غزوة بني المصطلق_15584

غزوة بني المصطلق


غزوة بني المصطلق

1

كانت هذه الغزوة من النتائج المباشرة لغزوة الأحزاب، لأن رجوع الأحزاب خاسرين هو الذي شجع المسلمين على أن يتجهوا لتأديب هؤلاء الأعداء، ويتوغلوا إلى هذه الأعماق البعيدة في الطريق إلى مكة، حتى يصلوا إلى بني المصطلق2 على مقربة من قريش.

__________

1 المُصْطَلِق، بضم الميم، وسكون الصاد، وفتح الطاء، وكسر اللام، مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت، وهو لقب لرجل اسمه جذيمة بن سعد.

ويقال لها المريسيع أيضًا، بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين، وكسر السين المهملة، وهو ماء لبني خزاعة، مأخوذ من قولهم: رسعت العين إذا دمعت من فساد بها.

وانظر تفاصيل هذه الغزوة في:

"صحيح البخاري" 2403، و"مسلم" 1730، و"سنن أبي داود" 2633، و"سيرة ابن هشام" 3/ 309، و"طبقات ابن سعد" 2/ 63، و"مغازي الواقدي" 1/ 404، و"تاريخ الطبري" 2/ 604، و"أنساب الأشراف" 1/ 64، و"سيرة ابن حزم" 203، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم رقم 447، والبيهقي 4/ 44، و"البداية" 4/ 156، و"نهاية الأرب" 17/ 164، و"عيون الأثر" 2/ 122، و"السيرة الحلبية" 2/ 364، و"السيرة الشامية" 4/ 486، و"منتقى القاري" ص 277، و"الكامل" لابن الأثير 2/ 130، و"مجمع الزوائد" 6/ 142 و"المواهب اللدنية" 1/ 441 وغير ذلك.

وغالب ما ذكره المؤلف فيها صحيح، إلا مواضع ننبه على الخلاف فيها.

2 قال مؤلف الكتاب:

الجمهور من المؤرخين على أن هذه الغزوة وقعت بعد غزوة الأحزاب، ما عدا ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"، فقد حسب أنها وقعت قبل غزوة الأحزاب، وأخذ برأيه صاحب كتاب الرسول القائد -يعني محمود شيت خطاب- وصاحب كتاب "فقه السيرة" -يريد الغزالي.

ولكن التحقيق هو ما أخذنا به عن جمهور المؤرخين.

وصحتنا في ذلك: أن قريشًا لم تكن لتسكت عن هجوم المسلمين على بني المصطلق لولا رجوعها من غزوة الأحزاب خائبة خاسرة، فلو أن هذه الغزوة وقعت قبل غزوة الأحزاب، لما أسرعت قريش إلى نجدة بني المصطلق مهما بذلت من تضحيات.... =

وإذا كان جمهور المؤرخين يقللون من الأهمية الحربية لهذه الغزوة1 حيث لم تسفر إلا عند عدد قليل من القتلى، وحيث لم يقع فيها صدام عنيف بين المسلمين وأعدائهم، فإننا -لدى التحقيق والتأمل- نراها من أعظم الغزوات في تاريخ الرسول -صلى الله عليه وسلم- وذلك لما تضمنته من عبر وعظات.

وقد كان من خبرها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلغه: أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق يجمع الجموع لحربة، فخرج له -عليه السلام- في جيش كبير بلغ عدده ألف مقاتل بين راكب وراجل، وقد أراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يهاجمهم قبل أن يهاجموه حتى يلقي الرعب في قلوبهم، وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة.

ولما وصل المسلمون إلى بني المصطلق وأصبحوا أمامهم وجهًا لوجه، عرض الرسول -صلى الله عليه وسلم- الإسلام، فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد2، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالًا للهرب، بل قتلوا منهم عشرة وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت

__________

= انتهى كلام المؤلف.

قلت: وقع الخلاف في هذه الغزوة كثيرًا، فقيل سنة أربع، وقيل: خمس، وقيل ست، ورجح الحافظ ابن حجر وجماعة أنها سنة خمس، وهو قول قتادة وعروة.

وجزم ابن اسحاق والطبري وخليفة بن خياط وآخرون أنها سنة ست.

وأما أنها سنة أربع فرجح جماعة أنه غلط، وانظر "فتح الباري" 7/ 332، وقد رجح أنها وقعت قبل الخندق في شعبان، خلاف قول المؤلف وترجيحه.

نعم قد ذكرها الجمهور بعد الخندق.

1 لعله يريد من المتأخرين، وإلا فما علمت من يقلل من أهميتها من المتقدمين.

2 هذه رواية ابن اسحاق، والذي في صحيح البخاري ومسلم أن عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي أنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بني المصطلق وهم غارون -أي وهم غافلون- وانظر المراجع السابقة. ومن حاول الجمع بين الروايتين.

الإبل وألفي بعير، والشياه خمسة آلاف.

وكان من الأسرى بريرة بنت الحارث سيد بني المصطلق، وكان معها من نساء بني المصطلق مائتا أسيرة وزعت على المسلمين.

وقد تزوج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من بريرة وسماها جويرية، فلما علم المسلمون بزواج الرسول -صلى الله عليه وسلم- من بني المصطلق أرادوا أن يكرموا جميع نساء القبيلة من أجل هذه المصاهرة الكريمة فقالوا: هؤلاء أصهار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا ينبغي أسرهم في أيدينا، ومنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، كما قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها.

وترتب على هذا التكريم العظيم وهذه المعاملة الحسنة، أن أسلم بنو المصطلق عن آخرهم وأصبحوا قوة تنشر الإسلام وتدافع عنه وتحميه، بعد أن كانوا قوة تناوئ الإسلام وتحاربه وتعاديه.

آفة النفاق:

وكان يمكن أن تنتهي هذه الغزوة بهذه النتيجة الطيبة المباركة، إلا أن حادثين خطيرين عكرا هذا الصفاء، وأشعلا فتنة عمياء كادت تعصف بالمسلمين وتهددهم بالدمار والانهيار، لولا لطف الله وحكمة رسول الله -صلى الله عليه وسلم.

فأما أولهما فهو ما وقع من عبد الله بن أُبيّ زعيم المنافقين، وكان مع المسلمين يتظاهر بالإخلاص والإيمان هو ومن على شاكلته من المنافقين، ويحلفون أغلظ الأيمان يتخذون منها ستارًا يخفون وراءه حقيقتهم، فإذا عصفت الأخطار انكشف هذا الستار وظهر مكرهم وغدرهم.

وقد حدث أن أجيرًا لعمر بن الخطاب اختصم مع رجل من حلفاء الخزرج

فضربه حتى سال دمه، فاستصرخ الخزرجي بقومه، واستصرخ الأجير بالمهاجرين. يقول الخزرجي: يا معشر الأنصار. ويقول أجير عمر: يا معشر المهاجرين1. فأقبل الذعر بين الفريقين وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " ثم قال: "دعوها فإنها منتنة". ثم أنهى هذا الخصام بحكمته، فرجع المتخاصمان أخوين متحابين.

فلما وصل نبأ هذا الخصام إلى عبد الله بن أبي غضب، وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل2.

ثم التفت إلى من معه وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضًا للمنايا دون محمد، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عنده.

وقد سمع بعض المسلمين المخلصين3 هذا الكلام فأسرع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخبره.

وحينما تأكد الرسول -صلى الله عليه وسلم- من صدق كلامه غضب وظهر الغضب في وجهه، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله في قتله، أو مر أحدًا غيري بقلته.

__________

1 انظر "سيرة ابن هشام" 2/ 217، و"الكامل في التاريخ" 2/ 131، و"صحيح البخاري" 8/ 652، و"مسلم" ص 1998، فقد أخرجا هذه القصة في الصحيح، وانظر ما قدمنا من المصادر لهذه الغزوة.

2 انظر الحاشية السابقة.

3 قال المؤلف: هو زيد بن أرقم.

قلت: نعم، لكنه أخبر عَمَّهُ، وأخبر عَمُّه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما صح عند الشيخين.

فنهاه الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، وقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".

وأراد الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يصرف أصحابه عن التفكير في هذا الأمر الخطير والانسياق إلى الخلاف والشقاق، فأذن في الناس بالرحيل.

ولم يكن الوقت مناسبًا، إذ كان الحر شديدًا ويصعب الرحيل فيه، وقد جاء أُسيد بن حضير وسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". قال: أنت -والله يا رسول الله- تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز.

ووصلت هذه الأنباء إلى ابن أُبيّ، فأسرع إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- ينفي ما نسب عنه ويحلف بالله ما قاله ولا تكلم به.

ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمضى قراره بالرحيل، وسار في طريق عودته ومعه المسلمون حتى أجهدهم المسير، وأنساهم التعب حديث ابن أُبي، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد القوم وزعيمهم.

وفي هذه الأثناء نزلت سورة المنافقون تفضح أكاذيب ابن أُبي ومن على شاكلته وتظهر نواياهم الخبيثة للرسول -صلى الله عليه وسلم- وأنهم يتظاهرون بالإسلام، وهم في واقع الأمر أبعد الناس عنه، وهم يحلفون الأيمان الكاذبة يتخذونها ستارًا لكذبهم، فيقول سبحانه:

{إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ

جُنَّةً 1 فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ} 2.

ثم يتحدث الله -عز وجل- عن مظهرهم الخادع الذي يختلف مع مخبرهم الخبيث ويحذر رسوله -صلى الله عليه وسلم- منهم، ويبين أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى الحق واطلبوا المغفرة من الله أبوا وأعرضوا واستكبروا، وقد كتب عليهم أن يظلوا يتخبطون في هذا الشقاء والضلال فيقول:

{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} .

__________

1 أي: سترًا ووقاية يخفون وراءها حقيقتهم.

2 سورة المنافقون، الآيات 1-2-3.

,

مثل رائع من الإيمان

:

وكان للناس عجبًا أن يتفجر الهدى والإيمان من صخرة النفاق والطغيان، وأن يخرج من صلب عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ولد يسموا بإيمانه إلى مستوى الأبرار والصديقين.

ومن آيات هذا الإيمان الكامل موقفه حينما علم أن هناك تفكيرًا في قتل أبيه بما ظهر من نفاقه وسوء أخلاقه ... فلقد ذهب -وكان اسمه عبد الله بن عبد الله بن أُبي- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله

لقد علمت الخزرج ما كان بها من أحد أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار1.

ويا له من موقف رائع تتمثل في قوة العقيدة وسمو التفكير، وكيف يتغلبان على العاطفة والوجدان، ويا لها من محنة عصيبة وامتحان رهيب قدرهما الله على هذا الابن البار، فاجتاز المحنة ونجح في الاختبار.

وكانت إجابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك هي المثل الأعلى في العفو والصفح الجميل، وهي النبراس الذي يضيء طرق الخير ويهدي إلى سواء السبيل، وهي خير مكافأة لكل مؤمن يرتفع بإخلاصه إلى هذا المستوى الكريم، ذلك بأنه قال له: " إنا لا نقتله، بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".

وهكذا أحسن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى من أساء إليه، وترفق بهذا الذي ألب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه وعفا عنه، فكان رفقه وعفوه أبعد أثرٍ من عقوبته لو أنه أنزلها به، فقد كان عبد الله بن أُبي بعد ذلك يدين بالجميل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان إذا جد الجد لا يستطيع أن يرفع رأسه آمرًا أو ناهيًا متحكمًا في أحد من المسلمين، لأنهم جميعًا كانوا يشعرون بأن حياته هبة من محمد -صلى الله عليه وسلم- وكان قومه كثيرًا ما يشعرونه بهذه المكرمة التي تفضل بها محمد -صلى الله عليه وسلم- عليه.

وقد تحدث الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع عمر بن الخطاب في شأن عبد الله بن أُبي فقال له: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: لقد -والله- علمت لأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-

__________

1 انظر المراجع السابقة التي أوردناها أول الغزوة.

أعظم بركة من أمري 1.

وأما الحادث الثاني -الذي عكر الصفاء في هذه الغزوة- فهو ما وقع من حديث الإفك عن السيدة عائشة زوج الرسول -صلى الله عليه وسلم.

__________

1 "سيرة ابن هشام" كما في "البداية" 4/ 158 من طريق مرسل، ونقله عنه ابن الأثير 2/ 132، وأخرج القصة الطبري من وجه آخر مرسل، يتقوى به، ذكره ابن حجر في "الفتح" 8/ 648 من كتاب التفسير.



كلمات دليلية: