غزوة بنى لحيان من كتاب الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية

غزوة بنى لحيان من كتاب الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية

اسم الكتاب:
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية
المؤلف:
أبى القاسم عبدالرحمن أحمد بن أبى الحسن

غزوة بنى لحيان

]

«بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ» قَالَ: حَدّثَنَا أَبُو محمد عبد الملك بن هشام قال حدثنا زياد بن عبد الله البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبى قال: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ذَا الْحَجّةِ وَالْمُحَرّمَ وَصَفَرًا وَشَهْرَيْ رَبِيعٍ، وَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى عَلَى رَأْسِ سِتّةِ أَشْهُرٍ مِنْ فَتْحِ قُرَيْظَةَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ يَطْلُبُ بِأَصْحَابِ الرّجِيعِ: خُبَيْبَ بْنَ عَدِيّ وَأَصْحَابَهُ، وَأَظْهَرَ أَنّهُ يُرِيدُ الشّامَ، لِيُصِيبَ مِنْ القوم غرّة.

فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ، فِيمَا قال ابن هشام.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ عَلَى غُرَابٍ، جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ عَلَى طَرِيقِهِ إلَى الشّامِ، ثُمّ عَلَى مَحِيصٍ، ثُمّ عَلَى الْبَتْرَاءِ، ثُمّ صَفّقَ ذَاتَ الْيَسَارِ، فَخَرَجَ عَلَى بَيْنٍ، ثُمّ عَلَى صُخَيْرَاتِ الْيَمَامِ، ثُمّ اسْتَقَامَ بِهِ الطّرِيقُ عَلَى المحجّة من طريق مكة، فأغذ السير سريعا، حتى نَزَلَ عَلَى غُرَانَ، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانٍ، وَغُرَانُ وَادٍ بَيْنَ أَمَجّ وَعُسْفَانَ، إلَى بَلَدٍ يُقَالُ لَهُ: سَايَةُ، فَوَجَدَهُمْ قَدْ حَذِرُوا وَتَمَنّعُوا فى رؤس الْجِبَالِ. فَلَمّا نَزَلَهَا رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَخْطَأَهُ مِنْ غِرّتِهِمْ مَا أَرَادَ، قَالَ: لَوْ أَنّا هَبَطْنَا عُسْفَانَ لَرَأَى أَهْلُ مَكّةَ أَنّا قَدْ جِئْنَا مَكّةَ، فَخَرَجَ فِي مِئَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى نَزَلَ عُسْفَانَ، ثُمّ بَعَثَ فَارِسَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى بَلَغَا كُرَاعَ الْغَمِيمِ، ثُمّ كَرّ وَرَاحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قافلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْت رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول حِينَ وَجّهَ رَاجِعًا: آيِبُونَ تَائِبُونَ إنْ شَاءَ اللهُ لِرَبّنَا حَامِدُونَ، أَعُوذُ بِاَللهِ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ والمال.

وَالْحَدِيثُ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بن عمر بن قتادة، وعبد الله بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فِي غَزْوَةِ بَنِي لِحْيَانَ.

لَوْ أَنّ بَنِي لِحْيَانَ كَانُوا تَنَاظَرُوا ... لَقُوا عُصَبًا فِي دَارِهِمْ ذَاتَ مَصْدَقِ

لَقُوا سَرَعَانًا يَمْلَأُ السّرْبَ رَوْعُهُ ... أَمَامَ طَحُونٍ كَالْمَجَرّةِ فَيْلَقِ

وَلَكِنّهُمْ كَانُوا وِبَارًا تَتَبّعَتْ ... شعاب حجاز غير ذى متنفّق

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فَصْلٌ فِي أَشْعَارِ يَوْمِ الْخَنْدَقِ شِعْرُ ضِرَارٍ ذَكَرَ فِيهَا شِعْرَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ:

عَلَى الأبطال واليلب الحصينا

اليلب: التّرَسَةُ، وَقِيلَ: الدّرَقُ، وَقِيلَ: بَيْضَاتٌ وَدُرُوعٌ «1» كَانَتْ تُتّخَذُ مِنْ جُلُودِ الْإِبِلِ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا قَوْلُ حبيب:

__________

(1) ترسة جمع ترس وكل ما سبق من أدوات الحرب من أول الترسة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هَذِهِ الْأَسِنّةُ وَالْمَاذِيّ «1» قَدْ كَثُرَا ... فَلَا الصّيَاصِي لَهَا قَدْرٌ وَلَا الْيَلَبُ

أَيْ لَا حَاجَةَ بَعْدَ وُجُودِ الدّرُوعِ الْمَاذِيّةِ إلَى الْيَلَبِ، وَبَعْدَ الْأَسِنّةِ إلَى الصّيَاصِي، وَهِيَ الْقُرُونُ، وَكَانَتْ أَسِنّتُهُمْ مِنْهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ «2» . قَالَ الشّاعِرُ:

يُهَزْهِزُ صَعْدَةً جَرْدَاءَ فِيهَا ... نَقِيعُ السّمّ أَوْ قَرْنٌ مُحِيقُ

شِعْرُ كَعْبٍ:

وَذَكَرَ فِي شِعْرِ كَعْبٍ:

فَكُنْتُمْ تَحْتَهَا مُتَكَمّهِينَا

مُتَفَعّلِينَ مِنْ الْكَمَهِ وَهُوَ الْعَمَى، والأظهر فى الأكمه أنه لذى يُولَدُ أَعْمَى، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إنّهُ الّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللّيْلِ شَيْئًا، ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ الْبُخَارِيّ فِي التّفْسِيرِ.

مِنْ شِعْرِ حَسّانَ حَوْلَ أسماء الله:

وَفِيهِ قَوْلُهُ:

وَجُنُودِ رَبّك سَيّدِ الْأَرْبَابِ

فِيهِ شَاهِدٌ لِمَنْ زَعَمَ أَنّ السّيّدَ مِنْ أَسْمَاءِ الله، وقد كره أكثر

__________

(1) السلاح كله من الحديد.

(2) فى اللسان: وربما كانت تركب فى الرماح مكان الأسنة.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

العلماء أن يقال فِي الدّعَاءِ: يَا سَيّدِي، وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَاحْتَجّ بِحَدِيثِ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيّ أَنّ النّبِيّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا سَيّدُ، فَقَالَ:

السّيّدُ اللهُ.

وَأَمّا مَذْهَبُ الْقَاضِي فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ الْأَسْمَاءِ الّتِي يُرَادُ بِهَا الْمَدْحُ وَالتّعْظِيمُ فَذِكْرُ اللهِ بِهِ جَائِزٌ ما لم يرد نهى عنه، أو يجمع الْأُمّةُ عَلَى تَرْكِ الدّعَاءِ بِهِ، كَمَا أَجْمَعُوا أَلّا يُسَمّى بِفَقِيهِ، وَلَا عَاقِلٍ وَلَا سَخِيّ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَدْحٌ.

قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَاَلّذِي أَقُولُ فِي السّيّدِ: أَنّهُ اسْمٌ يُعْتَبَرُ بِالْإِضَافَةِ، لِأَنّهُ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ بَعْضُ مَا أُضِيفَ إلَيْهِ. تَقُولُ: فُلَانٌ سَيّدُ قَيْسٍ، إذَا كَانَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَلَا يُقَالُ: فِي قَيْسٍ هُوَ سَيّدُ تَمِيمٍ، لِأَنّهُ لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي اللهِ تَعَالَى هُوَ سَيّدُ النّاسِ، وَلَا سَيّدُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنّمَا يُقَالُ: رَبّهُمْ فَإِذَا قُلْت: سَيّدُ الْأَرْبَابِ، وَسَيّدُ الْكُرَمَاءِ، جَازَ، لِأَنّ مَعْنَاهُ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ، وَأَعْظَمُ الْأَرْبَابِ، ثُمّ يُشْتَقّ لَهُ مِنْ اسْمِ الرّبّ فَيُوصَفُ بالرّبوبيّة ولا يوصف بالسّودد، لأنه ليس باسم لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَقَدْ جَاءَ فِي شِعْرِ حسّان الذى يرنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا ذا الجلال وذا العلا والسّودد

يَصِفُ الرّبّ، وَلَكِنْ لَا تَقُومُ الْحُجّةُ فِي إطْلَاقِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إلّا أَنْ يَسْمَعَهَا الرّسُولُ عَلَيْهِ السّلَامُ فَلَا يُنْكِرَهَا، كَمَا سَمِعَ شِعْرَ كَعْبٍ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَإِنّمَا

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وُصِفَ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَدّمْنَاهُ، وَعَلَى الْمَعْنَى الّذِي بَيّنّاهُ «1» .

مِنْ شِعْرِ كَعْبٍ:

وَقَوْلِ كَعْبٍ:

بيضاء مشرفة الذّرى ومعاطنا

__________

(1) هذا كلام له وزنه العظيم. وممن أبدع وأجاد فى هذا الإمام ابن القيم فى بدائع الفوائد فاقرأ ما كتبه فى ص 164 ح 1 بدائع الفوائد. ومما قاله: اختلف النظار فى الأسماء التى تطلق على الله وعلى العباد. كالحى والسميع والبصير والعليم والقدير والملك ونحوها، فقالت طائفة من المتكلمين: هى حقيقة فى العبد مجاز فى الرب، وهذا قول غلاة الجهمية وهو أخبث الأقوال، وأشدها فسادا. والثانى مقابله: وهو أنها حقيقة فى الرب مجاز فى العبد، وهو قول أبى العباس للناشىء. والثالث: أنها حقيقة فيهما، وهذا قول أهل السنة وهو الصواب، واختلاف الحقيقتين فيهما لا يخرجها عن كونها حقيقة فيهما، وللرب تعالى منها ما يليق بجلاله، وللعبد منها ما يليق به، ص 164. ثم يقول: «له من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده وأنزهه عن شائبة عيب أو نقص، فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه، والسميع والبصير دون السامع والباصر والناظر، ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما، وكذلك العلى العظيم دون الرفيع الشريف، وكذلك الكريم دون السخى. والخالق البارىء المصور دون الفاعل الصانع المشكل. والغفور العفو دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمائه تعالى يجرى على نفسه منها أكملها وأحسنها. وما لا يقوم غيره مقامه. فتأمل ذلك. فأسماوه أحسن الأسماء. كما أن صفاته أكمل الصفات. فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره. كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه. ووصفه به رسوله إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون، أنظر صفحتى 164، 168 من المصدر المذكور.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

يَعْنِي: الْآطَامَ، وَقَوْلُهُ: مَعَاطِنًا يَعْنِي: مَنَابِتَ النّخْلِ عند الماء شهها بِمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَهِيَ مَبَارِكُهَا عِنْدَ الْمَاءِ.

وَقَوْلُهُ: حُمّ الْجُذُوعِ، وَصَفَهَا بِالْحُمّةِ، وَهِيَ السّوَادُ، لِأَنّهَا تَضْرِبُ إلَى السّوَادِ، مِنْ الْخُضْرَةِ وَالنّعْمَةِ، وَشَبّهَ مَا يُجْتَنَى مِنْهَا بِالْحَلَبِ، فَقَالَ:

غَزِيرَةَ الْأَحْلَابِ.

وَقَوْلُهُ: كَاللّوبِ، اللّوبُ: جَمْعُ لُوبَةٍ، وَاللّابُ جَمْعُ لَابَةٍ وَهِيَ الْحَرّةُ، يُقَالُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا مِثْلُ فُلَانٍ، وَلَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي كُلّ بَلَدٍ، فَقَدْ قَالَ شَبِيبُ بْنُ شَبِيبَةَ لِرَجُلِ نَسَبَهُ إلَى التّصْحِيفِ فِي حَدِيثِ السّقْطِ. إنّهُ يَظِلّ مُحْبَنْطِئًا عَلَى بَابِ الْجَنّةِ، فَقَالَ لَهُ: شَبِيبٌ: بِالظّاءِ مَنْقُوطَةً، فَقَالَ الرّجُلُ: أَخْطَأْت، إنّمَا هُوَ بِالطّاءِ. قَالَ الرّاجِزُ:

إِنّي إِذَا «1» اسْتَنْشَدْت لا أَحْبَنْطِي ... وَلَا أُحِبّ كَثْرَةَ التّمَطّي

فَقَالَ لَهُ شَبِيبٌ: أَتُلَحّنُنِي وَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَفْصَحُ مِنّي، فَقَالَ لَهُ الرّجُلُ:

وَهَذِهِ لَحْنَةٌ أُخْرَى، أو للبصرة لا بتان؟! إنما اللّابتان للمدينة والكوفة.

__________

(1) فى اللسان غير منسوب: أنشدت ومحبنطىء بالهمز وتركه: المتغضب المستبطىء للشىء. وقيل: هو الممتنع امتناع طلبة لا امتناع إباء «النهاية لابن الأثير» وفى اللسان أن الحرة أعظم من اللوبة. ويرى سيبويه أن اللوب جمع لابة مثل قارة وقور. ومثلها ساح وسوح.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وَقَوْلُهُ: يُبْذَلُ جَمّهَا وَحَفِيلُهَا، أَيْ: الْكَثِيرُ مِنْهَا، وَالْمُنْتَابِ: الزّائِرُ مُفْتَعِلٌ مِنْ نَابَ يَنُوبُ إذَا أَلَمّ.

وَقَوْلُهُ: وَنَزَائِعًا مِثْلَ السّرَاجِ، يَعْنِي: الْخَيْلَ الْعَرَبِيّةَ، الّتِي نَزَعَتْ مِنْ الْأَعْدَاءِ.

وَقَوْلُهُ: مِثْلَ السّرَاجِ بِالْجِيمِ، كَذَا وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، أَيْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَالسّرَاجِ، وَوَقَعَ فِي الْحَاشِيَةِ بِالْحَاءِ، وَفَسّرَهُ فَقَالَ: جَمْعُ سِرْحَانٍ، وَهُوَ الذّئْبُ، وَهَذَا الْجَمْعُ إنّمَا جَازَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ الزّائِدَتَيْنِ مِنْ الِاسْمِ وَهِيَ الْأَلِفُ وَالنّونُ، وَلَوْ جَمَعَهُ عَلَى لَفْظِهِ، لَقَالَ: سَرَاحِينَ.

وَقَوْلُهُ: وَجِزّةُ الْمِقْضَابِ الْمِقْضَابُ: مَزْرَعَةٌ، وَجِزّتُهَا مَا يُجَزّ مِنْهَا لِلْخَيْلِ وَقَوْلُهُ عَرِيَ الشّوَى مِنْهَا، يَعْنِي الْقَوَائِمَ. وَالنّحْضُ: اللّحْمُ. وَالْآرَابُ: الْمَفَاصِلُ، وَاحِدُهُمَا إرْبٌ، وَفِي الْحَدِيثِ أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ.

وَقَوْلُهُ: قُودًا، أَيْ طِوَالُ الْأَعْنَاقِ، وَالضّرَاءُ: الْكِلَابُ الضّارِيَةُ، وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ قَيْسًا ضِرَاءُ اللهِ فى الأرض، أى أسده الضّارِيَةُ. وَالْكُلّابُ:

جَمْعُ كَالِبٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْكِلَابِ، الّذِي يَصِيدُ بِهَا.

وَقَوْلُهُ: عُبْسُ اللّقَاءِ: جَمْعُ عَبُوسٍ.

وَقَوْلُهُ: دُخْسَ الْبَضِيعِ. الْبَضْعُ: اللّحْمُ الْمُسْتَطِيلُ، وَالدّخِيسُ مِنْ اللّحْمِ:

الْكَثِيرُ.

وَقَوْلُهُ: خَفِيفَةَ الْأَقْصَابِ، يَعْنِي: جَمْعَ قُصْبٍ وَهُوَ الْمِعَى، وَمِنْهُ سُمّيَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الْجَزّارُ قَصّابًا، وَقَوْلُهُ يَعْدُونَ بِالزّغْفِ، أَيّ: بِالدّرُوعِ.

وَقَوْلُهُ: شَكّهُ: حِلَقُهُ وَنَسْجُهُ، وَقَوْلُهُ:

وَبِمُتْرَصَاتِ فِي الثّقَافِ صِبَابِ

الْمُتْرَصَاتُ: الْمُحْكَمَةُ، يَعْنِي الرّمَاحَ الْمُثَقّفَةَ.

وَقَوْلُهُ: نَزَعَ الصّيَاقِلُ عَلْبَهَا، أَيْ: جُسْأَتَهَا وَخُشُونَةَ دَرْئِهَا، يُقَالُ عَلِبَ اللّحْمُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَخْصًا، وَعَلِبَ «1» النّبَاتُ إذَا جَسَأَ.

وَقَوْلُهُ: بِمَارِنِ متقارب. المارن: اللّيّنُ، وَوَقِيعَتُهُ: صَقْلُهُ، وَخَبّابُ:

اسْمُ صَيْقَلٍ.

وَقَوْلُهُ: وَأَغَرّ أَزْرَقَ، يَعْنِي الرّمْحَ، وَطُخْيَةِ الظّلْمَاءِ، أَيْ: شِدّتِهَا، وَطَخَاءُ الْقَلْبِ: ظُلْمَتُهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي السّفَرْجَلِ: إنّهُ يَذْهَبُ بِطَخَاءِ الْقَلْبِ.

وَقَوْلُ كَعْبٍ:

جَاءَتْ سَخِينَةُ كَيْ تُغَالِبَ رَبّهَا

كَانَ هَذَا الِاسْمُ مِمّا سُمّيَتْ بِهِ قُرَيْشٌ قديما، ذكروا أن قصيّا كان إذا

__________

(1) هى فى نسخ أخرى بالغين وقد فسرها أبو ذر بقوله: علبها: خشونتها وما علا عليها من الصدأ. وليس فى اللسان ما قال. وإنما فيه مادة علب ومعناها كما قال السهيلى.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

ذُبِحَتْ ذَبِيحَةٌ أَوْ نُحِرَتْ نَحِيرَةٌ بِمَكّةَ أَتَى بِعَجُزِهَا، فَصَنَعَ مِنْهُ خَزِيرَةً، وَهُوَ لَحْمٌ يُطْبَخُ بِبُرّ فَيُطْعِمُهُ النّاسَ، فَسُمّيَتْ قُرَيْشٌ بِهَا سَخِينَةَ. وَقِيلَ: إنّ الْعَرَبَ كَانُوا إذَا أَسْنَتُوا أَكَلُوا الْعِلْهِزَ، وَهُوَ الْوَبْرُ وَالدّمُ، وَتَأْكُلُ قُرَيْشٌ الْخَزِيرَةَ وَالْفَتّةَ»

فَنَفِسَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَلَقّبُوهُمْ: سَخِينَةَ، وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْشٌ تَكْرَهُ هَذَا اللّقَبَ، وَلَوْ كَرِهَتْهُ مَا اسْتَجَازَ كَعْبٌ أَنْ يَذْكُرَهُ، وَرَسُولُ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهُمْ، وَلَتَرَكَهُ أَدَبًا مَعَ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ، إذْ كَانَ قُرَشِيّا، وَلَقَدْ اُسْتُنْشِدَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ مَا قَالَهُ الْهَوَازِنِيّ فِي قُرَيْشٍ:

يَا شَدّةً مَا شَدَدْنَا غَيْرَ كَاذِبَةٍ ... عَلَى سَخِينَةَ لَوْلَا اللّيْلُ وَالْحَرَمُ «2»

فَقَالَ: مَا زَادَ هَذَا عَلَى أَنْ اسْتَثْنَى، وَلَمْ يَكْرَهْ سَمَاعَ التّلْقِيبِ بِسَخِينَةَ، فَدَلّ هَذَا عَلَى أَنّ هَذَا اللّقَبَ لَمْ يَكُنْ مكروها عندهم، ولا كان فيه تعبير لَهُمْ بِشَيْءِ يُكْرَهُ.

شِعْرٌ آخَرُ لِكَعْبِ:

وَفِي شِعْرِ كَعْبٍ أَيْضًا: مَنْ سَرّهُ ضَرْبٌ يُمَعْمِعُ بَعْضُهُ، الْمَعْمَعَةُ: صَوْتُ النّارِ فِيمَا عَظُمَ وَكَثُفَ من الشّعراء والقصباء ونحوها، والكلحبة صوتها

__________

(1) الفتة. الكتلة من التمر.

(2) قاله خداش بن زهير العامرى بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ ربيعة ابن عامر بن صعصعة العامرى، شهد حنينا مع المشركين، وله فى ذلك شعر منه هذا البيت «الإصابة رقم 2323» وقيل: قالها فى حرب الفجار كما فى الأغانى أنظر ص 18 و 19 ح 3 البيان والتبيين الجاحظ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فِيمَا دَقّ كَالسّرَاجِ وَنَحْوِهِ، وَالْقَطْمَطَةُ: صَوْتُ الْغَلَيَانِ، وَكَذَلِكَ الْغَرْغَرَةُ وَالْجَعْجَعَةُ صَوْتُ الرّحَى، وَالدّرْدَبَةُ صَوْتُ الطبل.

وقوله: الأباء، هو القصب واجدتها أَبَاءَةٌ، وَالْهَمْزَةُ الْآخِرَةُ فِيهَا بَدَلٌ مِنْ يَاءٍ، قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ مِنْ الْأَبَايَةِ، كَأَنّ الْقَصَبَ يَأْبَى عَلَى مَنْ أَرَادَهُ بِمَضْغِ أَوْ نَحْوِهِ، وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ ابْنُ جِنّيّ قَوْلُ الشّاعِرِ [بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ] :

يَرَاهُ النّاسُ أَخْضَرَ مِنْ بَعِيدٍ ... وَتَمْنَعُهُ الْمَرَارَةُ وَالْإِبَاءُ «1»

وَقَوْلُهُ: فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةً، هِيَ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ الْأُسْدِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْبَعَةُ الْأَرْضُ الْكَثِيرَةُ السّبَاعِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَأْسَدَةٌ جَمْعَ أَسَدٍ كَمَا قَالُوا مَشْيَخَةً ومعلحة، حَكَى سِيبَوَيْهِ مَشْيَخَةً وَمَشْيُوخَاءَ، وَمَعْلَجَةً وَمَعْلُوجَاءَ، وَأَلْفَيْت أَيْضًا فِي النّبَاتِ مَسْلُومَاءَ «2» لِجَمَاعَةِ السّلَمِ وَمَشْيُوحَاءَ «3» للشّيخ بالحاء، المهملة، الكثير.

__________

(1) البيت لبشر بن أبى خازم، وقد زدت الاسم فى الأصل من اللسان والأمالى وسمط اللآلى. وقبل البيت:

فيا عجبا عجبت لآل لأم ... فليس لهم إذا عقدوا وفاء

سأقذف نحوهم بمشنعات ... لها من بعد هلكهم بقاء

فانكم ومدحكم بجيرا ... أبا لجأ كما امتدح الألاء

يَرَاهُ النّاسُ أَخْضَرَ مِنْ بَعِيدٍ ... وَتَمْنَعُهُ الْمَرَارَةُ والإباء

والألاء شجر حسن المنظر مر المطعم. انظر ص 32 ح 2 الأمالى ط 2، ص 665 سمط اللآلى.

(2) فى الأصل مسلوقاء. وفى اللسان: أرض مسلوماء كثيرة السلم.

(3) فى اللسان: المشيوحاء: الأرض التى تنبت الشيح يقصر ويمد، وقال أبو حنيفة: إذا كثر نباته بمكان قيل: هذه مشيوحاء.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وَقَوْلُهُ تَسُنّ سُيُوفَهَا، بِنَصْبِ الْفَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحّ عند القاضى أبى الوليد، ووقع فى الأصلى عِنْدَ أَبِي بَحْرٍ: تُسَنّ سُيُوفُهَا بِالرّفْعِ، وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الْأُولَى:

تَسُنّ أَيْ: تَصْقُلُ، وَمَعْنَى الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ أَيْ: تُسَنّ لِلْأَبْطَالِ، وَلِمَنْ بَعْدَهَا مِنْ مِنْ الرّجَالِ سَنّةَ الْجُرْأَةِ وَالْإِقْدَامِ.

وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِ الدّرْعِ:

جَدْلَاءَ يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ

جَدْلَاءَ مِنْ الْجَدَلِ، وَهُوَ قُوّةُ الْفَتْلِ، وَمِنْهُ الْأَجْدَلُ لِلصّقْرِ، وَفِي هَذَا الْبَيْتِ دَلِيلٌ عَلَى قُوّةِ امْتِنَاعِ الصّرْفِ فِي أَجْدَلَ، وَأَنّهُ مِنْ بَابِ أَفْعَلَ الّذِي مُؤَنّثُهُ فَعْلَاءُ، وَمَنْ صَرَفَهُ شَبّهَهُ بِأَرْنَبِ وَأَفْكَلٍ، وَهُوَ أَضْعَفُ الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ قَالُوا فِي جَمْعِهِ: أَجَادِلُ مِثْلَ أَرَانِبَ فَقَدْ قَالُوا أَيْضًا الْأَجَارِعُ وَالْأَبَاطِحُ فِي جَمْعِ أَجْرَعَ وَأَبْطَحَ، وَلَكِنّهُمْ لَا يَصْرِفُونَهُمَا مِنْ حَيْثُ قَالُوا فِي الْمُؤَنّثِ بَطْحَاءَ وَجَرْعَاءَ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي أَبْرَقَ وَبَرْقَاءَ.

وَقَوْلُهُ: يَحْفِزُهَا نِجَادُ مُهَنّدٍ، كقول [أبى قيس] ابن الْأَسْلَتِ فِي وَصْفِ الدّرْعِ:

أَحْفِزُهَا عَنّي بِذِي رَوْنَقٍ ... أَبْيَضَ مِثْلِ الْمَلِحِ قَطّاعِ

وَذَلِكَ أَنّ الدّرْعَ إذَا طَالَتْ فُضُولُهَا حَفَزُوهَا، أَيْ شَمّرُوهَا فَرَبَطُوهَا بِنِجَادِ السّيْفِ.

وَقَوْلُهُ: تِلْكُمْ مَعَ التّقْوَى تَكُون لِبَاسَنَا مِنْ أَجْوَدِ الْكَلَامِ: وَأَمْلَحِ الِالْتِفَاتَاتِ، لِأَنّهُ قَوْلٌ انْتَزَعَهُ مِنْ قَوْلِ اللهِ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

تَعَالَى: وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ الْأَعْرَافَ: 26. وَقَالَ الشّاعِرُ:

إنّي كَأَنّي أَرَى مَنْ لَا وَفَاءَ لَهُ ... وَلَا أَمَانَةَ وَسْطَ الْقَوْمِ عُرْيَانَا

وَمَوْضِعُ الْإِجَادَةِ وَالْإِحْسَانِ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ أَنّهُ جَعَلَ لِبَاسَ الدّرْعِ تَبَعًا لِلِبَاسِ التّقْوَى، لِأَنّ حَرْفَ مَعَ تُعْطِي فِي الْكَلَامِ أَنّ مَا بَعْدَهُ هو المنبوع، وَلَيْسَ بِتَابِعِ، وَقَدْ احْتَجّ الصّدّيقُ عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السّقِيفَةِ بِأَنْ قَالَ لَهُمْ أَنْتُمْ الّذِينَ آمَنُوا، وَنَحْنُ الصّادِقُونَ، وَإِنّمَا أَمَرَكُمْ اللهُ أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا فَقَالَ:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ التّوْبَةَ: 119.

وَالصّادِقُونَ هُمْ الْمُهَاجِرُونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ إلَى قَوْلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ الْحَشْرَ: 8.

حُكْمُ بَلْهَ وَمَا بَعْدَهَا:

وَقَوْلُهُ بَلْهَ الْأَكُفّ، بِخَفْضِ الْأَكُفّ هُوَ الْوَجْهُ، وَقَدْ رُوِيَ بِالنّصْبِ، لِأَنّهُ مَفْعُولٌ، أَيْ: دَعْ الْأَكُفّ، فَهَذَا كَمَا تَقُولُ: رُوَيْدَ زَيْدٍ، وَرُوَيْدَ زَيْدَ بِلَا تَنْوِينٍ مَعَ النّصْبِ، وَبَلْهَ كَلِمَةٌ بِمَعْنَى دَعْ، وَهِيَ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمُضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَهَا وَهِيَ عِنْدِي مِنْ لَفْظِ الْبَلَهِ وَالتّبَالُهِ، وَهُوَ مِنْ الْغَفْلَةِ، لِأَنّ مَنْ غَفَلَ عَنْ الشّيْءِ تَرَكَهُ، وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: بَلْهَ الْأَكُفّ، أَيْ لَا تَسْأَلْ عَنْ الْأَكُفّ إذَا كَانَتْ الْجَمَاجِمُ ضَاحِيَةً مُقَطّعَةً، وَفِي الْحَدِيثِ: يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، بَلْهَ مَا أَطْلَعْتهمْ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: بِفَخْمَةِ مَلْمُومَةٍ، أَيْ: كَتِيبَةٍ مَجْمُوعَةٍ. وَقَوْلُهُ: كفصد رأس

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الْمَشْرِقِ، الصّحِيحُ فِيهِ: مَا رَوَاهُ ابْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِي زَيْدٍ: كَرَأْسِ قُدْسِ الْمَشْرِقِ، لِأَنّ قُدْسَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ.

وَقَوْلُهُ:

عِنْدَ الْهِيَاجِ أُسُودُ طَلّ مُلْثِقِ

الطّلّ مَعْرُوفٌ، وَاللّثَقُ مَا يَكُونُ عَنْ الطّلّ مِنْ زَلَقٍ وَطِينٍ، وَالْأُسْدُ أَجْوَعَ مَا تَكُونُ وَأَجْرَأَ فِي ذَلِكَ الْحِينِ.

قَصِيدَةُ كَعْبٍ الْعَيْنِيّةُ:

وَقَوْلُهُ فِي الْعَيْنِيّةِ:

أَضَامِيمَ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أَصْفَقَتْ

وَاحِدُ الْأَضَامِيمِ: إضْمَامَةٌ، وَهُوَ كُلّ شَيْءٍ مُجْتَمَعٍ يُقَالُ: إضْمَامَةٌ مِنْ النّاسِ وَإِضْمَامَةٌ مِنْ كُتُبٍ.

قَيْسُ عَيْلَانَ وَقَيْسُ كُبّةَ:

وَقَوْلُهُ: مِنْ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إنّ قَيْسًا هُوَ عَيْلَانُ لَا ابْنُهُ، قَالَ: وَعُرِفَ قَيْسُ بْنُ عَيْلَانَ بِفَرَسِ، كَانَ لَهُ يُسَمّى: عَيْلَانًا، كَمَا عُرِفَ قَيْسُ كُبّةَ مِنْ بَجِيلَةَ بِفَرَسِ اسْمُهُ:

كُبّةُ، وَكَانَ هُوَ وَقَيْسُ عَيْلَانَ مُتَجَاوِرَيْنِ، فَكَانَ إذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا وَقِيلَ أَيّ الْقَيْسَيْنِ هُوَ، قِيلَ قَيْسُ عَيْلَانَ أَوْ قَيْسُ كُبّةَ، وَقِيلَ؛ إنّ عَيْلَانَ

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

اسْمُ كَلْبٍ، كَانَ لَهُ، وَقِيلَ: عَيْلَانُ اسْمُ جَبَلٍ وُلِدَ عِنْدَهُ، وَقِيلَ اسْمُ غُلَامٍ لِمُضَرَ كَانَ حَضَنَهُ، وَقِيلَ كَانَ جَوَادًا أَتْلَفَ مَالَهُ فأدركته عَيْلَةُ فَسُمّيَ عَيْلَانَ، وَمِمّا يُحْتَجّ بِهِ لِلْقَوْلِ الْآخَرِ قَوْلُ رُؤْبَةَ:

وَقَيْسَ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا «1»

شِعْرُ كَعْبٍ فِي الْخَنْدَقِ:

وَقَوْلُهُ فِي الدّالِيّةِ: وَمَا بَيْنَ الْعُرَيْضِ إلَى الصّمَادِ. الْعُرَيْضِ: مَوْضِعٌ، وَالصّمَادُ:

جَمْعُ صَمْدٍ، وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ.

وَقَوْلُهُ: نَوَاضِحُ فِي الْحُرُوبِ. يَعْنِي: حَدَائِقَ نخل تسقى بالنّضح، وأراد

__________

(1) قال ابن برى: الرجز للعجاج، وليس لرؤية، وصواب إنشائه: وقيس بالنصب، لأن قبله: وإن دعوت من تميم أرؤسا. وجواب إن فى البيت الثالث: تقاعس العربنا فاقعنسسا. أقول: ولم أجد الرجز فى ديوان رؤية. ولم ينسبه ابن قتيبة إلى أحد فى أدب الكاتب. وقال عن صيغة تفعلت إنها تأتى بمعنى إدخالك نفسك فى أمر حتى تضاف إليه، أو تصير من أهله مثل تقيست. ومعناه- كما يقول الجواليقى فى شرح أدب الكاتب: تقيس: أدخل نفسه فى القيسيين، وانتسب إليهم. وقد سبق الكلام عن قيس، واسمه الناسى بن مضر، وكان الناسى متلافا، وكان إذا نفد ما عنده أتى أخاه الياس، فيناصفه ماله أحيانا، ويواسيه أحيانا، فلما طال ذلك عليه، وأتاه كما كان يأتيه، قال له الياس: غلبت عليك العيلة، فأنت عيلان، فسمى لذلك عيلان. ويقول الجواليقى: وليس فى الأسماء عيلان بعين غير معجمة غيره.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

بِالْخُوصِ آبَارًا، وَإِنّمَا جَعَلَ الْبِئْرَ خُوصًا لِأَنّ الْعَيْنَ الْخَوْصَاءَ هِيَ الْغَائِرَةُ، وَجَمْعُهَا خُوصٌ، فَعُيُونُ الْمَاءِ فِي الْآبَارِ كَذَلِكَ غَائِرَةٌ.

وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي وَصْفِ الْإِبِلِ:

مُحَبّسَةً بُزْلًا كَأَنّ عُيُونَهَا ... عُيُونُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ «1»

وَقَوْلُهُ: يَزْخَرُ الْمُرّارُ فِيهَا. الْمُرّارُ: اسْمُ نَهَرٍ.

وَقَوْلُهُ:

كَأَنّ الْغَابَ وَالْبَرْدِيّ فِيهَا ... أَجَشّ إذَا تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ

يُرِيدُ: صَوْتَ حَفِيفِ الرّيحِ، كَصَوْتِ الْأَجَشّ، وَهُوَ الْأَبَحّ، وَقَدْ يُوصَفُ النّبَاتُ أَيْضًا بِالْغُنّةِ مِنْ أَجْلِ حَفِيفِ الرّيحِ فِيهِ، فَيُقَالُ: رَوْضَةٌ غَنّاءُ، وَقَدْ قِيلَ إنّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الذّبَابِ الّذِي يَكُونُ فِيهِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَقَوْلُهُ: تَبَقّعَ لِلْحَصَادِ، أَيْ: صَارَتْ فِيهِ بُقَعٌ بِيضٌ مِنْ الْيَبْسِ، يُقَالُ لِلزّرْعِ إذَا صَارَ كَذَلِكَ: ارْقَاطّ، وَاسْحَامّ وَاسْحَارّ «2» ، وَإِذَا أَخَذَ السّبَلُ الْحَبّ قِيلَ: أَلْحَمَ وَأَسْفَى مِنْ السّفَى، وَأَشَعّ مِنْ الشّعَاعِ بِفَتْحِ الشّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ السّفَى، وَيُقَالُ أَسْبَلَ الزّرْعُ مِنْ السّبَلِ، كَمَا يُقَالُ: بَعِيرٌ حَظِلٌ وَأَحْظَلَ الْمَكَانُ مِنْ الْحَنْظَلِ، وَهِيَ لُغَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يَقُولُونَ: سَبَلٌ، وأما همدان

__________

(1) سبق البيت، وفى الأصل: أنكرتها. والصواب ما أثبته. ولرؤية:

على حميريات كأن عيونها ... عيون الركايا أنكزتها المواتح.

(2) اسحام واسحار ليستا فى اللسان والقاموس.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فَيُسَمّونَ السّنْبُلَ سُبُولًا، وَالْوَاحِدَةُ سَبُولَةٌ «1» فَقِيَاسُ لُغَتِهِمْ أَنْ يُقَالَ أَسْبَلَ، وَإِنّمَا فَخَرَتْ الْأَنْصَارُ فِي هَذَا الشّعْرِ وَاَلّذِي قَبْلَهُ بِنَخْلِهَا وَآطَامِهَا، إشَارَةً إلَى عِزّهَا وَمَنَعَتِهَا، وَأَنّهَا لَمْ تُغْلَبُ عَلَى بِلَادِهَا عَلَى قَدِيمِ الدّهْرِ، كَمَا أُجْلِيَتْ أَكْثَرُ الْأَعَارِيبِ عَنْ مَحَالّهَا، وَأَزْعَجَهَا الْخَوْفُ عَنْ مَوَاطِنِهَا، وَهَذَا الْمَعْنَى أَرَادَ حَسّانُ فِي قَوْلِهِ:

أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ ... قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الْكَرِيمِ الْمُفْضِلِ

لِأَنّ إقَامَتَهُمْ حَوْلَ قُبُورِ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى مَنَعَتِهِمْ، وَأَلّا مُغَالِبَ لَهُمْ عَلَى مَا تَخَيّرُوهُ مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَآثَرُوهُ عِنْدَ ارْتِيَادِهِمْ.

وَقَوْلُهُ:

أَثَرْنَا سِكّةَ الْأَنْبَاطِ فِيهَا السّكّةُ: النّخْلُ الْمُصْطَفّ، أَيْ حَرَثْنَاهَا وَغَرَسْنَاهَا، كَمَا تَفْعَلُ الْأَنْبَاطُ فِي أَمْصَارِهَا لَا تَخَافُ عَلَيْهَا كَيْدَ كَائِدٍ، وَإِيّاهَا أَرَادَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: خَيْرُ الْمَالِ سِكّةٌ مَأْبُورَةُ. وَالسّكّةُ أَيْضًا: السّنّةُ، وَهِيَ الْحَدِيدَةُ الّتِي يَشُقّ بِهَا الْفَدّانُ «2» الْأَرْضَ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: الْمَانُ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْأَصْمَعِيّ، وَفَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ، وَأَنّهَا النّخْلُ، وَيُقَالُ أَيْضًا أُبِيثَتْ الْأَرْضُ فِي مَعْنَى أُثِيرَتْ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، ويروى فى الحماسة:

__________

(1) أنظر مادة سبل فى اللسان ففيها تفصيل.

(2) الفدان: الثور أو الثوران يقرن للحرث بينهما، ولا يقال للواحد فدان، أو هو الثورين.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

هَلُمّ إلَيْهَا قَدْ أُبِيثَتْ زُرُوعُهَا أَيْ أُثِيرَتْ وَفِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ:

وَحَقّ بَنِي شِغَارَةَ أَنْ يَقُولُوا ... لِصَخْرِ الْغَيّ مَاذَا تَسْتَبِيثُ «1»

وَغَلِطَ أَبُو عُبَيْدٍ [الْقَاسِمُ بْنُ سَلّامٍ] فَجَعَلَ تَسْتَبِيثُ مِنْ نَبِيثَةِ «2» الْبِئْرِ، وَهُوَ تُرَابُهَا، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ تَسْتَنْبِيثُ بِنُونِ قَبْلَ الْبَاءِ.

وَقَوْلُهُ: جَلْهَاتِ وَادٍ

الْجَلْهَاتُ مِنْ الْوَادِي مَا كَشَفَتْ عَنْهُ السّيُولُ الشّعْرَاءُ فَأَبْرَزَتْهُ، وَهُوَ مِنْ الْجَلَهِ وَهُوَ انْحِسَارُ الشّعْرِ عَنْ مُقَدّمِ الرّأْسِ.

وَقَوْلُهُ: صَفْرَاءِ الْجَرَادِ، وَهِيَ الْخَيْفَانَةُ مِنْهَا، وَهِيَ الّتِي أَلْقَتْ سُرُأَهَا، أَيْ بَيْضَهَا، وَهِيَ أَخَفّ طَيَرَانًا، وَالْكُتْفَانُ «3» من الجراد أكبر من الخيفان،

__________

(1) البيت فى اللسان: لحق وشعارة وهو منسوب إلى أبى المثلم الهذلى، وقد عزاه أبو عبيدة سهوا إلى صخر الغى. وقد علق ابن سيدة فى خطبة كتابه مما قصد به الوضع من أبى عبيد القاسم بن سلام فى استشهاده بقول الهذلى المذكور على النبيثة التى هى كناسة البئر، فقال: هيهات الأروى من النعام الأربد، وأين سهيل من الفرقد. لأن النبيثة من نبث أما تستبيث فمن بوث أو بيث. انظر مادة بوث وبيث ونبث فى اللسان.

(2) فى الأصل بالتاء المفتوحة وهو خطأ.

(3) فى الأصل كثفان وهى كتفان بالتاء لا بالثاء وهو الجراد يعد الغوغاء، وقيل هو كتفان إذا بدا حجم أجنحته ورأيت موضعه شاخصا وإن مسسته وجدت حجمه، واحدته: كتفانة، وقيل واحده: كاتف، والأنثى كاتفة-.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وَأَوّلُ أَمْرِ الْجَرَادِ دُودٌ وَيُقَالُ لَهُ: الْغَمَص «1» يُلْقِيهِ بَحْرُ الْيَمَنِ، وَلَهُ عَلَامَةٌ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَهُوَ بَرْقٌ يَلْمَعُ مِنْ ذَلِكَ الْبَحْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرّةً، فَيَعْلَمُونَ بِخُرُوجِ الْجَرَادِ، قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.

وَقَوْلُهُ: غَيْرِ مُعْتَلِثِ الزّنَادِ

الزّنَادُ الْمُعْتَلِثُ: هُوَ الّذِي لَا يُدْرَى مِنْ أَيّ عُودٍ هُوَ، وَأَصْلُ الِاعْتِلَاثِ الِاخْتِلَاطُ: يُقَالُ عَلَثْت الطّعَامَ إذَا خَلَطْت حِنْطَةً بِشَعِيرِ، وَالْعُلَاثَةُ: الزّنْدُ الّذِي لَا يُورِي نَارًا.

مَقْتَلُ ابْنِ أَبِي الحقيق ذكر فيه النّفَرَ الْخَمْسَةَ الّذِينَ قَتَلُوهُ، وَسَمّاهُمْ، وَذَكَرَ فِيهِمْ ابن عقبة أسعد ابن حَرَامٍ، وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ.

قَطْنِي وَقَدْ وَنُونُ الْوِقَايَةِ:

وَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ: قَطْنِي قطنى، قال معناه: حسبى حسبى.

__________

- وقال أبو منصور: سماعى من العرب فى الكتفان من الجراد التى ظهرت أجنحتها ولما تطر بعد. والخيفانة: الجرادة إذا صارت فيها خطوط مختلفة بياض وصفرة والجمع: خيفان، وقال اللحيانى: الخيفان: جراد اختلفت فيه الألوان والجراد حينئذ أطير ما يكون، وقيل الجراد قبل أن تستوى أجنحته.

(1) لم أجده لا فى اللسان ولا فى القاموس، ولا فى معجم ابن فارس. وفى الإفصاح- وهو مختصر المخصص لابن سيدة- السروة: الجراد أول ما يكون، والدبا: أكبر من السروة وذلك إذا تحرك قبل أن تنبت أجنحته الواحدة: دباه. السلقة: الجرادة التى ألقت بيضها الخ.

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَصْلُهَا مِنْ الْقَطّ، وَهُوَ الْقَطْعُ، ثُمّ خُفّفَتْ وَأُجْرِيَتْ مَجْرَى الْحَرْفِ، وَكَذَلِكَ قَدْ بِمَعْنَى قَطْ هِيَ أَيْضًا مِنْ الْقَدّ، وَهُوَ الْقَطْعُ طُولًا، وَالْقَطّ بِالطّاءِ هُوَ الْقَطْعُ عَرْضًا، يُقَالُ: إنّ عَلِيّا- رَحِمَهُ اللهُ- كَانَ إذَا اسْتَعْلَى الْفَارِسَ قَدّهُ، وَاذَا اسْتَعْرَضَهُ قَطّهُ، وَلَمّا كَانَ الشّيْءُ الْكَافِي الّذِي لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى غَيْرِهِ يَدْعُو إلَى قَطْعِ الطّلَبِ، وَتَرْكِ الْمَزِيدِ جَعَلُوا قَدْ وَقَطْ تُشْعِرُ بِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِذَا ذَكَرْت نَفْسَك قُلْت: قَدِي وَقَطِي، كَمَا تَقُولُ:

حَسْبِي، وَإِنْ شِئْت أَلْحَقْت نُونًا، فَقُلْت: قَدْنِي، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سُكُونِ آخِرِهَا فَكَرِهُوا تَحْرِيكَهُ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ، كَمَا كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ الْفِعْلِ، فَقَالُوا ضَرَبَنِي، وَكَذَلِكَ كَرِهُوا تَحْرِيكَ آخِرِ لَيْتَ فَقَالُوا لَيْتَنِي، وَقَدْ يَقُولُونَ:

لَيْتِي وَهُوَ قَلِيلٌ، وَقَالُوا لَعَلّنِي وَلَعَلّي، وَقَالُوا مِنْ: لَدُنّي فَأَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِالظّرْفِ كَمَا أَدْخَلُوهَا عَلَى الْيَاءِ الْمَخْفُوضَةِ بِمِنْ وعن، فعلوا هذا وقاية لأواخر هذه الْكَلِمِ مِنْ الْخَفْضِ وَخَصّوا النّونَ بِهَذَا؛ لِأَنّهَا إذَا كَانَتْ تَنْوِينًا فِي آخِرِ الِاسْمِ، آذَنَتْ بِامْتِنَاعِ الْإِضَافَةِ، وَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الّتِي سَمّيْنَا تُشْعِرُ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْخَفْضِ، وَتُشْعِرُ فِي الْفِعْلِ وَالْحُرُوفِ بِامْتِنَاعِهَا مِنْ الْإِضَافَةِ أَيْضًا، لِأَنّ الْحَرْفَ لَا يُضَافُ، وَكَذَلِكَ الْفِعْلُ مَعَ أَنّ النّونَ مِنْ عَلَامَاتِ الْإِضْمَارِ فِي فَعَلْنَا، وَفَعَلَنَا فِي ضَمِيرِ الْمَفْعُولِ، فَأَمّا قَدْ وَقَطْ فَاسْمَانِ، وَكَذَلِكَ لَدُنْ، وَلَكِنْ كَرِهُوا تَحْرِيكَ أَوَاخِرِهَا لِشَبَهِهَا بِالْحُرُوفِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَوْضِعُ نِيّ مِنْ قَوْلِهِ قَطْنِي؟ قُلْنَا: مَوْضِعُهَا خَفْضٌ بِالْإِضَافَةِ، كَمَا هِيَ فِي لَدُنّي. فَإِنْ قُلْت:

كَيْفَ تَكُونُ ضَمِيرَ الْمَفْعُولِ وَالْمَنْصُوبِ فِي ضَرَبَنِي وَلَيْتَنِي، ثُمّ تَقُولُ إنّهَا فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ؟ قُلْنَا: الضّمِيرُ فِي الْحَقِيقَةِ هِيَ الْيَاءُ وَحْدَهَا فِي الْخَفْضِ والنصب،

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

كَمَا أَنّ الْكَافَ وَالْهَاءَ كَذَلِكَ، وَقَدْ قَالُوا: مِنّي وَعَنّي، وَهُوَ ضَمِيرُ خَفْضٍ، وَفِيهِ النّونُ، وَقَالُوا لَيْتِي وَلَعَلّي، وَهُوَ ضَمِيرُ نَصْبٍ وَلَيْسَ فِيهِ نُونٌ فَإِنْ. قِيلَ:

فَمَا مَوْضِعُ الِاسْمِ مِنْ الْإِعْرَابِ إذَا قُلْت: قَطِي وَقَدِي؟ قُلْنَا: إعْرَابُهُمَا كَإِعْرَابِ حَسْبِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَإِنّمَا لَزِمَ حَذْفُ خَبَرِهِ لِمَا دَخَلَهُ مِنْ مَعْنَى الْأَمْرِ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ قَوْلُ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللهُ مِنْهَا: قَطِي وَعِزّتِك قَطِي، وَيُرْوَى: قَطْنِي، وَذَلِكَ بَعْدَ قَوْلِهَا: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فَإِذَا وُضِعَتْ فِيهَا الْقَدَمُ، وَزَوَى بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، قَالَتْ: قَطْنِي «1» . وَقَدْ جَمَعَ الشّاعِرُ بَيْنَ اللّغَتَيْنِ، فقال:

قدنى من نصر الخبيبين قدى «2»

__________

(1) فى حديث صحيح: «لا تزال جهنم يلقى فيها. وتقول هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوى بعضها إلى بعض، فتقول: قط، قط بعزتك وكرمك، ولا يزال فى الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنة» متفق عليه بين البخارى ومسلم. وفى حديث آخر متفق عليه بينهما. «فأما النار، فلا تمتلىء حتى يضع الله رجله تقول: قط قط قط» وثبوت صحة النص يفرض علينا الإيمان بمقتضاه، الإيمان الذى يقتبس نور الهدى من قوله سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) فلله جل شأنه ما يخير به عن نفسه، وما يخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم دون تمثيل أو تشبيه أو تأويل أو تعطيل.

(2) الرجز من شواهد سيبويه فى الكتاب، وقد أنشده ص 387 ح 1 تحت: «باب علامة إضمار المنصوب المتكلم والمجرور المتكلم» البيت عنده:

قدنى من نصر الخبيبين قدى ... ليس الإمام بالشحيح الماجد-

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

فَهَذَا مَا فِي قَطْ الّتِي هِيَ بِمَعْنَى حَسْبِي، فَأَمّا قَطّ الْمَبْنِيّةُ عَلَى الضّمّ، فَهِيَ ظَرْفٌ لِمَا مَضَى، وَهِيَ تقال بالتخفيف والتثقيل، وَهِيَ مِنْ الْقَطّ أَيْضًا الّذِي بِمَعْنَى الْقَطْعِ، وَفِي مُقَابَلَتِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ: عَوْضُ مَا فَعَلْته قَطّ، وَلَا أَفْعَلُهُ عَوْضُ «1» مِثْلُ قَبْلُ وَبَعْدُ.

__________

- وأراد بالخبيبين: عبد الله بن الزبير وكنيته أبو خبيب، ومصعبا أخاه وغلبه عليه لشهرته، ويروى الخبيبيين على الجمع يريد أبا خبيب وشيعته. والرجز لم ينسبه سيبويه، وهو لحميد بن مالك بن ربعى الارقط يعرض بابن الزبير ويمدح الحجاج. وقد الثانية تأكيد لقدنى مبنى على الكسر فى محل رفع مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، وهى مضاف إليه. وقد روى أبو على القالى رجزه هكذا:

ليس الامير بالشحيح الملحد ... ولا بوبر بالحجاز مقرد

إن ير يوما بالغضاء يصطبر ... أو ينحجر فالحجر شر محكد

وروى البكرى فى السمط قبلهما:

قلت لعنسى، وهى عجلى تعتدى ... لا نوم حتى تحسرى وتلهدى

أو تردى حوض أبى محمد ... ليس الأمير ... الخ

وقد أورد اللسان الشطرة الأولى فى مادة قد غير منسوبة وفى مادة لحد إلى حميد وقال ابن ثور. أنظر ص 17 ح 2 ط 2 الأمالى للقالى وسمط اللآلى للبكرى ص 949، ص 474، ص 21 شرح شواهد ابن عقيل للشيخ عبد المنعم الجرجاوى وشرح الشواهد أيضا للشيخ قطة العدوى ص 101 ح 1 شرح ابن عقيل بشرح الشيخ محيى الدين.

(1) يقول ابن هشام فى مغنى اللبيب «عوض ظرف لاستغراق المستقبل مثل أبدا، إلا أنه مختص بالنفى، وهو معرب إن أضيف كقولهم: لا أفعله عوض العائضين، مبنى إن لم يضف، وبناؤه إما على الضم كقبل، أو على الكسر كأمس، أو على الفتح كأين، وسمى الزمان عوضا، لأنه كلما مضى جزء منه-

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

ـــــــــــــــــــــــــــــ

إسْلَامُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا «1» رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرٍ الْخَطِيبِ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ اللّيْلَةَ رَجُلٌ حَكِيمٌ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ مُهَاجِرًا، ذَكَرَ فِيهِ اجْتِمَاعَهُ مَعَ خَالِدٍ فِي الطّرِيقِ وَقَوْلُ خَالِدٍ لَهُ: وَاَللهِ لَقَدْ اسْتَقَامَ الْمِيسَمُ. مَنْ رَوَاهُ الْمِيسَمُ بِالْيَاءِ، فَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ قَدْ تَبَيّنَ الْأَمْرُ وَاسْتَقَامَتْ الدّلَالَةُ، وَمَنْ رَوَاهُ الْمَنْسَمُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالنّونِ، فَمَعْنَاهُ: اسْتَقَامَ الطّرِيقُ وَوَجَبَتْ الْهِجْرَةُ، وَالْمَنْسَمُ مُقَدّمُ خُفّ الْبَعِيرِ، وَكُنّيَ بِهِ عَنْ الطّرِيقِ لِلتّوَجّهِ بِهِ فِيهِ.

وَذَكَرَ الزّبَيْرُ خَبَرَ عَمْرٍو هَذَا، وَزَادَ فِيهِ: أَنّ عُثْمَانَ بْنَ طَلْ


ملف pdf

كلمات دليلية: