غزوة بني المصطلق (المريسيع) .. آية الله في المنافقين ومرضى القلوب 5هـ

غزوة بني المصطلق 5هـ

سبب تسميتها بغزوة بني المصطلق (المريسيع)

نسبة إلى قبيلة من خزاعة وهم بنو المصطلق، أما المريسيع فهو مكان حدوث الغزوة في ناحية قديد.

متى وقعت غزوة بني المصطلق (المريسيع)، وأين؟

وقعت في شعبان لسنة ٥ هـ على أرجح أقوال أهل المغازي [وفي قول ابن اسحق في ٦ هـ بعد غزوة الأحزاب]، وقد وقعت عند ماء لخزاعة يسمى المريسيع.

من قائد غزوة بني المصطلق،ومن حمل اللواء؟

قادها رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في ٧٠٠ من المجاهدين من أصحابه، وقد أعطى راية المهاجرين مع أبي بكر الصديق وراية الأنصار مع سعد بن عبادة.

وكانت الغزوة تستهدف بني المصطلق بقيادة الحارث بن ضرار.

أسباب غزوة بني المصطلق (المريسيع)

علم النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن ضرار سار في قومه وبعض حلفائه من العرب، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ابتاعوا خيلًا وسلاحًا، وكانوا قد سبق لهم المساهمة مع قريش في غزوة أحد.

أحداث غزوة بني المصطلق (المريسيع)

لما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر استعداد قبيلة بني المصطلق للهجوم على المدينة، بعث بريدة بن الحصيب الأسلمي؛ ليستطلع له خبر القوم، ولما عاد بالإيجاب، أسرع النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إليهم في سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسًا، وأغار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وهم (غافلون). فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: «أغار النبي صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى سبيهم، وأصاب يومئذ جويرية بنت الحارث» (رواه البخاري)

الزواج بجويرية بنت الحارث

كان من بين الأسرى الذين أسرهم المسلمون جويرية بنت الحارث بن ضرار سيِّد قومه، وكانت بركة على قومها، فقد ذكرت أم المؤمنين عائشة «أن جويرية أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت له: قد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، فكاتبته على نفسي، فجئت أستعينك على كتابي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فهل لك في خير من ذلك؟» قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: «أقضي عنك كتابك وأتزوجك». قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت. قالت (عائشة): وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية بنت الحارث، فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسلوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق.. فلقد أعتق تزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها» (رواه أحمد)

فتن رؤوس النفاق بعد المصطلق

كانت تلك الغزوة فرصة للمنافقين للكشف عن حقدهم على الإسلام من خلال حوادث متتالية، فإنهم بعدما فشلوا في تأليب العرب بجيوشهم على المسلمين، ووجدوا فيه العزم والمنعة لدحر العدو، بدأوا بإثارة الفتن الداخلية بل وخاضوا بالأعراض لتشويه الدعوة ونبي الله صلى الله عليه وسلم.

ومن تلك الحوادث:

أ.فتنة المهاجرين والأنصار

بعد انتهاء الغزوة ضرب رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار، فنادى كل منهم على قومه، فاستثمر المنافقون -وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول- هذا الموقف، وحرضوا الأنصار على المهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟» قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين رجلاً من الأنصار. فقال رسول الله: «دعوها فإنها منتنة» أي: الفتنة (رواه البخاري) .

ب.فتنة زعزعة اليقين بقيادة ابن سلول

لما فشلت محاولة زرع الشقاق بين المهاجرين والأنصار، سعى عبد الله بن أبي بن سلول -رأس المنافقين- إلى عرقلة جهود الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة، ومنع الأموال من أن تدفع لذلك، وتوعّد بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة عند العودة إليها، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.

وحين علم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، استدعاه هو وأصحابه (المنافقين)، فأنكروا ذلك، وحلفوا بأنهم لم يقولوا شيئًا، فأنزل الله سورة المنافقين، وفيها تكذيب لهم ولأيمانهم الكاذبة، وتأكيد وتصديق لما نقله عنهم الصحابي زيد بن أرقم، وذلك في قول الله تعالى (هم الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) (المنافقون: ٧، ٨)

ولقد استأذن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول في قتل أبيه؛ لما قاله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهاه النبي عن ذلك، وأمره بحسن صحبته.

وقد كان عبد الله بن أبي بن سلول يشعر دومًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سلب منه ملكه وسيادته على الأوس والخزرج، وما أكثر مواقفه المخزية مع المسلمين، فقد تصدى لحماية اليهود من بني قينقاع، وعاد بثلث الجيش المسلم في غزوة أحد لينصر قريش، ولكنه كان شديد الخبث؛ يظهر فوق المنبر كأنه مؤيد لنبي الإسلام، إلى أن أجلسه المؤمنين ناعتين إياه بعدو الله بعد أحد، وهنا ظهر على حقيقته ورفض استغفار النبي له.

وكانت له اتصالات ببني النضير يؤامر معهم ضد المسلمين وحتى قال : (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) وقد خرج المنافقون بغزوة بني المصطلق يفعلون فعلتهم وقال الحق تعالى:(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) ( التوبة ٤٧)

ج. فتنة حديث الإفك بحق عائشة

لما فشل المنافقون بمساعيهم، دبروا تشويه الإسلام بالتقول على عرض المؤمنين من آل البيت؛ وما أشنعها جريمة، وقد خرجت السيدة عائشة رضي الله عنها في غزوة المصطلق بقرعة أصابتها، على عادة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، فلما رجعوا من الغزوة، نزلت عائشة تبحث عن عقد لأختها فقدته، وقد تحرك هودجها دون أن يدري حاملوه أنها ليست فيه.

لما عادت عائشة ظلت تنادي ولا مجيب فقعدت في منزل قريب وغلبها النوم، حتى جاء صفوان بن المعطل وكان بمؤخرة الجيش، فلما رآها استرجع أي قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ففاقت، وأناخ راحلته فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة وهو يسير بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في حر الظهيرة.

فلما رأى الناس ذلك تكلم كل منهم على شاكلته، ووجد المنافقون وعبد الله بن أبي فرصتهم سانحة للوشاية، وبعضهم تحدث عن عائشة وصفوان بالسوء أي: ارتكاب ما يغضب الله، فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا ينطق كمدًا، وقد أشار علي بن أبي طالب بفراقها، وأشار أسامة بن زيد وغيره بإمساكها وعدم الالتفات لكلام الأعداء.

صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر يستعيذ من عبد الله بن أبي، وقد أظهر أسيد بن حضير سيد الأوس رغبته بقتله، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منعه من الاستمرار، لأن ابن أبي من قبيلة الخزرج، وسيتسبب مقتله بعودة ما كان من شقاق بين الطرفين، وقد فضل إمساك المنافق على إقامة الحد عليه، لوأد الفتنة.

وقد مرضت السيدة عائشة رضي الله عنها شهرا حين عادت من سفرتها، ولم تكن تدري ما يحاك بها، فلما علمت ظلت تبكي حتى كاد كبدها يتفتت من شعورها بالظلم، واستأذنت بالمكوث عند أبويها، وكانت تعلم أن كلامها لتبرئة ساحتها لن يجدي ما لم يؤزرها الله بدليل، وقالت لأبويها قول يوسف عليه السلام (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ)وكان أبو بكر يخبرها بأن الله سيظهر براءتها إن كانت كذلك..

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال لزوجته أم أيوب: ألا ترين ما يقال: أي من الإفك؟ فقالت له: لو كنت بدل صفوان أكنت تهمّ بسوء لمحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ما خنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعائشة خير مني وصفوان خير منك.

في تلك الآونة سرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فقد جاءه الوحي ينبئه ببراءة عائشة من السماء، فذهب إلى حبيبته يخبرها، وكان أسعد الناس، فقالت أمها قومي إليه، فقالت عائشة والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، وقد نزلت الآية الكريمة: (إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[النور: ١١]

وقد تم تنفيذ حد الجلد بمن ساهموا بحادثة الإفك بثمانين جلدة، ومنهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، أما عبد الله بن أبي فقد توعده ربه بعذاب عظيم.

نتائج غزوة بني المصطلق (المريسيع)

لم يجر قتال بهذه المعركة، ولكنها تعد من أهم الغزوات، لنتيجتها في دخول قبيلة كاملة بالإسلام، وتعزيز مكانة المسلمين ووجودهم عسكريًا واقتصاديًا ونشر دين الله.

ما الدرس المستفاد من غزوة بني المصطلق (المريسيع)؟

الله يبريء عباده المؤمنين وقد برأ ساحة السيدة عائشة من فوق سبع سماوات، وهي الطاهرة العفيفة، ولكن حادثة الإفك كانت فرصة لإظهار حقيقة المنافقين الخبثاء وهم ما فتأوا يثيرون فتن بين المهاجرين والأنصار ثم يشيعون أن النصر لن يأتي المسلمين ثم يتقولون بالأعراض فاستحقوا العذاب العظيم.

المراجع:

"الطبقات الكبرى" لابن سعد 2/65، "زاد المعاد" 2/112، "السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 289، "صحيح البخاري" 1/499 و696، "السيرة الحلبية" 2/300، "الرحيق المختوم" للمباركفوري 313