوا: فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك. فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغفر له، واعترف بذنبه. قال ابن عمر: ويقال: إنه لم يزل فشلا حتى مات، وصنع مثل هذا في غزوة تبوك.

ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي العقيق تقدّم عبد الله بن عبد الله بن أبيّ، فجعل يتصفّح الرّكاب حتى مرّ أبوه، فأناخ به، ثم وطئ على يد راحلته فقال أبوه: ما تريد يا لكع؟

قال: والله لا تدخل حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتعلم أيهما الأعزّ من الأذلّ: أنت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم! فمن مرّ به من المسلمين يرفده عبد الله بن عبد الله ويمنع غير ذلك، فيقول:

تصنع هذا بأبيك؟!

حتى مرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عنه، فقيل: عبد الله بن عبد الله بن أبيّ يأبى أن يأذن لأبيه حتى تأذن له، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله واطئ على يد راحلة أبيه، وابن أبي يقول: لأنا أذلّ من الصّبيان، لأنا أذلّ من النّساء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خلّ عن أبيك» ، فخلّى عنه.

ولمّا مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنّقيع- وهو بالنون- منصرفه من المريسيع ورأى سعة وكلأ

وغدرانا كثيرة، فسأل عن الماء، فقيل: يا رسول الله إذا صفنا قلّت المياه، وذهبت الغدر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطب بن أبي بلتعة أن يحفر بئرا، وأمر بالنّقيع أن يحمى، واستعمل عليه يومئذ بلال بن الحارث المزني- بضم الميم وفتح الزاي وقبل ياء النسب نون- فقال بلال: يا رسول الله وكم أحمي منه؟ فقال: أقم رجلا صيّتا إذا طلع الفجر، ثم أقمه على هذا الجبل- يعني مقمّلا- فحيث انتهى صوته فاحمه لخيل المسلمين وإبلهم التي يغزون عليها، فقال بلال: يا رسول الله، أفرأيت ما كان من سوائم المسلمين؟ فقال: «لا يدخلها» ، قلت: يا رسول الله أرأيت المرأة والرجل الضعيف تكون له الماشية اليسيرة وهو يضعف عن التحوّل؟

قال: «دعه يرعى» .

,

ذكر مسابقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل والإبل

قال محمد بن عمر: سابق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الخيل والإبل، فسبقت القصواء الإبل، وسبق فرسه الخيل، وكان معه صلّى الله عليه وسلم فرسان: لزاز وآخر يقال له الظّرب، فسبق يومئذ على الظّرب، وكان الذي سبق عليه أبو أسيد الساعدي رضي الله عنه، والذي سبق على ناقته بلال بن رباح.

ذكر نهيه صلّى الله عليه وسلم عن طروق النساء وإخباره بعض أصحابه بما وقع له

روى محمد بن عمر، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنت رفيق عبد الله بن رواحة في غزوة المريسيع، فأقبلنا حتى إذا انتهينا إلى وادي العقيق في وسط الليل، فإذا الناس يعرّسون فقلنا: أين رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: تقدّم الناس وقد نام، فقال لي عبد الله بن رواحة: يا جابر، هل لك بنا في التقدّم والدخول على أهلنا؟ فقلت: يا أبا محمد، لا أحب أن أخالف الناس، لا أرى أحدا تقدّم. قال ابن رواحة: والله ما نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التّقدّم. قال جابر: فقلت: أما أنا فلست ببارح. فودّعني وانطلق إلى المدينة، فأنظر إليه على ظهر الطريق ليس معه أحد، فطرق أهله بني الحارث بن الخزرج، فإذا مصباح في وسط بيته، وإذا مع امرأته إنسان طويل، فظنّ أنه رجل، وسقط في يديه، وندم على تقدّمه، وجعل يقول: الشيطان مع الغرّ، فاقتحم البيت رافعا سيفه وقد جرّده من غمده يريد أن يضربهما، ثم فكّر، فغمز امرأته برجله فاستيقظت فصاحت وهي توسن فقال: أنا عبد الله فمن هذا؟ قالت: رجيلة ماشطتي، سمعنا بقدومكم فباتت عندي، فبات، فلما أصبح خرج معترضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيه ببئر أبي عنبة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسير بين أبي بكر الصّدّيق وبشير- بوزن أمير- ابن سعد،

فالتفت

رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بشير فقال: «يا أبا النّعمان» ، قال: لبيك إن وجه عبد الله ليخبرك أنه قد كره طروق أهله. فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خبرك يا بن رواحة؟» فأخبره كيف تقدّم، وما كان من ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطرقوا النساء ليلا» [ (1) ] .

قال جابر: فكان ذلك أول ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة مؤيّدا منصورا، [وكانت مدة غيبته شهرا إلّا ليلتين] .

,

ذكر قدوم الحارث بن أبي ضرار، وسبب إسلامه

قال الحافظ ابن عائذ: أخبرني محمد بن شعيب، عن عبد الله بن زياد قال: أفاء الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم عام المريسيع في غزوة بني المصطلق جويرية بنت الحارث فأقبل أبوها في فدائها، فلما كان بالعقيق نظر إلى إبله التي يفدي بها ابنته، فرغب في بعيرين منها كانا من أفضلها، فغيّبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسائر الإبل،

فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأين البعيران اللذان غيّبت بالعقيق بشعب كذا؟»

فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، ولقد كان منّي في البعيرين، وما اطلع على ذلك إلا الله تعالى، فأسلم.

ذكر ما نزل في ابن أبيّ في هذه الغزوة

روى محمد بن عمر، عن رافع بن خديج قال: سمعت عبادة بن الصامت يقول يومئذ لابن أبيّ قبل أن ينزل فيه القرآن: ايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لك، قال: فرأيته يلوي رأسه معرضا، يقول عبادة: أما والله لينزلنّ الله تعالى في ليّ رأسك قرآنا يصلّى به. قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارض رسول الله صلى الله عليه وسلم براحلته يريد وجهه في المسير، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستحثّ راحلته «حل حل» وهو مغذّ في السّير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا أن رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما تكاد تنقلهما عرفت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، ورجوت أن ينزل الله تعالى تصديقي قال زيد: فسرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي، ورفعها إلى السماء، وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدّق الله حديثك. ونزلت سورة المنافقين في ابن أبيّ من أولها إلى آخرها، وجعل بعد ذلك ابن أبيّ إذا أحدث حدثا كان قومه هم الذين يعاقبونه ويأخذونه ويعنّفونه،

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن

__________

[ (1) ] أخرجه الدارمي 1/ 118 والطبراني في الكبير 11/ 245 والحاكم في المستدرك 4/ 293 والبيهقي في الدلائل 4/ 271.

الخطاب حين بلغه شأنهم: «كيف ترى يا عمر، إنّي والله لو قتلته يوم قلت لي: اقتله لأرعدت له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» .

قال عمر: قد والله علمت، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم بركة من أمري!



كلمات دليلية: