غزوة بدر الكبرى_16970

غزوة بدر الكبرى


(5) غزوة بدر الكبرى

(فبدر الكبرى) عقب بدر الأولى، وبدر: بئر سميت باسم رجل من غفار حفرها هناك، وكانت صبيحة يوم الجمعة لسبعة عشر من رمضان، في السنة الثّانية من الهجرة، خرج

واعتقبوا في ذلك المسير ... كلّ ثلاثة على بعير

صلى الله عليه وسلم (لعير) أبي سفيان (صخر) بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف، والعير: الإبل تحمل الطعام (آئبة) أي: حال كونها راجعة (من شأمها بالكثر) فإنّ عدد العير ألف بعير، وعدد الدنانير خمسون ألفا، وخرج معه صلى الله عليه وسلم، ثلاث مئة وبضعة عشر رجلا من الأصحاب، أربعة وستون من المهاجرين، وسائر الجيش من الأنصار، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وكان أبيض، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس، واستعمل على المدينة أبا لبابة لما ردّه من الروحاء.

وقال صلى الله عليه وسلم لما ندب الناس إلى العير:

«هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلّ الله ينفّلكموها» وبعث صلى الله عليه وسلم سعيد بن زيد، وطلحة بن عبيد الله يتجسّسان خبر العير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

قلّة الظّهر والسلاح عند المسلمين:

(واعتقبوا) أي: ركبوا نوبة: هذا مرة، والآخر مرة، والعقبة: بوزن علبة: النوبة (في ذلك المسير) إلى قتال المشركين، على الكيفية التي أشار لها بقوله: (كلّ ثلاثة على بعير) وكان معهم سبعون بعيرا.

قال في «شرح المواهب» : (فكان صلى الله عليه

ولم يكونوا أوعبوا للحرب ... إذ ما غزوا لغير نهب الرّكب

وسلم، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة- ويقال:

مرثد بن أبي مرثد الغنوي- يعتقبون بعيرا.

وقد روى الحارث بن أبي أسامة، وابن سعد عن ابن مسعود قال: كنّا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة وعليّ زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عقبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. قالا: اركب ونحن نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما» وعليه: فجملة الذين يعتقبون مئتان وعشرة، فيحتمل أنّ الباقين لم يركبوا، أو أنّ الثلاثة تركب مرة ثمّ يدفعونه- أي: البعير- إلى غيرهم؛ ليركبوه مرة أخرى، وركوب أبي لبابة معهم كان قبل ردّه من الروحاء، وبعده أعقب مرثدا، كما عند ابن إسحاق، أو زيدا كما عند غيره) .

(ولم يكونوا) أي: الصحابة (أوعبوا للحرب) أي: لم يخرجوا جميعهم له؛ لعدم علمهم به، ولو علموا ذلك..

لأوعبوا، لكن مجرد الغنيمة، كما قال: (إذ ما غزوا لغير نهب الركب) الذي مع أبي سفيان وهو العير، قال تعالى:

وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني: أنّه صلى الله عليه وسلم لمّا أمرهم بالخروج إلى العير وأمر من كان ظهره حاضرا بالنهوض.. أجاب ناس، وثقل آخرون؛ لظنهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد حربا.

قال في «الإمتاع» : (فخرج معه المهاجرون، وخرجت

وليس عندهم من السّيوف ... غير ثمان للعدا حتوف

الأنصار، ولم يكن غزا بأحد منهم قبل ذلك، فنزل بالبقع على ميل من المدينة، والتقيا على أربع مراحل من المدينة، وهي بيوت السّقيا، يوم الأحد لثنتي عشرة خلت من رمضان، فضرب عسكره هناك، وعرض المقاتلة، فردّ عبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، ورافع بن خديج، والبراء بن عازب، وأسيد بن حضير، وزيد بن أرقم، وزيد بن ثابت، ولم يجزهم.

وعرض عمير بن أبي وقاص فاستصغره، فقال: «ارجع» فبكى، فأجازه، فقتل ببدر وهو ابن ستّ عشرة سنة، وأمر صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يستقوا من بئر السّقيا، وشرب من مائها، وصلّى عند بيوت السقيا، ودعا يومئذ لأهل المدينة فقال: «اللهمّ، إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيك دعاك لأهل مكة، وإنّي محمّد عبدك ونبيك؛ أدعوك لأهل المدينة:

أن تبارك لهم في صاعهم، ومدّهم، وثمارهم، اللهمّ؛ وحبّب إلينا المدينة، واجعل ما بها من الوباء بخمّ، اللهمّ؛ إنّي حرّمت ما بين لابتيها كما حرّم إبراهيم خليلك مكة» وهم على ثلاثة أميال بالجحفة بين الحرمين الشريفين) .

(وليس عندهم) أي: الصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين (من السيوف غير ثمان) ولكنها هي المهلكة، كما قال: (للعدا حتوف) بالجر صفة لثمان؛ أي: ثمان، كثيرة الإهلاك للأعداء.

ولا من الخيل سوى اثنتين ... وقد كفتهم أهبة التّمكين

واستنفر النّفير صخر لهم ... وجاء خير مرسل ألبهم

(ولا من الخيل) عندهم (سوى اثنتين) :

إحداهما: للمقداد بن عمرو، ويقال لها: (سبحة) بفتح السين المهملة، وإسكان الموحدة، وبالحاء المهملة، ثمّ تاء التأنيث.

والأخرى: لمرثد بن أبي مرثد، ويقال لها:

(السّبل) .

وأمّا خيل النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. فإنّما كانت بعد ذلك (و) مع هذه القلة ف (قد كفتهم أهبة) بضم الهمزة وإسكان الهاء، وهو مضاف إلى (التمكين) أي: كفاهم الله تعالى التمكين والمنزلة عنده تعالى، عن الإعداد بالعدد والسلاح.

,

استنفار أبي سفيان قريشا لإنقاذ العير:

(واستنفر) أي: استفزّ (النفير) بالنصب: معمول ل (استنفر) ؛ أي: الجيش، وفاعله (صخر) أبو سفيان بن حرب (لهم) أي: النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ أي: لحربه (وجاء خير مرسل) بالنصب معمول لجاء، وفاعله (ألبهم) بفتح الهمزة وكسرها: تجمّعهم للحرب، يقال: هم عليه ألب واحد، قال سيدنا حسان رضي الله عنه:

والناس ألب علينا فيك ليس لنا ... إلّا السّيوف وأطراف القنا وزر

وحاصل ما أشار له الناظم: أنّ أبا سفيان لمّا بلغه من بعض الركبان: أنّه صلى الله عليه وسلم استنفر أصحابه للعير.. خاف خوفا شديدا، فاستنفر النفير- أي: القوم النافرين للحرب- واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري بعشرين مثقالا؛ ليأتي مكة، وأمره أن يجدع بعيره، ويحوّل رحله، ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة، ويخبر قريشا أنّ محمّدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، وكانت تلك العير فيها أموال قريش، حتى قيل: إنّه لم يبق قرشي ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلّا بعث به في تلك العير، فأسرع ضمضم إلى مكة، حتى إذا كان ببطن الوادي.. وقف على بعيره، وقد جدعه؛ أي: قطع أنفه، أو أذنه، وحوّل رحله، وشقّ قميصه، وهو يصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش؛ اللّطيمة، اللطيمة أي: أدركوا اللطيمة، وهي العير التي تحمل الطيب والبز- أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد وأصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغوث الغوث، فتجهز الناس سراعا وهم يقولون: أيظن محمّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي؟! كلا والله، ليعلمنّ غير ذلك، فلم تملك قريش من أمرها شيئا حتى نفروا على الصعب والذلول، وتجهّزوا في ثلاثة أيام، وأعان قويّهم ضعيفهم.

استيثاق الرسول صلّى الله عليه وسلّم من أمر الأنصار:

ثم فرّع الناظم رحمه الله تعالى على ما ذكره من استنفار

فأخبر النّاس بهم ممتحنا ... وقال سعد ما رأى وأحسنا

أبي سفيان النفير وإجابة كفار قريش له، قوله:

(فأخبر) رسول الله صلى الله عليه وسلم (الناس) أي:

أصحابه رضي الله تعالى عنهم (بهم) أي: بقريش ومسيرهم؛ ليمنعوا عيرهم (ممتحنا) مختبرا، فاستشارهم صلى الله عليه وسلم في طلب العير، وحرب النفير، وقال: إنّ الله وعدكم إحدى الطائفتين: إما العير، وإمّا قريشا، فقال أبو بكر وأحسن، وقال عمر بن الخطاب وأحسن.

ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: «أيّها الناس؛ أشيروا عليّ» وإنّما يريد الأنصار؛ لأنّه صلى الله عليه وسلم تخوّف ألّا تكون الأنصار ترى عليهم نصرته إلّا ممّن دهمه بالمدينة؛ لأنّهم ليلة بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله؛ إنّا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذن نمنعك ممّا نمنع منه أزرنا، فعند ذلك قام سعد بن معاذ سيد الأوس «1» كما أشار له بقوله: (وقال سعد) في جواب ذلك (ما رأى) أي: القول الذي رآه (وأحسنا) فيه وهو:

__________

(1) أسلم هو وأسيد بن حضير في يوم واحد، على يد مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة، ثمّ جاء سعد إلى قومه، وقال: كيف تعلمون أمري فيكم يا بني عبد الأشهل؟ قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال: فإنّ كلام رجالكم، ونسائكم عليّ حرام.. حتّى تؤمنوا بالله ورسوله، فما أمسى في دار بني عبد الأشهل، رجل ولا امرأة.. إلّا وهو مسلم، غير الأصيرم. توفي سعد شهيدا بعد أن أقرّ الله عينه في بني قريظة، وسيأتي شيء من مناقبه عند غزوة الخندق وبني قريظة، رضي الله عنه.

وكان من رويّة المقداد ... أن رضي السّير إلى الغماد

(والله لكأنّك تريدنا يا رسول الله، قال: «أجل» قال:

قد آمنّا بك، وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق؛ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته.. لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ولعلّ الله يريك منا ما تقرّبه عينك، فسر على بركة الله) .

قال الزرقاني: (وعند ابن عائذ من مرسل عروة، وابن أبي شيبة من مرسل علقمة بن أبي وقاص، عن سعد قال:

ولعلّك يا رسول الله خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحبّ إلينا ممّا تركت، وما أمرت به من أمر، فأمرنا تبع لأمرك، لئن سرت حتى تأتي برك الغماد.. لنسيرنّ معك.

فسرّ عليه الصّلاة والسّلام بقول سعد رضي الله عنه وأرضاه، ثمّ قال: «سيروا، وأبشروا؛ فإنّ الله قد وعد إحدى الطائفتين، والله؛ لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» ) .

(وكان من رويّة) بكسر الواو وتشديد الياء، من رويت في الأمر: إذا نظرت فيه؛ أي: وكان من فكرة ورأي

(المقداد «1» ) بن عمرو (أن رضي السير إلى الغماد) بتثليث الغين المعجمة: موضع في أقصى معمور الأرض، أو مدينة في الحبشة، فإنّه رضي الله تعالى عنه قال: والله؛ لو سرت بنا إلى برك الغماد.. لسرنا معك، ولا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى عليه الصّلاة والسلام: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير.

وفي الصحيح: (أنّ ابن مسعود قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا، لأن أكون صاحبه أحب إليّ ممّا عدل به، أتى النّبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال بنو إسرائيل لموسى:

فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخلفك، فرأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسرّه، يعني قوله) اهـ

__________

(1) هو من بني بهراء، حليف بني زهرة، وكان تبنّاه الأسود بن عبد يغوث، ويقال له: المقداد بن الأسود، إلى أن نزل: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ ولم يقبل المقداد ذلك التبنّي، بل انتسب إلى أبيه وقبيلته، تزوج ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب، فولدت له فاطمة بنت المقداد، روى عنها، وهو أحد الأربعة الذين أخبر صلى الله عليه وسلم أنّ الله يحبهم، وألزمه محبتهم قال في «عمود النسب» :

أربعة أخبر خير مرسل ... بحبه لهم إلهنا العلي

وحبهم ألزمه وهم علي ... سلمان مقداد أبو ذرّ العلي

وعمر استقلّ جيش الحنفا ... واستكثر الّذي إليه زحفا

ثمّ قال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليّ» فقال سعد ما تقدم.

قلت: وعلم من هذا التقرير: أنّ قول المقداد قبل قول سعد رضي الله عنهما، فكان للناظم أن يقدمه، إلا أنّ النظم لم يساعده، والخطب سهل.

(وعمر) بن الخطاب رضي الله عنه (استقلّ) أي: رأى في نظره جيش المسلمين قليلا كما قال: (جيش الحنفا) :

جمع حنيف، وهو المائل عن جميع الأديان إلى دين الإسلام (واستكثر) الجيش (الذي إليه) يتعلق بقوله: (زحفا) بمعنى: مشى، وإنّما قال ذلك؛ شفقة على المسلمين؛ لما رأى من كثرة المشركين غيظا بهم، فقال- كما رواه ابن عقبة-: (يا رسول الله؛ إنّها لقريش، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدته) .

ولما سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول صاحبيه:

سعد والمقداد.. ارتحل من واد يقال له: ذفران «1» حين بلغه خروج قريش يريدونه.

__________

(1) بكسر الفاء: واد قريب من الصفراء. اهـ من «الحلبية» .

واستبقوا صخرا لبدر وانتحى ... وأخذوا واردة وزحزحا

تعرّف الرسول صلّى الله عليه وسلّم وأبي بكر أخبار قريش:

(واستبقوا) أي: سبق الصحب الكرام معه عليه الصّلاة والسّلام أبا سفيان (صخر لبدر، و) أما هو.. فإنّه (انتحى) أي: قصد إلى ناحية الساحل خوفا على عيره، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبا من بدر، فركب هو وأبو بكر رضي الله عنه.. حتى وقفا على شيخ من العرب، فسألاه عن قريش، وعن محمّد وأصحابه، وما بلغه عنهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتّى تخبراني ممّن أنتما، فقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أخبرتنا.. أخبرناك» فقال الشيخ: أذاك بذاك؟ قال: «نعم» قال الشيخ: بلغني أنّ محمّدا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني.. فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الّذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم- وبلغني أنّ قريشا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان الذي أخبرني صدق.. فهم اليوم بمكان كذا وكذا- للمكان الذي به قريش- فلمّا فرغ من خبره.. قال: ممّن أنتما؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن من ماء «1» » ، ثمّ انصرفا عنه، قال الشيخ: ما «من ماء» أمن العراق؟!

__________

(1) قال في «النور» : (ظهر لي أنّه أراد: من ماء دافق، والشيخ المشار إليه حمله على المنهل، وقال أبو جعفر الغرناطي في «شرح بديعية ابن جابر» : إنّه تورية، وإنّ ماء قبيلة) اهـ

عنها النّبيّ الضّرب إذ قال هما ... واردة النّفير واستفتاهما

,

قصة سقاة قريش:

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه (و) لما أمسى.. بعث علي بن أبي طالب، والزّبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، في نفر من أصحابه إلى ماء بدر؛ يلتمسون الخبر له عليه الصّلاة والسّلام، ف (أخذوا واردة) لقريش، وهي القوم يردون الماء، فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار، غلام بني العاص، فأتوا بهما، فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلّي، فقالا: نحن سقاة قريش، بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهما، ورجوا أن يكونا لأبي سفيان، فضربوهما، فلمّا أذلقوهما «1» .. قالا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسجد سجدتيه، ثمّ سلّم، وقال: إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنّهما لقريش، وهذا مراد الناظم بقوله: (وزحزحا) أي: أبعد.

(عنها) أي: الواردة (النّبيّ) صلى الله عليه وسلم (الضرب إذ قال: هما واردة النفير) أي: جيش أبي جهل (واستفتاهما) النّبيّ صلى الله عليه وسلم فقال لهما:

«أخبراني عن قريش» قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي

__________

(1) بالغوا في ضربهما.

وعند ما أمن صخر أرسلا ... إلى النّفير أن يؤوب قفّلا

ترى بالعدوة «1» القصوى، قال: «كم هم؟» قالا: كثير، قال: «ما عدّتهم؟» قالا: لا ندري، قال: «كم ينحرون كل يوم؟» قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال صلى الله عليه وسلم: «القوم ما بين تسع مئة وألف» ثمّ قال لهما:

«فمن فيهم من أشراف قريش؟» قالا: عقبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو البختري بن هشام، وحكيم بن حزام، ونوفل بن خويلد، وأبو جهل، وأميّة بن خلف، والنّضر بن الحارث، حتّى عدّ جماعة من كبرائهم، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: «هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها» .

,

أمن أبي سفيان على العير ونجاتها:

(وعند ما أمن) أبو سفيان (صخر) من تعرض المسلمين لعيره (أرسلا) بألف الإطلاق؛ أي: أرسل أبو سفيان (إلى النفير) : وهم قريش الذين نفروا للقتال مع أبي جهل، ب (أن يؤوب) أي: يرجع النفير (قفّلا) بتشديد الفاء: جمع قافل، بمعنى راجع، وقال: إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم، ورجالكم، وأموالكم، فقد نجاها الله، فارجعوا، وستأتي مقالة أبي جهل في ذلك.

وسبب أمن أبي سفيان: أنّه خرج بسبس بن عمرو،

__________

(1) بضم العين المهملة؛ أي: الجانب المرتفع من الوادي. اهـ منه

وردّ الاخنس المسوّد على ... حلف بني زهرة وازداد علا

وعديّ بن أبي الزغباء.. حتى نزلا بدرا، فأناخا إلى تل قريب من الماء، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، ومجدي بن عمرو الجهني على الماء، فسمع عدي وبسبس جاريتين من جواري الحاضر «1» ، وهما تتلازمان على الماء، والملزومة تقول لصاحبتها: إنّما تأتي العير غدا، أو بعد غد، فأعمل لهم، ثمّ أقضيك الذي لك، قال مجدي: صدقت، ثمّ خلص بينهما، وسمع ذلك عديّ، وبسبس، فجلسا على بعيريهما، ثمّ انطلقا.. حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبراه بما سمعا، وأقبل أبو سفيان حتى تقدّم العير حذرا، حتى ورد الماء، فقال لمجدي بن عمرو: هل أحسست أحدا؟ قال:

ما رأيت أحدا أنكره، إلّا أنّي رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثمّ استقيا في شنّ لهما، ثمّ انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعيريهما، ففتّه، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى أصحابه سريعا، فضرب وجه عيره عن الطريق، فساحل بها، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتى أسرع.

,

رجوع الأخنس ببني زهرة:

(وردّ الاخنس) بن شريق الثقفي (المسوّد) والمفضل في بني زهرة (على حلف) بكسر فسكون؛ أي: مع حلف

__________

(1) الحاضر: القوم النازلون على الماء.

وابن هشام قال لا أو نردا ... بدرا فننحر ونرهب العدا

لبني زهرة، قال في «الروض» : ويقال: إنّه ما ساد حليف غيره، وقوله: (بني زهرة) معمول لقوله: (رد) يعني: أنّ الأخنس قال: يا بني زهرة؛ قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنّما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها، وارجعوا؛ فإنّه لا حاجة لكم في محمّد وأصحابه، لا ما يقول هذا، يريد أبا جهل، فرجعوا ولم يشهدها زهري «1» (وازداد) بذلك (علا) في الجاهلية.

قال في «روض النهاة» : إلّا أنّه نافق في إسلامه، ونزلت فيه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية.

وقيل سبب ردّه لهم: أنّه خلا بأبي جهل حين تراءى الجمعان، فقال: أترى محمّدا يكذب؟ فقال: كيف يكذب على الله، وقد كنا نسميه الأمين؟! لأنّه ما كذب قط، ولكن إذا اجتمعت في بني عبد مناف السّقاية والرّفادة والمشورة، ثمّ تكون فيهم النبوة، فأي شيء بقي لنا؟ فحينئذ انخنس؛ أي:

رجع ببني زهرة، وكان اسمه أبيّا، فسمّي الأخنس بذلك.

,

إصرار أبي جهل على عدم رجوع قريش:

(و) الخبيث اللعين أبو جهل (ابن هشام) بتسمية النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وتقول له العرب: أبا الحكم (قال)

__________

(1) قال المناوي: (ورجعت بنو عدي، فصادفهم أبو سفيان، فقال: لا في العير، ولا في النفير، قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع) اهـ

فطاوعوه ومضوا وباتوا ... بشرّ ما بات به بغاة

عن كثب وأصبحوا بوحل ... ثبّطهم وبات خير مرسل

بخير ليلة وأصبح على ... أثبت أرض للخطا وارتحلا

لما أرسل إليهم أبو سفيان أن يرجعوا، فأراد أصحابه الرجوع لنجاة العير: (لا) نرجع (أو) أي: إلّا أن (نرد بدرا) وكانت من مواسم العرب، تجتمع لهم به سوق كل عام (فننحر) الجزر ونشرب الخمر، وتعزف عليه القيان، (ونرهب العدا) وتسمع بنا العرب.

(فطاوعوه) أي: أبا جهل (ومضوا) لسبيلهم.. حتى أتوا بدرا، ونزلوا بالعدوة القصوى (وباتوا بشر ما) أي: حال (بات به بغاة) جمع باغ، بمعنى ظالم، من السهر والريح والبرد والجزع، وإنما وصفهم بالظلم؛ لأنّهم أهله، ويتعلق بقوله: (عن كثب) أي: قرب.

نزول المطر يوم بدر نعمة على المسلمين ونقمة على المشركين:

(وأصبحوا بوحل) بفتح الواو والحاء المهملة؛ أي:

فيه، وهو الطين الرقيق ترتطم فيه الدّواب، ولا تكاد تخرج منه (ثبّطهم) أي: عوّقهم الوحل عن المسير (وبات خير مرسل) صلى الله عليه وسلم (بخير ليلة) من الأمن والعافية، ولما احتلم أصحابه ليلتئذ.. أرسل الله عليهم السحاب، فتطهّروا بها، ولبّدت لهم الأرض، وكانت دهسا؛ أي:

سهلة لينة، كما قال: (وأصبح على أثبت أرض للخطا) بضم الخاء، وهو جمع خطوة: ما بين القدمين (وارتحلا)

فنزلوا أدنى المياه للعدا ... وغوّروا جميعهنّ ما عدا

صلى الله عليه وسلم بأصحابه.. حتّى جاء أقرب ماء من بدر، فنزل به.

,

المشورة في منزل الحرب:

ثمّ إنّ الحباب بن المنذر بن الجموح قال: يا رسول الله؛ أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدمه، أو نتأخر عنه، أم هو الرأي، والحرب، والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة» فقال: يا رسول الله؛ فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فتنزله، ثمّ نغوّر ما وراءه من القلب، ثمّ نبني عليه حوضا، فنملؤه ماء، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي» فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار.. حتى أتى أدنى ماء من القوم، فنزل عليه، ثمّ أمر بالقلب فغوّرت، وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه، فملئ ماء، ثمّ قذفوا فيه الآنية، وإلى هذا أشار الناظم رحمه الله تعالى بقوله: (فنزلوا) أي:

الصحب الكرام مع الرسول عليه الصّلاة والسّلام (أدنى المياه للعدا، وغوّروا) بالغين المعجمة، وتشديد الواو، وهو الموافق للنظم «1» (جميعهنّ) أي: القلب (ما عدا) أي: إلّا

__________

(1) قوله: (وهو الموافق للنظم) قال السهيلي في «الروض» عند قوله: (فأمر بتلك القلب فعورت) : (هذه كلمة نبيلة، وذلك أن القلب لما كانت عينا.. جعلها كعين الإنسان، ويقال في عين الإنسان: عرتها فعارت، ولا يقال: عورتها، وكذلك قال في القلب:

قليبهم وجعلوا الأواني ... في جدول فهي لهم دواني

وأقبلت بالخيلا والكبريا ... إلى المصارع الزّحوف الأشقيا

(قليبهم) أي: المسلمين، والقليب في الأصل: البئر قبل أن تطوى وتبنى.

(وجعلوا الأواني) للشرب (في جدول) على وزن جعفر وخروع: النهر الصغير، قاله في «القاموس» والمراد به هنا:

الحوض المذكور (فهي) أي: الأواني (لهم) أي:

للمسلمين ممّن يريد الشرب (دواني) أي: قريبة.

(وأقبلت بالخيلا) هو التكبر والإعجاب بالنفس، فعطف قوله: (والكبريا) عليه عطف تفسير (إلى المصارع) جمع مصرع، بفتح الميم، وهو موضع هلاكهم الذي ذكره النّبيّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه حين سرّ ونشط بقول سعد والمقداد: «إنّ الله وعدني إحدى الطائفتين- يعني العير أو النفير- والله لكأنّي أنظر إلى مصارع القوم» .

وقوله: (الزحوف) فاعل (أقبلت) وهو: جمع زحف الجيش، يزحفون؛ أي: يمشون إلى عدوهم، ووصفهم بقوله: (الأشقيا) .

__________

- عورت بسكون الواو، ولكن لما ردّ الفعل لما لم يسم فاعله.. ضمت العين، فجاء على لغة من يقول: قول القول، وبوع المتاع، وهو لغة هذيل) اهـ وقال أبو ذرّ في «شرحه» : (من رواه بالغين المعجمة، فمعناه: نذهبه وندفنه) .

لو طاوعوا عتبة أو حكيما ... أو ابن وهب ما رأوا أليما

لكونهم إلى القفول أرشدوا ... من بعد ما أشفوا على ما وردوا

,

مقال عتبة وحكيم وابن وهب لقريش في الرجوع عن القتال:

قال الناظم:

(لو طاوعوا عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، الذي قال فيه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وقد رآه على جمل له أحمر: «إن يكن فيهم خير، ففي صاحب الجمل الأحمر، إن يطيعوه يرشدوا» (أو حكيما) ابن حزام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، أمّه فاختة بنت رهين، ولدته في جوف الكعبة، وطرحت ثيابها التي ولدته فيها في الحطيم، وذلك شرع الجاهلية، وتسمّى تلك الثياب: اللقى، بوزن الفتى، قال الشاعر:

فواحزنا كرّي عليه كأنّه ... لقى بين أيدي الطائفتين صريم

نجا يوم بدر، وأسلم يوم الفتح، رضي الله عنه.

(أو) عمير (ابن وهب) بن خلف بن حذافة بن جمح، قال في «روض النّهاة» : (ويقال له: شيطان العرب، وقد أسلم رضي الله عنه) (ما رأوا) أي: كفار قريش (أليما) .

(لكونهم) أي: لكون المذكورين (إلى القفول) أي:

الرجوع عن القتال (أرشدوا) قومهم (من بعد ما) يظهر أنّها مصدرية (أشفوا) قال في «القاموس» و «شرحه» : (أشفى

على الشيء: أشرف، وحصل على شفاه، وهو يستعمل في الشر غالبا) أي: من بعد إشرافهم (على ما) أي: القتال الذي (وردوا) بدرا لأجله.

وأشار الناظم في هذه الأبيات إلى ما ذكره ابن سيد الناس في «العيون» ، وابن كثير في «البداية» كلاهما عن ابن إسحاق قال: (حدّثني أبي إسحاق بن يسار وغيره من أهل العلم، عن أشياخ من الأنصار، قالوا: لمّا اطمأنّ القوم..

بعثوا عمير بن وهب الجمحيّ فقالوا: احزر لنا أصحاب محمّد، قال: فاستجال بفرسه حول العسكر، ثمّ رجع إليهم، فقال: ثلاث مئة رجل، يزيدون قليلا، أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر للقوم كمين، أو مدد، قال: فضرب في بطن الوادي.. حتّى أبعد فلم ير شيئا، فرجع إليهم، فقال: ما رأيت شيئا، ولكن رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس لهم منعة، ولا ملجأ إلّا سيوفهم.

وفي «السيرة الشامية» : أما ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي «1» ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم..

حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم عدادهم.. فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم.

__________

(1) تلمظ: إذا تتبع بلسانه بقية الطعام في فمه، وأخرج لسانه فمسح به شفتيه.

وقال عمرو وبأنفه شمخ ... ثانية سحر عتبة انتفخ

فلمّا سمع حكيم بن حزام ذلك.. مشى في الناس، فأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد، إنّك كبير قريش، وسيدها، والمطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالناس، وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي «1» ، قال:

قد فعلت، أنت عليّ بذلك، إنّما هو حليفي، فعليّ عقله وما أصيب من ماله، فأت ابن الحنظلية- يعني أبا جهل- ثمّ قام عتبة خطيبا فقال: يا معشر قريش؛ إنّكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمّدا وأصحابه شيئا، والله؛ لئن أصبتموه..

لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته، فارجعوا وخلّوا بين محمّد وبين سائر العرب، فإن أصابوه.. فذلك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك.. ألفاكم، ولم تعرّضوا منه ما تريدون) .

وإلى هنا انتهى ما دار من المفاوضة بين الثلاثة وأبي جهل.

,

إصرار أبي جهل على الحرب:

وأمّا جواب أبي جهل.. فهو ما أشار إليه الناظم رحمه الله تعالى بقوله:

(وقال) أبو جهل (عمرو و) الحال أنّه (بأنفه) ، يتعلق بقوله: (شمخ) أي: تكبر، قولة (ثانية) ، أمّا القولة

__________

(1) أي: الذي قتله واقد بن عبد الله في سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، وهو أول قتيل.

الأولى فقوله- كما تقدم-: لا نرجع.. حتى نرد بدرا إلخ، ومقول القول قوله: (سحر عتبة انتفخ) كما قال: (سحر) قال في «المختار» : بالضم: الرئة، والجمع أسحار، كبرد وأبراد، وكذا السحر بالفتح، وجمعه سحور كفلس وفلوس، وقد يحرك لمكان حرف الحلق، فيقال: سحر وسحر، كنهر ونهر، والثّاني هو اللائق بالنظم، فيحمل عليه (عتبة انتفخ) .

قال في «العيون» : (قال حكيم: فانطلقت حتى جئت أبا جهل، فوجدته قد نثل درعا له من جرابها، فقلت:

يا أبا الحكم؛ إنّ عتبة أرسلني إليك بكذا وكذا- للّذي قال- فقال: انتفخ والله سحره حين رأى محمّدا وأصحابه، كلّا والله، لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمّد، وما بعتبة ما قال، ولكنه قد رأى أنّ محمّدا وأصحابه أكلة جزور، وفيهم ابنه «1» قد تخوف عليه، ولما بلغ عتبة قول أبي جهل:

انتفخ والله سحره.. قال: سيعلم مصفّر استه من انتفخ سحره: أنا أم هو؟ ثمّ بعث أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي الذي قتل أخوه عمرو في سرية ابن جحش، فقال: هذا حليفك يريد أن ترجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينيك، فقم فانشد خفرتك «2» ومقتل أخيك) وقد أشار الناظم لهذا بقوله:

__________

(1) هو أبو حذيفة من مهاجري الحبشة رضي الله عنه.

(2) أي: اطلب من قريش الوفاء بخفرتهم لك وعهدك؛ إذ أنّه كان حليفا لهم وجارا.

واستنشد ابن الحضرميّ الثّأرا ... فحشّ حربا بينهم وشرّا

(واستنشد) أبو جهل عامر (بن الحضرمي) أخا المقتول، الذي هو عمرو، وقال: هذا حليفك ... إلى آخر ما تقدم (الثأرا) بالهمزة، وتبدل ألفا: الدم، وقيل: الطلب به، كما في «التاج» عن «المحكم» (ف) قام عامر، وكشف استه، وحثا عليه التراب، ثمّ صرخ: واعمراه، فثارت النفوس، و (حش حربا) أي: أوقدها (بينهم وشرّا) .

,

مقتل الأسود بن عبد الأسد:

فقام الأسود «1» بن عبد الأسد المخزومي فقال: أعاهد الله لأشربنّ من حوضهم، أو لأهدمنّه، أو لأموتنّ دونه. فقام إليه سيدنا حمزة رضي الله عنه، فلمّا التقيا.. ضربه حمزة، فأطنّ قدمه إلى نصف ساقه وهو دون الحوض، فوقع على ظهره، تشخب رجله دما نحو أصحابه، ثمّ حبا إلى الحوض.. حتى اقتحم فيه، فتبعه حمزة، فقتله في الحوض.

__________

(1) الأسود هذا: أوّل من يأخذ كتابه بشماله، وأخوه أبو سلمة أول من يأخذ كتابه بيمينه بعد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، قال شيخ شيخنا عبد القادر بن محمّد سالم في «الواضح المبين» :

سيدنا عمر هو أول ... من يأخذ الكتاب فيما نقلوا

ثمّ أبو سلمة يتلوه ... وعكسه الأسود أي أخوه

سبحان من يفعل ما يريد ... وعنه لا ينقص أو يزيد

فقام للوليد نجل عتبة ... حيدرة وحمزة لشيبة

نجل ربيعة وعتبة أخوه ... قام له عبيدة إذ رشّحوه

وذكر الحافظ ابن عبد البر في ترجمة أخيه العلاء بن الحضرمي: (أنّ عامر بن الحضرمي قتل يوم بدر كافرا) .

,

ابتداء الحرب بالمبارزة:

ولمّا أوقد أبو جهل الحرب بينهم، وقتل حمزة الأسود..

خرج عتبة بين أخيه شيبة وابنه الوليد، فدعا إلى المبارزة، فخرج إليه ثلاثة من الأنصار: عوف ومعاذ «1» ابنا الحارث، وأمّهما عفراء، والثّالث: عبد الله بن رواحة فيما قيل، فقالوا: من أنتم؟ فقالوا: رهط من الأنصار، فقالوا: ما لنا بكم من حاجة، وفي رواية: فقالوا: أكفاء كرام، ولكن أخرجوا إلينا من أكفائنا بني عمنا، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة، قم يا علي» .

(فقام للوليد نجل) أي: ابن (عتبة) بن ربيعة (حيدرة) لقب لسيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، (و) قام (حمزة) بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النّبيّ صلى الله عليه وسلم (لشيبة نجل ربيعة) بن عبد شمس، (وعتبة أخوه) أي: أخو شيبة (قام له عبيدة) الآتي نسبه (إذ رشحوه) أي:

قدموه للمبارزة.

__________

(1) في «الهشامية» و «العيون» : معوذ، بدل معاذ.

وقطعت قدمه واحتملوه ... وهو أسنّ الجيش فيما نقلوه

قال ابن إسحاق: فلمّا دنوا منهم.. قالوا: من أنتم؟

فقال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ:

عليّ، قالوا: نعم، أكفاء كرام فبارز عبيدة، وكان أسن القوم عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز عليّ الوليد بن عتبة، فأمّا حمزة.. فلم يمهل شيبة أن قتله، وأمّا علي.. فلم يمهل الوليد أن قتله، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين، كلاهما أثبت صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بأسيافهما على عتبة، فدففا عليه- بالمهملة والمعجمة: أجهزا عليه- واحتملا صاحبهما، فحازاه إلى أصحابه.

,

استشهاد عبيدة بن الحارث:

(وقطعت قدمه) أي: عبيدة، بضربة ضربه بها عتبة في ركبته، وصار مخّ ساقه يسيل (واحتملوه) فمات بالصفراء، ودفن بها، رضي الله تعالى عنه، ونفعنا بمحبته (وهو أسنّ الجيش فيما نقلوه) من الأخبار.

ذكر في «الحلبية» : أنّه أسن من النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعشر سنين.

وقال في «روض النهاة» : له يوم مات ثلاث وستون سنة، وهو القائل يومئذ رضي الله عنه:

فإن تقطعوا رجلي فإنّي مسلم ... أرجّي بها عيشا من الله عاليا

وهو إذا أخذت في نعم النّسب ... عبيدة بن الحارث بن المطّلب

وألبسني الرّحمن من فضل منّه ... لباسا من الإسلام غطّى المساويا

(وهو) أي: سيدنا عبيدة المذكور (إذا أخذت في) نسبه الشريف، و (نعم النسب) هو، فقل: (عبيدة بن الحارث بن المطلب) بن عبد مناف، أسلم قديما.

قال في «الإصابة» : (وكان رأس بني عبد مناف حينئذ، مع أنّ العباس وإخوته كانوا في التعدد أقرب، وكان مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة، ثم هاجر) .

قال الحافظ ابن كثير: (ولما جاؤوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أضجعوه إلى جانب موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريفة، فوضع خده على قدمه الشريفة، وقال:

يا رسول الله؛ لو رآني أبو طالب.. لعلم أني أحق بقوله:

ونسلمه حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ثمّ مات رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشهد أنّك شهيد» رواه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى) .

وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد: سمعت أبا ذرّ رضي الله عنه يقسم قسما: أنّ هذه

وشهد المشهد هذا أخواه ... أعني الحصين والطّفيل مشبهاه

الآية: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ نزلت في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعبيدة بن الحارث، وعتبة، وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة.

وروى البخاري أيضا من حديث أبي مجلز عن قيس، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنّه قال: «أنا أوّل من يجثو بين يدي الرّحمن عزّ وجلّ للخصومة يوم القيامة» .

وقال قيس: وفيهم أنزلت: هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ. يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ. وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ. كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ. إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وقال: هم الّذين تبارزوا يوم بدر: علي، وحمزة، وعبيدة رضي الله عنهم، وشيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة.

(وشهد المشهد هذا) أي: بدرا (أخواه) أي: أخوا عبيدة، بل شهدا المشاهد كلّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وماتا في خلافة عثمان رضي الله عنه، في سنة إحدى وثلاثين (أعني الحصين والطفيل) ابني الحارث.

قال في «روض النهاة» : (إنّ الثلاثة أشقاء، أمهم سخيلة) (مشبهاه) أي: عبيدة في قدم الإسلام، والهجرة، وشهود بدر.

وابن غزيّة سواد استنتلا ... من صفّه ورام أن يعتدلا

نبيّنا فمسّه في كشحه ... وقال إذ آلم مسّ قدحه

أوجعتني نخسا فأعطني القود ... وجدّ في أن كان باشر الجسد

,

قصة سواد بن غزية مع الرسول صلى الله عليه وسلم:

(وابن غزيّة) بالتكبير، البلويّ، حليف بني عدي بن النجار، واسمه (سواد) بفتح السين، وتخفيف الواو، قال في «روض النّهاة» : «وكذا كل سواد في العرب، إلّا عمر بن سوّاد، بتشديد الواو، أحد بني عامر بن لؤي، من شيوخ الحديث، وسواد بن مرّ بن إراشة البلويّ حليف الأنصار، فبضم السين وتخفيف الواو والمذكور في النظم شهد بدرا، وما بعدها، و (استنتلا) أي: تقدم (من صفّه، ورام) أي:

قصد النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا كان يعدّل الصفوف (أن يعتدلا) والألف للإطلاق، وفاعله يعود على سواد، وقوله:

(نبينا) فاعل رام (فمسّه) أي: مسّ نبيّنا صلى الله عليه وسلم سوادا (في كشحه) : هو ما بين الخاصرة إلى الضلع، (وقال) سواد (إذ آلم) هـ (مسّ قدحه) - بكسر القاف-:

السهم قبل أن يراش وينصل (أوجعتني نخسا) : هو غرز الجنب بعود، ونحوه، وهذا مقول القول (فأعطني القود) أي: القصاص، فأعطاه ذلك، بأن كشف صلى الله عليه وسلم عن بطنه الشريف، (وجدّ) سواد، واجتهد (في أن كان باشر الجسد) أي: جسده صلى الله عليه وسلم، فاعتنقه، وقبّل بطنه.

قال ابن إسحاق: (وحدّثني حبّان بن واسع بن حبّان، عن أشياخ من قومه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عدّل صفوف أصحابه يوم بدر، وفي يده قدح يعدّل به القوم، فكان يقول لهذا تقدم، ويشير للآخر تأخّر) .

وذكر في «الشّامية» : (أنّه صلى الله عليه وسلم خطب فيهم يومئذ، فحمد الله وأثنى عليه «1» ، فمرّ بسواد بن غزيّة حليف بني عديّ بن النجار، وهو مستنتل من الصف) .

قال ابن هشام: (فطعن في بطنه بالقدح، وقال: «استو يا سواد» فقال: يا رسول الله؛ أوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني، قال: فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: «استقد» قال: فاعتنقه، فقبّل بطنه، فقال: «ما حملك على هذا يا سواد؟» قال: يا رسول الله؛ حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمسّ جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير) .

عريش النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

ولمّا عدّل النّبيّ صلى الله عليه وسلم صفوفه.. رجع إلى عريشه، وليس معه فيه غير أبي بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر، ويقول: «اللهمّ؛

__________

(1) وذكر الإمام المقريزي خطبته عليه الصّلاة والسّلام في أصحابه فقال: (وخطب عليه الصّلاة والسّلام يومئذ فقال بعد الثناء على الله والحمد: «أمّا بعد: فإنّي أحثّكم على ما حثّكم الله عليه، وأنهاكم عمّا نهاكم عنه؛ فإنّ الله عظيم شأنه ... » إلخ) .

وخفق النّبيّ حين المعركه ... وفي عريشه رأى الملائكه

على ثنايا جبرئيل النّقع ... ولم يقاتل في سواها الجمع

إن تهلك هذه العصابة اليوم.. لا تعبد» وأبو بكر يقول: يا نبيّ الله؛ بعض مناشدتك ربك، فإنّ الله منجز لك ما وعدك.

(و) قد (خفق) بفتحات (النّبيّ) صلى الله عليه وسلم وهو في العريش خفقة؛ أي: حرّك رأسه وهو ناعس (حين المعركة) بفتح الميم، والراء مفتوحة، أو مضمومة: موضع القتال.

,

الإمداد بالملائكة في بدر:

(وفي عريشه) وهو ما يستظل به من خشب وحشيش (رأى) عليه الصلاة والسلام (الملائكة على ثنايا جبرئيل النقع) أي: الغبار، فمن أجل ذلك لما انتبه صلى الله عليه وسلم.. قال: «أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده على ثناياه النقع» .

روى البيهقي- كما في «شرح المواهب» - عن عليّ رضي الله عنه قال: (هبّت ريح شديدة لم أر مثلها، ثمّ هبّت ريح شديدة، وأظنه ذكر ثالثة، فكانت الأولى جبريل، والثّانية ميكائيل، والثّالثة إسرافيل، فكان ميكائيل عن يمين النّبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر، وإسرافيل عن يساره وأنا فيها) اهـ.

ورواه ابن سعد، وذكر الثلاثة جزما، وقال: (فكانت الأولى: جبريل في ألف من الملائكة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم،

والثّانية: ميكائيل في ألف عن يمينه، والثّالثة: إسرافيل في ألف عن يساره) قاله القسطلاني.

ثمّ خرج صلى الله عليه وسلم من باب العريش، وهو يتلو: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.

,

دعاؤه صلى الله عليه وسلم ربه:

وفي «صحيح مسلم» ، و «سنن أبي داوود» و «الترمذي» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حدّثني عمر بن الخطاب قال: لمّا كان يوم بدر.. نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاث مئة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة، ثمّ مدّ يديه فجعل يهتف بربه: «اللهمّ؛ أنجز لي ما وعدتني، اللهمّ؛ آتني ما وعدتني، اللهمّ؛ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام.. لا تعبد في الأرض» فما زال يهتف بربه مادّا يديه، مستقبل القبلة.. حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثمّ التزمه من ورائه وقال:

يا نبي الله؛ كفاك مناشدتك ربك؛ فإنّه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ فأمدّه الله بالملائكة) .

,

استفتاح أبي جهل:

واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهمّ؛ أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعرف، فأحنه الغداة، فكان هو المستفتح على

نفسه، وفيه نزلت: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ.

وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، فرمى بها قريشا، وقال: «شاهت الوجوه» وقال لأصحابه:

«شدّوا» فكانت الهزيمة، وكانت تلك الحصباء عظيما شأنها، لم تترك أحدا من المشركين إلّا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم، ويأسرونهم، وبادر النفير إلى كل رجل منهم منكبّا على وجهه، يعالج التراب، ينزعه من عينيه، وذلك قوله تعالى: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي: عمّ جميعهم، وما في قبضتك إلّا ما يبلغ بعضهم، فالله هو الذي رمى سائرهم.

وذكر المقريزي في «إمتاع الأسماع» : إنّ هزيمة القوم كانت عند الزوال، وكان الرجل يومئذ يرى الملك على صورة رجل يعرفه، وهو يثبّت ويقول له: ما هم بشيء، فكر عليهم، وذلك معنى قوله تعالى: إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.

قال سيدنا حسان رضي الله عنه:

ميكال معك وجبرئيل كلاهما ... مدد لنصرك من عزيز قادر

(ولم يقاتل في سواها) أي: في غير غزوة بدر (الجمع)

وقيل: لم تقاتل الملائكه ... إذ ريشة منهم لقوم مهلكه

لكنّهم لعدد ومدد ... وطبلهم هناك طول الأبد

من الملائكة، أما فيها.. فقاتلت، وبهذا صرح العماد بن كثير في «تفسيره» فقال: (المعروف من قتال الملائكة: أنّه إنّما كان يوم بدر- ثم روى بإسناده إلى ابن عباس- قال: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر) .

(وقيل لم تقاتل الملائكه) لا في بدر ولا في غيرها، وإنّما كانوا يكثّرون السّواد، ويثبّتون المؤمنين، وإلّا.. فملك واحد يكفي في إهلاك الدنيا، كما قال الناظم: (إذ ريشة منهم لقوم مهلكه) مبيدة.

(لكنهم) إنّما حضروا بدرا (لعدد) أي: لتكثير عدد (ومدد) في أعين المشركين، لا يضربون.

قال في «شرح المواهب» عقب ذكر هذا القيل، وما معه من الدليل: (وهذه شبهة يدفعها ما يأتي عن السبكي، قلت:

وحاصل دفعها عنه: أنّ قتال الملائكة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم على سبيل الاشتراك في بعض الفعل، مع أنّ جبرائيل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه؛ لإرادة أن يكون الفعل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولأصحابه، وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب، وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع) .

وفي المسألة قول ثالث، ذكره في «شرح المواهب» وهو: أنّها قاتلت فيها وفي غيرها.

,

سماع الطبل في بدر:

(وطبلهم) المسمّى بطبل أهل الإيمان (هناك) ببدر يسمع إلى وقتنا هذا، بل (طول الأبد) وقد شاع ذلك، وشوهد من كثير ممّن يزورون بدرا؛ فقد قال القسطلاني في «المواهب» عن ابن مرزوق: (ومن آيات بدر الباقية مدى الأزمان.. ما كنت أسمعه من غير واحد من الحجّاج: أنّهم إذا اجتازوا بذلك الموضع.. يسمعون هيئة الطبل، طبل ملوك الوقت، ويرون أنّ ذلك لنصر أهل الإيمان، قال: وربما أنكرت ذلك، وربما تأوّلته بأنّ الموضع صلب، فتستجيب فيه حوافر الدوابّ، وكان يقال لي: إنّه دهس سهل ليس برمل، ولا تراب غير صلب، وغالب ما يسير هناك الإبل، وأخفافها لا تصوّت في الأرض الصلبة، فكيف بالرمال؟!) .

قال- أي: ابن مرزوق-: (ثمّ لما منّ الله عليّ بالوصول إلى ذلك الموضع المشرّف.. نزلت عن الراحلة أمشي، وبيدي عود طويل من شجرة السّعدان، المسمى بأم غيلان، وقد نسيت ذلك الخبر الذي كنت أسمع، فما راعني وأنا سائر في الهاجرة إلّا واحد من عبيد الأعراب الجمّالين يقول: أتسمعون الطّبل؟ فأخذتني لمّا سمعت كلامه قشعريرة بيّنة، وتذكرت ما كنت أخبرت به، وكان في الجو بعض ريح، فسمعت

صوت الطبل، وأنا دهش ممّا أصابني من الفرح، أو الهيبة، أو ما الله أعلم به، فشككت، وقلت: لعلّ الريح سكنت في هذا العود الذي في يدي، وأوجدت مثل هذا الصوت، وأنا حريص على طلب التحقيق لهذه الآية العظيمة، فألقيت العود من يدي، وجلست على الأرض، أو ثبتّ قائما، أو فعلت جميع ذلك، فسمعت صوت الطبل سماعا محققا، أو صوتا لا أشك أنّه صوت طبل، وذلك من ناحية اليمين ونحن سائرون إلى مكة المشرّفة، ثمّ نزلنا ببدر، فظللت أسمع ذلك الصوت يومي أجمع، المرة بعد المرة، وقد أخبرت أنّ ذلك الصوت لا يسمعه جميع الناس) انتهى كلام ابن مرزوق.

وقال العلّامة المؤرخ الشهير بالخميس حسين بن محمّد:

(وأنا جرّبتها في سنة «936» وقت اجتيازي ببدر قافلا من المدينة المنوّرة إلى مكّة المكرّمة، وسمعت صوت الطبل، وتتابع الناس لسماعه، وكانوا زهاء مئة إنسان من الرجال، والنساء في الشقادف، وغيرها سماعا محققا بلا شك، مرارا متعددة، وكان الصوت يجيء تارة من تحتنا ثمّ ينقطع، وتارة من خلفنا ثمّ ينقطع، وتارة عن يميننا، وتارة عن شمالنا، وعلى كل الهيئات كنا نسمع الصوت قائما، وقاعدا، ومتكئا، سماعا محققا بلا شبهة، وكان الوقت صحوا، راكدا لا ريح فيه) اهـ «1»

__________

(1) «تاريخ الخميس» (1/ 431) .

وجاء أنّ جبرئيل يحضر ... من مات مؤمنا وقوم أنكروا

نزوله بعد رسول الله ... والحقّ أن ليس له تناهي

الخلاف في نزول جبريل بعد الرسول عليهما السّلام:

(وجاء) في الخبر (أنّ جبرئيل) بالهمزة قبل الياء، عليه السّلام (يحضر من مات) من أمّة سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم (مؤمنا) وإذا رآه الشيطان.. يفرّ منه، فلا يقدر أن يغوي من أراد الله تعالى ثباته، ثبّتنا الله على الإيمان بحرمة سيدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام (وقوم) من العلماء (أنكروا نزوله بعد رسول الله) صلى الله عليه وسلم.

قال الناظم: (و) القول (الحق أن) هـ؛ أي: أنّ نزول جبريل (ليس له تناهي) حتى يردّ الدجال عن الحرمين.

نعم؛ لا ينزل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوحي بشريعة.

قال عبد الباقي في «شرحه» على «مختصر سيدي خليل» : (وما اشتهر على ألسنة الناس أنّه لا ينزل إلى الأرض بعد موت النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. فلا أصل له، ومن الدليل على بطلانه ما للطبراني في «الكبير» عن ميمونة بنت سعد قالت: قلت: يا رسول الله؛ هل يرقد الجنب؟ قال:

«ما أحب أن يرقد.. حتى يتوضّأ؛ فإنّي أخاف أن يتوفّى فلا يحضره جبريل» ) .

قال العلّامة الشيخ محمّد الأمير عليه، أو ما معناه:

وراقب الجمعين شخصان لكي ... ينتهبا من مدبري الجمعين شي

فرأيا الملك وهو منطلق ... فانشقّ واحد والاخر صعق

(لا ينزل بتجديد شريعة) . ونقله في «مشارق الأنوار» في فوز أهل الاعتبار، جعلنا الله تعالى منهم بمنّه وكرمه.

(وراقب الجمعين) أي: جمع المسلمين، وجمع المشركين (شخصان) من بني غفار (لكي ينتهبا) مع من ينتهب (من مدبري الجمعين شي) معمول ل (ينتهبا) ، وقف به على لغة ربيعة؛ أي: ليأخذا شيئا.

(فرأيا الملك) جبريل عليه السّلام (وهو منطلق) على فرس قائلا: أقدم حيزوم (فانشقّ واحد) من الشخصين فمات مكانه، (والآخر صعق) وغشي عليه.

قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الله بن أبي بكر: أنّه حدّث عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حدّثني رجل من بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي.. حتى أصعدنا في جبل يشرف بنا على بدر، ونحن مشركان، ننتظر الوقعة على من تكون الدّبرة «1» ، فننتهب مع من ينتهب، فبينا نحن في الجبل؛ إذ دنت سحابة.. فسمعنا فيها حمحمة «2» الخيل، فسمعت قائلا يقول: أقدم «3» حيزوم، فأمّا ابن عمّي فانكشف

__________

(1) الدبرة- بفتح الدال المهملة وسكون الباء-: هي الهزيمة.

(2) حمحمة- بحائين مهملتين مفتوحتين، بينهما ميم ساكنة-: صوت الخيل.

(3) أقدم: بهمزة قطع مفتوحة وكسر الدال، من الإقدام كما رجحه ابن الأثير، وحيزوم: اسم فرس جبريل، كما في «الروض الأنف» للسهيلي.

وابن معاذ مبتني العريش ... وحارس النّبيّ من قريش

قناع قلبه فمات مكانه، وأمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت) .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدحر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة؛ وما ذاك إلّا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلّا ما رؤي يوم بدر» قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: «أما إنّه قد رأى جبريل يزع الملائكة» أي:

يصفّهم للحرب.

وقال عليه الصّلاة والسّلام يومئذ: «هذا جبريل يسوق الريح كأنّه دحية الكلبي، إنّي نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .

وقال سيدنا عبد الرّحمن بن عوف رضي الله عنه: (رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النّبيّ صلى الله عليه وسلم أحدهما، وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثمّ ربعهما رابع أمامه) .

قال سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنه: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيضا، ويوم حنين عمائم حمرا.

وقال ابن هشام: (وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر: أحد أحد) .

سعد بن معاذ وحراسته الرسول صلى الله عليه وسلم في العريش:

(و) سعد (ابن معاذ) سيد الأوس، مبتدأ (مبتني العريش) خبره؛ فإنّه قال كما رواه ابن إسحاق:

يكره إبقاء الأسارى ويرى ... إهلاكهم أوّل قتل أجدرا

(يا رسول الله؛ ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونعدّ عندك ركائبك، ثمّ نلقى عدوّنا، فإن أعزّنا الله، وأظهرنا على عدوّنا.. كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى.. جلست على ركائبك، فلحقت بمن وراءنا؟ فقد تخلّف عنك أقوام يا نبي الله وما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنّك تلقى حربا.. ما تخلّفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك، ويجاهدون معك، فأثنى عليه صلى الله عليه وسلم خيرا، ودعا له بخير، ثمّ بنى للرسول صلى الله عليه وسلم عريشا فكان فيه) .

والعريش: شبه الخيمة يستظل به، وقال السهيلي: (هو كل ما أظلّك، وعلاك من فوقك، فإن علوته أنت.. فهو عرش لا عريش) .

وتعقبه مغلطاي بأن تفرقته بينهما لم يروها عن لغويّ، والذي في «العين» : (أنّهما: ما يستظل به) .

,

رأي سعد بن معاذ وعمر في الأسارى:

(و) هو (حارس النّبي) صلى الله عليه وسلم (من) كفار (قريش) على باب العريش، متوشحا السيف في نفر من الأنصار، يحرسونه صلى الله عليه وسلم، مخافة كرّ العدوّ عليه.

وجملة قوله: (يكره إبقاء الأسارى) خبر بعد خبر، لقوله: (وابن معاذ) و (الأسارى) بضم الهمزة كالأسرى بفتحها: جمع أسير (ويرى) سعد (إهلاكهم) أي:

وهكذا عمر كان وهي من ... موافقاته الّتي بعد تعنّ

المشركين (أوّل قتل) أي: في أوّل قتل ووقعة أوقعها الله تعالى بالكفار (أجدرا) أي: أحق، وهو مفعول ثان ل (يرى) والأول: إهلاكهم، كما علم من التقرير، وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى في وجه سعد الكراهة لما يصنع الناس.. قال: «والله؛ لكأنّك يا سعد تكره ما يصنع القوم» فقال: أجل والله يا رسول الله، كانت أوّل وقعة أوقعها الله بأهل الشرك، فكان الإثخان في القتل أحبّ إليّ من استبقاء الرجال.

(وهكذا عمر) بن الخطاب- رضي الله عنه- ابن نفيل بن عبد العزّى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عديّ بن كعب (كان) يرى رأي ابن معاذ في كراهة إبقاء الأسرى؛ فإنّه لمّا أخذ صلى الله عليه وسلم الأسرى قائلا: «ماذا ترون؟» .. قال عمر: يا رسول الله؛ كذّبوك وأخرجوك، اضرب أعناقهم.

,

موافقات عمر رضي الله عنه:

(وهي) أي: هذه الكلمة (من موافقاته) أي: كلماته الموافقة للقضاء (التي بعد) بالبناء على الضم لحذف المضاف إليه؛ أي: التي بعد هذه (تعنّ) بكسر العين؛ أي:

تعرض، وهي كثيرة، جمعها الحافظ السيوطي «1» .

__________

(1) في نظم سمّاه «قطف الثمر في موافقات عمر» وهو:

,

الاستشارة في أسرى بدر:

قال القسطلاني في «المواهب» : (وفي حديث أنس عند الإمام أحمد:

استشار صلى الله عليه وسلم الناس في الأسرى يوم بدر، فقال: «إنّ الله قد أمكنكم منهم» فقام عمر فقال:

يا رسول الله؛ اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه الصّلاة والسّلام، ثمّ عاد صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيّها الناس؛

__________

الحمد لله وصلّى الله ... على نبيّه الذي اجتباه

يا سائلي والحادثات تكثر ... عن الذي وافق فيه عمر

وما يرى أنزل في الكتاب ... موافقا لرأيه الصواب

خذ ما سألت عنه في أبيات ... منظومة تأمن من شتات

ففي المقام، وأسارى بدر ... وآيتي تظاهر وستر

وذكر جبريل لأهل الغدر ... وآيتين أنزلا في الخمر

وآية الصيام في حل الرفث ... وقوله نِساؤُكُمْ حَرْثٌ يبث

وقوله لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى ... يُحَكِّمُوكَ إذ بقتل أفتى

وآية فيها لبدر أوبه ... وَلا تُصَلِّ آية في (التوبة)

وآية في (النور) هذا بُهْتانٌ ... وآية فيها بها الاستئذان

وفي ختام آية في (المؤمنين) ... تبارك الله بحفظ المتّقين

وثلّة من في صفات السابقين ... وفي سواه آية (المنافقين)

وعددوا في ذاك نسخ الرسم ... لآية قد نزلت في الرجم

وقال قولا هو في التوراة قد ... نبهه كعب عليه فسجد

وفي الأذان الذكر للرسول ... رأيته في خبر موصول

هنا انتهى ما ذكره من موافقات أبي حفص، ثمّ أولاه بموافقات أبي بكر، فانظر ذلك في «الحاوي» .

عن قتل آله نهى إذ خرجوا ... وفي خروجهم عليه حرج

وعن أبي البختري إذ لم يؤذه ... وصكّ نبذهم سعى في نبذه

إنّ الله قد أمكنكم منهم» فقال عمر: يا رسول الله؛ اضرب أعناقهم، فأعرض عنه عليه الصّلاة والسّلام، ففعل ذلك ثلاثا، فقام أبو بكر الصدّيق فقال: يا رسول الله؛ أرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء، فذهب من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء) .

,

النهي عن قتل بني هاشم وأبي البختري:

ثمّ قال الناظم: (عن قتل آله) يتعلق بقوله: (نهى) يعني: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل آله بني هاشم (إذ خرجوا) إلى بدر مع المشركين (وفي خروجهم عليه) صلى الله عليه وسلم (حرج) أي: ضيق، فقد أخرج ابن إسحاق من حديث ابن عباس: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «إنّي قد عرفت أنّ رجالا من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحدا من بني هاشم.. فلا يقتله، ومن لقي أبا البختريّ بن هشام بن الحارث بن أسد.. فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فلا يقتله، فإنّما خرج مستكرها» ، وإلى ذلك أشار الناظم بقوله:

(و) نهى (عن) قتل (أبي البختري) بفتح الباء وإعجام الخاء عند النوويّ، وبضم الباء مع إهمال الحاء عند ...

غيره «1» ، وإنّما نهى عليه الصلاة والسلام عن قتله (إذ لم يؤذه) أي: لأنّه لم يؤذ رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من كان يؤذيه قبل، ولم يبلغه عنه شيء يكرهه، بل كان يذب عنه صلى الله عليه وسلم، وكان كثير الإكرام لبني هاشم ما داموا في الشّعب «2» ، يبعث إليهم بالأطعمة الكثيرة، ولما لامه أبو جهل.. قال أبو سفيان: دعوه، كريم وصل رحما، وقد سعى في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش في منابذته عليه الصّلاة والسّلام، كما أشار لهذا الناظم بقوله: (وصكّ) :

هو الكتاب، فارسي معرّب، وهو مضاف إلى قوله:

(نبذهم) أي: كتاب طرحهم؛ أي: مشركي قريش النّبيّ صلى الله عليه وسلم (سعى) أي: أبو البختريّ، وكان المتولي لكتابته بغيض بن عامر العبدريّ، بإملاء من قريش، فشلّت يده، وجملة (سعى) خبر قوله: (وصكّ) (في نبذه) أي: طرح الصك.

__________

(1) واسمه: العاصي بن هشام بن الحارث بن أسد.

(2) وذلك: أنّه لمّا فشا الإسلام، وكثر المسلمون، وبلغ المشركين إكرام النجاشي للقادمين عليه من المسلمين.. ائتمر المشركون، وكتبوا بينهم كتابا تعاقدوا فيه ألّا يناكحوا بني هاشم وبني المطّلب، ولا يبايعوهم، ولا يكلّموهم، ولا يجالسوهم حتى يسلموا سيدنا محمّدا صلى الله عليه وسلم إليهم، وعلقوا هذه الصحيفة في سقف الكعبة، وكان ذلك ليلة المحرم في السنة السابعة من البعثة، فصاروا في الشعب مضيقا عليهم نحوا من ثلاث سنين حتى فرج الله عنهم، وأخبر عليه الصّلاة والسّلام بأنّ الصحيفة قد أكلت الأرضة جميع ما فيها إلّا اسم الله تعالى، فكان كما أخبر عليه الصّلاة والسّلام.

وجاءه المجذّر بن ذيّاد ... وقال عنك قد نهى خير العباد

فقال والزّميل قال المصطفى ... لم ينه عن قتل الزّميل الحنفا

قتل المجذّر بن ذيّاد لأبي البختري:

(وجاءه) أي: أبا البختري (المجذّر) بصيغة اسم المفعول: المضعف (ابن ذيّاد) بفتح الذال وتشديد الياء، قال في «روض النّهاة» : (وهو أشهر من كسر الذال، وتخفيف الياء) .

وهو ابن عمرو بن مرة البلويّ الخزرجيّ، شهد بدرا، وقتله الحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري الأوسي يوم أحد، بأبيه سويد، وكان المجذّر قتله في الجاهلية، في حرب الأوس والخزرج، فلمّا اشتبك القتال بين المسلمين والمشركين يوم أحد.. عدا الحارث على المجذّر فقتله غيلة، فأخبر جبريل النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ولحق الحارث بمكة مرتدا، ثمّ جاء تائبا لما نزلت: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ، وحملها إليه رجل وقرأها عليه، فقال الحارث: والله إنّك لصدوق، وإنّ الله أصدق الصادقين، فأسلم ثمّ قتله النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمجذّر (وقال) أي: المجذّر لأبي البختري (عنك) أي: عن قتلك (قد نهى خير العباد) صلى الله عليه وسلم.

(فقال) أبو البختري (والزميل) أي: الرفيق، يعني:

تقتله أم قد نهيت عنه، واسمه: جنادة بن مليحة من بني ليث (قال) المجذر (المصطفى) صلى الله عليه وسلم، وهو

فقال والنّخوة تأبى والإبا ... عن تركه جبنا وحكّم الظّبا

لا يسلم ابن حرّة زميله ... حتّى يموت أو يرى سبيله

مبتدأ، وخبره جملة قوله: (لم ينه عن قتل الزميل) ، وقوله: (الحنفا) : جمع حنيف، وهو المائل عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مفعول (ينه) أي: لم ينه صلى الله عليه وسلم أصحابه الحنفاء عن قتل الزميل، إنّما نهى عنك.

(فقال) أبو البختريّ لسبق شقاوته في الأزل والعياذ بالله، (والنخوة) مثلث النون: التكبر (تأبى والإبا) أي:

الامتناع عن الضيم (عن تركه) أي: الزميل (جبنا) أي:

خوفا من الموت، (وحكّم الظّبا) بوزن هدى: جمع ظبة كثبة: حدّ السيف، ومقول القول:

(لا يسلم ابن حرة زميله ... حتى يموت أو يرى سبيله)

فإنّه قاله لما حمل المجذّر بالسيف، ولكن طعنه المجذّر رضي الله عنه، بعد أن قاتله فقتله، وفي ذلك يقول المجذّر:

أو بشّرن بمثلها منّي بني ... أنا الذي يقال أصلي من بلي

إمّا جهلت، أو نسيت نسبي ... فأثبت النسبة إنّي من بلي

الطاعنين برماح اليزني ... والطاعنين الكبش حتى ينحني

وإذ نهى عن قتل عمّه هفا ... أبو حذيفة وقال سخفا

بشّر بيتم من أبوه البختري ... أطعن بالصّعدة حتى تنثني

وأعبط القرن بعضب مشرفي ... أرزم للموت كإرزام المري

فلا يرى مجذّر يفري فري

ثمّ أتى المجذّر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:

والذي بعثك بالحق؛ لقد جهدت عليه أن يستأسر، فآتيك به، فأبى إلّا أن يقاتلني، فقاتلته.. فقتلته.

,

مقالة أبي حذيفة وتكفيرها بالشهادة:

(وإذ نهى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن قتل عمه) العباس بن عبد المطلب؛ لأنّه إنّما خرج مستكرها (هفا) أي: زلّ (أبو حذيفة) : قيس بن عتبة بن ربيعة (وقال) قولا (سخفا) يريد مرذولا: وهو أنقتل آباءنا، وإخواننا، وعشيرتنا، ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألحمنّه السيف، فبلغ هذا القول النّبيّ صلى الله عليه وسلم:

فقال: «يا أبا حفص «1» - قال عمر: والله إنّه لأول يوم كناني فيه أبا حفص- أيضرب وجه عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف؟ فقال عمر: يا رسول الله؛ دعني أضرب عنقه؛ فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة، ولا زلت منها خائفا، إلّا أن تكفّرها الشهادة.

__________

(1) الحفص: ولد الأسد، أراد صلى الله عليه وسلم شدة سيدنا عمر رضي الله عنه.

وكفّرت هفوته الشّهاده ... يوم اليمامة لها أراده

وإذ رآه المصطفى تضجّرا ... من جرّ عتبة أبيه اعتذرا

(وكفّرت هفوته) أي: زلته تلك، وهو مفعول (كفرت) مقدم على فاعله الذي هو (الشهادة يوم اليمامة) :

هو يوم مشهور، كان في أيام أبي بكر، بعث فيه جيشا لقتال مسيلمة الكذاب، قتل فيه وحشيّ مسيلمة، واستشهد فيه أبو حذيفة ومولاه سالم، وجد أحدهما قتيلا عند رجل الآخر، رضي الله عنهما.

وكان ذلك في ربيع الأوّل من سنة اثنتي عشرة من الهجرة، كذا في تاريخ الخميس.

والذي يقتضيه كلام ابن الأثير وابن خلدون في «تاريخهما» : أنّها كانت في أواخر السنة الحادية عشرة؛ لأنّهم ذكروا أنّ مسير خالد إلى العراق في أوّل سنة اثنتي عشرة، وكان بعد فراغه من قتل أهل اليمامة، كذا في «الفتوحات الإسلامية» (لها) أي: للشهادة، يتعلق بقوله:

(أراده) أي: اليوم.

قال في «روض النهاة» : (ليس معناه: أنّه لم يقصد لها الأيام التي قبله، بل كل وقعة يقصدها للشهادة، لكن لم تقدّر؛ لامتداد أجله إلى ذلك اليوم) .

,

تمني أبي حذيفة موت أبيه على الإسلام:

(وإذ رآه) أي: أبا حذيفة (المصطفى) صلى الله عليه وسلم (تضجرا) من التضجر، وهو القلق من الغم (من جرّ)

بأنّه كان يرى أنّ أباه ... يحجزه عن ميتة السّوء حجاه

وإذ معاذ بن عمرو بن الجموح ... أطنّ ساق ابن هشام الطّموح

أي: بسبب جرّ المسلمين إلى القليب (عتبة أبيه) مجرور بالفتحة، وأبيه بدل منه مجرور بالباء (اعتذرا) بألف الإطلاق كسابقه؛ أي: اعتذر أبو حذيفة.

(بأنّه كان يرى) أي: يعتقد (أنّ أباه) عتبة (يحجزه) أي: يكفه، ويمنعه (عن ميتة السوء) : وهي الموت على الكفر والعياذ بالله، وفاعل يحجزه قوله: (حجاه) بكسر الحاء؛ أي: عقله؛ يعني: أنّه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمشركين أن يلقوا في القليب.. أخذ عتبة بن ربيعة، فسحب إلى القليب، فنظر النّبيّ صلى الله عليه وسلم في وجه ابنه أبي حذيفة.. فإذا هو كئيب متغير، فقال صلى الله عليه وسلم: «لعلّك قد دخلت من شأن أبيك شيء» أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فاعتذر أبو حذيفة فقال: لا والله يا رسول الله، ما شككت في أبي، ولا في مصرعه، ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلمّا رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له.. أحزنني ذلك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير، وقال خيرا.

,

مقتل أبي جهل:

(وإذ معاذ بن عمرو بن الجموح) بن حرام بن كعب بن غنم بن سلمة بكسر اللام (أطنّ) قطع (ساق) أبي جهل (بن

فطرح ابنه الهزبر عكرمه ... عاتقه وجرّه في الملحمه

ألصق خير مرسل فالتصقا ... عاتقه لمّا عليه بصقا

هشام الطموح) أي: الجموح الراكب هواه لغيّه؛ وذلك أنّ معاذا قال: رأيت أبا جهل وقد أحاطوا به وهم يقولون:

أبو الحكم لا يخلص إليه، فلمّا سمعتها.. عمدت نحوه، وحملت عليه، فضربته ضربة أطنّت قدمه بنصف ساقه، فوالله ما أشبّهها حين طاحت إلّا بالنواة تطيح من تحت مرضحة «1» النوى حين يضرب بها.

(ف) بسبب ذلك ضرب معاذا عكرمة بن أبي جهل على عاتقه كما قال: (طرح ابنه الهزبر) بفتح الزاي، وإسكان الباء هنا، وفيه إسكان الزاي وفتح الباء، وهو الأسد، (عكرمه) وقد أسلم عام الفتح رضي الله عنه، وما أحسن تعبير الناظم في جانب الابن الذي أسلم بعد بالهزبر، وأبيه الذي مات كافرا بالطموح (عاتقه) : هو ما بين المنكب والعنق وهو موضع الرداء، (وجرّه) أي: جر معاذ عاتق نفسه (في الملحمه) الوقعة العظيمة في الفتنة، والمراد هنا ساحة القتال.

(ألصق خير مرسل) صلى الله عليه وسلم عاتقه في مكانه (فالتصقا) بألف الإطلاق؛ وفاء له (عاتقه) وقوله: (لما عليه بصقا) بتخفيف الميم على أنّ ما مصدرية؛ أي: لبصوقه عليه، أو بتشديدها، على أنّ لمّا حينية؛ أي: فالتصق حين

__________

(1) بحاء مهملة ومعجمة: آلة يكسر بها نوى التمر.

بصق عليه؛ أي: أخرج ريقه، ورمى به، قال معاذ:

وضربني ابنه عكرمة على عاتقي، فطرح يدي، فتعلقت بجلدة من جنبي، وأجهضني؛ أي: شغلني القتال عنها، فلقد قاتلت عامة يومي، وإنّي لأسحبها خلفي، فلمّا آذتني وضعت عليها قدمي، ثمّ تمطيت بها عليها، حتى طرحتها.

قال في «المواهب» : (وجاء معاذ بن عمرو يحمل يده ضربه عليها عكرمة- إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ذكره القاضي عياض عن ابن وهب، فبصق عليه الصّلاة والسّلام عليها، فلصقت) .

,

طرح قتلى المشركين في القليب ونداؤهم:

(و) لما ألقى النّبيّ صلى الله عليه وسلم قتلى المشركين في القليب (كلّم النّبيّ) صلى الله عليه وسلم (جثثهم) : جمع جثة، وهو الشخص (موبّخا) أي: ملوّما (ل) - لمشركين المشبّهين با (لخشب) تشبيها بليغا في عدم النفع، وهو بضمّتين جمع خشبة، وفي التنزيل في صفة المنافقين: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وفي الحديث في صفتهم أيضا: «خشب بالليل، صخب بالنهار» أراد أنّهم ينامون الليل لا يصلون، كأنّ جثثهم خشب مطروحة.

__________

- أبو جهل: هل أعمد من رجل قتلتموه؟) قال في «الفتح» : (أعمد- بالمهملة-: أفعل تفضيل من عمد؛ أي: هلك، يقال: عمد البعير يعمد عمدا بالتحريك، إذا ورم سنامه من عض القتب، فهو عميد، ويكنى بذلك عن الهلاك) اهـ

وأشار الناظم رحمه الله تعالى إلى ما ذكره الحافظ اليعمريّ في «العيون» قال: (روينا عن ابن عائذ، أخبرني الوليد بن مسلم، أخبرني سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة «1» ثلاثا، فلمّا كان يوم بدر..

أقام ثلاثا، وألقى بضعة وعشرين رجلا من صناديد قريش في طويّ من أطواء بدر، ثمّ أمر براحلته، فشدّ عليها رحلها، فقلنا: إنّه منطلق لحاجة، حتّى وقف على شفى الرّكي، فجعل يقول: «يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان ... » )

الحديث.

قال العبد الضعيف: وتمامه: «هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا» فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله؛ كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنّهم لا يستطيعون أن يردّوا شيئا» .

قال الحافظ اليعمريّ: (روينا من طريق مالك بن سليمان الهرويّ قال: حدّثنا معمر، عن حميد الطويل، عن أنس، وفي آخره قال قتادة: أحياهم الله حتى سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، توبيخا لهم) .

__________

(1) العرصة بوزن الضربة: كل بقعة بين الدور واسعة، ليس فيها بناء. اهـ «مختار»

هذا حمل لهذا الخبر على ظاهره، وقد روينا عن عائشة رضي الله عنه: أنّها تأوّلت ذلك، وقالت: إنّما أراد النّبيّ صلى الله عليه وسلم: أنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي أقول لهم هو الحق، ثمّ قرأت: إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الآية.

قال السهيليّ في «الروض» : (وعائشة لم تحضر- يعني بدرا- وغيرها ممّن حضر أحفظ للفظه عليه الصّلاة والسّلام، وقد قالوا له يا رسول الله؛ أتخاطب قوما قد جيّفوا، أو جيفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين.. جاز أن يكونوا سامعين: إمّا بآذان رؤوسهم، إذا قلنا: إنّ الروح يعاد إلى الجسد، أو إلى بعض الجسد عند المسألة، وهو قول الأكثرين من أهل السنة.

وإمّا بأذن القلب، أو الروح، على مذهب من يقول بتوجه السؤال إلى الروح، من غير رجوع منه إلى الجسد أو بعضه.

وقد روي أنّ عائشة احتجّت بقوله الله تعالى: وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ، وهذه الآية كقوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ أي: أنّ الله تعالى هو الذي يهدي، ويوفّق، ويوصل الموعظة إلى آذان القلوب لا أنت.

وجعل الكفار أمواتا، وصمّا على جهة التشبيه بالأموات، وبالصم، فالله هو الذي يسمعهم على الحقيقة إذا شاء، لا نبيّه، ولا أحد؛ فإذن لا تعلق بالآية من وجهين:

أحدهما: أنّها نزلت في دعاء الكفار إلى الإيمان.

وعاين النّاس المصارع الّتي ... أخبرهم بها مقيم الملّة

والآخر: أنّه إنّما نفى عن نبيه أن يكون هو المسمع لهم، وصدق الله؛ فإنّه لا يسمعهم إذا شاء إلّا هو، ويفعل ما شاء، وهو على كل شيء قدير) اهـ

إخبار الرسول بمصارع المشركين بأسمائهم قبل القتال:

(وعاين) أي: أبصر (الناس) أي: الصحب الكرام (المصارع) جمع مصرع، وهو موضع الصرع؛ أي:

الطرح.

قال في «المصباح» : الصريع من الأغصان: ما تهدّل وسقط إلى الأرض، ومنه قيل للقتيل: صريع، والجمع:

صرعى.

والمعنى: وأبصر المسلمون مواضع صرع الكفار (التي أخبرهم بها) أي: بالمصارع (مقيم الملة) صلى الله عليه وسلم.

قال في «المواهب» : (وفي «الطبراني» عن أنس رضي الله عنه قال: أنشأ عمر بن الخطاب يحدّثنا عن أهل بدر فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس من بدر: يقول: «هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى» قال عمر: فو الذي بعثه بالحقّ؛ ما أخطؤوا الحدود التي حدّها صلى الله عليه وسلم حتى انتهى إليهم، فقال:

«يا فلان بن فلان؛ ويا فلان بن فلان؛ هل وجدتم ما وعدكم الله حقا؟ فإنّي وجدت ما وعدني الله حقا» ) .

فحقّق الله له ما وعدا ... وأوهن الكفر وأيّد الهدى

قال العبد الضعيف: وحملت الناس فيما ذكر على الصحب الكرام، على معنى أنّ ما أخبرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين في شأن كفار قريش هو حق، وآمن به الصحب، وبمشاهدة ذلك قد ازداد الإيمان عيانا، والبيان بيانا، فهو من باب (عين اليقن) وفيه علم من أعلام النبوّة باهر.

,

نصر الله الموعود للمؤمنين:

(فحقق الله له) أي: لنبيّه صلى الله عليه وسلم (ما وعدا) أي: الذي وعده من النصر على أعدائه؛ حيث أذن له في الجهاد بقوله عزّ وجلّ: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ «1» ، وقول الله تعالى: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ

، وقوله تعالى: وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ، ومن إظهار دينه على الدين كله بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً.

__________

(1) قال في «الفتح» : (عن الزّهري: إنّها أول آية نزلت في القتال، كما أخبرني عروة عن عائشة، أخرجه النسائي، وإسناده صحيح، وأخرجه هو والترمذي، وصححه الحاكم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: لما خرج النّبيّ صلى الله عليه وسلم من مكّة.. قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم ليهلكن، فنزلت: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ الآية، قال ابن عباس: فهي أول آية نزلت في القتال) اهـ

لهم من الله كتاب سابق ... لذاك ما شهدها منافق

(وأوهن) أي: أضعف (الكفر) بقتل أئمّته؛ فإنّ غالب قتلى بدر من المشركين: صناديدهم، ورؤساؤهم (وأيد) أي: قوّى (الهدى) : وهو دين الإسلام، بتأييد أهله، فهم عند الله من الأبرار، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حارثة بن سراقة الأنصاري وقد أصيب يوم بدر: «إنّه في جنة الفردوس» .

وذكر البخاري بسنده إلى معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقيّ عن أبيه- وكان أبوه من أهل بدر- قال: (جاء جبريل فقال:

ما تعدّون أهل بدر فيكم؟ قال: «من أفضل المسلمين» أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة) وهذا مع قلة المسلمين وكثرة المشركين، مع ما كانوا فيه من سوابغ الحديد والعدّة الكاملة والخيل المسوّمة.

قال في «المواهب» : (أعزّ الله تعالى بيوم بدر رسوله، وأظهر وحيه، وتنزيله، وبيّض الله وجه النّبي وقبيله، وأخزى الشيطان وجيله) ؛ ولهذا قال الناظم رحمه الله تعالى:

,

المغفرة لأهل بدر:

(لهم) أي: للصحابة الذين شهدوا بدرا (من الله كتاب) أي: قدر قدّره الله لهم (سابق) في أزله على سعادتهم.. حتى قال صلى الله عليه وسلم لسيدنا عمر رضي الله عنه- حين كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش، وبعثه مع سارة قينة صيفي بن هاشم يخبرهم: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم يريد

غزوهم، فبعث صلى الله عليه وسلم إلى حاطب، فاعتذر، فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقد نافق-:

«يا عمر «1» ؛ إنّه قد شهد بدرا، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال لهم: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم» .

وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «إنّ الله اطّلع على أهل بدر فقال:

اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرت لكم» .

واعلم: أنّه ليس في ذلك الترخيص لهم في فعل المعاصي، بل المعاصي إذا أتوها.. فهي معاص في حكم الشرع، لا مباحات، ولكن لا يترتب عليها العقاب في الآخرة بل في الدنيا، فقد ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث جابر: «لن يدخل النار رجل شهد بدرا، والحديبية» فهم ناجون في حكم الآخرة، ولا دلالة في الحديث على أنّه لا يقام عليهم الحد؛ فقد أقام عليه الصّلاة والسّلام الحدّ على مسطح، وهو بدريّ، وعمر بن الخطاب على قدامة بن مظعون الحد لما شرب الخمر.

,

بعض الأسرى من قريش:

أسر أبي عزيز بن عمير:

(وابن عمير) بالتصغير (مصعب) «2» ، وعمير: هو ابن

__________

(1) النصيل: حجر طويل مدملك، قدر شبر أو ذراع، جمعه نصل اهـ «نهاية»

(2) يكنى أبا عبد الله، أحد السابقين إلى الإسلام، قال أبو عمر: (أسلم قديما والنّبيّ صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم، وكتم إسلامه خوفا من أمه وقومه، فعلمه عثمان بن طلحة، فأعلم أهله فأوثقوه، فلم يزل محبوسا إلى أن هرب مع من هاجر إلى الحبشة، ثمّ هاجر إلى مكة، فهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، ولم يشهدها من بني عبد الدار إلّا هو وسويبط بن حرملة، ثمّ شهد أحدا ومعه اللواء، فاستشهدوا بها) . قال في «الروض الأنف» (1/ 269) : (كان قبل الإسلام من أنعم قريش عيشا وأعطرهم، وكانت أمه شديدة الكلف به، وكان يبيت وقعب الحيس عند رأسه، يستيقظ فيأكل، فلمّا أسلم.. أصابه من الشدة ما غيّر لونه، وأذهب لحمه، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه وعليه فروة رقعها فيبكي؛ لما كان يعرف من نعمته، وحلفت أمه حين أسلم-

فحضّهم أن شدّدوا إنّ له ... أمّا مليّة تفكّ كبله

عبد مناف بن عبد الدار بن قصيّ (مرّ على) أخيه (شقيقه) أبي عزيز، واسمه زرارة، فيما قاله ابن الأثير في «أسد الغابة» وكان لهما أخ آخر لأبويهما، وهو أبو الرّوم بن عمير، وغلط من جعله ممّن قتل يوم أحد كافرا؛ ذاك أبو عزة، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى (مستأسرا) : بفتح السين الثّانية؛ أي: مرّ عليه حال كونه أسيرا (للفضلا) من الصحابة، ولم يؤسر من بني عبد الدار إلّا هو، قاله في «روض النّهاة» .

(فحضهم) أي: فحثّ مصعب الفضلاء ب (أن شدّدوا) عليه في الوثاق (إنّ له أمّا ملية) بتشديد الياء المفتوحة؛ أي:

__________

- وهاجر، ألّا تأكل ولا تشرب ولا تستظل حتى يرجع إليها، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشيا عليها، وكان بنوها يحشون فاها بشجار- وهو عود- فيصبون فيه الحساء لئلّا تموت، ولما سأل الأنصار النّبيّ صلى الله عليه وسلم أن يرسل معهم من يرشدهم للدين، ولا يكون منهم خوف التنافس.. بعثه معهم هو وابن أم مكتوم، فنزلا على سعد بن زرارة رضي الله عنهم، وأسلم على يده جل الأنصار) . وقال في «الإستيعاب» : (يقال: إنّ مصعبا أوّل من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين المدينة مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ثمّ أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم، ثمّ أتانا بعده عمار بن ياسر، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وبلال، ثمّ أتانا عمر بن الخطاب في عشرين راكبا رضي الله عنهم، ثمّ هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم علينا مع أبي بكر رضي الله عنه، قتله يوم أحد شهيدا ابن قمئة الليثي، وهو يومئذ ابن أربعين سنة وأزيد شيئا رضي الله عنه وعنا به، ويقال: إنّ فيه نزلت: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) .

موسرة (تفك كبله) أي: تطلقه من قيده؛ بأن تعطي فداءه.

وصية رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بإكرام الأسرى:

قال ابن إسحاق: (وحدّث نبيه بن وهب أخو بني عبد الدار: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى.. فرّقهم بين أصحابه، وقال: «استوصوا بهم خيرا» ، قال: وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسرى، فقال أبو عزيز: مرّ بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال:

شدّ يدك به؛ فإنّ أمّه ذات متاع؛ لعلّها تفديه منك، قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم.. خصّوني بالخبز، وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلّا نفحني بها، فأستحي، فأردّها على أحدهم، فيردّها عليّ ما يمسها) .

قال ابن هشام: (وكان أبو عزيز هذا صاحب لواء المشركين ببدر بعد النضر بن الحارث، ولما قال أخوه مصعب لأبي اليسر- وهو الذي أسره- ما قال.. قال له أبو عزيز: يا أخي؛ هذه وصاتك بي؟! فقال له مصعب: إنّه أخي دونك، فسألت أمّه عن أغلى ما فدي به قرشيّ، فقيل لها: أربعة آلاف درهم، فبعثت بأربعة آلاف درهم، ففدته بها) .

وابن الرّبيع صهر هادي الأمّة ... إذ في فداه زينب أرسلت

,

حال أبي العاص مع زينب قبل إسلامه:

ثمّ أراد الناظم أن يبين حال أبي العاصي إذ ذاك مع ابنته صلى الله عليه وسلم فقال: (أوصى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (به من حيث الاكرام) لمثواه (ابنته) زينب؛ لأنّهم أهل الإكرام، ولما سبق بينهما من الزوجية الموجبة لمراعاة الفضل والاحترام، وقد قال تعالى في التي لم يدخل بها الزوج: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ.

(لكن نهاها) أي: زينب رسول الله صلى الله عليه وسلم، (أن تكون) زينب (بعلته) أي: زوجة لأبي العاصي بن الرّبيع.

__________

(1) بكسر الشين المشددة: العود الذي يدخل في العروة. اهـ «المختار»

وما ارتضى من بعد إسلام ابنته ... وكفره بقاءها في عصمته

لو أنّه يحلّ أو يحرّم ... بمكّة عنها الحليل يحسم

(و) هو صلى الله عليه وسلم (ما ارتضى من بعد إسلام ابنته) زينب (وكفره) أي: أبي العاصي (بقاءها) بالنصب معمول ل (ارتضى) ، وقوله: (في عصمته) متعلق ببقائها؛ أي: وما ارتضى بقاء زينب؛ لأنّها لا تحل له لأنّها مسلمة نشأت في بيت النبوة، قال تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وما وقع في «تفسير القرطبي» في (سورة الممتحنة) ممّا يخالف ما ذكر.. غير صحيح أو هو مدسوس عليه، وكان الواجب على صاحب التعليق التنبيه عليه.

فإن قيل: إذا كان الأمر كذلك.. فلم لم يفرق بينهما صلى الله عليه وسلم يوم كان بمكة؟ قلنا: أجاب عنه الناظم بقوله:

(لو أنّه) أي: رسول الله صلى الله عليه وسلم (يحل أو يحرّم بمكة) يعني: لو أنّه يطاع بمكة فيما يأمر به من الحلال، وينهى عنه من الحرام (عنها) أي: عن زينب، متعلق بيحسم (الحليل) مفعول مقدم لقوله: (يحسم) بكسر السين؛ أي: عنها الحليل أبا العاصي، لكن لمّا منّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإطلاق من الأسر بلا فداء.. عهد إليه أن يخلّي سبيل ابنته إليه، وقد فعل.

قال ابن إسحاق: (وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحلّ بمكّة ولا يحرّم، مغلوبا على أمره، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين

وسئل الإيمان كي يحوزا ... مال قريش وبه يفوزا

فهاب أن يبدأ بالخيانه ... إيمانه ويدع الأمانه

فردّها لأهلها وأسلما ... وآب إذ إلى قريش أسلما

أبي العاصي، وكان لا يقدر على أن يفرّق بينهما) .

قال في «البداية» : (قلت: إنّما حرّم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة) .

,

أمانة أبي العاصي وشرفه وإسلامه:

(وسئل) أبو العاصي (الإيمان) بالله ورسوله (كي يحوزا مال قريش) الذي معه وقوله: (وبه) يتعلق بقوله: (يفوزا) بالنصب، معطوف على يحوزا؛ أي: كي يفوز بالمال.

(فهاب) أبو العاص (أن يبدأ بالخيانة) هي ضد الأمانة (إيمانه ويدع) أي: يترك (الأمانة) ولو من مشرك.

قال ابن هشام: (وحدّثني أبو عبيدة: أنّ أبا العاصي بن الرّبيع لما قدم من الشام، ومعه أموال المشركين.. قيل له:

هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الأموال؛ فإنّها أموال المشركين؟

فقال أبو العاصي، بئس ما أبدأ به إسلامي، أن أخون أمانتي) .

(فردها) أي: الأمانة، وهي الأموال (لأهلها) قريش، قال: (يا معشر قريش؛ هل بقي لأحد منكم مال لم يأخذه؟

قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، فقد وجدناك وفيّا كريما، قال:

فأنا أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلّا تخوّف أن تظنوا أنّي إنّما أردت

فردّها إليه خير مرسل ... بالعقد الاوّل على القول الجلي

أن آكل أموالكم، فلمّا أدّاها الله إليكم وفرغت منها..

أسلمت) .

فقوله: (وأسلما) أي: دخل في الإسلام قبل الفتح سنة ثمان، كما قال ابن كثير (وآب) أي: رجع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم معلنا إسلامه (إذ إلى قريش) يتعلق بقوله:

(أسلما) بمعنى: أعطى أمانتهم؛ أي: ورجع إلى المدينة لما أعطى قريشا أموالهم.

,

رد زوجه زينب إليه:

(ف) لمّا ردّ أبو العاصي إلى قريش أموالهم، وقد مسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم (ردّها) أي: زوجه زينب (إليه) أي: أبي العاصي (خير مرسل) عليه الصّلاة والسّلام من الإله العلي (بالعقد) الصحيح (الأول) لم يجدد نكاحا لها (على القول الجلي) أي: الظاهر الذي رواه ابن إسحاق عن داوود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس «1» : (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّ زينب على أبي العاصي على النكاح الأول، ولم يحدث شيئا بعد ست سنين) .

قال السّهيلي: (ويعارض هذا ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «2» : «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم ردّها عليه

__________

(1) رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي وابن ماجه، من حديث محمّد بن إسحاق «بداية» (332) .

(2) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه

وأمّه هالة أخت صهرته ... والمصطفى رضي عن صهارته

بنكاح جديد» وهذا الحديث هو الذي عليه العمل، وإن كان حديث داوود بن الحصين أصح إسنادا عند أهل الحديث، ولكن لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت؛ لأنّ الإسلام كان فرّق بينهما، قال تعالى: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ومن جمع بين الحديثين قال في حديث ابن عباس: معنى: ردها عليه على النكاح الأوّل؛ أي: على مثل النكاح الأول في الصّداق والحباء، لم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا غيره) اهـ

ثمّ أراد أن يبين نسبة أبي العاصي لأمّنا خديجة رضي الله عنها فقال:

(وأمه) أي: أم أبي العاص المذكور (هالة) بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصيّ (أخت صهرته) أمنا خديجة من أبيها وأمها واسم أمّ خديجة رضي الله عنها فاطمة بنت زائدة بن الأصم.

قال ابن منده: (روت عائشة عنها حرفا في حديث) كذا اختصر.

قال الحافظ: (وكأنّه أشار إلى ما أخرجه البخاري في «الصحيح» من طريق علي بن مسهر، عن هشام بن عروة،

__________

عن جده، قال الإمام أحمد: (هذا حديث ضعيف واه، لم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب، إنّما سمعه من محمّد بن عبد الله العرزمي لا يساوي حديثه شيئا، والحديث الصحيح الذي روي: «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أقرها على النكاح الأول» ) اهـ

والمسلمون خيّروا بين الفدا ... وقدرهم في قابل يستشهدا

عن أبيه، عن عائشة قالت: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، وقال: «اللهمّ هالة «1» » ففزعت.

فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش..) الحديث.

وأصل الحديث في «الصحيحين» من غير ذكر هالة.

(والمصطفى) عليه الصلاة والسّلام (رضي عن صهارته) فقال: «حدّثني فصدقني، ووعدني فوفى لي» وذلك حين خطب عليّ بنت أبي جهل، وفي هذه الخطبة قال صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع بنت نبي الله وبنت عدوّ الله مكانا واحدا» .

قال في «الفتح» : (أخذ منه عدم جواز التزوج على بنت النبيّ، بخلاف التسرّي؛ لأنّ عليّا رضي الله عنه وطئ جارية من الخمس في بعض سراياه) .

,

فداء أسرى بدر:

ثمّ أراد الناظم أن يشرح الكلام على الفداء فقال:

(والمسلمون) والمراد بهم: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم البدريون (خيّروا) بالبناء للمفعول (بين) أخذ (الفدا) من الأسرى (و) لكن (قدرهم) عددهم، وهو سبعون (في قابل) عام مقبل (يستشهدا) بالألف المنقلبة عن

__________

(1) بالرفع؛ أي: هذه هالة، أو بالنصب؛ أي: اجعلها هالة.

وبين قتلهم فمالوا للفدا ... لأنّه على القتال عضدا

وأنّه أدّى إلى الشّهادة ... وهي قصارى الفوز والسّعادة

نون التوكيد (وبين قتلهم) أي: الأسرى، والمخيّر لهم النّبيّ صلى الله عليه وسلم بأمر جبريل عليه السّلام، كما روى الترمذي والنّسائي وابن حبّان والحاكم بإسناد صحيح عن عليّ رضي الله عنه قال: (جاء جبريل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فقال: خيّر أصحابك في الأسرى، إن شاؤوا القتل، وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل منهم عاما مقبلا مثلهم قالوا: الفداء، ويقتل منا) .

ورواه ابن سعد من مرسل عبيدة فقالوا: (بل نفاديهم، فنتقوى به عليهم، ويدخل قابلا منا الجنة سبعون) .

(فمالوا للفدا) أي: لقبول الفداء منهم (لأنّه) أي:

الفداء عضد (على القتال) فهو متعلق بقوله: (عضدا) المبني للفاعل بمعنى: أعان.

(وأنّه) أي: الفداء (أدى) أي: أوصل (إلى) الظفر ب (الشهادة) في سبيل الله تعالى (وهي) أي: الشهادة (قصارى) بضم القاف؛ أي: غاية (الفوز والسعادة) .

ولما اختاروا الفداء استشهد منهم في العام القابل وهو عام أحد، سبعون رجلا.

ثمّ أراد أن يبين مقدار ما كان به الفداء من المال فقال:

وهو بقدر وسعهم والمملق ... من خطّه عشرة يحذّق

ومن مشاهير الأسارى عمرو ... نجل أبي سفيان ثمّ الصّهر

(وهو) أي: الفداء (بقدر وسعهم) أي: طاقة الأسرى، أربعة آلاف درهم، كأبي وداعة، وأبي عزيز، إلى ثلاثة، إلى ألفين، إلى ألف (والمملق) بميمين على صيغة اسم الفاعل، من أملق بمعنى: افتقر؛ أي: والفقير، وقد عرف الخطّ (من خطه) يتعلق بقوله: (يحذق) وقوله:

(عشرة) بالنصب معمول لقوله: (يحذق) بالبناء للفاعل؛ والمعنى: أن من لم يكن عنده مال يفادي به نفسه، علّم عشرة من غلمان أهل المدينة الخطّ، فإذا حذقوا، وتعلّموا.. كان ذلك فداءه؛ لأنّ أهل مكة كانوا يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، فممّن تعلم الكتابة يومئذ سيدنا زيد بن ثابت رضي الله عنه في جماعة من غلمان الأنصار.

واعلم: أنّ جملة من أخذ أسيرا من المشركين ببدر سبعون رجلا، كما أنّ من هلك منهم سبعون، كما في «صحيح البخاري» من حديث البراء بن عازب.

واقتصر الناظم على ذكر المشهورين من الأسرى فقال:

,

من مشاهير أسرى قريش:

,

عمرو بن أبي سفيان:

(ومن مشاهير الأسارى) : (عمرو نجل) أي: ابن (أبي سفيان) صخر بن حرب.

قال ابن إسحاق: (وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط) .

قال ابن هشام: (بل كانت أمه أخت أبي معيط، وكان الذي أسره عليّا بن أبي طالب) .

قال ابن إسحاق: (وحدّثني عبد الله بن أبي بكر قال:

فقيل لأبي سفيان: افد عمرا ابنك، قال: أيجتمع عليّ دمي ومالي؟ قتلوا حنظلة، وأفدي عمرا، دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم. قال: فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة إذ خرج سعد بن النعمان بن أكّال أخو بني عمرو بن عوف، ثمّ أحد بني معاوية معتمرا، وكان مسلما في غنم له بالنّقيع «1» ، فخرج من هنا لك معتمرا، ولم يظن أنّه يحبس بمكّة إذا جاء معتمرا، وقد كان عهد قريش أنّ قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجّا أو معتمرا إلّا بخير، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة، فحبسه بابنه عمرو، وقال في ذلك:

أرهط بن أكّال أجيبوا دعاءه ... تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا

فإنّ بني عمرو لئام أذلّة ... لئن لم يفكّوا عن أسيرهم الكبلا

قال فأجابه حسّان بن ثابت يقول:

لو كان سعد يوم مكّة مطلقا ... لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا

__________

(1) موضع قرب المدينة، وأمّا البقيع بالباء.. فهو موضع داخل المدينة وفيه مقبرتها.

والعمّ وابنا أخويه وهما ... عقيل نوفل وبعد أسلما

بعضب حسام أو بصفراء نبعة ... تحنّ إذا ما أنبضت تحفز النبلا

قال: ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكّوا به صاحبهم، فأعطاههم النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فبعثوا به إلى أبي سفيان، فخلّى سبيل سعد) .

قال في «روض النّهاة» : (وليس لعمرو بن أبي سفيان عقب، ولم ير له ذكر بعد هذا بإسلام ولا بغيره) .

وقوله: (ثم الصّهر) أي: للنّبي صلى الله عليه وسلم بنكاحه أخته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فهو معطوف على قوله نجل.

العباس بن عبد المطّلب:

(و) من مشاهير الأسارى (العمّ) للنبيّ صلى الله عليه وسلم سيدنا العباس بن عبد المطّلب، أسره أبو اليسر، بفتح التحتية والسين المهملة، وبالراء، كما ضبطه الحافظ في «الفتح» ، واسمه كعب بن عمرو الأنصاريّ السّلمي بفتحتين.

قال في «المواهب» : (روى الطبراني والبزار من حديث أبي اليسر: وقيل: للعباس بن عبد المطّلب وكان جسيما، كيف أسرك أبو اليسر وهو دميم، ولو شئت.. لجعلته في

كفك؟ فقال: ما هو إلّا أن لقيته، فظهر في عيني كالخندمة، وهي بالخاء المعجمة: جبل من جبال مكة) .

قال في «روض النّهاة» : (واختلف في وقت إسلامه، فقيل: بدر؛ وذلك أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «افد نفسك» فقال: ليس لي مال أفدي به نفسي، فقال: «الذهب الذي تركته عند أم الفضل، وقلت لها: كيت وكيت» فقال:

أشهد أنّك رسول الله، والله ما حضرنا إلّا الله) .

,

هلاك أبي لهب بالعدسة:

وفي خبر أبي رافع مع أبي لهب دليل على تقدم إسلامه على بدر، وهو ما رواه ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلّف عن بدر، فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك كانوا صنعوا، لم يتخلف منهم رجل، إلّا بعث مكانه رجلا.

فلمّا جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش.. كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزّا، قال: وكنت رجلا ضعيفا، وكنت أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إنّي لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة،

وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر.. إذ أقبل أبو لهب يجرّ رجليه بشرّ، حتى جلس على طنب الحجرة «1» فكان ظهره إلى ظهري.

فبينما هو جالس؛ إذ قال الناس: هذا أبو سفيان واسمه: المغيرة بن الحارث بن عبد المطّلب- قد قدم، قال: فقال له أبو لهب: هلمّ إلي، فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه والناس قيام عليه، فقال يا ابن أخي:

أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: والله ما هو إلّا أن لقينا القوم، فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس.

لقينا رجال بيض، على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق «2» شيئا، ولا يقوم لها شيء.

قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثمّ قلت:

تلك والله الملائكة، قال: فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة.

قال: وثاورته «3» ، فاحتملني وضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ يضربني، وكنت رجلا ضعيفا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته، فضربته به ضربة،

__________

(1) أي: طرفها.

(2) تليق: تبقي.

(3) وثبت إليه.

فلعت «1» في رأسه شجّة منكرة، وقالت: استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام مولّيا ذليلا، فوالله ما عاش إلّا سبع ليال حتى رماه الله بالعدسة «2» فقتلته) اهـ

وبقي بعد موته ثلاثا لا تقرب جنازته؛ لأنّ قريشا تتشاءم بالعدسة، كما تتشاءم بالطاعون، فلمّا خاف بنوه السّبة- أي:

العار-.. حفروا له، ودفنوا جنازته بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتّى واروه.

ويروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنّها كانت لا تمرّ على مكان أبي لهب هذا، إلّا نشرت ثوبها حتى تجوز.

توفي العباس بالمدينة سنة (32) وجزع عليه ابنه سيدنا عبد الله رضي الله عنهما، حتى دخل عليه أعرابي فأنشده:

اصبر نكن بك صابرين فإنّما ... صبر الرعية بعد صبر الراس

خير من العباس صبرك بعده ... والله خير منك للعباس

فكان أجمل عزاء.

,

عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث:

(و) من مشاهير الأسرى (ابنا أخويه) أي: العباس

__________

(1) شقت.

(2) العدسة: بثرة تخرج في البدن فتقتله.

(وهما عقيل) بفتح العين «1» وترك التنوين للوزن، وهو ابن أبي طالب، أخو علي، وجعفر، وكان الأسنّ «2» ، يكنى عقيل: أبا يزيد، قال له صلى الله عليه وسلم: «يا أبا يزيد؛ إنّي أحبك حبّين: حبّا لقرابتك مني، وحبّا لما أعرف من حب عمي إياك» .

قال الحافظ في «الإصابة» : (وفي «تاريخ البخاري» الأصغر بسند صحيح: أنّه مات في أول خلافة يزيد قبل الحرّة) .

(نوفل) أي: ونوفل بن الحارث بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، يكنى: أبا الحارث (وبعد) أي: بعد بدر (أسلما) أي: عقيل، ونوفل.

أمّا عقيل.. فإنّه أسلم عام الفتح، كما قاله في «الإصابة» وضعّف القول بأنّه أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أوّل سنة ثمان.

وأمّا نوفل: فذكر في «الإستيعاب» : (أنّه أسلم وهاجر يوم الخندق) وقيل: أسلم يوم فدى نفسه.

واختلفوا أيضا في فدائه، فقيل: فداه العباس، وقيل:

فدى نفسه؛ وذلك: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال

__________

(1) كل ما جاء على هذا اللفظ في العرب فبضم العين.. إلّا هذا، وعقيل بن علفة المري، كذا في «روض النّهاة» اهـ

(2) كان أسن من جعفر بعشر سنين، وجعفر أسن من علي بعشر سنين، وطالب أسن من عقيل بعشر سنين، وأمهم كلهم: فاطمة بنت أسد رضي الله عنهم. اهـ من «الروض»

وخالد أخو أبي جهل وقد ... أسلم أيضا وسهيل الأسد

له «افد نفسك» قال: ما لي شيء أفتدي به، قال: «افد نفسك برماحك التي بجدّة» فقال: والله؛ ما علم أحد أنّ لي بجدة رماحا غيري بعد الله، أشهد أنّك رسول الله، ففدى نفسه بها، وكانت ألف رمح. ذكره الحافظ أبو عمر في «الإستيعاب» عن ابن سعد، وهذا ممّا يقوّي القول بأنّه أسر وفدى نفسه.

توفّي بالمدينة في داره بها سنة خمس عشرة، في خلافة عمر، وصلّى عليه عمر بعد أن مشى معه إلى البقيع، ووقف على قبره حتى دفن رضي الله عنه.

,

خالد بن هشام المخزومي، وسهيل بن عمرو العامري:

(و) من مشاهير الأسرى ببدر (خالد أخو أبي جهل) إذ ذاك، وقد قطع الإسلام تلك الأخوّة، فإنّه أسلم كما قال:

(وقد أسلم أيضا) مثل سابقيه، وهو ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشيّ المخزوميّ، قال الحافظ ابن عبد البرّ: (ذكره بعضهم في المؤلّفة قلوبهم) ، ثم قال:

(وفيه نظر) .

(وسهيل) - بالتصغير- ابن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي العامريّ، خطيب قريش (الأسد) أي: كالأسد في الشجاعة، فهو تشبيه بليغ، حذف منه الأداة، ووجه الشبه، أو هو الأسدّ، بتشديد

الدال؛ أي: قولا «1» ، والذي أسر سهيلا مالك بن الدّخشم، أخو بني سالم بن عوف، فقال في ذلك:

أسرت سهيلا فلا أبتغي ... أسيرا به من جميع الأمم

وخندف تعلم أنّ الفتى ... فتاها سهيل إذا يظّلم

ضربت بذي الشفر حتى انثنى ... وأكرهت نفسي على ذي العلم

__________

(1) قال الحافظ: هو الذي تولى أمر الصلح بالحديبية، وكلامه ومراجعته للنّبيّ صلى الله عليه وسلم في ذلك في «الصحيحين» وغيرهما. روى حميد بن أبي حسين قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكّة، ودخل البيت، ثمّ خرج فوضع يده على عضادتي الباب، فقال: «ماذا تقولون؟» فقال سهيل: نقول خيرا، ونظن خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت. فقال: «أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ قال في «روض النّهاة» : (خرج سهيل بجماعة أهله إلى الشام فجاهدوا.. حتى ماتوا كلهم هنا لك، فلم يبق من ولده إلّا فاختة بنت عتبة بن سهيل، قدم بها على عمر، وكانت تسمى الشريدة، فزوجها من عبد الرّحمن بن الحارث بن هشام، وكان أيضا يسمّى الشريد، كان أبوه خرج هو وسهيل حين قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية» قالا: لئن فاتتنا الهجرة وأوّل الإسلام فلا يفوتنا الجهاد، والشهادة، فخرج كل بأهله، فلم يرجع ممّن خرج معهما إلّا عبد الرّحمن الشريد، وفاختة الشريدة، فسمّاهما الناس بالشريدين، قال عمر رضي الله عنه: زوجوا الشريد من الشريدة، لعلّ الله ينشر منهما أمة، وأقطعهما خطة، فأوسعها لهما، فقيل له: أكثرت، فقال: أردت لكي ينشر الله منهما أمة، فأنشر الله منهما رجالا ونساء) ومعنى (الشريد) : الذي لم يبق من أهله غيره. قال في «الإصابة» : (توفي سهيل بالطاعون سنة ثمان عشرة، فيما قاله ابن خيثمة) .

ومكرز ركز في مركزه ... حتّى أتى فداؤه لعزّه

قال ابن إسحاق: (وكان سهيل رجلا أعلم «1» من شفته السفلى) .

(و) لما أسر سهيل.. قدم (مكرز) - بكسر الميم «2» وفتح الراء- ابن حفص بن الأخيف- في فداء سهيل، فلمّا قاولهم فيه مكرز، وانتهى إلى رضاهم.. قالوا: هات الذي لنا، قال: اجعلوا رجلي مكان رجله، وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه، فخلوا سبيل سهيل، و (ركز) مكرز (في مركزه) بفتح الميم وإسكان الراء؛ أي: وضع مكرز نفسه في موضع سهيل في القيد (حتى أتى فداؤه) أي: فداء سهيل، وإنّما فعل ذلك مكرز بسهيل (لعزه) أي: سهيل عندهم.

قال في «روض النّهاة» : (ومكرز هذا هو العامري الذي بعثه أهل مكة يوم الحديبية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمّا رآه.. قال: «أتاكم رجل فاجر، فلم يغن شيئا» فبعثوا سهيلا، فلمّا رآه صلى الله عليه وسلم.. قال: «سهّل الله لكم من أمركم» ، ولم نجد لمكرز إسلاما، ولا ذكرا في الصحابة، إلّا أنّ صاحب «نور النّبراس» ذكر: أنّ ابن حبّان ذكر له صحبة) .

قلت: وكذلك ذكر الحافظ ابن حجر في «الإصابة» عن

__________

(1) الأعلم: المشقوق الشفة العليا أو أحد جانبيها.

(2) يقال: بكسر الميم وفتحها، ولكن لا يروى في السيرة إلّا بالكسر. اهـ من «الروض» (ص 80)

وابن أبيّ وأبو وداعه ... أوّل مفديّ من الرّباعة

ابن حبان: (أنّه ذكره في الصحابة) والله تعالى أعلم.

عبد الله بن أبيّ بن خلف، وأبو وداعة السهمي:

(و) من الأسرى عبد الله (ابن أبيّ) بن خلف بن حذافة القرشيّ الجمحيّ، أسلم عام الفتح، وقتل يوم الجمل، رضي الله عنه.

(و) منهم الحارث (أبو وداعة) ابن ضبيرة السّهمي، ولما أسر.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ له بمكة ابنا كيّسا، تاجرا، ذا مال، وكأنّكم به قد جاء في طلب فداء أبيه» .

ولمّا قالت قريش: لا تعجلوا بفداء أسراكم، لا يأرب»

عليكم محمّد وأصحابه، قال المطّلب بن أبي وداعة- وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى-: صدقتم لا تعجلوا، وانسلّ من الليل، وقدم المدينة، وأخذ أباه بأربعة آلاف درهم، فانطلق به، فكان أول أسير فدي، كما قال:

(أوّل مفدي) وهو خبر مبتدأ مقدر، كما علم من التقرير، ويصح أن يكون خبر قوله: (وأبو وداعه) ، (من الرّباعه) بكسر الراء؛ أي: من أسارى بدر.

قال السّهيلي (أسلم هو وابنه المطّلب بن أبي وداعة يوم فتح مكّة) .

__________

(1) من أرب الدهر: اشتد.

وخالد بن الأعلم الّذي افتخر ... فكان قبل كلّ هوهة عجر

ومن مشاهير الممات حنظله ... منبّه وصنوه وابنان له

,

خالد بن الأعلم الخزاعي:

(و) منهم: (خالد بن الأعلم) الخزاعيّ، ويقال:

العقيليّ، كما قال ابن هشام (الذي افتخر) يوم بدر بقوله:

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدمنا تقطر الدّما

(فكان) خالد (قبل كل هوهة) بضم الهاء الأولى وفتح الثّانية بمعنى: جبان، يتعلق بقوله: (عجر) أي: ثنى عنقه، وفرّ سريعا قبل كل جبان، قتل يوم أحد كافرا، كما في «روض النّهاة» وغيره.

,

مشاهير من القتلى من مشركي قريش:

ثمّ لما فرغ من مشاهير الأسرى ببدر، وهم تسعة حسبما ذكر.. شرع في ذكر مشاهير القتلى من المشركين، فقال:

(ومن مشاهير الممات) بضم الميم من أمات يميت؛ أي: القتلى، والألف واللام للجنس، لا للاستغراق؛ لأنّه لم يستوعب مشاهيرهم (حنظلة) ابن أبي سفيان، قتله زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما ذكره ابن هشام واليعمري، وكذا (منبّه) بصيغة اسم الفاعل المضاعف وهو: ابن الحجاج بن عامر بن حذيفة، من بني سهم بن عمرو، قتله أبو اليسر أخو بني سلمة (و) كذا (صنوه) أي:

وهم نبيه حارث والعاصي ... أحد رهط غير ذي خلاص

من مكّة لكونه مستضعفا ... في زعمه ويوم بدر زحفا

مع قريش وتوفّت ظالمي ... أنفسهم ملائك الملاحم

شقيق منبّه (وابنان له) أي: لمنبّه، ثمّ بيّن أسماء الثلاثة على طريق اللف والنشر المرتب فقال:

(وهم) أي: صنوه وأبناء (نبيه) بالتصغير، ابن الحجاج، وأمه وأم منبه: أروى بنت عميلة، الذي قتله سيدنا حمزة بن عبد المطّلب وسعد بن أبي وقّاص، اشتركا فيه، فيما قاله ابن هشام. قال في «روض النّهاة» : (كان منبه ونبيه من المطعمين في الطريق إلى بدر) و (حارث) بن منبه بن الحجاج، قتله صهيب بن سنان.

,

المستضعفون بمكة في زعمهم الكاذب:

(والعاصي) بن منبه بن الحجاج، قتله علي بن أبي طالب، فيما قاله ابن هشام (أحد) بالرفع خبر مبتدأ مقدّر؛ أي: والعاصي المذكور أحد (رهط) بالتنوين: هو ما دون العشرة من الرجال، وما فيهم امرأة، كما في «القاموس» (غير ذي خلاص) أي: نجاة (من) أهل (مكة) بالتنوين للوزن (لكونه) أي: ذلك الأحد (مستضعفا في زعمه، و) الحال أنّه (يوم بدر زحفا، مع قريش) لقتال النّبيّ صلى الله عليه وسلم.

وقوله: (وتوفّت ظالمي أنفسهم ملائك الملاحم) جمع

وهم عليّ بن أميّة الرّدي ... والحارث بن زمعة بن الأسود

ملحمة؛ أي: الحرب، يشير إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً.

قال الحافظ السيوطي: (نزلت في جماعة أسلموا، ولم يهاجروا، فقتلوا يوم بدر مع الكفار) اهـ

مقتل علي بن أميّة، وأميّة بن خلف:

ثمّ أراد إتمام عدّ المستضعفين في زعمهم، وهم أربعة سوى العاصي، فقال:

(وهم عليّ بن أميّة) بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح (الردي) أي: الهالك بالموت على الكفر، والعياذ بالله تعالى؛ فإنّه قتل يوم بدر مع أبيه كافرين.

قال ابن إسحاق: (حدّثني يحيى بن عباد وعبد الله بن أبي بكر وغيرهما، عن عبد الرّحمن بن عوف قال: كان أميّة بن خلف لي صديقا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرّحمن، فكان يلقاني ونحن بمكة، فيقول: يا عبد عمرو؛ أرغبت عن اسم سمّاكه أبواك؟ فأقول: نعم، فيقول: فإنّي لا أعرف الرّحمن،

فاجعل بيني وبينك شيئا أدعوك به، أمّا أنت.. فلا تجيبني باسمك الأوّل، وأمّا أنا.. فلا أدعوك بما لا أعرف.

قال: وكان إذا دعاني: يا عبد عمرو.. لم أجبه، قال:

فقلت له: يا أبا عليّ؛ اجعل ما شئت، قال: فأنت عبد الإله، قال: فقلت: نعم، قال: فكنت إذا مررت به.. قال: يا عبد الإله، فأجيبه، فأتحدث معه، حتى إذا كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه عليّ، وهو آخذ بيده، قال: ومعي أدراع لي قد استلبتها، فأنا أحملها، فلمّا رآني.. قال: يا عبد عمرو، فلم أجبه، فقال: يا عبد الإله، فقلت: نعم، قال: هل لك فيّ؟ فأنا خير لك من هذه الأدرع التي معك. قال: قلت: نعم، ها الله ذا، قال:

فطرحت الأدراع من يدي، وأخذت بيده وبيد ابنه، وهو يقول: ما رأيت كاليوم قط! أما لكم حاجة في اللبن؟ ثمّ خرجت أمشي بهما) .

قال ابن إسحاق: (حدّثني عبد الواحد بن أبي عون عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه عن عبد الرّحمن بن عوف قال: قال لي أميّة بن خلف وأنا بينه وبين ابنه آخذا بأيديهما:

يا عبد الإله؛ من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره؟

قال: قلت: حمزة، قال: ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل، قال عبد الرّحمن: فوالله إنّي لأقودهما إذ رآه بلال معي، وكان هو الذي يعذّب بلالا بمكة على الإسلام، فلمّا رآه.. قال: رأس

الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، قال: قلت: أي بلال؛ أبأسيري، قال: لا نجوت إن نجا، قال: ثمّ صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله؛ رأس الكفر أميّة بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا، حتى جعلونا في مثل المسكة «1» ، فأنا أذبّ عنه قال: فأخلف رجل السيف، فضرب رجل ابنه فوقع، وصاح أميّة صيحة ما سمعت بمثلها قطّ، قال: قلت: انج بنفسك ولا نجاء به، فو الله ما أغني عنك شيئا، قال: فهبروهما بأسيافهم، حتى فرغوا منهما قال: فكان عبد الرّحمن يقول: يرحم الله بلالا، فجعني بأدراعي وبأسيريّ) .

وهكذا رواه البخاريّ في «صحيحه» قريبا من هذا السياق.

,

مقتل الحارث بن زمعة:

(والحارث بن زمعة بن الأسود) بن المطّلب بن أسد، وزمعة أبوه، ويكنى: أبا حكيمة، قتل هو وأخوه عقيل بن الأسود يومئذ، والأسود أحد المستهزئين، وأصابه في الدنيا ما أشار له العارف البوصيري بقوله:

فدهى الأسود بن مطّلب أيّ ... عمى ميّت به الأحياء

__________

(1) المسكة بالتحريك: السوار؛ أي: جعلونا في حلقة كالسوار وأحدقوا بنا. اهـ «نهاية»

فإنّه دعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يعمي الله بصره، ويثكله ولده. فخرج الأسود يستقبل ولده زمعة، فبينا هو قاعد بظل شجرة جعل جبريل يضرب عينيه بورقة من ورقها، أو بشوكة منها، فاستغاث بغلامه فقال: لا أحد يصنع بك شيئا غير نفسك، فهلك من ذلك.

نواح الأسود بن المطّلب على بنيه:

قال ابن إسحاق: (حدّثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير، عن أبيه عبّاد قال: ناحت قريش على قتلاهم، ثمّ قالوا: لا تفعلوا، فيبلغ محمّدا وأصحابه، فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، لا يأرب عليكم محمّد وأصحابه في الفداء) .

قال ابن إسحاق: (وكان الأسود بن المطّلب قد أصيب له ثلاثة من ولده: زمعة بن الأسود، وعقيل بن الأسود، والحارث بن زمعة، وكان يحب أن يبكي على بنيه، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة من الليل، فقال لغلام له وقد ذهب بصره: انظر هل أحلّ النحب؟ هل بكت قريش على قتلاها؟

لعلّي أبكي على أبي حكيمة- يعني زمعة- فإنّ جوفي قد احترق، قال: فلمّا رجع إليه الغلام.. قال: إنّما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته، فذاك حين يقول الأسود:

أتبكي أن يضلّ لها بعير ... ويمنعها من النوم السّهود

فلا تبكي على بكر ولكن ... على بدر تقاصرت الجدود

على بدر سراة بني هصيص ... ومخزوم ورهط أبي الوليد

وبكّي إذ بكيت على عقيل ... وبكّي حارثا أسد الأسود

وبكّيهم ولا تسمي جميعا ... وما لأبي حكيمة من نديد

ألا قد ساد بعدهم رجال ... ولولا يوم بدر لم يسودوا)

,

إسلام عمير بن وهب:

قال في «الإمتاع» : (وناحت قريش على قتلاها بمكّة شهرا، وجزّ النساء شعورهنّ، وجعل صفوان بن أميّة لعمير بن وهب إن قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحمل بديته، ويقوم بعياله، وحمله على بعير، وجهّزه، فقدم عمير المدينة، ودخل المسجد متقلّدا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدخله عمر بن الخطّاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

«ما أقدمك يا عمير؟» قال: قدمت في أسير عندكم تقاربونا فيه، قال: «فما بال السيف؟» قال: قبحها الله من سيوف! وهل أغنت من شيء؟ إنّما أنسيته حين نزلت، وهو في

وابنان للفاكهي والوليد ... وأين هم من ابنه المجيد

رقبتي، فقال: «أصدق، ما أقدمك يا عمير؟» قال:

ما قدمت إلّا في أسيري، قال: «فما شرطت لصفوان في الحجر؟» ففزع عمير، فقال: ماذا شرطت؟! قال له:

«تحملت له بقتلي على أن يقضي دينك، ويعول عيالك، والله حائل بينك وبين ذلك» قال عمير: أشهد أنّك رسول الله، وإنّك صادق، وأسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: «علّموا أخاكم القرآن، وأطلقوا له أسيره» فعاد عمير إلى مكّة يدعو الناس إلى الإسلام، فأسلم بشر كثير) .

(وابنان) أحدهما (للفاكهي) وهو أبو قيس بن الفاكه بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم (و) الآخر ل (الوليد) وهو أبو قيس بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.

فهؤلاء الخمسة قتلوا ببدر، ونزل فيهم من القرآن، كما ذكره ابن هشام: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً وذلك: أنّهم كانوا أسلموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكّة، فلمّا هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم.. حبسهم آباؤهم وعشائرهم بمكة، وفتنوهم فافتتنوا، ثم ساروا مع قومهم إلى بدر، فأصيبوا جميعا.

قال في «حاشية الجلالين» : (وهل ماتوا عصاة، أو

سميّه وأخوي فرعونا ... شقيق او للأمّ ذاقا الهونا

كفارا؟ خلاف؛ لأنّ الهجرة كانت ركنا أو شرطا، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وهذا كان قبل الفتح، ثم نسخ بعده، والقاتل لهؤلاء الملائكة؛ لعلمهم بأنّ الله لم يقبل منهم الإسلام؛ لفقد شرطه وهو الهجرة، مع قدرتهم عليها، وليس التخلّف من أجل صيانة المال، والعيال عذرا، والمتبادر من ذلك أنّهم ماتوا كفارا) .

المستضعفون بمكّة حقا رضي الله عنهم:

(وأين هم) أي: هؤلاء الخمسة المستضعفون بالزعم الكاذب (من ابنه) أي: الوليد (المجيد سميّه) أي: الموافق له في الاسم، وهو الوليد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، المستضعف حقا، أخو خالد بن الوليد، حضر بدرا مع المشركين فأسر، فافتداه أخواه هشام وخالد، ولمّا أسلم.. حبسه أخواله، فكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت، كما ثبت في الصحيح، ثمّ أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية.

قال الحافظ: ذكر الزّبير بن بكار عن محمّد بن الضحّاك، عن أبيه: لما هاجر الوليد بن الوليد.. قالت أمّه:

قد هاجر الوليد ربع الساقه ... فاشتر منها جملا وناقه

واسم بنفس نحوهم توّاقه

سلمة عيّاش المستضعفين ... قنت لاستنقاذهم طه الأمين

وفي شعرها إشعار بأنّها أسلمت.

(وأخوي) بالتّثنية مجرورا بالعطف على (ابن) أي:

وأين أولئك الذين توفتهم الملائكة ظالمي أنفسهم من ابن الوليد ومن أخوي (فرعون) أبي جهل شقيقه، وهو سلمة بن هشام، ولأمه وهو: عياش بن أبي ربيعة؟ وهذا مراده بقوله:

(شقيق أو للأم ذاقا) أي: الأخوان (الهونا) بضم الهاء:

الهوان من مشركي مكّة.

وقوله: (سلمة) و (عياش) يعود على قوله: (شقيق أو للأم) ، على سبيل اللف والنشر المرتب، ثم وصف الثلاثة الوليد وسلمة وعياشا بقوله: (المستضعفين) أي: حقا فلأجل ذلك (قنت لاستنقاذهم) أي: خلوصهم من أيدي المشركين (طه) عليه الصّلاة والسّلام (الأمين) فكان يقول:

«اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة.

وفي «صحيح البخاري» بسنده إلى أبي هريرة: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي العشاء إذ قال: «سمع الله لمن حمده» ثمّ قال قبل أن يسجد: «اللهمّ؛ أنج عياش بن أبي ربيعة، اللهمّ؛ أنج سلمة بن هشام، اللهمّ؛ أنج الوليد بن الوليد، اللهمّ؛ أنج المستضعفين من المؤمنين، اللهمّ؛ اشدد وطأتك على مضر، اللهمّ؛ اجعلها عليهم سنين كسني يوسف» .

أمّا الوليد.. فإنّه أفلت من أسرهم، ولحق بالنّبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضية، ويقال: إنّه مشى على رجليه لما هرب وطلبوه، فلم يدركوه، ويقال: إنّه مات ببئر أبي عتبة على ميل من المدينة المنورة قبل أن يدخل المدينة، ذكر هذا في «الإصابة» .

وأمّا سلمة.. فقال ابن عبد البرّ: (ذكر الواقديّ: أنّه لما لحق بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة- وذلك بعد الخندق- قالت له أمّه ضباعة بنت عامر بن قرط بن سلمة بن بشير:

لا همّ ربّ الكعبة المحرّمه ... أظهر على كلّ عدوّ سلمه

له يدان في الأمور المبهمه ... كفّ بها يعطي، وكفّ منعمه

فلم يزل سلمة مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم.. إلى أن توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج مع المسلمين إلى الشام حين بعث أبو بكر رضي الله عنه الجيوش لقتال الروم، فقتل سلمة شهيدا بمرج الصّفّر، في المحرم، سنة أربع عشرة، وذلك في أوّل خلافة عمر رضي الله عنه) .

وأمّا عيّاش بن أبي ربيعة.. فقال في «روض النّهاة» :

(لمّا أفلت الوليد منهم.. دخل مكّة ليلا، فلم يزل يتجسّس الأخبار عن صاحبيه عياش وسلمة بن هشام.. حتى لقي امرأة تحمل طعاما، فقال: أين تريدين يا أمة الله؟ قالت: أريد

واستشهدت ستّ من المهاجرين ... عبيدة المذكور في المبارزين

هذين المعذّبين- تعني عياشا وسلمة- فتبعها حتى عرف مكانهما، فأخرجهما من الحبس، فكسر القيد) .

وذكر الحافظ أبو عمر عن ابن سعد: أنّ عيّاشا قتل يوم اليرموك.

,

شهداء بدر من المهاجرين والأنصار:

ثمّ لما كان جملة من استشهد يوم بدر أربعة عشر رجلا..

أراد أن يبيّن عدد المهاجرين منهم، وعدد الأنصار رضي الله عنهم أجمعين فقال:

(واستشهدت ستّ من المهاجرين) الأول: (عبيدة) بن الحارث بن المطّلب (المذكور في) عدد الثلاث (المبارزين)

ثمّ عمير بن أبي وقّاص ... وابن البكير عاقل ألشّاصي

وذو الشّمالين ومهجع عمر ... صفوان بيضاء الّذي بها اشتهر

لثلاثة من قريش أبناء عمهم، ضربه عتبة بن ربيعة، فقطع رجله، فمات بالصفراء.

(ثمّ) الثّاني: (عمير) بالتصغير (بن أبي وقاص) بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، ذكر الواقديّ كما في «الروض» : (أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان قد ردّه في ذلك اليوم؛ لأنّه استصغره، فبكى عمير، فلمّا رأى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بكاءه.. أذن له في الخروج معه، فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة، قتله العاص بن سعيد) .

(و) الثّالث: (ابن البكير) بوزن الزّبير، واسمه:

(عاقل) والبكير: هو ابن عبد ياليل الليثي، حليف بني عديّ بن كعب، وكان عاقل من السابقين الأوّلين.

قال الحافظ: (شهد بدرا هو وإخوته إياس، وخالد، وعامر، واستشهد عاقل ببدر) قاله موسى بن عقبة، وابن إسحاق، وغيرهما.

وقوله: (الشاصي) أي: الميت، يقال: شصى الميت شصيّا: ارتفعت يداه ورجلاه.

(و) الرابع: (ذو الشمالين) عمير بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي، حليف بني زهرة، وهو غير ذي اليدين الخرباق بن عبد عمرو السّلمي، صاحب حديث: (أقصرت

واثنان للأوس ابن عبد المنذر ... مبشّر سعد ابن خيثم الجري

الصلاة؟) ؛ لأنّ ذا الشمالين استشهد ببدر، وحديث السهو حضره أبو هريرة، وإسلامه تأخر عن بدر بست سنين.

(و) الخامس: (مهجع) بوزن منبر مولى عمر بن الخطاب؛ فلذا أضافه إلى قوله: (عمر) .

قال ابن إسحاق: (وقد رمي مهجع مولى عمر بن الخطاب بسهم فقتل، فكان أول قتيل من المسلمين، رضي الله عنه) .

وقال السهيلي: (أول قتيل من المسلمين حارثة بن سراقة) .

والسادس: (صفوان بيضاء) بحذف حرف العطف (الذي بها) أي: بيضاء أمّه؛ أي: بالنسبة إليها، يتعلق بقوله: (اشتهر) فقيل: صفوان بن بيضاء؛ يعني: إنّما نسب لأمّه لذلك، لا لكونه لا يعرف له أب، وإلّا.. فأبوه كما في «الإستيعاب» - وهب بن ربيعة، وأخواه سهل وسهيل ابنا وهب، المعروفون ببني البيضاء، أمّا سهيل..

فهاجر الهجرة الأولى إلى الحبشة، وشهد بدرا مع صفوان، وأمّا سهل.. فتأخّر إسلامه عن بدر، واسم أمهم البيضاء دعد.

(واثنان) ممّن شهد بدرا منسوبان (للأوس) :

الأوّل: (ابن عبد المنذر) واسمه: (مبشر) من بني عمرو بن عوف.

وستّة الخزرج هم يزيد ... عوف معوّذ أخوه الصّيد

والثاني: (سعد بن خيثم) «1» بوزن جعفر، من بني عمرو بن عوف أيضا، وحذفت التاء من خيثم للضرورة (الجري) الشجاع، تتميم حذفت منه الهمزة للوزن.

(وستة الخزرج هم يزيد) بن الحارث بن قيس بن مالك بن أحمر بن حارثة بن ثعلبة بن كعب بن الحارث بن الخزرج، قتله طعيمة بن عدي، والثّاني منهم: (عوف) .

والثّالث: (معوذ) بفتح الواو المشددة (أخوه) لأنّهما ابنا الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن مالك بن غنم بن مالك بن النجار، وأخوه معاذ أيضا، قال أبو عمر: (وسمى بعضهم عوفا عوذا بالذال، وعوف أكثر) كذا قال، وذكر في «الإصابة» عن ابن إسحاق: (حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة، قال: لمّا التقى الناس يوم بدر، قال عوف بن عفراء:

يا رسول الله؛ ما يضحك الربّ من عبده؟ قال: «أن يراه قد غمس يده في العدوّ حاسرا» فنزع عوف درعه، وتقدم فقاتل، حتى قتل شهيدا، رضي الله عنه) .

وقوله: (الصّيد) جمع أصيد: وهو اسم من أسماء السبع، شبههم به لشجاعتهم.

__________

(1) قال الحافظ: (يكنى أبا خيثمة، وكان أحد النقباء بالعقبة، ذكره ابن إسحاق وغيره) وقال ابن إسحاق في «المغازي» : (نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء على كلثوم بن الهدم، وكان إذا خرج من منزله.. جلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وكان يقال له: بيت العزاب، واختلف في قاتله، فقيل: طعيمة، وقيل: غيره) اهـ

حارثة وابن المعلّى رافع ... ثمّ عمير بن الحمام النّازع

والرابع: (حارثة) بن سراقة بن الحارث بن عديّ بن مالك بن عامر بن غنم بن عديّ بن النجار. قال في «الإستيعاب» : (رماه حبان بن العرقة بسهم، وهو يشرب من الحوض، وكان خرج نظارا، فأصاب حنجرته فمات وجاءت أمه الرّبيع- بالتصغير- بنت النضر، عمة أنس بن مالك فقالت: يا رسول الله؛ قد علمت موضع حارثة مني، فإن يكن في الجنة.. أصبر، وأحتسب، وإن يكن غير ذلك..

فسترى ما أصنع، فقال: «أو جنّة واحدة هي؟! إنّما هي جنات، وإنّ ابنك فيها لفي الفردوس» ) .

قال الناظم في «عمود النسب» :

حارثة البرّ «1» رأى جبريلا ... مع النبيّ ووعى ترتيلا

__________

(1) قوله: (البر) كذلك سماه صلى الله عليه وسلم، فروى النسائي من طريق الزّهري عن عروة عن عائشة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: دخلت الجنة فسمعت قراءة، فقلت: «من هذا؟» فقيل: حارثة بن النّعمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كذلك البر» وكان برا بأمّه. وقال في «الإصابة» : (روى الإمام أحمد، والطبراني من طريق الزّهري، أخبرني عبد الله بن عامر عن حارثة بن النعمان قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل جالس في المقاعد، فسلمت عليه، فلمّا رجعت.. قال: «هل رأيت الذي كان معي» قلت: نعم، قال: «فإنّه جبريل وقد ردّ عليك السّلام» إسناده صحيح) . وذكره موسى بن عقبة، وابن سعد فيمن شهد بدرا، فقيل: إنّه توفي في خلافة معاوية كما ذكره في «الإستيعاب» عن خليفة، ولم يذكره الناظم هنا؛ وإنّما ذكرته للتنبيه على أنّه بصري، وأنّه غير ابن سراقة، ولكون الناظم في «عمود النسب» ربط بينهما. اهـ

في جنة الخلد له النبيّ ... وهكذا سميّه الأبيّ

حارثة القتيل بعد مهجع ... وأمّه عليه ذات جزع

(و) الخامس: (ابن المعلّى) بن لوذان بن حارثة بن عديّ بن زيد بن ثعلبة بن زيد مناة بن حبيب بن عبد بن حارثة بن مالك بن عضب بن جشم بن الخزرج، واسمه:

(رافع) قتله عكرمة.

(ثمّ) السادس: (عمير) بالتصغير (بن الحمام) بوزن غراب، كما في «الإصابة» وبوزن سحاب كما في «روض النهاة» والميم مخففة على كل، وهو ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاريّ، السلمي، قتله خالد بن الأعلم.

قال ابن إسحاق: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا، محتسبا، مقبلا غير مدبر.. إلّا أدخله الله الجنة» فقال عمير أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهنّ: بخ بخ، فما بيني وبين أن أدخل الجنة إلّا أن يقتلني هؤلاء، فقذف التمر من يده، وأخذ سيفه، فقاتل حتى قتل وهو يقول:

ركضا إلى الله بغير زاد ... إلّا التّقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد»

لربّه وهو يقول أفما ... بيني وبين جنّة إلّا الحما

وإلى هذا أشار بقوله: (النازع) أي: المشتاق (لربه) عزّ وجلّ (وهو يقول: أفما بيني وبين جنة إلّا الحما) بكسر الحاء؛ أي: الموت.

,

تكملة:

علم ممّا تقدم: أنّ عدد الشهداء البدريّين أربعة عشر، واقتصر الناظم عليهم، ولم يذكر أسماء من حضر بدرا، غير من استشهد فيها، وقد استوفى ذلك كلّه اليعمريّ في «العيون» ومن قبله ابن إسحاق، وسرد أسماء من شهدها من المهاجرين، ثمّ من الأنصار ثمّ قال: فجميع من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار من شهدها، ومن ضرب له بسهمه وأجره ثلاث مئة رجل وأربعة عشر رجلا، من المهاجرين ثلاثة وثمانون، ومن الأوس أحد وستون، ومن الخزرج مئة وسبعون رجلا، وقد سردهم الحافظ ابن كثير في «البداية» مبتدأ بسيدهم وسيد ولد آدم سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم مرتبا على حروف المعجم فانظره.

,

التبشير بنصر الله للمؤمنين وهزيمة المشركين:

ولما فرغ المسلمون من بدر.. قدم زيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهما إلى المدينة مبشّرين بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونصره، وهزيمة المشركين، فتلقى الناس بالروحاء «1» رسول الله صلى الله عليه وسلم مهنّئين له بالفتح والنصر، فدخلها منصورا، مؤيّدا، مظفرا، أعلى الله كلمته، ومكّن له، وذلك من ثنيّة الوداع يوم الأربعاء، الثّاني والعشرين من رمضان، وتلقاه الولائد بالدفوف ينشدن:

طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع

وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

وتهيّأ لسيدنا عمير بن عدي الأنصاري الخطمي أن يفي بنذره فقد ذكر المقريزي في «إمتاع الأسماع» : (إنّ عصماء بنت مروان كانت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحرض على النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فنذر عمير بن عدي: لئن ردّ الله رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة.. ليقتلنّها، فلمّا رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم

__________

(1) الروحاء: هي المعروفة اليوم ببئر الراحة.

من بدر إلى المدينة جاءها عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام منهم من ترضعه في صدرها، فجسّها بيده، وكان ضرير البصر، ونحّى الصبي عنها ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وأتى وصلّى الصبح مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فلمّا انصرف.. نظر إليه وقال: «أقتلت ابنة مروان؟» قال: نعم يا رسول الله، قال:

«نصرت الله ورسوله يا عمير» فقال: هل عليّ شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: «لا ينتطح فيها عنزان «1» » فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأصحابه: «إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب.. فانظروا إلى عمير بن عدي» فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشرّى «2» في طاعة الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا تقل الأعمى، ولكنه البصير» فلمّا رجع عمير.. وجد بنيها في جماعة يدفنونها، فقالوا: يا عمير؛ أنت قتلتها؟

قال: نعم، فكيدوني جميعا ثمّ لا تنظرون، فوالّذي نفسي بيده؛ لو قلتم بأجمعكم ما قالت.. لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم، فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة) .

__________

(1) أي: لا يعارض فيها معارض.

(2) أي: باع نفسه في طاعة الله تعالى.

فلسليم فلقينقاع ... المتصدّين إلى القراع



كلمات دليلية: