غزوة بدر الكبرى_21192

غزوة بدر الكبرى


الموقف العام

1- المسلمون:

استقرّ المهاجرون في المدينة المنورة، وآخى الرسول صلّى الله عليه وسلم بينهم وبين الأنصار، فأصبحوا إخوانا في الله.

ومعنى الإخاء أن تذوب العصبيّات الجاهلية، فلا حميّة إلا للإسلام؛ وأن تذهب فوارق النسب واللون والوطن. وقد ظلت عقود الإخاء هذه مقدمة على حقوق القرابة حتى في توارث التركات الى موقعة بدر، إذ بقي بعدها الإخاء المعنوي وانفصم الإخاء المادي في المواريث.

2- المشركون ويهود:

أ- المشركون:

يتربّص الأعراب المجاورون للمدينة الدوائر بالمسلمين، ويحاولون انتهاز فرصة سانحة للإيقاع بهم.

__________

(1) - الدوريات: هي مفارز واجبها جمع المعلومات عن قوة العدو وتسليحه وعن الأرض، وهي نوعان: أ- دوريات استطلاع: وهي المفارز التي تحصل المعلومات دون قتال، لذلك تكون صغيرة العدد سريعة الحركة. ب- دوريات قتال: وهي المفارز التي محصل المعلومات بالقتال، لذلك تكون قوية في عددها وعددها.

وتحاول قريش جهدها القضاء على المسلمين في موطنهم الجديد، بعد أن أحفقت في القضاء عليهم بمكة، كما يتمنى مشركو المدينة ومنافقوها أن يتخلصوا من المسلمين الدخلاء الذين استجابوا لله وللرسول صلّى الله عليه وسلم.

ب- يهود:

طمع يهود أول وصول النبي صلّى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة أن يضمّوه إليهم، فوادعوه وعاهدوه على حرية نشر الدعوة للدين الجديد.

ولكنهم لم يلبثوا حين رأوا أمر المسلمين يستقر ويسمو ويشتد، أن بدأوا يقلبون للمسلمين ظهر المجن ويعملون للوقيعة بينهم؛ فلم يتركوا وسيلة للدس وإثارة البغضاء بين المهاجرين والأنصار ولإيقاظ الأحقاد الماضية بين الأوس والخزرج بذكر يوم (بعاث) ورواية ما قيل فيه من الشعر ... إلا استغلوها أشنع استغلال.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

في السنة الأولى من الهجرية عدل النبي صلّى الله عليه وسلم بقبلته عن المسجد الأقصى في مدينة القدس من فلسطين الى المسجد الحرام، فجعل المسلمون وجهتهم في الصلاة بيت الله الحرام بمكة المكرمة.

وكان العرب يتّجهون الى المسجد الحرام منذ مئات السنين: يحجّون إليه في الأشهر الحرم، ويقدّسونه ويعبدون أصنامه؛ ولكنّ المسلمين كفروا بالأصنام بعد إيمانهم بالله، إلا أنهم لم يكفروا بالبيت العتيق.

فلماذا لا يقصد المسلمون المسجد الحرام زائرين له معظمين حرمته، ليرى العرب المجتمعون بمكة المكرّمة قوّتهم وليتحدّثوا عن مكانة البيت الحرام الرفيعة في نفوسهم المؤمنة؟

إنّ ذلك سيزيد في قوّة المسلمين قوّة، وسيجعل قلوب المشركين تهوى إليهم، وسيشعرون بأنهم يظلمون المسلمين عند ما يمنعونهم من حج البيت والعمرة، وسيخفف كل ذلك من حقدهم على المسلمين وبغضائهم لهم، فلا تجتمع قلوبهم على حرب المسلمين أبدا.

قرّر الرسول صلّى الله عليه وسلم الخروج الى مكة في شهر ذي القعدة الحرام من السنة السادسة الهجرية، وأوفد رسله الى القبائل من غير المسلمين يدعوهم للاشتراك

__________

(1) - الحديبية: يقال بتخفيف الياء وبتشديدها، وهي قرية ليست بكبيرة، بينها وبين مكة مرحلة واحدة، وبينها وبين المدينة تسع مراحل، ويقال إن بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وسميت بذلك لبئر فيها تسمى الحديبية.

للخروج الى الكعبة مع المسلمين لزيارتها وتعظيمها لا للقتال، حتى تعلم العرب كلها بأنه خرج في الشهر الحرام حاجا لا غازيا، فان أصرّت قريش على مقاتلته في الشهر الحرام ومنعته من أداء شعائر الحج والعمرة أسوة بالعرب الآخرين، لم تجد من العرب من يؤيدها في موقفها هذا، ولا من يعينها على قتال المسلمين، فتبقى وحدها وتفقد عطف حلفائها عليها، فلا تقوى على صدّ المسلمين وحدها ما لم يعاونها حلفاؤها من القبائل الأخرى.

2- المشركون ويهود:

لم يبق من المشركين أية قبيلة تستطيع الصمود وحدها أمام قوات المسلمين، فليس أمام القبائل إلا حشد كل قواتها لتستطيع المقاومة في معركة غير مضمونة النتائج.

ولا يمكن اجتماع قوات المشركين في صعيد واحد، إلا إذا استثيرت بحوافز حاسمة جدا: كالاعتداء على مقدساتها أو التعرّض بأموالها وذراريها؛ فقد اقتنعت هذه القبائل بأنّ المسلمين أصبحوا أمنع من أن يصيبوهم أو يصيبوا أموالهم بسوء.

ولم يبق من يهود إلا يهود خيبر، وهؤلاء لا يقدمون على عمل ضد المسلمين إلا بعد أن يفكروا كثيرا، لئلا يكون مصيرهم مصير قريظة وبني النضير وقينقاع.

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

أ- إظهار قوة المسلمين لقريش وللقبائل المجتمعة للحج وسدة ضبطهم وطاعتهم للرسول صلّى الله عليه وسلم وتعلقهم بالدعوة وحرصهم على الدفاع عنها وحماية حرية نشرها لتكون كلمة الله هي العليا.

ب- إظهار تعظيم المسلمين للبيت الحرام عمليا، حتى تتأكد العرب من ذلك عن يقين لا يتطرّق إليه الشك.

2- قريش:

صدّ المسلمين عن البيت الحرام، حتى لا تتحدث العرب عن دخول المسلمين إليه عنوة، مما يقلّل من هيبة قريش واعتبارها المرموق بين القبائل العربية.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

أتاح الاستقرار الذي كان من ثمرات هدنة الحديبية للمسلمين، التفرّغ للتبشير بالدعوة الإسلامية داخل شبه الجزيرة العربية كلها وخارجها، فأوفد الرسول صلّى الله عليه وسلم دعاته الى الملوك والأمراء والرؤساء النابهين يدعوهم الى الإسلام.

وقد أصبحت المنطقة الكائنة جنوب المدينة أمينة بالنسبة للمسلمين، ولم يبق أمام الرسول صلّى الله عليه وسلم بعد الحديبية غير خصمين: يهود في منطقة (خيبر) وما حولها، والأعراب في شمال المدينة المنورة.

وكان الموقف يتطلب القضاء على هذين الخصمين ليتفرغ المسلمون بعد إكمال حشد قواتهم الى خصمهم الأكبر: قريش، والى هدفهم الرئيس: مكة المكرمة.

2- المشركون:

لقد كسدت تجارة قريش قبل الهدنة، فأرادت بعد عقدها أن تعود الى إرسال قوافلها التجارية على طريق مكة- الشام، بعد أن حرمت من سلوكها مدة طويلة.

وفعلا تحركت قوافلها الى الشام، ولكن أبا بصير وأصحابه المغاوير «1»

__________

(1) - ترجمة لكلمة Commando الانكليزية.

الذين ردّهم المسلمون الى قريش تنفيذا لشروط هدنة الحديبية؛ حدّدوا حرية حركة قواقل قريش الى الشام، فأخذوا يتعرضون بكل قافلة تمر بهم فيقضون على حراسها ويعبثون بأموالها، بعد أن تركوا أهلهم وأموالهم بمكة، وآثروا الجهاد دفاعا عن عقيدتهم على العودة الى أهليهم وذويهم.

ولم تنعم قريش بنعمة الاستقرار إلا بعد أن سألت الرسول صلّى الله عليه وسلم بإلحاح شديد أن يؤوي إليه أبا بصير وأصحابه متنازلة بمحض إرادتها للمسلمين عن شرط الهدنة، الذي يقضي بردّ المسلمين الذين يقصدون المدينة بدون موافقة أوليائهم الى قريش.

3- يهود:

استمرّ يهود (خيبر) وما جاورها على تحريض القبائل وجمع الأحلاف ضد المسلمين وقذف الإسلام بالنهم الباطلة وإيواء أعداء المسلمين والغدر بالمسلمين كلما وجدوا الى ذلك سبيلا.

لقد كانوا موطن خطر يتهدد المسلمين في شمال المدينة المنورة، وقد حرمتهم الهدنة من معاونة قريش، فاستمالوا غطفان لمعاونتهم عندما يتهدّدهم خطر المسلمين.

إنهم ينظرون الى مصلحتهم الخاصة، ولا يبالون لكي يحصلوا عليها أن يستخدموا أية وسيلة ...

,

غزوة أحد

«1»

,

الموقف العام

1- المسلمون:

سيطر المسلمون على الطرق التجارية المؤدية من مكة المكرمة الى الشام والى العراق سيطرة تامة، ومنعوا قوافل قريش من سلوك هاتين الطريقين؛ فلم يبق أمام قريش إلا التجارة مع الحبشة، وهي تجارة غير رابحة بالنسبة الى التجارة مع الشام ومع العراق، وبذلك حلّت بتجارة قريش- التي تعتمد عليها في حياتها كل الاعتماد- نكبة قاصمة قاضية.

كما سيطر المسلمون على المدينة المنورة وجعلوا منها (قاعدة أمينة) لدعوتهم وحركاتهم العسكرية المقبلة على حد سواء.

2- المشركون ويهود

أ- قريش:

حرصت قريش منذ نكبتها الكبرى في (بدر) على الأخذ بثأرها من المسلمين، وصمّمت على الاستعداد عسكريا لاستعادة كرامتها وشرفها.

ولم تغنها غزوة (السويق) شيئا بل زادها فرارها المشين أمام مطاردة المسلمين لها عارا جديدا على عارها في (بدر) ، كما أثارت سرية زيد بن حارثة كوامن حقدها الدفين على المسلمين.

__________

(1) - أحد: جبل شمال المدينة بينه وبينها قرابة ميل واحد. انظر التفاصيل في معجم البلدان 1/ 133.

وقرّر كبراء قريش تخصيص ربح تجارة قافلة أبي سفيان بن حرب التي جرت من أجلها معركة (بدر) ، لإنجاز استعدادات معركة الثأر القادمة وإمدادها بالمواد والسلاح والرجال!

ب- مشركو المدينة وما حولها:

أصبح مشركو المدينة ضعفاء جدا، لإسلام أكثرهم وتظاهر الآخرين منهم بالإسلام. كما هابت القبائل المجاورة قوة المسلمين، فحالف أكثرهم المسلمين، وانكمش الآخرون في ديارهم خائفين.

ج- يهود:

لم يبق داخل المدينة بعد طرد بني قينقاع أحد من يهود؛ أما يهود الذين يسكنون في ضواحي المدينة، فقد خافوا بطش المسلمين، خاصة بعد جلاء بني قينقاع وقتل كعب بن الأشرف، فتظاهروا بالمحافظة على عهودهم، ولو أنهم أخفوا نقض تلك العهود في أول فرصة مناسبة.

,

أهداف الطرفين

1- المشركون:

أخذ ثاراتهم من المسلمين في معركة بدر وسرية زيد بن حارثة، لاستعادة كرامتهم وشرفهم بين العرب.

2- المسلمون:

الدفاع عن المدينة وصدّ قريش عنها، لتتوفر لهم الحرية الكاملة لنشر الدعوة الى الاسلام بحرية وسلام.

,

عودة المتحاربين

1- المشركون:

عاد المشركون أدراجهم الى مكة، فلما وصلوا الى موضع (الروحاء) «3»

__________

(1) - تحسونهم: تستأصلونهم بالقتل. قال ابن هشام: الحس: الاستئصال، يقال: حسست الشيء: أي استأصلته بالسيف وغيره. أنظر سيرة ابن هشام 3/ 66.

(2) - الآية الكريمة من سورة آل عمران 3: 152.

(3) - الروحاء: موضع بالقرب من حمراء الأسد، وهذه على طريق المدينة- مكة، وتبعد عن المدينة ثمانية أميال.

على طريق المدينة- مكة، سمع أبو سفيان بخروج المسلمين لقتاله، فخاف أن يكون النبي صلّى الله عليه وسلم قد جاء من المدينة بقوات جديدة؛ فمرّ به معن الخزاعي، وكان قد مرّ بمحمد صلّى الله عليه وسلم ومن معه، فسأله أبو سفيان عن المسلمين، فأجابه معن وكان لا يزال مشركا: (إن محمدا قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، وقد اجتمع معه من كان قد تخلف عنه، وكلهم أشد ما يكون عليكم حنقا ومنكم للثأر طلبا ... ) .

قدّر أبو سفيان أن اندحار قواته إذا اصطدم بالمسلمين ثانية معناه خسارة انتصاره في (أحد) والقضاء على قريش قضاء لا تقوم لها من بعده قائمة أبدا؛ فلجأ الى الحيلة، وبعث مع ركب من بني عبد القيس يقصدون المدينة أن يبلّغوا محمدا: (أن أبا سفيان قد قرر السير إليهم ليستأصل بقيّتهم) ، ثم سارع بالرجوع الى مكة.

2- المسلمون:

بعد عودة المشركين ووصول النبي صلّى الله عليه وسلم وصحابته المدينة المنورة، قرر النبي صلّى الله عليه وسلم القيام بحركة جريئة تخفف من وقع الهزيمة في (أحد) وترد الى المسلمين معنوياتهم، وتدخل في روع يهود والمنافقين الرهبة، وتعيد الى المسلمين سلطانهم بالمدينة المنورة قويا كما كان ...

لذلك لم يخرج إلا بأصحابه الذين شهدوا غزوة (أحد) يوم الأحد 16 شوال من السنة الثالثة للهجرة، أي في اليوم الثاني من يوم (أحد) ، لمطاردة قوات قريش؛ فلما وصل الى موضع (حمراء الأسد) «1» ، وهي على مسافة ثمانية أميال من المدينة وعلى طريق المدينة- مكة، جاءه من يخبره بأن قريشا قررت السير إليه؛ فلم تتضعضع معنويات المسلمين، وقرروا لقاء قريش، وبقوا ينتظرون

__________

(1) - حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، اليه انتهى رسول الله (ص) يوم أحد في طلب المشركين. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 3/ 337.

هناك هذا الوعيد ثلاثة أيام، فلما علموا بانسحاب قريش عادوا أدراجهم الى المدينة.

وبهذه الحركة الجريئة استرد المسلمون كثيرا من مكانتهم التي فقدوها في (أحد) .

,

أسباب النكبة

1- أنصر أم اندحار:

لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة (أحد) نصرا للمشركين واندحارا للمسلمين؛ لأن مناقشة المعركة عسكريا، تظهر انتصار المسلمين على الرغم من خسائرهم الفادحة في هذه المعركة.

ونبدأ المناقشة من الوجهة العسكرية البحتة، لإظهار حقيقة نتائج غزوة (أحد) .

لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم وتعفير لوائهم بالتراب، ولكن التفات خالد بن الوليد وراء المسلمين وهجوم المشركين من الأمام، جعل قوات المشركين تطبق من على قوات المسلمين. هذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم الى الأخير.

ذلك لأن نتيجة كل معركة لا تقاس من الناحية العسكرية بعدد الخسائر بالأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي وهو القضاء المبرم على العدو ماديا ومعنويا.

فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا؟

إن حركة خالد بن الوليد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المضاد وإطباقهم على قوات المسلمين وهم متفوقون بالعدد بنسبة خمسة أمثال المسلمين. كل ذلك كان يحب أن تكون نتائجه القضاء المبرم على كل قوات المسلمين، ولا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة فواقا ساحقا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة بالمائة فقط من موجودها، إلا انتصارا لتلك القوة الصغيرة بدون أدنى شك.

ولا يمكن إعتبار اخفاق القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديا ومعنويا في مثل ذلك الموقف الحرج للغاية، نصرا لتلك القوة الكبيرة على القوة الصغيرة.

ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضا وإلا لما استطاع المسلمون الخروج من المدينة لمطاردة قريش بعد يوم واحد فقط من يوم (أحد) ، دون أن تجرأ قريش على لقاء المسلمين بعيدا عن المدينة، خاصة وأن الرسول صلّى الله عليه وسلم خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت (فعلا) بمعركة (أحد) ، دون أن يستعين بغيرهم من الناس.

إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه (بأحد) ، نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كل الجهات كان الفناء التام.

ثم إن معركة (أحد) أتاحت للمسلمين معرفة المنافقين الذين كانوا بين صفوفهم بصورة لا تقبل الشك والمماراة، وهذا مكسب عظيم لا يقدّر بثمن ولا تعدّ خسائرهم بالأرواح الى جانبه شيئا مذكورا.

2- أسباب خسائر المسلمين:

إن أسباب كثرة خسائر المسلمين في معركة (أحد) هي ما يلي:

أ- عدم المطاردة «1» :

لم يقم المسلمون بالمطاردة في الصفحة الأولى من المعركة بعد انهزام المشركين بعيدا عن معسكرهم، بل انشغلوا بالغنائم. ولو أنهم طاردوا قريشا فورا بعد هزيمتها، لقضوا على قواتها بسهولة، ومن بعد ذلك يعودون لجمع الغنائم.

ب- مخالفة الأوامر:

تنفيذ الأوامر هو الضبط العسكري الذي يعتبر روح الجندية والسبب المباشر المؤدي لكل انتصار في كل معركة، ومخالفة الرماة في ترك مواقعهم والإسراع لجمع الغنائم خطأ كبير وقع فيه المسلمون حينذاك، إذ كشف للعدو ظهورهم فاستفاد خالد بن الوليد من هذه الفرصة السانحة لتطويقهم من الخلف، مما أدى الى الإطباق عليهم من كل الجهات.

ج- المباغتة:

المباغتة مبدأ من أهم مبادىء الحرب، ومعناها ضرب العدو من مكان أو في زمان أو بأسلوب لا يتوقعه، بحيث يمكن تحطيم قوى العدو المادية والمعنوية.

وكان قيام خالد بن الوليد بالالتفاف وراء قوات المسلمين في الوقت الذي انهزم فيه المشركون مباغتة تامة للمسلمين، فارتبكت صفوفهم بدرجة لم يفرقوا معها بين قوات عدوهم وبين قواتهم، كما تحطمت معنويات الكثير منهم وأصبحوا لا يعرفون ما يصنعون.

إن هذه المباغتة أتاحت الفرصة لقريش للقضاء على المسلمين وإبادة قواتهم،

__________

(1) - المطاردة: تعبير عسكري يقصد به تعقب القوات المعادية المنسحبة لإحداث الخسائر فيها ومحاولة قلب انسحابها الى هزيمة.

ولكنهم لم يستطيعوا الاستفادة من موقفهم المتميز هذا، فضيّعوا هذه الفرصة السانحة لجعل معركة (أحد) حاسمة في نتائجها.

,

دروس من أحد

1- الحصول على المعلومات:

حصل المسلمون على المعلومات الكافية عن نيات قريش وقوتها وحركتها من رسالة العباس عم النبي صلّى الله عليه وسلم قبل وقت مناسب من حركة قوات قريش باتجاه المدينة لغزو المسلمين.

كما أرسل المسلمون دوريات استطلاعية قبل معركة (أحد) ، فعرفوا مواضع قوات قريش، وأرسلوا دوريات استطلاعية بعد المعركة، لمعرفة اتجاه حركة عودة المشركين.

لقد كان عمل المسلمين في الحصول على المعلومات مفيدا في منع المشركين من مباغتتهم في المدينة.

2- القيادة:

كان لقريش في معركة (أحد) قائد عام هو أبو سفيان بن حرب، ولم تظهر أية حنكة لهذا القائد في المعركة، كما كانت سيطرته ضعيفة على ما يظهر بدرجة أن نساء المشركين مثلّوا بشهداء المسلمين دون رغبته، فلم يستطع أن يفعل شيئا.

ولو كانت قيادة أبي سفيان على شيء من الكفاية لاستطاع الإيقاع بالمسلمين بعد تطويقهم التام.

أما قيادة النبي صلّى الله عليه وسلم، فقد ظهرت بشكل ظاهر في هذه المعركة.

انتخب الموضع المناسب للمعركة، وأجبر قريشا على قبول المعركة فيه،

ونظّم خطّة القتال، فانتخب مواضع الرماة لحماية ظهور المسلمين، وخصّص لهذه المواضع قوة كافية للدفاع عنها بإمرة قائد مسئول.

إنّ كل ذلك على أهميته لا يعتبر شيئا بالنسبة الى ظهور عبقرية قيادته عليه أفضل الصلاة والسلام في أثناء القتال خلال الصفحة الثانية من معركة (أحد) حين طوّق المشركون المتفوقون بالعدد الى خمسة أمثال المسلمين، قوة المسلمين القليلة، بعد أن انهارت معنويات الكثيرين منهم لما سمعوا خبر مقتل الرسول صلّى الله عليه وسلم في المعركة، فلجأوا الى الهضاب بعيدا عن ساحة المعركة، وبقي مع الرسول صلّى الله عليه وسلم شرذمة قليلة من المسلمين يقاومون وحدهم زخم هجوم قريش في أوج قوته وعنفوانه وفي قمة انتصار قريش.

لقد استطاع الرسول صلّى الله عليه وسلم بهذا الموقف الصعب للغاية بالنسبة للمسلمين الموفّق للغاية بالنسبة للمشركين، أن يسيطر على الموقف في معركة يائسة جدا، ويقود الباقين من المسلمين لشق طريقهم من بين القوات المعادية المتفوقة المحيطة بهم، ثم يحتل موضعا مشرفا، ويقوم بإعادة تنظيم قواته الباقية ويعيد إليها معنوياتها وبأسها وقوتها، ويصد بها هجمات مضادة شديدة للمشركين، فيحيل الهزيمة المتوقعة الى نصر، لأنه اضطر قريشا الى اليأس من القضاء على المسلمين، بعد أن كان فناء المسلمين أمرا (حتميا) ، ثم اضطرهم الى الانسحاب من المعركة بعد اليأس من إبادة المسلمين.

ولم يكتف بذلك بل خرج في اليوم الثاني من المعركة، لمطاردة قوات المشركين، حتى اضطرهم الى استعمال الحيلة بإرسال المعلومات الكاذبة للمسلمين عن إعتزامهم إعادة الكرّة على قوات الرسول صلّى الله عليه وسلم، فلم يكترث بهذا التهديد وإنما أعدّ العدّة وقرّر لقاء المشركين مهما تكن الظروف والأحوال.

هذه قيادة عبقرية، ظهرت للرسول صلّى الله عليه وسلم بهذه المعركة بشكل واضح كل الوضوح، كان من بعض نتائجها أنها جعلت النصر الى جانب المسلمين المغلوبين.

وأشهد أنني لم اقرأ في تاريخ الحرب لكل الأمم، موقفا صعبا يائسا كالذي كان فيه المسلمون يوم (أحد) ، فاستطاع الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، بقيادته الفذة أن يتخلص من هذا الموقف العصيب، وينقذ قواته من فناء أكيد، ثم يعيد إليها ثقتها بنفسها ويعيد إليها قوتها المادية والمعنوية بشكل لم يسبق له نظير، وخلال فترة زمنية محدودة جدا.

إن بروز قيادة النبي صلّى الله عليه وسلم في معركة (أحد) كان باهرا فذا.

3- القضايا التعبوية:

أ- مخالفة الأوامر:

أخطأ رماة المسلمين في مخالفتيهم أوامر النبي صلّى الله عليه وسلم وانسحابهم من مواضعهم الأصلية لجمع الغنائم؛ ولولا انسحابهم لما استطاع خالد بن الوليد ضرب مؤخرتهم، ولما استطاعت قريش تطويق المسلمين.

إن مخالفة الأوامر في (أحد) ، درس في نتائج كل مخالفة عسكرية للأوامر في الحرب، وإن نتائجها المعروفة كافية لغرس هذا الدرس في النفوس لكي لا يعود أحد لمثلها أبدا.

ب- عدم المطاردة:

بعد كل هجوم ناجح لا بدّ من أن يتتوج بمطاردة عنيفة للقضاء على العدو.

وقد أخطأ المسلمون في عدم مطاردتهم للمشركين بعد فرار المشركين من مواضعهم وابتعادهم عن معسكرهم والتفاف المسلمين حول نساء المشركين ومواشيهم وإبلهم في الصفحة الأولى من يوم (أحد) ، ولو طارد المسلمون قوات المشركين الى مسافة عشرة أميال على الأقل لأوقعوا بالمشركين خسائر فادحة، ولا نتهت معركة (أحد) بنتائج في مصلحة المسلمين.

ج- أسلوب القتال:

لقد جرى القتال بين الطرفين بأسلوب (الصفوف) ، وبذلك استطاعت قريش أن تسيطر على المعركة بشكل أفضل من سيطرتها على المعركة التي تجري بأسلوب الكرّ والفر.

4- القضايا الادارية:

أ- الإدامة «1» والنقلية:

كان المشركون متفوقين على المسلمين بإدامة قواتهم وإعاشتها وتسليحها وفي نقليتها فواقا محسوسا على المسلمين، مما كان له أثر طيّب على سير القتال لصالح المشركين.

ب- الدفن:

دفن المشركون قتلاهم وتركوا قتلى المسلمين.

ولم يكتفوا بذلك بل مثلّوا بهم أشنع تمثيل، فقد انطلقت هند بنت عتبة والنسوة اللائي معها يمثلن بالشهداء: يجدعن الآذان والأنوف ... الخ.

,

أحد في التاريخ

لقد أجمع المؤرخون على اعتبار نتيجة (أحد) نصرا للمشركين على المسلمين.

ولكن الحقائق العسكرية لا تتفق مع ما أجمع عليه المؤرخون.

لقد كان بإمكان المشركين القضاء على قوات المسلمين في معركة (أحد) ، بعد أن استطاعوا إحاطتهم من كل الجوانب بقوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا.

__________

(1) - الإدامة: اصطلاح عسكري، معناه: تزويد القوات بكل ما تحتاج اليه من القضايا الادارية تسليحا وتجهيزا وإعاشة ونقلية و ... الخ.

ومع ذلك استطاع محمد صلّى الله عليه وسلم أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به، ويخلّص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد.

إنّ فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد إحاطتهم بقواتهم المتفوّقة يعتبر إخفاقا لهم.

وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين بخسائر نسبتها عشرة بالمائة من قواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم.

وبالإضافة الى نجاح المسلمين في التخلّص من الفناء التام في معركة (أحد) ، فقد نجحوا في معرفة المنافقين بين صفوفهم قبل المعركة وبعدها، مما أتاح لهم القيام بالتطهير العام في صفوفهم بعد (أحد) على هدى وبصيرة ...

وبذلك تظهر الفائدة العظيمة لغزوة (أحد) للمسلمين.

إنّ نتيجة معركة (أحد) نصر (تعبوي) للمشركين على المسلمين، ولكنها فشل (سوقي) للمشركين. ولا يعدّ النصر التعبوي شيئا يذكر الى جانب الفشل السوقي «1» . وصدق الله العظيم: (هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ. وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ «2» فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «3» وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ، وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) «4» ؟!

__________

(1) - التعبية: الأعمال العسكرية في المعركة، أو هي الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير معركة واحدة. والسوق: هو الاستفادة من المعارك للحصول على الغرض من الحرب، أو هو الأعمال العسكرية التي تؤثر على سير الحرب كلها. ذلك هو تعريف السوق والتعبية بصورة موجزة للغاية تعطي (فكرة) للمدنيين فقط، إذ ان لكل من هذين الاصطلاحين تعريفات كثيرة طويلة تستغرق كثيرا من كتب فن الحرب. ومن ذلك يتضح أن السوق يعني نتائج الحرب كلها بينما التعبية تعني نتائج معركة واحدة محلية.

(2) - قرح: جراح.

(3) - أي ليميز بين المؤمنين والمنافقين.

(4) - الآيات الكريمة من سورة آل عمران 3: 138- 142.

,

الملحق (هـ) : شهداء المسلمين في أحد رضي الله عنهم

1- المهاجرون أ- من قريش ثم من بني هاشم بن عبد مناف بن عبد المطلب:

1- حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلّى الله عليه وسلم.

ب- من بني أمية بن عبد شمس:

2- عبد الله بن جحش (حليف لهم من بني أسد بن خزيمة) .

ج- من بني عبد الدار بن قصي:

3- مصعب بن عمير.

د- من بني مخزوم بن يقظة:

4- شمّاس بن عثمان.

2- الأنصار أ- من الأوس ثم من بني عبد الأشهل:

5- عمرو بن معاذ بن النعمان.

6- الحارث بن أنس بن رافع.

7- عمارة بن زياد بن السكن.

8- سلمة بن ثابت بن وقش.

9- عمرو بن ثابت بن وقش.

10- ثابت بن وقش (والد عمرو وسلمة) .

11- رفاعة بن وقش (أخو ثابت) .

12- صيفي بن قيظي.

13- حباب بن قيظي.

14- عباد بن سهل.

15- الحارث بن سهل بن معاذ (ابن أخي سعد بن معاذ) .

16- حسيل بن جابر (اليمان) والد حذيفة بن اليمان.

ب- من أهل راتج (اسم أطم من آطام المدينة) من بني عبد الاشهل أيضا:

17- إياس بن أوس بن عتيك بن عمرو.

18- عبيد بن التيّهان.

19- عتيك بن التيّهان.

20- حبيب بن زيد بن تيم.

ج- من بني ظفر:

21- يزيد بن حاطب بن أمية بن رافع.

د- من بني عمرو بن عوف، ثم من بني ضبيعة بن زيد:

22- أبو سفيان بن الحارث بن قيس بن زيد.

23- حنظلة الغسيل بن أبي عامر بن صيفي بن النعمان.

24- قيس بن زيد بن ضبيعة.

25- مالك بن أمة بن ضبيعة.

هـ- من بني عبيد بن زيد:

26- أنيس بن قتادة.

ومن بني ثعلبة بن عمرو بن عوف:

27- أبو حبّة بن عمرو بن ثابت (أخو سعد بن خيثمة لأمه) .

28- عبد الله بن جبير بن النعمان (أمير الرماة) .

ز- من بني السّلم بن امرىء القيس بن مالك بن الأوس:

29- خيثمة (والد سعد بن خيثمة) .

30- عبد الله بن سلمة (حليف من بني العجلان) .

ح- من بني معاوية بن مالك:

31- سبيع بن حاطب بن الحارث بن قيس بن هيشة.

32- سويبق بن الحارث بن حاطب بن هيشة.

33- مالك بن عميلة (حليف لهم) .

ط- من بني خطمة:

34- الحارث بن عدي.

35- عمير بن عدي.

ي- من بني النجار، ثم من بني سواد بن مالك بن غنم:

36- عمرو بن قيس بن زيد.

37- قيس بن عمرو بن قيس (ابنه) .

38- ثابت بن عمرو بن زيد.

39- عامر بن مخلّد.

ك- من بني مبذول:

40- أبو هبيرة بن الحارث بن علقمة.

41- عمرو بن مطرّف بن علقمة بن عمرو.

ل- من بني عمرو بن مالك بن النجار:

42- أوس بن ثابت بن المنذر (أخو حسان بن ثابت) .

م- من بني عدي بن النجار:

43- أنس بن النّضر بن ضمضم (عم أنس بن مالك خادم النبي صلّى الله عليه وسلم) .

ن- من بني مازن بن النجار:

44- قيس بن مخلد.

45- كيسان (عبد لهم) .

س- من بني دينار بن النجار:

46- سليم بن الحارث.

47- نعمان بن عبد عمرو.

ع- من بني الحارث بن الخزرج:

48- خارجة بن زيد بن أبي زهير.

49- أوس بن أرقم بن زيد.

50- سعد بن الربيع بن عمرو بن أبي زهير.

ف- من بني الأبجر وهم بنو خدرة:

51- مالك بن سنان (والد أبي سعيد الخدري) .

52- سعيد بن سويد بن قيس.

53- عتبة بن ربيع بن رافع.

ص- من بني ساعدة بن كعب بن الخزرج:

54- ثعلبة بن سعد بن مالك بن خالد.

55- ثقف بن فروة بن البدن.

ق- من بني طريف رهط سعد بن عبادة:

56- عبد الله بن عمرو بن وهب.

57- ضمرة (حليف لهم من جهينة) .

ر- من بني عوف بن الخزرج ثم من بني سالم ثم من بني مالك بن العجلان:

58- نوفل بن عبد الله.

59- عباس بن عبادة بن نضلة.

60- نعمان بن مالك بن ثعلبة بن فهر.

61- المجذرّ بن زياد البلوي (حليف لهم) .

62- عبادة بن الحسحاس.

ش- من بني سلمة ثم من بني حرام:

63- عبد الله بن عمرو بن حرام (والد جابر بن عبد الله) .

64- عمرو بن الجموح.

65- خلّاد بن عمرو بن الجموح.

66- أبو أيمن (مولى عمر بن الجموح) .

ت- من بني سواد بن غنم:

67- سليم بن عمرو بن حديدة.

68- عنترة (مولى سليم بن عمرو) .

69- سهل بن قيس بن أبي كعب.

ث- من بني زريق بن عامر:

70- ذكوان بن عبد قيس.

71- عبيد بن المعلّى بن لوذان من بني حبيب.

إعادة النظام

(وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) .

(القرآن الكريم)

,

التطهير بعد أحد

,

الموقف العام

1- المسلمون:

كان لا بدّ للمسلمين من أن يقوموا بالتطهير العام في المدينة المنورة وخارجها، حتى يستعيدوا سمعتهم المتميزة بين العرب.

لقد استطاعوا أن يجعلوا من المدينة المنورة (قاعدة أمينة) للإسلام قبل غزوة (أحد) ، ولكنّ هذه الغزوة سبّبت لهم مشاكل داخلية وخارجية:

مشاكل داخلية من يهود الذين هم أشد عداوة للذين آمنوا في السراء والضراء، وإن كانت السراء تضطرهم إلى إخفاء نيّاتهم، بينما يعلنون هذه النيات صريحة في الضراء.

وداخلية أيضا من المنافقين الذين تظاهروا بالإسلام، فانكشفت طوايا نفوسهم قبيل معركة (أحد) وبعدها عندما رأوا الخطر محدقا بالمسلمين!

ومشاكل خارجية من قريش بالدرجة الأولى، إذ أخذت تشنّ حربا دعائية ضد المسلمين، لتظهر نتائج غزوة (أحد) بمظهر يرفع من قيمتها ويحطّ من قيمة المسلمين.

وخارجية أيضا من القبائل المجاورة، أولئك الأعراب الذين يستخذون للأقوياء، فيظهرون بمظهر المسالم الوادع، ويبطشون بالضعفاء بطشا لا هوادة فيه ولا رحمة.

لقد كان على المسلمين أن يعيدوا الكرّة للقيام بالتطهير العام، حتى يعيدوا النظام إلى صفوفهم، وحتى يستعيدوا السيطرة الكاملة على المدينة المنورة وما حولها من القبائل، وحتى يعيدوا هيبتهم على المشركين من قريش والقبائل الأخرى الموالية لها.

2- المشركون:

فرحت قريش فرحا شديدا بنتائج (أحد) على الرغم من أن نتائجها البعيدة لم تكن في صالحهم، إذ لم يكن انتصارهم فيها إلا انتصارا (تعبويا) ، بينما كانت نتائجها إخفاقا (سوقيّا) عليهم، أي أنّ انتصارهم كان ظاهريا فقط بينما كانت حقيقته إخفاقا لهم.

ولكنهم لم يقدّروا حقيقة هذه النتيجة، فراحوا يتباهون بنصرهم، ويعلنونه للعرب في كل مكان.

وكما لم تقدّر قريش نتيجة (أحد) حق قدرها، فان القبائل البدوية المجاورة للمدينة لم تقدر نتيجة (أحد) حق قدرها أيضا، فطمعوا في المسلمين وظنوا أنهم أصبحوا في متناول أيديهم غنيمة باردة.

3- يهود:

صن يهود أن المسلمين أصبحوا ضعفاء بعد (أحد) ، فلا بدّ من انتهاز الفرصة لأخذ ثارات إخوانهم بني قينقاع وثأر كعب بن الأشرف ...

وأخذوا يبثّون الفزع ويخلقون المشاكل للمسلمين.

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

الكفاح ضد تدخل يهود والمشركين في حرية نشر عقيدتهم، والدفاع عن أنفسهم وأموالهم ضد المعتدين.

2- المشركون ويهود:

القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم.

,

سير الحوادث

راجع الملحق (و)

1- سرية أبي سلمة:

أ- قوّات الطرفين:

أولا- المسلمون:

دورية قتال بقوة مائة وخمسين راكبا وراجلا من المهاجرين والأنصار بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي.

ثانيا- المشركون:

قبيلة بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد.

ب- الهدف:

منع بني أسد من الهجوم على المسلمين في المدينة المنورة.

ج- الحوادث:

بلغ النبي صلّى الله عليه وسلم بعد شهرين من غزوة (أحد) ، أنّ طليحة وسلمة ابني خويلد يحرضان قومهما بني أسد بن خزيمة لغزو المدينة المنورة لنهب أموال المسلمين فيها.

قرر النبي صلّى الله عليه وسلم إرسال دورية قتال بقوة مائة وخمسين مسلما من المهاجرين والأنصار بين راكب وراجل، فيهم أبو عبيدة بن الجراح وسعد بن أبي وقاص بقيادة سلمة بن عبد الأسد للقضاء على بني أسد قبل قيامهم بغزو المدينة، وأمرهم بالسير ليلا والاستخفاء نهارا وسلوك طريق غير مطروقة حتى لا يطلع أحد على أخبارهم ونياتهم، فيباغتوا بذلك بني أسد في وقت لا يتوقعونه.

وسار أبو سلمة حتى وصل الى ديار بني أسد في (قطن) «1» دون أن يعرفوا عن حركته إليهم شيئا فأحاط بهم فجرا فلم يستطع المشركون الثبات وولوا الأدبار.

وبعث أبو سلمة مفرزتين من قواته لمطاردتهم، فرجعتا بالغنائم. وعاد أبو سلمة بقوته إلى المدينة المنورة بعد أن أنجز مهمته.

2- دورية عبد الله بن أنيس:

أ- قوّات الطرفين:

أولا- المسلمون:

دورية استطلاعية بقوة مسلم واحد هو عبد الله بن أنيس.

ثانيا- المشركون:

بنو لحيان من هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي.

ب- الهدف:

منع الأعراب من غزو المسلمين في المدينة المنورة قبل إنجاز تجمعهم وقيامهم بالغزو.

ج- الحوادث:

علم النبي صلّى الله عليه وسلم أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد قوة كبيرة من الأعراب ب (عرنة) «2» لغزو المدينة المنورة، حتى ينال شيئا من غنائمها وخيراتها، فبعث عبد الله بن أنيس ليستطلع له خبر خالد ويتأكد من صحة المعلومات التي سمعها الرسول صلّى الله عليه وسلم عن نياته العدوانية.

__________

(1) - قطن: جبل بناحية بيد به ماء لبني أسد بن خزيمة. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 50.

(2) - عرنة: واد بحذاء عرفات. أنظر معجم البلدان 6/ 156.

سار عبد الله فصادف خالدا بعيدا عن قومه ومعه بعض النساء، فسأله خالد: (من الرجل) ؟ فأجابه: (أنا رجل من العرب سمع بك وبجمعك لمحمد، فجاءك لذلك! ..) .

لم يخف خالد نياته، ولما رآه عبد الله في عزلة عن الرجال وليس معه إلا أولئك النسوة، استدرجه للمسير معه، وعندما سنحت له الفرصة حمل عليه بالسيف، فقتله ...

وعاد عبد الله الى المدينة المنورة بعد أن تفرّقت جموع الأعراب التي حشدها خالد في (عرنة) لغزو المسلمين، لأنها فقدت قائدها فماتت نياته العدوانية معه.

3- غزوة بني النضير «1» :

أ- قوات الطرفين:

أولا- المسلمون:

مسلمو المدينة المنورة بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا- يهود:

بنو النضير الذين كانت منازلهم بناحية (الغرس) «2» وما والاها في ضواحي المدينة المنورة.

ب- الهدف:

التخلص من بني النضير لتآمرهم على اغتيال النبي صلّى الله عليه وسلم.

__________

(1) - النضير: اسم قبيلة من يهود الذين كانوا بالمدينة وكانوا هم وقريظة نزولا بظاهر المدينة في حدائق وآطام. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 8/ 295.

(2) - غرس: في منطقة قباء وبها بئر تديمي. بئر غرس، كان رسول الله (ص) يستطيب ماءها. أنظر معجم البلدان 6/ 276.

ج- سير الحوادث:

ذهب النبي صلّى الله عليه وسلم الى منازل بني النضير في ضواحي المدينة المنورة، ليستعين بهم في دية قتيلين معاهدين للمسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري خطأ دون أن يعلم بعهدهما «1» .

فلما فاوضهم النبي صلّى الله عليه وسلم، أظهروا الرضا بمعونته، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم مع عشرة من أصحابه بينهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم.

وفي أثناء تبسّط بعضهم معه في الحديث، رأى أن بعضهم يأتمرون به، فيذهب أحدهم الى ناحية، ويبدو عليهم كأنهم يذكرون مقتل كعب بن الأشرف، ثم يدخل أحدهم وهو عمرو بن جحاش البيت الذي كان النبي صلّى الله عليه وسلم مستندا إلى جداره.

حينذاك رابه أمرهم وزاده ريبة ما كان يبلغه سابقا من حديثهم عنه وائتمارهم به، فترك موضعه بالقرب من الجدار، وقفل راجعا إلى المدينة وحده.

ولما استبطأه أصحابه، قاموا للتفتيش عنه، فرأوا رجلا مقبلا من المدينة المنورة، فأخبرهم أن النبي صلّى الله عليه وسلم هناك، فأسرعوا يلحقون به. فلما ذكر ما رابه من أمر يهود ومن اعتزامهم الغدر به، تنبّهوا الى حركات يهود التي تدل على مؤامرتهم للقضاء على حياة النبي صلّى الله عليه وسلم.

وقد عرف- بعد- أن عمرو بن جحاش هو الذي أراد قتل النبي صلّى الله عليه وسلم بإلقاء حجر الرحى عليه من عليه من فوق سطح الجدار الذي كان النبي صلّى الله عليه وسلم تحته.

واستدعى النبي صلّى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة رضي الله عنه وقال له: (اذهب الى

__________

(1) - هما رجلان من بني كلاب قد كان لهما من رسول الله (ص) أمان، فقتلهما عمرو بن أمية الضمري في طريق عودته من بئر معونة بعد أن قتل المشركون أصحابه كلهم، وهو لا يعرف أمان رسول الله (ص) لهما. فلما قدم على رسول الله (ص) وأخبره بمقتل أصحاب بئر معونة وأخبره بأنه قتل العامريين فقال النبي (ص) : (بئس ما صنعت! قد كان لهما مني أمان وجوار، لأديتهما الى قومهما) . أنظر طبقات ابن سعد 2/ 53.

يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي! لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي. لقد أجّلتكم عشرا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه) ...

لم يجد يهود مناصا من الخروج، فأخذوا يتجهّزون للرحيل، إلا أن منافقي المدينة وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ أرسلوا إليهم: (أن اثبتوا ونحن ننصركم على محمد وصحبه) ...

عند ذاك عادت لليهود ثقتهم بأنفسهم، واستقرّ رأيهم على القتال، وبعثوا للنبي صلّى الله عليه وسلم من يقول له: (لن نخرج، فافعل ما بدا لك) ! ... ثم احتموا بحصونهم ونقلوا الحجارة الى شوارعهم وأقاموا منها متاريس وخنادق للاحتماء وراءها في القتال، وكدّسوا أرزاقا تكفيهم لمدة سنة في حالة حصارهم؛ وكان الماء متيسرا لديهم باستمرار.

تحرّك المسلمون بقيادة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام الى ديار بني النضير، فحاصروهم عشرين ليلة، كانوا أثناءها يحتلون شارعا بعد شارع ودارا بعد دار نتيجة لقتال الشوارع والمدن.

ولما رأى الرسول صلّى الله عليه وسلم إصرار يهود على القتال مستفيدين من حصونهم القوية، أمر أصحابه أن يقطعوا نخل يهود وأن يحرقوه «1» ، حتى لا تبقى يهود حريصة على القتال طمعا في المحافظة على أموالها.

__________

(1) - راجع قانون الحرب والحياة من القانون الدولي. الاحتلال الحربي: دخول قوات الدولة المحاربة إقليم العدو ووضعها هذا الاقليم تحت سيطرتها الفعلية، والدولة بهذا الإجراء تنقل ميدان القتال الى أرض العدو، والعدو يتحمل- نتيجة لهذا الاحتلال- كل أضرار الحرب المادية وما يترتب على قصف القنابل من خسائر أو تستلزمه الاجراءات العسكرية من إتلاف مزارع أو نسف جسور، وهو الذي يتحمل فوق هذا الاضرار المالية الجسيمة التي تترتب على قيام الحرب في إقليمه، فأرضه الداخلة في ميدان القتال يتعطل زرعها، ومبانيه واملاكه وتجارته يتعطل استغلالها، أضف الى كل ذلك ما تملكه الدولة المحاربة من حقوق مالية في الارض المحتلة من بينها حقها في أن تفرض الضرائب فيها وأن تلزم سكانها بدفع الاعانات الجبرية، وان تستولي منهم على ما تحتاج اليه لجيوش الاحتلال.

وجزع يهود وانتظروا عبثا إسراع عبد الله بن أبيّ أو القبائل الأخرى المعادية للمسلمين لنجدتهم، فسألوا محمدا صلّى الله عليه وسلم أن يؤمّنهم على أموالهم ودمائهم وذراريهم، حتى يخرجوا من المدينة المنورة.

وافق الرسول صلّى الله عليه وسلم على مصالحتهم بشرط أن يخرجوا من المدينة، ولكل ثلاثة منهم بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال أو طعام أو شراب ليس لهم غيره؛ فخرج بعضهم إلى (خيبر) «1» وبعضهم الى ضواحي الشام، وتركوا للمسلمين وراءهم مغانم كثيرة من سلاح بلغ خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا، وغلالا عظيمة، كما أصبحت أرضهم للمسلمين.

4- غزوات ذات الرقاع «2» :

أ- قوات الطرفين:

أولا- المسلمون:

أربعمائة راكب وراجل بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا- المشركون:

بنو ثعلبة وبنو محارب من غطفان.

__________

(1) - خيبر: ناحية على ثمانية برد من المدينة المنورة لمن يريد الشام، يطلق هذا الاسم على الولاية، وتشتمل الولاية على سبعة حصون ومزارع ونخل كثير. انظر التفاصيل في معجم البلدان 3/ 495.

(2) - ذات الرقاع: الرقاع اسم شجرة في موضع الغزوة سميت بها، وقيل لأن أقدام الصحابة نقبت من المشي فلفوا عليها الخرق. وقيل بل سميت برقاع كانت بألويتهم. أنظر معجم البلدان 4/ 268.

ب- الهدف:

القضاء على بني ثعلبة وبني محارب المحتشدين لغزو المدينة المنورة أولا، ولأخذ ثأر شهداء المسلمين في بئر معونة «1» ثانيا.

ج- الحوادث:

إتّصل بالنبي صلّى الله عليه وسلم أن جماعة من غطفان بنجد يحتشدون لغزو المدينة المنورة، لذلك خرج بأربعمائة راكب وراجل حتى نزل (نخلا) «2» حيث اجتمع بنو محارب وبنو ثعلبة من غطفان.

وعلى الرغم من ضخامة عدد هؤلاء الأعراب، إلا أن مباغتة النبي صلّى الله عليه وسلم لهم أربكتهم، فتفرقوا تاركين وراءهم نساءهم وأموالهم.

__________

(1) - حديث بئر معونة. يراجع سيرة ابن هشام: قدم المدينة أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله (ص) ، فعرض عليه رسول الله الإسلام ودعاه اليه، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام. وقال: (يا محمد! لو بعثت رجالا من أصحابك الى أهل نجد فدعوهم الى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك) . فقال رسول الله (ص) : (إني أخشى عليهم أهل نجد) . قال أبو براء: (أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس الى أمرك) . بعث الرسول (ص) المنذر بن عمرو في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين.. فساروا حتى نزلوا بئر معونة، فلما نزلوها بعثوا بكتاب رسول الله الى عامر بن الطفيل، فلما أتاه الكتاب لم ينظر في كتابه حتى علا الرجل الذي جاء بالكتاب، فقتله ... ثم استصرخ عليهم بني عامر، فأبوا أن يجيبوه الى ما دعاهم اليه، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه الى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا سيوفهم، ثم قاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد فانهم تركوه وبه رمق. وبئر معونة: بئر بين أرض بني عامر وحرّة بني سليم وكلا البلدين منها قريب، إلا أنها الى حرّة بني سليم أقرب. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 2/ 7 و 8/ 101.

(2) - نخلا. قال ياقوت: منزل من منازل بني ثعلبة من المدينة على مرحلتين. وكان هذا المنزل شجرة بعبدها العرب تسمى (فرات الرقاع) لذلك سميت هذه الغزوة باسم (فرات الرقاع) .

احتمل المسلمون ما استطاعوا من غنائم، وعادوا بها أدراجهم الى المدينة المنورة؛ ولكنهم كانوا في طريق عودتهم حذرين من قيام المشركين بهجوم مضاد عليهم، فتناوبوا الحراسة ليلا وبقوا حذرين نهارا، ولكنّ المشركين لم يقوموا بعمل ما!

وعاد الرسول صلّى الله عليه وسلم بصحابته الى المدينة المنورة بعد غياب خمسة عشر يوما.

5- غزوة بدر الآخرة:

أ- قوات الطرفين:

أولا- المسلمون:

ألف راكب وراجل بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا- المشركون:

أكثر من ألفي رجل من قريش بقيادة أبي سفان بن حرب.

ب- الهدف:

كسر معنويات قريش والتغلّب عليها لإظهار قوة المسلمين للمشركين ويهود.

ج- الحوادث:

خرج الرسول صلّى الله عليه وسلم بعد أن مضى عام كامل على يوم (أحد) مع أصحابه الى موضع (بدر) ليلاقي قريشا هناك، كما وعد أبا سفيان بن حرب بعد غزوة (أحد) ، حين سمعه يقول: (يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر) .

كان العام عام جدب، وكان أبو سفيان بن حرب يودّ لو يؤجل لقاء المسلمين الى عام آخر، فبعث رجلا الى المدينة يقول للمسلمين: (إن قريشا جمعت جيشا لا قبل لجيش في العرب بمواجهته لتحاربهم به حتى تقضي عليهم قضاء لا يعد ما تمّ ب (أحد) الى جانبه شيئا) . لكن الرسول صلّى الله عليه وسلم لم يكترث بهذا الوعيد وأصرّ على الخروج.

وصل المسلمون (بدرا) وانتظروا قريشا هناك، ولكنّ المشركين الذين خرج بهم أبو سفيان من مكة تردّدوا بين الإقدام والإحجام، فآثروا السلامة وعادوا أدراجهم الى مكة بعد أن قطعوا مسيرة مرحلتين منها.

وعاد المسلمون الى المدينة بعد أن طال انتظارهم للمشركين ثمانية أيام ب (بدر) ، وقد محت غزوة بدر الآخرة كل أثر سيء لمعركة (أحد) داخل المدينة المنورة وخارجها على حد سواء.

6- غزوة دومة الجندل «1» :

أ- قوات الطرفين:

أولا- المسلمون:

ألف راكب وراجل بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا- المشركون:

القبائل البدوية التي تقطن منطقة (دومة الجندل) .

ب- الهدف:

منع القبائل القاطنة منطقة (دومة الجندل) من قطع الطرق ونهب القوافل والقضاء على حشودها لمهاجمة المدينة المنورة.

ج- الحوادث:

خرج النبي صلّى الله عليه وسلم بألف من المسلمين، يكمن بهم نهارا ويسير ليلا، حتى يباغت قبائل (دومة الجندل) في وقت لا يتوقعونه.

__________

(1) - دومة الجندل: خصن على سبع مراحل من دمشق تقع بين دمشق والمدينة المنورة، فيها حصن مبني بالجندل لذلك سميت بدومة الجندل، وهي حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طيء. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 4/ 106.

تقع دومة الجندل على الحدود بين الحجاز والشام، وقد قطع المسلمون المسافة بين المدينة وبينها بخمس عشرة مرحلة، فلما وصلها الرسول صلّى الله عليه وسلم فرّت القبائل المحتشدة فيها خوفا من لقاء المسلمين، كما فرّ أهل (دومة الجندل) فلم يجد المسلمون أحدا منهم، فأرسلوا دوريات قتال واستطلاع للحصول على (التّماس) «1» بالمشركين وللحصول على المعلومات عنهم، حتى يقوم المسلمون بمطاردتهم، ولكن ذهبت جهود هذه الدوريات أدراج الرياح، لأن القبائل وأهل (دومة الجندل) فروا بعيدا واختفوا عن الأنظار.

وعاد المسلمون الى المدينة المنورة بعد أن أقاموا في (دومة الجندل) بضعة أيام.

7- غزوة بني المصطلق:

أ- قوات الطرفين:

أولا- المسلمون:

قواتهم تقدّر بألف مسلم بين راكب وراجل معهم ثلاثون فرسا بقيادة النبي صلّى الله عليه وسلم.

ثانيا- المشركون:

بنو المصطلق من خزاعة، وهم من حلفاء بني مدلج بقيادة الحارث بن أبي ضرار الخزاعي.

ب- الهدف:

القضاء على حشود بني المصطلق قبل تعرضهم بالمدينة المنورة.

__________

(1) - التماس: اصطلاح عسكري حديث أمعناه: لقاء العدو وقتاله.

ج- الحوادث:

بلغ النبي صلّى الله عليه وسلم أن بني المصطلق وهم فرع من خزاعة يحشدون جموعهم في منطقة (المريسيع) «1» قرب مكة للهجوم على المدينة وقتل النبي صلّى الله عليه وسلم، لذلك أسرع النبي صلّى الله عليه وسلم بالخروج ليأخذهم على غرّة.

جعل لواء المهاجرين لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولواء الأنصار لسعد ابن عبادة رضي الله عنه، ونزل المسلمون على ماء قريب من بني (المصطلق) يقال له: (المريسيع) ، ثم أحاطوا ببني (المصطلق) ، ففرّ من جاء لنصرتهم من القبائل الموالية لهم وقتل من بني المصطلق عشرة ومن المسلمين رجل واحد ... ثم استسلم بنو المصطلق، فأخذوا أسرى.

وكان لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجيش أجير يقود فرسه، فازدحم بعد انتهاء المعركة مع أحد رجال الخزرج على الماء، فاقتتلا ...

فصاح الخزرجي: يا معشر الأنصار! ...

ونادى أجير عمر: يا معشر المهاجرين!

وسمع عبد الله بن أبي النداء، وكان قد خرج على رأس المنافقين مع المسلمين في هذه الغزوة متظاهرا بالإسلام، فانتهزها فرصة ليشعلها فتنة عمياء بين المهاجرين والأنصار.

ولما علم النبي صلّى الله عليه وسلم بالحادث، قرّر الرحيل فورا قبل أن يستفحل الأمر.

وانطلق بالناس طيلة يومهم حتى أمسوا، وطيلة ليلتهم حتى أصبحوا، وصدر يومهم الثاني حتى آذتهم الشمس، فلما نزل الناس لم يلبثوا حين مسّت جنوبهم الأرض أن ناموا من فرط تعبهم.

__________

(1) - المريسيع: اسم ماء في ناحية قديد. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 8/ 41، بين المريسيع وبين الفرع نحو يوم وبين الفرع والمدينة المنورة نحو ثمانية برد. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 63.

وأنسى التعب المسلمين فتنة ابن أبي، وعادوا الى المدينة المنورة ومعهم الأسرى «1» والغنائم.

وظن المسلمون أن النبي صلّى الله عليه وسلم سيعاقب عبد الله بن أبي، الذي قال يومها:

(لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) ، فجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي يطلب من النبي صلّى الله عليه وسلم أن يتولى هو قتل أبيه! ...

ولكنّ النبي صلّى الله عليه وسلم عفا عنه قائلا لولده المؤمن الصادق الأمين: (إنا لا نقتله، بل نترفّق به ونحسن صحبته ما بقي معنا) .

لقد غاب رسول الله صلّى الله عليه وسلم في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال شهر رمضان المبارك.

,

دروس من غزوات التطهير

1- المسير الليلي:

تحرك الرسول صلّى الله عليه وسلم ليلا «2» في أكثر هذه الغزوات، حتى يحول دون انكشاف نياته واتجاه حركة قواته، فيأمن بذلك مباغتة أعدائه مباغتة تامة بالمكان والزمان.

لقد كانت القبائل التي غزاها النبي صلّى الله عليه وسلم قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء.

__________

(1) - منهم من منّ عليه رسول الله (ص) بغير فداء ومنهم من افتدى، فافتديت المرأة والذرية بست فرائض، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت الى قومها. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 64.

(2) - المسير ليلا: هو السّرى.

ولكنّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النبي صلّى الله عليه وسلم بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويلقي الرعب في نفوسها ونفوس القبائل الأخرى التي سمعت بانتصار المسلمين.

إن الضربة الأولى، لها أثر حاسم على نفسية الأعراب، فإذا أمكن التغلب عليهم في المعركة الأولى تشتت شملهم، وإلا فما أصعب القضاء عليهم! ...

لقد عرف الرسول صلّى الله عليه وسلم نفسية القبائل هذه، فحاول القضاء على معنوياتها بضربة مباغتة بالمسير الليلي الذي أدى الى تطبيق مبدأ: المباغتة، أهم مبادىء الحرب على الاطلاق.

2- الهجوم فجرا:

استطاعت سرية أبي سلمة القيام بهجوم فجري على بني (أسد) ، فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار.

إن الهجوم فجرأ يؤمّن المباغتة، لأن العدو يكون بين نائم لا يفيد في القتال أو مستيقظ غير متهيىء له، وهؤلاء جميعا غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب.

ولكنّ الهجوم فجرا يحتاج الى قوة مدرّبة تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك الى خسائر في الأرواح دون مبرر، مما يدل على تدريب المسلمين تدريبا متميزا على فنون القتال.

كما يحتاج الهجوم فجرا الى قيادة مسيطرة والى ضبط شديد لتنفيذ الأوامر.

إن نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم الى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهم عناصر الجيش القوي الرصين.

3- قتال المدن والشوارع:

نقل بنو (النضير) الحجارة الى الشوارع، وجعلوا منها متاريس للقتال وراءها، كما دافعوا عن الشوارع والدور دفاعا مستميتا.

وقام المسلمون بتطهير الشوارع والدور والانتقال من شارع الى آخر ومن دار الى أخرى، حتى ضيّقوا الحصار على يهود، وأجبروهم على الاستسلام.

إن قتال المدن والشوارع سهل على المدافع، لأنه يعرف الطرقات ومداخل البيوت ومخارجها، كما أن الشوارع والدور تقدم حماية للمدافعين، لذلك فإن مهمة قتال المدن والشوارع ليست سهلة على المهاجم وتحتاج الى قيادة مسيطرة وضبط متين وتدريب جيد.

إن نجاح المسلمين في قتال المدن والشوارع ضد يهود، يدل بوضوح على أن مستوى قيادتهم وضبطهم وتدريبهم كان رفيعا جدا.

4- الابداع «1» :

الإبداع هنا، معناه: سرعة الخاطر في إعطاء القرار الجازم الصحيح في المواقف الحرجة، مع تحمّل مسؤولية ذلك القرار مهما تكن النتائج.

وقد كان عمل عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان الهذلي الذي حشد بني لحيان لمهاجمة المدينة إبداعا متميزا أدى الى تشتيت قبيلته، وبذلك قام

__________

(1) - الإبداع: سبق العدو بالعمل لإرغامه على تبديل الخطة التي اتخذها وإرغامه للانقياد الى رغائبك.

عبد الله بن أنيس وحده مقام قوة كبيرة كان عليها أن تتحرك لمهاجمة بني لحيان، فتبذل جهودا ووقتا ومالا في معركة غير معروفة النتائج.

وكان عمل النبي صلّى الله عليه وسلم في تحريكه قواته بعد غزوة بني (المصطلق) عندما علم بمحاولة عبد الله بن أبي إثارة الفتنة بين المهاجرين والأنصار، واستمرار المسير الشاق لمدة ثلاثين ساعة ... كان عمل الرسول صلّى الله عليه وسلم هذا إبداعا متميزا، إذ لولا مسارعته الى الحركة بقواته حتى أنهكها التعب لما استبعدنا بتاتا نجاح عبد الله بن أبي في فتنته.

إن مزية الإبداع من أعظم مزايا القائد القدير.

5- المعنويات:

حاول المشركون والمنافقون أن ينالوا بدعاياتهم الضارة من معنويات المسلمين بعد أن عجزوا عن أن ينالوا منهم في ساحات القتال.

لقد حاول المشركون أن يؤثروا في معنويات المسلمين، كي لا يطمئنوا الى إرسال دعاتهم خارج المدينة المنورة، وبذلك يجعلون الدعوة تنحصر في محيط ضيّق لا يتسع لآمالها القريبة والبعيدة.

غدر بنو عضل والقارة بمعاونة هذيل بستة من الدعاة في (الرجيع) «1» ، وكان بنو عضل والقارة هم الذين طلبوا من الرسول صلّى الله عليه وسلم إرسال قسم من

__________

(1) - الرجيع: ماء لهذيل قرب الهدأة بين مكة والطائف. أنظر التفاصيل في معجم البلدان 4/ 228.

دعاته إليهم ليعلموهم الإسلام «1» .

وغدر عامر بن الطفيل من بني عامر مع قسم من الأعراب بأربعين داعيا من دعاة الإسلام في (بئر معونة) بنجد وقضى عليهم إلا رجلا واحدا عاد الى المدينة المنورة يحمل أخبار الشهداء.

فهل أثرت هذه الخسائر في معنويات المسلمين وفي ما هم عليه من صبر وإيمان؟

__________

(1) - قدم على رسول الله (ص) رهط من عضل والقارة وهم الى الهون من خزيمة فقالوا: (يا رسول الله، إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام) . فبعث معهم عشرة رهط وأمّر عليهم عاصم بن ثابت وقيل: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع غدر المشركون بالمسلمين واستصرخوا عليهم هذيلا، فأخذ أصحاب رسول الله (ص) سيوفهم فقالوا لهم: (إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمنا من أهل مكة، ولكم العهد والميثاق ألا نقتلكم) !! أما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد بن أبي البكير فقالوا: (والله لا نقبل من مشرك عهدا ولا عقدا أبدا) ، فقاتلوهم حتى قتلوا. وأما زيد بن الدئنة وخبيب ابن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا بأيديهم. وخرج المشركون بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القيد وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبره بمر الظهران. وقدموا بخبيب وزيد مكة. أما زيد فابتاعه صفوان بن أمية فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه. قالت قريش عند قتل زيد: (يا زيد، أنشدك الله، أتحب أنك الآن في أهلك وأن محمدا عندنا مكانك نضرب عنقه) ؟ فقال: (لا والله لا أحب أن محمدا يشاك في مكانه بشوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي) ، فقال أبو سفيان: (والله ما رأيت من قوم قط أشد حبا لصاحبهم من أصحاب محمد له) . أنظر طبقات ابن سعد 2/ 5- 56، وسيرة ابن هشام 3/ 160.

إن استشهاد الدّعاة لم يؤثر في معنويات المسلمين، لأنهم استمرّوا على إرسال دعاتهم وخرجوا لأخذ ثارات هؤلاء الدعاة، حتى لا يعود المشركون الى الغدر بالمسلمين مرة أخرى.

وحاول المنافقون التأثير في معنويات المسلمين بأسلوب آخر، هو أسلوب اختلاق الأخبار الكاذبة، فاختلقوا حديث الإفك بعد غزوة بني المصطلق.

ولم يؤثر هذا الأسلوب أيضا في معنويات المسلمين؛ فلم يبق أمام المشركين ويهود والمنافقين إلا أن يحشدوا كل قواتهم في صعيد واحد لمحاولة القضاء على المسلمين ماديا ومعنويا، كما سنرى ذلك في غزوة الخندق.

هازم الاحزاب

(إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً) .

(القرآن الكريم)

,

الموقف العام

1- المسلمون:

نجح المسلمون في إعادة النظام الى صفوفهم بعد (أحد) ، وتخلصوا من يهود بني النضير، وبذلك قوي مركزهم في المدينة قاعدتهم الأمينة، كما أثّروا على معنويات قريش كل القبائل التي كانت تطمع في مهاجمة المدينة.

لقد استعادوا في هذه الفترة سمعتهم، وأصبح سلطانهم مهيبا في المدينة المنورة وخارجها على حد سواء.

2- المشركون ويهود:

لم تستطع قريش لقاء المسلمين في (بدر) الصغرى، لأنها قدّرت أن قوة المسلمين أكبر من أن تستطيع القضاء عليها وحدها.

كما لم تستطع القبائل أن تهاجم المدينة تنفيذا لمطامعها، إذ هاجمها المسلمون على انفراد في عقر دارها وتغلبوا عليها بالتعاقب.

وكان يهود أضعف من أن يفكروا في التعرض وحدهم بالمسلمين، ولكنهم كانوا يترقبون الفرص.

وكان لا بدّ من تجمّع قوى قريش والقبائل الاخرى ويهود في صعيد واحد للقضاء على المسلمين، إذ أصبح المسلمون بدرجة من القوة يصعب معها القضاء عليهم بدون تحشد أعداؤهم كل قواهم المادية والمعنوية كافة؛ وفعلا قام الموتورون من يهود بني النضير بمهمة تجميع قوات المشركين ويهود حول المدينة، ونجحوا في

حشد أكبر قوة معادية للمسلمين متفوقة عليهم فواقا ساحقا للقضاء على الدين الجديد ...

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

الدفاع عن الإسلام.

2- المشركون واليهود:

القضاء على المسلمين وانتهاب أموالهم وذراريهم.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

إستطاع المسلمون الثبات أمام الأحزاب ويهود في ظروف قاسية جدا ضد قوات متفوقة عليهم فواقا ساحقا، فثبتوا تجاه الخطر الداهم الذي هدّدهم من خارج المدينة ومن داخلها.

وهذا الصمود والثبات جعل معنويات المسلمين في وضع متميز لم يسبق له مثيل من قبل.

لقد تخلّصوا من الأحزاب، وبقي أمامهم بنو (قريظة) جيرانهم في المدينة الذين لم يرعوا للجار حقا ولم يحافظوا على العهد، وخانوا المسلمين في أخطر أوقات محنتهم، فلا بدّ من تصفية الحساب معهم.

2- المشركون:

انسحب الأحزاب وقريش الى ديارهم يحملون معهم كلّ معاني الإخفاق، فلم تستطع قريش القضاء على المسلمين، ولم تستطع القبائل الأخرى نهب أموال المسلمين، ولم يعودوا بأية فائدة يمكن أن تخفف عنهم ما بذلوه من جهد في السفر والحصار أيام الشتاء، ومن مال صرفوه لتزويد قواتهم بالمواد الادارية والأرزاق قبل المعركة وأثناءها وبعدها.

لقد أثّر ذلك في معنويات المشركين ويهود، وجعلهم يخافون المسلمين كل الخوف، ويخشونهم كل الخشية.

3- يهود:

بقي يهود من بني قريظة وحدهم أمام المسلمين بعد انسحاب الأحزاب، وبقيت معهم غدرتهم الشنيعة التي فضحت طواياهم، فأصبحوا كالمجرم الذي ثبتت إدانته فهو يرقب القصاص العادل.

لقد كانت معنوياتهم منحطة للغاية، إذ كانوا يتوقّعون هجوم المسلمين عليهم ويعرفون نتيجة هذا الهجوم.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

ازداد عدد المسلمين في المدينة المنورة وازدادوا قوة وتماسكا، ولكنّ حالتهم الاقتصادية كانت متردية، لأن أكثر المهاجرين فرّوا بأنفسهم وعقيدتهم من مكة المكرمة، وتركوا أموالهم هناك، ولأن الأنصار شاركوا المهاجرين في أرزاقهم القليلة، فلا عجب إذا رأينا المسلمين يفكرون جدّيا في استخلاص أموالهم من قريش.

2- المشركون ويهود:

أصبح للمشركين ثأر عند المسلمين في قتل عمرو بن الحضرمي، فلا بدّ من الأخذ بهذا الثأر حتى تعود لقريش وحلفائها كرامتهم وهيبتهم عند العرب.

كما أن الطريق التجارية الحيوية بين الشام ومكة أصبحت تحت رحمة المسلمين وحلفائهم، ومعنى ذلك موت تجارة قريش وتردّي مركزها الاقتصادي؛ كما أن انتشار نفوذ المسلمين وازدياد قوتهم يوما بعد يوم، لا يتفق مع احتكار قريش للسيادة على العرب.

تلك هي العوامل المهمة التي جعلت قريشا تفكر جديا في انتهاز اول فرصة للقضاء على الدين الجديد، وكان يهود في المدينة يثيرون الحرب الباردة ضد المسلمين ويحاولون خلق المشاكل لهم ويقومون بواجب (الرتل الخامس) لقريش على المسلمين، ويحرضون أعداء المسلمين على المسلمين.

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

أ- الاستيلاء على القافلة «2» التجارية لقريش بقيادة أبي سفيان بن حرب، التي كان يحميها حرس بين ثلاثين الى أربعين رجلا.

__________

(1) - كان المهاجرون أربعة وسبعين رجلا وسائرهم من الأنصار. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 12 مع اختلاف في عددهم في المصادر الأخرى. أنظر جوامع السيرة لابن حزم ص 114- 146، وسيرة ابن هشام 2/ 324- 354.

(2) - راجع قانون الحرب والحياد من القانون الدولي. وسائل العنف الموجهة ضد الأموال: يبيح قانون الحرب للدولة المحاربة الالتجاء الى أنواع معينة من وسائل العنف ضد الأموال، فهو يحيز لها في حدود معينة إتلاف أموال الأعداء ومصادرتها ... الخ.

ب- البقاء في (بدر) بعد إفلات القافلة حتى يتسامع المشركون بقوة المسلمين فيها بوهم ويتركوا لهم حرية نشر الدعوة لدينهم.

2- المشركون:

أ- حماية القافلة التجارية القادمة من الشام.

ب- عند إفلات القافلة تضاربت الآراء في قتال المسلمين أو العودة، فتغلّب رأي القائلين بالقتال، للأخذ بثأر عمرو بن الحضرمي، وللقضاء على قوات المسلمين، ولتعرف العرب قوة قريش وسطوتها، ولتضع حدا لتهديد المسلمين طريق الشام- مكة التجارية.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

كان المسلمون قبل (بدر) يخشون مواطنيهم غير المسلمين من أهل المدينة المنورة، فلا تبلغ بهم الجرأة الى حد أخذ الحق ممن يعتدي على مسلم منهم؛ فلما عادوا من (بدر) منتصرين انقلب الموقف تماما، فأصبح سلطانهم مهيبا في المدينة المنورة وما حولها.

لقد قضوا على أكثر أعدائهم (كأفراد) كأبي عفك اليهودي «1» الذي كان يهجو المسلمين ويحرّض قومه على الخروج عليهم، وكعصماء بنت مروان «2» التي كانت تعيب الاسلام وتؤذي النبي صلّى الله عليه وسلم وتحرّض عليه، وكعب بن الأشرف «3» الذي قال حين علم بمقتل سادات مكة: (هؤلاء أشراف العرب وملوك الناس.

والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها) ، وهو الذي

__________

(1) - قتله سالم بن عمير العمري في شوال على رأس عشرين شهرا من مهاجرة رسول الله (ص) . أنظر طبقات ابن سعد 2/ 28.

(2) - قتلها عمير بن عديّ بن خرشة الخطمي لخمس ليال بقين من رمضان على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجرة رسول الله (ص) ، فلما علم النبي (ص) بقتلها قال: (لا ينتطح فيها عنزان) . أنظر طبقات أبي سعد 2/ 27.

(3) - قتله محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عبّاد بن بشر وأبو نائلة سلكان بن سلامة والحارث بن أوس بن معاذ وأبو عيسى بن جبر. أنظر طبقات ابن سعد 2/ 32.

قصد مكة لما تيقّن الخبر يحرّض على رسول الله صلّى الله عليه وسلم وينشد الأشعار ويبكي أصحاب (القليب) «1» ، فلما رجع الى المدينة المنورة جعل يشبّب بنساء المسلمين.

وسترى كيف قضى المسلمون على أعدائهم (كجماعات) ...

2- المشركون ويهود:

أ- عزمت قريش على أخذ ثأرها من المسلمين مهما يكلفها الأمر من جهود وخسائر في الأنفس والمال، وفي سبيل ذلك أخذت تستعد لليوم الموعود.

ب- عقدت أكثر القبائل التي على طريق مكة- الشام التجارية التي تتاخم الساحل معاهدات مع المسلمين، فسيطر المسلمون على هذه الطريق، فلا يمرّ أحد منها إلا بإذنهم.

ومع ذلك فقد بدأ قسم من القبائل العربية التي تسيطر على طريق الشام- مكة، والقاطنة بين مكة والمدينة ترى ما يهدّد مصيرها في قوّة المسلمين خاصة وأنها حرمت من فوائد اقتصادية كانت تجنيها من مرور تجارة قريش في رحلة الصيف الى الشام، فأخذت تفكّر في التعرّض للمسلمين.

ج- أما مشركو المدينة فقد أعلن أكثرهم إسلامهم، وبقي بين صفوفهم قسم من المنافقين.

د- ولكنّ يهود المدينة ازدادوا حقدا على المسلمين، وأخذ قسم منهم يجاهرون بعدائهم لهم وينقل أخبارهم للمشركين ويؤوي أعداءهم ويدلهم على عورات المسلمين.

لذلك فقد أصبح بقاؤهم داخل المدينة خطرا محدقا بالمسلمين ...

__________

(1) - هم قتلى المشركين في (بدر) والذين دفنوا في القليب.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

سيطر المسلمون بعد فتح مكة وإخضاع هوازن وثقيف على شبه جزيرة العرب كلها حتى حدود الشام والعراق، وأصبح المسلمون مسئولين عن إدارة هذه البلاد وتنظيم حياتها العسكرية والاجتماعية، ولم تبق في البلاد العربية كلها قوة تجرؤ على مناهضة المسلمين وإعلانهم بالعداء.

ولكن الإسلام ليس دين العرب وحدهم، بل هو للناس كافة، فلابد من تأمين حرية نشر تعاليمه بين العرب وغيرهم.

وإذا كان الإسلام قد انتشر في شبه الجزيرة العربية، فقد آن الأوان لنشره خارجها، بعد أن أصبح المسلمون بدرجة من القوة والتنظيم تساعدهم على حماية حرية انتشاره بين الناس كافة.

2- المنافقون:

استمر المنافقون في المدينة على الرغم من قلتهم وتظاهرهم بالإسلام على تثبيط الهمم ونشر الروح الانهزامية وخلق الفتن والمشاكل للمسلمين، ولكنهم لم يكونوا بدرجة من الأهمية والقوة بحيث يحسب لهم المسلمون أيّ حساب.

وقد أصبحوا على مرّ الزمن معروفين لأهل المدينة لا تخفى أعمالهم على أحد.

وكان باستطاعة النبي صلّى الله عليه وسلم تطهير المدينة منهم، لولا رغبته في أن يثوبوا الى رشدهم، ولو بعد حين.

__________

(1) - تبوك: موضع بين وادي القرى والشام، وهو حصن به عين ونخل. انظر التفاصيل في معجم البلدان 2/ 365.

3- المشركون:

لم يبق للمشركين في شبه الجزيرة العربية أية قيمة عسكرية، خاصة بعد إسلام قريش زعيمة القبائل العربية وعميدة المشركين، فقد انتشر الإسلام في القبائل العربية انتشارا ساحقا، وأصبح إسلام المتخلفين من المشركين أمرا لا شك فيه.

وفعلا بدأت وفود المشركين تتسابق الى المدينة لإعلان إسلامها، وأخذ العرب يدخلون في دين الله أفواجا.

لقد أصبح خطر المشركين على المسلمين لا قيمة له من الناحية العسكرية.

4- الروم:

كانت أحوال امبراطورية الروم مضطربة خاصة في بلاد الشام، فقد كثر تذمّر الناس من ظلم حكام الروم وإرهاقهم بالضرائب، لذلك أقبل كثير من القبائل العربية الخاضعة لحكم الروم على اعتناق الإسلام.

أسلم فروة بن عمرو الجذامي قائد إحدى فرق الروم العسكرية التي قاتلت المسلمين في غزوة (مؤتة) ، فقبض عليه بأمر من هرقل بتهمة الخيانة؛ وكان هرقل على استعداد للإفراج عنه اذا هو عاد الى المسيحية، ولكن فروة أصرّ على إسلامه، فقتل.

إنّ انتشار الإسلام بين نصارى العرب أقضّ مضاجع الروم، وجعلهم يفكرون في القضاء على الدين الجديد قبل أن يستفحل أمره، فقاموا بحشد قواتهم على حدود الشام الجنوبية استعدادا لمهاجمة المسلمين، واستخدموا الأنباط الذين كانوا يتاجرون مع المدينة لنقل المعلومات اليهم عن المسلمين، تلك المعلومات التي أكدت لهم تزايد قوة المسلمين ماديا ومعنويا، بحيث أصبحت تلك القوة خطرا داهما يهدد الروم في بلاد الشام خاصة.

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

حماية حرية نشر الإسلام في بلاد الشام، إذ هي المنفذ المهم لنشره خارج شبه الجزيرة العربية، كما أنها المتنفس الحيوي للتجارة العربية.

2- الروم:

القضاء على منافسة المسلمين في سلطانهم على العرب الخاضعين للروم، وتحديد انتشار الدعوة الإسلامية في بلاد الشام، وضرب الدين الجديد في عقر داره.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

كان لفتح مكة أكبر الأثر في توحيد شبه الجزيرة العربية كلها تحت لواء الاسلام، كما كان له أثر معنوي عميق في المسلمين والمشركين على حد سواء، فأصبحت شبه الجزيرة العربية قوة موحّدة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد، تعمل بقيادة واحدة، ولم يبق على الشرك إلا قسم من القبائل كقبيلتي هوازن وثقيف، ومن الواضح أن قضية إسلام هذه القبائل أصبحت قضية وقت ليس إلا، لانهيار أكبر حصن للشرك: مكة، ولانهيار أكبر عدو للإسلام: قريش!

2- المشركون:

سمعت هوازن وثقيف وقسم من القبائل الأخرى بفتح مكة، فقررت أن تقوم بغزو المسلمين قبل أن يقوم المسلمون بغزوهم، وأخذت تحشد قواتها في منطقة الطائف.

ولكن انتشار الاسلام في هوازن وثقيف، جعل الكثيرين من رجال تلك القبيلتين يتخلّفون عن هذا الحشد، إذ تخلّفت كعب وكلاب وأشجع كما تخلفت قبائل أخرى، ورجال من ذوي العقول.

__________

(1) - حنين: هو واد قبل الطائف بينه وبين مكة ثلاث ليال. انظر معجم البلدان 3/ 354.

(2) - الطائف: بلد ثقيف ذات مزارع وأعناب ونخل وموز وسائر الفواكه، وبها مياه جارية. انظر التفاصيل في معجم البلدان 6/ 10.

كان التردد ظاهرا على القبائل المحتشدة، وكان الاختلاف واضحا بينها، ولم تكن معنوياتها عالية على كل حال.

,

أهداف الطرفين

1- المسلمون:

ضرب القبائل المحتشدة من ثقيف وهوازن قبل أن يستفحل أمرها وتهدّد مكة نفسها ومن فيها من المسلمين.

2- المشركون:

القضاء على قوات المسلمين وأخذ المبادأة منهم.

,

الموقف العام

1- المسلمون:

أتاحت هدنة الحديبيّة للمسلمين القضاء على يهود عسكريا في المدينة وخارجها، كما أتاحت لهم السيطرة على القبائل في شمال المدينة حتى حدود العراق والشام وفي جنوب المدينة أيضا، وانتشر الاسلام بين القبائل العربية كلها، فأصبح المسلمون قوة لا تدانيها أية قوة في بلاد العرب.

ولم يبق أمام المسلمين إلا فتح مكة، تلك المدينة المقدّسة التي انتشر الاسلام فيها أيضا، وما أسهل فتحها على المسلمين لولا عهد الحديبية الذي يحرص على الوفاء به الرسول صلّى الله عليه وسلم.

2- المشركون:

أدى انتشار الاسلام بين قسم كبير من القبائل ومن ضمنها قريش وبقاء القسم الآخر على الشرك الى تفرّق كلمتها واستحالة جمع تلك الكلمة على حرب المسلمين.

ولم يبق في قريش زعيم مسيطر يستطيع توجيهها الى ما يريد حين يريد:

المسلمون فيها لا يخضعون إلا لأوامر الإسلام، والمشركون فيها بين متطرّف يدعو للحرب مهما تكن نتائجها، ومعتدل يعتبر الحرب كارثة تحيق بقريش.

أراد بنو بكر حلفاء قريش أن يأخذوا بثاراتهم القديمة من بني خزاعة حلفاء المسلمين، وحرّضهم على ذلك متطرفو قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل وقسم من سادات قريش، وأمدّوهم سرا بالرجال والسلاح؛ فقامت بنو بكر بهجوم مباغت على بني خزاعة، فأوقعوا فيهم بعض الخسائر في الأرواح

والأموال! ولما التجأت خزاعة الى البيت الحرام، طاردتهم بنو بكر مصممة على القضاء عليهم غير مكترثة بعهد الحديبية.

وانتهت الهدنة بين قريش وحلفائها من جهة، وبين المسلمين وحلفائهم من جهة أخرى، وكان السبب في انتهائها قريش وبنو بكر.



كلمات دليلية: