غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر الكبرى


الدوافع على الغزوة

:

كان الدافع على غزوة بدر هو أخذ العير كما جاء في خبر أبي أيوب النصاري رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة: "إني أخبرت عن عير أبي سفيان أنها مقبلة فهل لكم أن نخرج قِبَلَها لعل الله يُغْنِمناها؟ " فقلنا: نعم فخرج وخرجنا".

فالدافع إلى الخروج هو الرغبة في

العير لعل الله يغنمهموها وهذا أمر عادي فيما بين المسلمين والمشركين. فالمسلمون خرجوا من ديارهم فرارا بدينهم وتركوا أموالهم بمكة. وهذا صهيب عند الهجرة قالوا له بمكة: "جئتنا صعلوكا لا مال لك حتى أثريت والآن تريد أن تخرج بأهلك ومالك" فنزل لهم عن ماله وخرج.

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "وهل ترك لنا عقيل من بيت أو ربع". والصدِّيق يقول لولده يوم بدر وهو في صفوف المشركين أين مالي يا خبيث؟ فيقول له:

لم يبق إلا شكة ويعبوب ... وصارم يقتل ضلال الشيب

فخروج المسلمين لأخذ العير أمر عادي وطبيعي في مثل هذه الحالة. لأن الطرفين في حالة حرب منذ أن تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم وخرج ليلا إلى الغار وهاجر إلى المدينة.

وحالة الحرب تجيز أخذ مال العدو وليس ذلك غدرا ولا اعتداءا ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من مكة إلا بعد أن رد الودائع لأهلها وخلف عليا رضي الله عنه لأدائها. وتركه في فراشه وتحت ظلال السيوف لأنها أمانات وودائع.

أما هذه فقافلة تجارية في حراسة أربعين رجل أو ثلاثين. ولكن العير لم تكن إلا إغراء على الخروج العاجل الخفيف لئلا لا يتهيأ جيش، وليكون اللقاء بين فئتين مختلفتين ليكون آية، وفي أثناء الطريق يتبدل السبب ويقع الشك في إدراك العير ويتسامع بالنفير.

وهناك يثقل الأمر عليهم ويقع الجدال بينهم. {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ} .

وهناك أيضا يأتي وعد بإغراء {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} . وإطلاق إحداهما لم يقطع الأمل في العير. ولم يؤكد لقاء النفير، إلا أن ميولهم إلى السبب الذي أخرجهم وتوددهم إلى غير ذات الشوكة تكون لهم.

وإلى هنا أمر عادي وسير للخطة

على وجهتها الطبيعية.

ولكن التوجيه الإلهي يوجه الخطة إلى غير ما يريدون وإن كرهوا. {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} .

وهذا أول تغيير في الخطة وأول مجابهة المسلمين بالموقف الجديد. وقد أدرك ذلك سعد إذ يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ولعلك أن تكون خرجت لأمر وأحدث الله إليك غيره فانظر الذي أحدث الله إليك فامض له فصل حبل من شئت. واقطع حبل من شئت. وعاد من شئت وسالم من شئت. وخذ من أموالنا ما شئت".

وفي ذلك الموقف ينشأ أول مجلس عسكري أعلى يُجري فيه النبي صلى الله عليه وسلم مشاورات مع أصحابه "أشيروا علي أيها الناس" أي في خصوص مقابلة النفير حيث خرجت مكة لحماية العير.

وتكلم كلا الفريقين من المهاجرين والأنصار كما تقدم. وخرج المؤتمر وانفض المجلس على قرار موحد حاسم: القتال.

,

بقي تحديد المكان

:

لم يكن للمسلمين ولا المشركين اختيار في المكان ولا في تحديد الزمان، لقد سار المسلمون إلى ماء بدر لأنه منزل عام على الطريق. ولا يعلمون متى يلتقون بالنفير ولا مصير العير. ومضى المشركون أيضا إلى بدر لتسمع بهم العرب ولا يعلمون متى يلتقون بالمسلمين.

ولكن الخطة والتوجيه الإلهي يحدد مكان المعركة وزمانها: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} وبيَّن تعالى أن ذلك جُزءا من الخطة العامة ليقضي الله أمرا كان مفعولا. {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

وجها لوجه:

لقد أصبح المسلمون مع المشركين و,

جها لوجه

في الميدان. وهناك مرة أخرى يأتي التوجيه الإلهي لتنفيذ الخطة بمغايرة جديدة حول العدد الذي هو ميزان القوة والقتال. فيقلل كلا الطائفتين في نظر الأخرى، {وَإِذْ

يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي لا إلى تقديراتكم وخطئكم.

وقد بين الله تعالى الغرض المقصود من هذا التقليل {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} فلم يترك لكم الأمر ووجهكم إلى ما يغري على القتال. فأصبحوا أمام أمر واقع لم يكن لهم اختيار فلا يستطيعون التقدم ولا التأخر ولكن أرض معسكرهم رمله دهسة تعوق سرعة الحركة وليس ذلك من صالحهم. وأرض العدو سبخة جلدة وما زال المسلمون ببطن الوادي ولا ماء عندهم ولم يشرع التيمم بعد، فوقعوا في وساوس الشيطان وكيف يلقون العدو بغير طهارة!..فجاءتهم عناية الله وغيرت الموقف وعكسته تماما: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ} . وهكذا بين عشية وضحاها تغير الموقف تماما إذ نزل عليهم المطر ليلا فتطهروا وشربوا وتماسك الرمل تحت أقدامهم وثبتت عليه.

بينما سبخة المشركين تنزلق تحت أقدامهم وأصبح الموقف لصالح المسلمين فمعسكرهم متماسك لطيف ومعسكر المشركين زلق رحض.

وفي تلك الليلة وبوحي من إفساح المجال للمشورة وامتدادا لذلك المجلس العسكري الذي أشعر كل شخص بمسئولية القتال يتقدم الحباب بن المنذر بمشورته في المنزل، ويقبل صلى الله عليه وسلم مشورته كما تقدم. ويأتي ملك فيقول: "يا رسول الله: إن الله يقرئك السلام ويقول الرأي ما قاله الحباب". فيقول صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو السلام ومنه السلام". وينزل على المشورة تلك والتي نالت ما نسميه في عرفنا موافقة من المرجع الأعلى. وإلى الله ترجع الأمور.

إنه تحقيق لما قلنا من التوجيه الإلهي لمعركة بدر. وبهذا كله يتم تهيئة أرض المعركة. وبتثبيتها تحت أقدام المسلمين وتوفير الماء لهم.

وانزلاق الأرض تحت أقدام المشركين ولا ماء عندهم. وذلك لصالح المسلمين وما كان ليتم ذلك إلا بتوجيه إلهي للخطة وعناية بالمسلمين وفي الصباح يلتقي الجمعان على تلك الحال ولم يبق إلا القتال.

,

قبل بدء المعركة

:

كل ما تقدم من خروج وإغراء وتوجيه. ومشورة وأمنة النعاس وإنزال الماء من السماء وتثبيت الأقدام وغير ذلك. إنما هو مقدمة وتهيئة لهذه اللحظة. لحظة بدء القتال. فهي أخطر لحظة في المعركة. وهي أهم نقطة في الخطة. وأدق جزء في التوجيه وعليها يتوقف مصير المعركة. وبالتالي مصير الدعوة والأمّة بل والإنسانية كلها.

فهي اللحظة الحاسمة وهي الفرقان بين الحق والباطل. وبين البطر والتواضع ومن ثم نجد التوجيه أشد ما يكون. والتعليمات في منتهى الحزم والشدة والقسوة. ونستطيع تسميتها تعليمات الميدان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} .

,

وتفصيل تلك التعليمات

:

أ- فلا تولوهم الأدبار. وبهذا لا يملكون انهزاما ووجب عليهم الصبر والثبات أمام العدو مهما كانت النتائج.

ب- عقوبة من تسول له نفسه بالتولي غضب الله في الدنيا. ومآله جهنم وبئس المصير.

وهذا خاص ببدر دون غيرها من الغزوات لقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} ولكأن المسلمين ذلك اليوم لا يملكون أنفسهم. ولا لهم حق التصرف في شيء. حتى في تحركاتهم.

وقد جاء ما يؤيِّد هذا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. فقال عمر: "يا أيها الناس لا تغرنكم هذه الآية فإنما كانت يوم بدر وأنا فئة لكل مسلم". وقال نافع: "سألت بن عمر قلت إنا قوم لا نثبت عند قتال عدونا ولا ندري من الفئة. إمامنا أو عسكرنا؟ " فقال: "إن الفئة رسول الله

صلى الله عليه وسلم". فقلت: "إن الله يقول: {إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً..} الآية " فقال: "إنما أنزلت في يوم بدر لا قبلها ولا بعدها".

وهذا بخلاف غيرها من الغزوات فقد جاء في حق أُُحد بعدها بسنة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} . ويؤكد أنها في أُحد عدم تولي أَحَدٌ يوم بدر حيث ثبتوا جميعا. بينما في أُحد تولى البعض منهم حتى وصل العريض ووصل المدينة.

وجاء في حنين وهي بعد بدر بست سنوات قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

ففي أحد وحنين تأتي التوبة بعد التولي وتختص بدر بالعقوبة على من تولى وهنا نجد إحكام الخطة ودقة التوجيه فالمؤمنون خرجوا للعير وقد فاتتهم وتغيَّرت عليهم الخطة. ولم يبق لهم اختيار في إحدى الطائفتين. وأُلزموا بلقاء ذات الشوكة. وكأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون. والآن هم في ساحة القتال لا حق لهم في التولي. ولا يملكون من أنفسهم شيئا. وعليهم أن ينفِّذوا ما يؤمرون به ويوجهون إليه بقيادة السماء.

عندئذ اشتد الموقف وعظم الخطر فجاء النصر من الجانبين:

الأول: تكثير المسلمين في أعين المشركين. {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ} .

الثاني: إنزال الملائكة. {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

وكان لإنزال الملائكة في غزوة بدر حالة خاصة وتوجيه مستقل مغاير لنزولهم في غيرها. ولقد أنزل الله جنودا من الملائكة في ثلاثة مواضع سوى بدر:

أولا: عند الغار حراسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

ثانيا: يوم الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} .وكان لإنزال الملائكة في غزوة بدر حالة خاصة وتوجيه مستقل مغاير لنزولهم في غيرها. ولقد أنزل الله جنودا من الملائكة في ثلاثة مواضع سوى بدر:

أولا: عند الغار حراسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

ثانيا: يوم الأحزاب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} . وكان موقفا جد عصيب {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً} .

ثالثا: يوم حنين: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا..} .

ففي هذه المواطن الثلاثة مع شدة تأزمها. إذ هما في الغار لا مفر لهما منه والسيوف مستلة بأيدي المشركين بقلوب حانقة وصدور حاقدة تغلي دماؤهم ويشتد عداؤهم.

ويوم الأحزاب جاء الأحلاف ليثأروا لقتلاهم واشتد الأمر على المسلمين وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا.

وفي يوم حنين على كثرة المسلمين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. في كل ذلك جاءت جنود الله نصرة للمؤمنين ولكنها مع شدة الحال لم تظهر تلك الجنود وكانت من وراء الرؤية.

أما في بدر فقد كان إنزال الملائكة وفق خطة وتوجيه ضمن منهج عملي مفصل:

-1بيان العدد لأول وهلة

{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} . وفي المواطن الأخرى الثلاثة: {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ} {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً} . {وَأَنْزَلَ جُنُوداً} . وهنا قال: {أَنِّي مُمِدُّكُمْ} والمدد يكون من القيادة العليا. وبين تعالى الغرض من هذا الإمداد {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَكُمْ..} إلخ. بشرى وطمأنينة على أرض المعركة.

بعد مجيء المدد رسمت له خطة العمل بما يمكن أن تسميه تعليمات الميدان:

أ- {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} .

ب- {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}

جـ- {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} .

ففيه تثبيت للملائكة أولا بقوله: {أَنِّي مَعَكُمْ} . وتثبيت للمؤمنين ثانيا. وقد جاء في الآثار أن المَلَك كان يأتي في صورة رجل معروف ويقول للمؤمنين إن عدوَّكم لا يقوى على لقائكم وإذا شددتم عليهم يفرون أمامكم. وفي الأثر: "أقدم حيزوم". وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه جبريل فقال: "ما كل ملائكة السماء أعرف يا رسول الله".

وقد تضافرت النصوص أنهم رأوا الملائكة على خيل بلق وكان شعارهم العمائم. وقال ابن عباس: "لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر من الأيام. وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عددا ومددا لا يضربون". وعن بردة قال: "جئت يوم بدر بثلاثة أرؤس فوضعتهن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أمّا رأسان فقتلتهما وأما الثالث فلم أقتله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم حين ذاك: "قتلته الملائكة". وكان السائب بن أبي حسين يحدِّث في زمن عمر ويقول: "بينما أنا ببدر إذ أوثقني رجل بحبل ومضى عني فإذا ابن الزبير فأخذني وقال من أسر هذا وأنا أستحي أن أذكر ما وقع لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذاك أسره ملك. خذ أسيرك يا ابن الزبير".

وقوله: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْب} تقوية معنوية بما يسمى

حرب الأعصاب مع أن هذا حقيقة بذاته كما قالوا: كنا نسمع كصوت الحصاة على طشت نحاس يدوي في القلوب من شدة الخوف. وكان مقابل ذلك السكينة في قلوب المؤمنين.

وقوله: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} تعليم بكيفية الضرب وجاء أنهم كانوا يفرقون بين قتلى المؤمنين وقتلى الملائكة مثل سمة النار.

2- مشاركته صلى الله عليه وسلم في المعركة برمي الحصباء في وجوه القوم وقال: "شاهت الوجوه" فلم يبق رجل مشرك إلا أصابه منها ما شغله في عينه وفمه.

وجاءت النتيجة وفق تلك الخطة هزيمة للمشركين تحقيقا للوعد الأول والثاني.

أما الأول فقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} . وكان عمر رضي الله عنه يقول: "لا أعلم ما الجمع الذي سيهزم حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في درعه يوم بدر ويقول: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} ".

ومعلوم أن نتائج المعارك بحسب أسبابها ومقوماتها. وقد شاهدنا أن مسببات بدر ومقوماتها كلها كانت بتوجيه إلهي وخطة مسبقة ولذا كانت نتيجتها تبعا لذلك. {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .

فالله الذي ألقى في قلوب المشركين الرعب وهو الذي أوصل الحصباء عيونهم وهو الذي أنزل الملائكة بشرى وطمأنينة تقاتل وتأسر معهم وهو الذي كثرهم في أعين المشركين وأنزل السكينة عليهم.

وهنا نواجه سؤالا وهو في جملته يتلخص في أن المعركة في سيرها وتوجيهها من الله وملائكته وأن المسلمين ما كانوا ليملكوا شيئا من سيرها. وما يقدرون على شيء من نتائجها. وما كانوا إلا سائرين وفق خطة مرسومة وكان يكفي لهزيمة المشركين ملك واحد. فلم كثر عدد الملائكة. وكان الأسر بيد المسلمين؟ والجواب كما نص عليه تعالى من جهتين:

-1ابتلاء للمؤمنين هل يمتثلون ويثبتون أم لا قال تعالى: {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} .

-2كان المسلمون مستضعفين وكانوا ذوي حقوق عند المشركين وقد عانوا منهم شدة وقسوة فأراد الله أن يشفي صدورهم. ويخزي عدوهم الذي قال: "لا نرجع حتى نرد ماء بدر وتسمع بنا العرب وتعزف علينا القيان" وكان خزيهم على أيدي المسلمين أشد منه على أيدي الملائكة {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} .

تصفية المعركة:

كانت ,

تصفية المعركة

تبعا لنتائجها في المغانم والأسرى أما المغانم فقد أخذت من أيديهم بعد تنازعهم فيها وجعلت لله ولرسوله يضعها حيث شاء فقسمها بينهم. وسميت أنفالا والأنفال ما ينفله الإمام للغزاة. وكأنه تشبيه بالغبي الذي قال فيه تعالى: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} .

وهنا قال: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} فكانت أنفال بدر بمقتضى ذلك لله ولرسوله.

وقال ابن كثير: "قال الإمام أحمد: وساقه بسنده إلى أبي أمامة قال: سألت عبادة عن الأنفال قال: "فينا نزلت أصحاب بدر حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المسلمين عن بواء (عن سواء) ". وعنه: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله العدو فانطلقت طائفة في إثره يرجمون ويقتلون وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منهم غرة حين إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض. قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا، نحن منعنا عنه العدو وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به فنزلت {يَسْأَلونَكَ عَنِ

الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَال ... وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُم} . فقسمها صلى الله عليه وسلم بين المسلمين".

أما الأسارى فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لسعد وهو عند العريش وقد رأى في وجهه عدم الرضا: "كأني بك لم ترض بفعل القوم؟ " قال: "بلى يا رسول الله إن هذه أول وقعة بين المسلمين والمشركين فما كان ينبغي أن يؤسر الرجال وكان أحب إلي أن يقتلوا".

وقد عاتبهم الله فيها عتابا شديدا لما قبلوا الفداء {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} . ثم أبيح لهم أكل الفدا {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً} .

وهكذا جاءت غزوة بدر فرقانا بين الحق والباطل. آية من الله على صدق الرسول وبينة ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

ثم اختص الله أهل بدر من المسلمين والملائكة على سواهم بفضل عظيم بعظم الموقف.

"لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ " قال:"أفضلنا". قال: "وكذلك من حضرها من الملائكة". أو كما قال صلى الله عليه وسلم.



كلمات دليلية: