غزوة بنى النضير من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث

غزوة بنى النضير  من كتاب السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث

اسم الكتاب:
السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث
المؤلف:
على محمد الصلابي

ثالثا: الدروس والعبر في هذه الغزوة:

تحدث القرآن الكريم عن غزوة بني النضير في سورة كاملة وهي سورة الحشر، وقد سمى حبر الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- سورة الحشر بسورة بني النضير، ففي البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس رضي الله عنهما سورة الحشر، قال: سورة بني النضير (3).

وقد بينت هذه السورة ملابسات هذه الغزوة، وفصلت القول فيها، وبينت أحكام الفيء, ومن هم المستحقون له؟ وأوضحت موقف المنافقين من اليهود، كما كشفت عن حقائق نفسيات اليهود، وضربت الأمثال لعلاقة المنافقين باليهود، وفي أثناء الحديث عن الغزوة وجه سبحانه خطابه إلى المؤمنين وأمرهم بتقواه وحذرهم من معصيته، ثم تحدث سبحانه عن القرآن الكريم، وأسمائه وصفاته، وهكذا كان المجتمع المسلم يتربى بالأحداث على التوحيد وتعظيم منهج الله، والاستعداد ليوم القيامة. وبالتأمل في السورة يمكننا استخراج بعض الدروس والعبر من أهمها:

أ- الثناء على الله وتمجيده: ابتدأت السورة بالثناء على الله، وأن الكون كله بجميع ما فيه من مخلوقات من إنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، ينزه الله ويمجده ويشهد بوحدانيته وقدرته وجلاله, وناطق بعظمته وسلطانه (4). قال تعالى: (سَبَّحَ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الحشر: 1].

كان استفتاح هذه السورة بالإخبار أن جميع من في السماوات والأرض، تسبح بحمد ربها، وتنزهه عما لا يليق بجلاله، وتعبده وتخضع لعظمته؛ لأنه العزيز، الذي قهر كل شيء، فلا يمتنع عليه شيء، ولا يستعصي عليه عسير.

الحكيم في خلقه وأمره، فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع ما لا مصلحة فيه، ولا يفعل إلا ما هو مقتض حكمته، ومن ذلك نصره لرسوله صلى الله عليه وسلم على الذين كفروا من أهل الكتاب، من بني النضير حين غدروا برسوله، فأخرجهم من ديارهم وأوطانهم، التي ألفوها وأحبوها (5).

_________

(1) انظر: المغازي للواقدي (1/ 374)، اليهود في السنة المطهرة (1/ 321).

(2) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/ 212).

(3) البخاري، كتاب المغازي، باب حديث بن النضير رقم 4029.

(4) انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/ 327).

(5) انظر: تفسير السعدي (3/ 327).

ب- الرعب جند من جند الله: قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ - وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ - ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 2 - 4].

إن المتأمل في هذه الآيات الكريمة يتبين له أن الله هو الذي أخرج يهود بني النضير من ديارهم إلى الشام، حيث أول الحشر في حين أن كل الأسباب المادية معهم حتى اعتقدوا أنه لا أحد يستطيع أن يخرجهم من حصونهم لمتانتها وقوتها.

لكن الله فاجأهم من حيث لم يحتسبوا, جاءهم من قلوبهم التي لم يتوقعوا أنهم يهزمون بها, فقذف فيها الرعب فإذا بهم يهدمون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وهذا الأسلوب القرآني الفريد يربي الأمة بالأحداث والوقائع, وهو يختلف تماما عن طريقة أهل السير، ويمتاز بأنه يكشف الحقائق ويوضح الخفايا، ويربط الأحداث بفاعلها الحقيقي وهو رب العالمين، ومن ذلك أنها بينت أن الذي أخرج بني النضير هو الله جل جلاله: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ).

واستمرت الآية الكريمة تبين أن يهود بني النضير حسبوا كل شيء وأحاطوا بجميع الأسباب الأرضية، لكن جاءتهم الهزيمة من مكان اطمأنوا إليه وهو أنفسهم, فإذا الرعب يأتي من داخلهم، فإذا بهم ينهارون في أسرع لحظة، لذلك يجب على كل إنسان عاقل أن يعتبر بهذه الغزوة، وأن يعرف أن الله هو المتصرف في الأمور، وأنه لا تقف أمام قدرته العظيمة لا الأسباب ولا المسببات، فهو القادر على كل شيء، فعلى الناس أن يؤمنوا به تعالى ويصلحوا أمرهم، فإذا اتبعوا أمر الله أصلح الله لهم كل شيء، وأخرج أعداءهم من حيث لم يحتسبوا.

إن هذه الغزوة درسٌ للأمة في جميع عصورها تذكرهم أن طريق النصر قريب وهو الرجوع إلى الله والاعتماد عليه والتسليم لشريعته، وتقديره حق قدره، فإذا عرف ذلك المؤمنون نصرهم الله ولو كان عدوهم قويًا وكثيرًا, فإن الله لا يعجزه شيء، وأقرب شاهد واقعي لذلك هو إجلاء بني النضير, وهي عبرة فليُعتبر بها، والسعيد من اعتبر بغيره.

ثم أوضح سبحانه أنه لو لم يعاقبهم بالجلاء لعذبهم في الدنيا بالقتل, أما في الآخرة فلهم عذاب النار (1).

_________

(1) انظر: حديث القرآن الكريم (1/ 270، 271).

ج- تخريب ممتلكات الأعداء: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجيشه وحاصر بني النضير تحصنوا منه في الحصون، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع النخل والتحريق فيها، فنادوه: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه, فما بال قطع النخل وتحريقها؟ (1) فأنزل الله عز وجل: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (2) وقد توسع الشيخ محمد أبو زهرة في شرح هذه الآية فقال ما ملخصه بعد أن ساق آراء الفقهاء في ذلك: والذي ننتهي إليه بالنسبة لما يكون في الحرب من هدم وتحريق وتخريب أنه يستفاد من مصادر الشريعة وأعمال النبي صلى الله عليه وسلم في حروبه:

1 - أن الأصل هو عدم قطع الشجر وعدم تخريب البناء؛ لأن الهدف من الحرب ليس إيذاء الرعية، ولكن دفع أذى الراعي الظالم وبذلك وردت الآثار.

2 - أنه إذا تبين أن قطع الشجر وهدم البناء توجبه ضرورة حربية لا مناص منها كأن يستتر العدو به ويتخذه وسيلة لإيذاء جيش المؤمنين, فإنه لا مناص من قطع الأشجار وهدم البناء، على أنه ضرورة من ضرورات القتال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هنا وفي حصن ثقيف.

3 - أن كلام الفقهاء الذين أجازوا الهدم والقلع يجب أن يخرج على أساس هذه الضرورات، لا على أساس إيذاء العدو والإفساد المجرد، فالعدو ليس الشعب, إنما العدو هم الذين يحملون السلاح ليقاتلوا (3).

د- تطوير السياسة المالية للدولة الإسلامية: بيَّن سبحانه وتعالى حكم الأموال التي أخذها المسلمون من بني النضير بعد أن تم إجلاؤهم, فقال تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الحشر: 6].

وبيَّن سبحانه وتعالى أن الأموال التي عادت إلى المسلمين من بني النضير قد تفضل بها عليهم بدون قتال شديد؛ وذلك لأن المسلمين مشوا إلى أعدائهم ولم يركبوا خيلاً ولا إبلاً وافتتحها صلى الله عليه وسلم صلحًا، وأجلاهم، وأخذ أموالهم ووضعها حيث أمره الله، فقد كانت أموال بني النضير

_________

(1) المصدر السابق نفسه (1/ 274).

(2) انظر: تفسير الطبري (28/ 34).

(3) انظر: خاتم النبيين للشيخ محمد أبو زهرة (2/ 265 - 269).

مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون (1) بخيل ولا ركاب (2)، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة، فكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع (3) والسلاح عدة في سبيل الله (4).

ثم بيَّن المولى عز وجل أحكام الفيء في قرى الكفار عامة, فقال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8].

فكانت هذه الغنيمة خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم, ولهذا تصرف فيه -أي الفيء- كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآيات.

ولما غنم صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير، دعا ثابت بن قيس فقال: «ادع لي قومك»، قال ثابت: الخزرج؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «الأنصار كلها» فدعا له الأوس والخزرج.

فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم ذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم في منازلهم وأموالهم، وأثرتهم على أنفسهم ثم قال: «إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله عليَّ من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم».

فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله، بل نقسم بين المهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا, وقالت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله (5).

وقسم ما أفاء الله، وأعطى المهاجرين ولم يعط أحدًا من الأنصار شيئًا، غير أبي دجانة، وسهل بن حنيف لحاجتهما (6)، ومع أنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن الفيء كان خاصًّا له إلا أنه جمع الأنصار وسألهم عن قسمة الأموال لتطييب نفوسهم, وهذا من الهدي النبوي الكريم في سياسة الأمور. وكانت الغاية من هذا التوزيع تخفيف العبء عن الأنصار، وهكذا انتقل المهاجرون إلى دور بني النضير، وأعيدت دور الأنصار إلى أصحابها، واستغنى بعض المهاجرين مما يمكن أن يقال فيه: إن الأزمة قد بدأت بالانفراج (7).

_________

(1) مما لم يوجف عليه المسلمون: الإيجاف هو الإسراع - أي لم يُعدوا في تحصيله خيلاً.

(2) الركاب: هي الإبل التي يسافر عليها، ولا واحد لها من لفظها

(3) الكراع: أي الدواب التي تصلح للحرب.

(4) مسلم، كتاب الجهاد باب حكم الفيء رقم (1757).

(5) مسلم، كتاب الجهاد باب حكم الفيء (3/ 1376) رقم 1757.

(6) انظر: شرح الزرقاني على المواهب (3/ 86).

(7) انظر: السيرة النبوية لصالح الشامي ص222.

إن قسمة أموال بني النضير أوجدت تطورًا كبيرًا في السياسة المالية للدولة الإسلامية, فقد كانت الغنائم الحربية قبل هذه الغزوة تقسم بين المحاربين بعد أن تأخذ الدولة الإسلامية خمسها لتصرف في مصارف معينة حددها القرآن الكريم، وبعد غزوة بني النضير، أصبحت هناك سياسة مالية جديدة فيما يتعلق بالغنائم، وخلاصتها: أن الغنائم الحربية أصبحت حسب السياسة الجديدة على نوعين:

1 - غنائم استولى عليها المجاهدون بحد سيوفهم، وهذه الغنائم تقسم بين المجاهدين بعد أن تأخذ الدولة خمسها لتصرفه في مصارفه الخاصة.

2 - غنائم يوقعها الله بأيدي المجاهدين دون قتال، وهذا النوع يختص رئيس الدولة الإسلامية بالتصرف فيه حسب ما يرى المصلحة في ذلك، يعالج به الأوضاع الاقتصادية في البلاد؛ فينقذ الفقراء من فقرهم، أو يشتري به سلاحًا، أو يبني به مدينة أو يصلح به طرقا أو ... وهذا يعني أنه قد أصبح لرئيس الدولة الإسلامية ميزانية خاصة يتصرف فيها تصرفًا سريعًا حسب مقتضيات المصلحة (1)، وقد ذكر سبحانه وتعالى في الآيتين اللتين أوضحتا سياسته عليه الصلاة والسلام في تقسيم فيء بني النضير إذ اختص به أناسًا دون آخرين العلة في ذلك في قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 7]. أي لكي لا يكون تداول المال محصورًا فيما بين طبقة الأغنياء منكم فقط, والتعليل لهذه الغاية يؤذن بأن سياسة الشريعة الإسلامية في شؤون المال، قائمة في جملتها على تحقيق هذا المبدأ، وأن كل ما تفيض به كتب الشريعة الإسلامية من الأحكام المتعلقة بمختلف شؤون الاقتصاد والمال يبغي من ورائه إقامة مجتمع عادل تتقارب فيه طبقات الناس وفئاتهم ويقضى فيه على أسباب الثغرات التي قد تظهر فيما بينها، والتي قد تؤثر على سير العدالة وتطبيقها.

ولو طبقت أحكام الشريعة الإسلامية وأنظمتها الخاصة بشؤون المال من إحياء لشريعة الزكاة ومنع للربا وقضاء على مختلف مظاهر الاحتكارات, لعاش الناس كلهم في بحبوحة من العيش قد يتفاوتون في الرزق، ولكنهم جميعًا مكتفون وليس فيهم كَلٌّ على آخر، وإن كانوا جميعًا يتعاونون (2). وبعد بيان العلة في توزيع أموال الفيء عقب سبحانه بأمر المسلمين بأن يأخذوا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ينتهوا عما نهاهم عنه، وأن هذا من لوازم الإيمان، وأمرهم بالتقوى، فإن عقابه شديد وأليم للعصاة. قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ

_________

(1) انظر: قراءة سياسية للسيرة النبوية، محمد قلعجي، ص169.

(2) انظر: فقه السيرة للبوطي، ص194.

الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الحشر: 7]. أي: ما أمركم به الرسول صلى الله عليه وسلم فافعلوه، وما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمركم بكل خير وصلاح، وينهى عن كل شر وفساد. وقوله: (وَاتَّقُوا اللهَ) خافوا ربكم بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. وقوله: (إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي فإن عقابه أليم وعذابه شديد لمن عصاه وخالف ما أمره به، قال المفسرون: والآية وإن نزلت في أموال الفيء إلا أنها عامة في كل ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه من واجب, أو مندوب، أو مستحب, أو محرم، فيدخل فيها الفيء وغيره (1).

وقد جاءت آيات كثيرة تربي الأمة على وجوب الانقياد لحكم الله تعالى، ولحكم رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك في كل الأمور, قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65].

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم, فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم, واختلافهم على أنبيائهم» (2).

هـ- فضل المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان:

1 - فضل المهاجرين: بينت الآيات الكريمة في سورة الحشر فضل المهاجرين على غيرهم، فهم لهم الدرجة الأولى، فقد اشتملت الآيات على أوصافهم الجميلة, وشهد الله لهم بالصدق, قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8].

2 - فضل الأنصار: فقد وضحت الآيات فضل الأنصار، وقد وصفهم الله بهذه الصفات, قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9].

3 - فضل التابعين لهم بإحسان: وهم المتتبعون لآثارهم الحسنة وأوصافهم الجميلة، الداعون في السر والعلانية لإخوانهم

_________

(1) انظر: تفسير الرازي (29/ 28) , صفوة التفاسير (3/ 351).

(2) مسلم، كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله (4/ 1830).

الذين سبقوهم بالإيمان (1) , قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10]. وهكذا تحدثت السورة الكريمة عن صور مشرقة للمهاجرين، والأنصار, والتابعين لهم بإحسان.

وموقف المنافقين في المدينة: بينت الآيات الكريمة حالة المنافقين، ووضحت موقفهم وتحالفهم مع إخوانهم من اليهود، وكشفت أيضا موقفهم من المسلمين، وموقف اليهود ونفسياتهم (2) , قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الحشر: 11].

يخبرنا المولى عز وجل عن المنافقين كعبد الله بن أبي وأضرابه حين بعثوا إلى يهود بني النضير يعدونهم بمناصرتهم، وقوله: (لإِخْوَانِهِمُ) أي الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر, وهم يهود بني النضير، وجعلهم إخوانًا له لكون الكفر قد جمعهم، وإن اختلف نوع كفرهم، فهم إخوان في الكفر.

ز- تحريم الخمر: حرمت الخمر ليالي حصار بني النضير (3) في ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة (4)، وقد خضع تحريم الخمر لسنة التدرج، وكان ذلك التحريم على مراحل معروفة في تاريخ التشريع الإسلامي, حتى نزلت الآيات الحاسمة في النهي عنها من سورة المائدة، وفي ختامها (فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة: 91] قال المؤمنون في قوة وتصميم: قد انتهينا يا رب (5).

وفي قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) [البقرة: 219].

يقول سيد قطب رحمه الله: وهذا النص الذي بين أيدينا كان أول خطوة من خطوات التحريم, فالأشياء والأعمال قد لا تكون شرًّا خالصًا, فالخير يلتبس بالشر، والشر يلتبس بالخير في هذه الأرض، ولكن مدار الحل والحرمة هو غلبة الخير أو غلبة الشر، فإذا كان الإثم في الخمر

_________

(1) انظر: حديث القرآن الكريم (1/ 291).

(2) انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/ 264).

(3) المصدر نفسه (1/ 253).

(4) انظر تفسير القرطبي (18/ 10).

(5) انظر: الخصائص العامة للإسلام، للقرضاوي، ص181.

والميسر أكبر من النفع، فتلك علة تحريم ومنع وإن لم يصرح هنا بالتحريم والمنع.

هنا يبدو لنا طرف من منهج التربية الإسلامية القرآنية الربانية الحكيمة, وهو المنهج الذي يمكن استقراؤه في الكثير من شرائعه وفرائضه وتوجيهاته، ونحن نشير إلى قاعدة من قواعد هذا المنهج بمناسبة الحديث عن الخمر والميسر, عندما يتعلق الأمر أو النهي بقاعدة من قواعد التصور الإيماني أي بمسألة اعتقادية، فإن الإسلام يقضي فيها قضاء حاسمًا منذ اللحظة الأولى. ولكن عندما يتعلق الأمر أو النهي بعبادة وتقليد، أو بوضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث به ويأخذ المسألة باليسر والتدرج، ويهيئ الظروف الواقعة التي تيسر التنفيذ والطاعة, فعندما كانت المسألة مسألة التوحيد أو الشرك أمضى أمره منذ اللحظة الأولى في ضربة حازمة جازمة لا تردد فيها ولا تلفت، ولا مجاملة فيها ولا مساومة، ولا لقاء في منتصف الطريق؛ لأن المسألة هنا مسألة أساسية للتصور، لا يصلح بدونها إيمان ولا يقام إسلام.

فأما الخمر والميسر، فقد كان الأمر أمر عادة وألفة، والعادة تحتاج إلى علاج، فبدأ بتحريك الوجدان الديني المنطقي التشريعي في نفوس المسلمين، بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع, وفي هذا إيحاء بأن تركهما هو الأولى ثم جاءت الخطوة الثانية بآية سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيِكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) [النساء: 43]. والصلاة في خمسة أوقات، معظمها متقارب، لا يكفي ما بينها للسكر والإفاقة، وفي هذا تضييق لفرص المزاولة العملية لعادة الشرب، وكسر لعادة الإدمان التي تتعلق بمواعيد التعاطي، إذ المعروف أن المدمن يشعر بالحاجة إلى ما أدمن عليه من مسكر أو مخدر في الموعد الذي اعتاد تناوله، فإذا تجاوز هذا الوقت وتكرر هذا التجاوز فترة حد العادة، أمكن التغلب عليها، حتى إذا تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الجازم الأخير لتحريم الخمر والميسر (1). (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة: 91].

ح- لا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله: كان مكر اليهود، وتآمرهم على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والدولة الإسلامية في غاية الخسة والوضاعة، وكانوا يريدون من مكرهم وغدرهم عزة ورفعة ومجدًا، وغلبة, لكن الله سخر منهم،

_________

(1) انظر: في ظلال القرآن (1/ 229).

ونجى رسوله والمسلمين من مكرهم وأذلهم وأخزاهم، فزال مجدهم، وكسر غلبتهم، وخرب بيوتهم، ورحلهم عن ديارهم، ولم يكلف ذلك المسلمين اصطدامًا مسلحًا، ولا قتالاً ضاريًا، ولكن الله قذف في قلوبهم الرعب والفزع, فطلبوا النجاة بأرواحهم في ذلة وخزي، مخلفين وراءهم ثروة وملكًا، حازه المسلمون غنيمة باردة, وقد قال تعالى في شأنهم: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) [الحشر: 2].

هذه عاقبة المكر السيئ، والغدر المشين، وانظر بعد ذلك كيف أشار القرآن الكريم إلى مواطن العبرة في هذه الموقعة، وإلى هذا التهديد الذي أعلنه لكل من يسلك سبيل المكر المزري، والحقد المستبد (1) وقال: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأبْصَارِ) [الحشر: 2].

ويظهر لي من الآية الكريمة الاعتبار من وجوه:

1 - إن الذي يقف في وجه الحق، ويصد الناس عنه، ويطارد دعاة الحق

منهزم لا محالة، قال تعالى: (قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).

2 - الصراع بين الحق والباطل لا يتوقف وباق حتى يرث الله الأرض وما عليها، وستكون للباطل جولات وللحق جولات, ولكن العاقبة لأهل الحق في نهاية المطاف.

3 - الاعتبار يكون بتجنب ما ارتكبه اليهود من خيانة وغدر حتى لا يحدث نفس المصير الذي حدث لهم من الهزيمة والذل والهوان (2).

طـ- لا إكراه في الدين: كان في بني النضير أناس من أبناء الأنصار قد تهودوا بسبب تربيتهم بين ظهراني اليهود, فأراد أهلوهم المسلمون منعهم من الرحيل معهم. فأنزل الله عز وجل: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256].

روى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - قال: كانت المرأة تكون مقلاة (3) فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوِّدَه، فلما أجليت بنو النضير، كان فيهم من أبناء الأنصار،

_________

(1) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص167، 168.

(2) انظر: الصراع مع اليهود لأبي فارس، ص179.

(3) المقلاة: التي لا يعيش لها ولد، سنن أبي داود (3/ 133).

فقالوا: لا ندع أبناءنا, فأنزل الله عز وجل: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة: 256] (1).

* * *

المبحث الرابع

غزوة ذات الرقاع

أولاً: تاريخها وأسبابها, ولماذا سميت بذات الرقاع؟:

اختلف أهل المغازي والسير في تاريخ هذه الغزوة، وقد ذهب البخاري (2) إلى أنها كانت بعد خيبر، وذهب ابن إسحاق (3) إلى أنها بعد غزوة بني النضير، وقيل بعد الخندق سنة أربع، وعند الواقدي (4) وابن سعد (5) أنها كانت في المحرم سنة خمس.

وقد ذكر البوطي بأن تاريخ الغزوة كان في السنة الرابعة للهجرة بعد مرور شهر ونصف تقريبًا على إجلاء بني النضير، وقال بأن هذا الرأي ذهب إليه أكثر علماء السير والمغازي (6) , وإليه ذهبت.

وأما سبب الغزوة ما ظهر من الغدر لدى كثير من قبائل نجد بالمسلمين، ذلك الغدر الذي تجلى في مقتل أولئك الدعاة السبعين الذين خرجوا يدعون إلى الله تعالى, فخرج صلى الله عليه وسلم قاصدًا قبائل محارب وبني ثعلبة (7). وقد ذكر الدكتور محمد أبو فارس أن قادمًا قدم المدينة فأخبر المسلمين أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان قد جمعوا الجموع لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن سار إليهم في عقر دارهم على رأس أربعمائة مقاتل وقيل سبعمائة مقاتل، ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ديارهم خافوا وهربوا إلى رؤوس الجبال، تاركين نساءهم وأطفالهم وأموالهم، وحضرت الصلاة فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف، وعاد رسول الله إلى المدينة (8).

وقد حققت هذه الحملة العسكرية أغراضها, وتمكنت من تشتيت الحشد الذي قامت به غطفان لغزو المدينة فأرهب تلك القبائل وألقى عليها درسًا بأن المسلمين ليسوا قادرين فقط

_________

(1) أبو داود، كتاب الجهاد، باب الأسير يكره على الإسلام (3/ 132) رقم 2682.

(2) البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (5/ 62) رقم 4128.

(3) انظر: السيرة النبوية لابن هشام (3/ 225).

(4) انظر: المغازي للواقدي (1/ 395).

(5) انظر: الطبقات لابن سعد (2/ 61).

(6) انظر: فقه السيرة النبوية، ص194.

(7) نفس المصدر، ص194، 195.

(8) انظر: غزوة الأحزاب لأبي فارس، ص14.

على سحق من تحدثه نفسه بالاقتراب من المدينة, بل قادرين على نقل المعركة إلى أرض العدو نفسه وضربه في عقر داره (1).

وسميت بذات الرقاع؛ لأنهم كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق والرقاع اتقاء الحر، وقيل: لأنهم رقعوا راياتهم, وقيل لشجرة كانت اسمها ذات الرقاع (2) , وقيل: لأن المسلمين نزلوا في أرض كان فيها بقع بيض وسود مختلفة، فسميت لذلك (3). والصحيح: أنهم كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق، فقد روى الشيخان بسنديهما عن أبي موسى الأشعري قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة ونحن ستة نفر بيننا بعير نتعقبه فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نَلُفُّ على أرجلنا الخرق, فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب بالخرق على أرجلنا (4).

ثانيًا: صلاة الخوف وحراسة الثغور:

1 - صلاة الخوف: أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في هذه الغزوة, وبيَّن القرآن الكريم صفة الصلاة ساعة مواجهة العدو قال تعالى: (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِن وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنْتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) [النساء: 102]. فقد صلى المسلمون صلاة الخوف، وصفة هذه الصلاة أن طائفة صفت معه، وطائفة في وجه العدو، فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائمًا، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت في صلاته، ثم ثبت جالسًا، وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم (5).

وفي رواية: أنه صلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا, وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات وللقوم ركعتان (6).

_________

(1) انظر: غزوة الأحزاب، محمد أحمد باشميل، ص77، 78.

(2) انظر: حديث القرآن الكريم عن غزوات الرسول (1/ 309)

(3) انظر: صور وعبر من الجهاد النبوي في المدينة، ص170.

(4) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع (5/ 145).

(5) انظر: السيرة في ضوء المصادر الأصلية، ص425.

(6) مسلم، كتاب الصلاة، باب "صلاة الخوف" رقم (843).

قال الدكتور البوطي: ووجه التوفيق بين الحديثين أنه عليه الصلاة والسلام صلى بأصحابه صلاة الخوف أكثر من مرة فصلاها مرة على النحو الأول, وصلاها مرة أخرى على النحو التالي.

وكانت هذه الصلاة بمنطقة نخل التي تبعد عن المدينة بيومين (1) , ودل تشريع صلاة الخوف على أهمية الصلاة فحتى في قلب المعركة لا يمكن التساهل فيها، ولا يمكن التنازل عنها، مهما كانت الظروف؛ وبذلك تندمج الصلاة والعبادة بالجهاد وفق المنهاج النبوي في تربية الأمة الذي استمد من كتاب الله تعالى، فلا يوجد أي انفصال أو انفصام بين العبادة والجهاد (2).

2 - حراسة الثغور: عندما رجع الجيش الإسلامي من غزوة ذات الرقاع سبوا امرأة من المشركين, فنذر زوجها ألا يرجع حتى يهريق دمًا في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم, فجاء ليلاً وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم رجلين على الحراسة أثناء نومهم، وهما عباد بن بشر، وعمار بن ياسر، فضرب عبادًا بسهم وهو قائم يصلي فنزعه، ولم يقطع صلاته، حتى رشقه بثلاثة سهام، فلم ينصرف منها حتى سلم، فأيقظ صاحبه، فقال: سبحانه الله، هل نبهتني؟ فقال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها، فلما تابع عليّ الرمي ركعت فآذنتك, وايمُ الله لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها (3). ومن هذه الحادثة يمكننا أن نستخلص دروسًا وعبرًا منها:

أ- اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمن الجنود, ويظهر ذلك في اختياره رجلين من خيار الصحابة لحراسة الجيش ليلاً.

ب- تقسيم الحراسة، ونلاحظ أن الرجلين اللذين أنيطت بهما حراسة الجيش قد اقتسما الليل نصفين، نصفًا للراحة ونصفًا للحراسة، إذ لا بد من راحة جسم الجندي بعض الوقت.

ج- التعلق بالقرآن الكريم وحب تلاوته: فقد كان حبه للتلاوة قد أنساه آلام السهام التي كانت تنغرس في جسمه وتثج الدم منه بغزارة (4).

د- الشعور بمسئولية الحراسة: فلم يقطع عباد صلاته لألم يشعر به وإنما قطعها استشعارًا بمسئولية الحراسة التي كلف بها، وهذا درس بليغ في مفهوم العبادة والجهاد (5).

_________

(1) انظر: فقه السيرة النبوية للبوطي، ص207.

(2) انظر: التربية القيادية (3/ 303، 304).

(3) انظر: السيرة في ضوء المصادر الأصلية، ص427.

(4) انظر: غزوة الأحزاب لأبي فارس، ص30، 31.

(5) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، ص428.

هـ- مكان الحراسة استراتيجي: اختار النبي صلى الله عليه وسلم فم الشعب مكان إقامة الحرس، وكان هذا الاختيار في غاية التوفيق؛ لأنه المكان الذي يتوقع العدو منه لمهاجمة المعسكر.

وقرب مهجع الحرس من الحارس: ولذلك استطاع الحارس أن يوقظ أخاه النائم، ولو كان المهجع بعيدًا عن الحارس لما تمكن من إيقاظ أخيه، وبالتالي يحدث ما لا تحمد عقباه (1).


ملف pdf

كلمات دليلية: