غزوة بدر الكبرى_15758

غزوة بدر الكبرى


المبحث الرابع: غزوة بدر الكبرى

تعرف غزوة "بدر"1 بأنها الغزوة الكبرى في الإسلام مع أنها كانت قليلة العدد بالنسبة لمن اشترك فيها، وبالنسبة لآثارها المادية ومع ذلك فهي الغزوة الكبرى لنتائجها المعنوية، وتأثيرها في العرب، وفي العالم كله.

وقعت غزوة "بدر" هذه في شهر رمضان من العام الثاني للهجرة.

لقد تصور العرب وغيرهم أن المسلمين ضعاف لا يقدرون على المواجهة، وأنهم خرجوا من مكة هربًا من قوة المكيين، وأن الإسلام سيبقى معزولا مع أصحابه في المدينة المنورة.

ولم تغير السرايا والغزوات التي وقعت قبل غزوة بدر هذا التصور تمامًا لانتهائها جميعًا بلا قتال، واستمر الأمر على ذلك حتى وقعت الغزوة، وتغير كل شيء، تغيرت المفاهيم، وتغيرت التصورات، وانمحت كل الآمال التي صنعها الكفار افتراء وكذبًا، وبدأ عهد جديد للدعوة إلى الله تعالى ولهذا كانت بدر هي الغزوة الكبرى.

وحين نتناول الغزوة بالدراسة أرى ضرورة دراسة ما يلي:

__________

1 "بدر" اسم بئر حفرها رجل من غفار اسمه بدر، وقيل هو بدر بن قريش الذي سميت قريش به، وهي على بعد مائة ميل جنوب المدينة في طريق الذاهب إلى مكة وهي قريبة من ساحل البحر وسميت بدرًا لتمامها وكمالها. "معجم البلدان ج1 ص357".

,

ثانيا: مواقف الفريقين قبل المعركة

,

موقف القرشيين

:

أرسلت قريش عيرها إلى الشام، في قافلة ضخمة، بقيادة أبي سفيان بن حرب، وكانت القافلة مكونة من ألف بعير، فيها أموال عظام، ولم يبق بمكة قرشي، ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في هذه العير، فأدركهم رجل من جذام بـ"الزرقاء"1 من ناحية "معان"2 -وهم منحدرون إلى مكة- فأخبر أبا سفيان أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان قد عرض لغيرهم في بدأتهم، وأنه تركه مقيمًا ينتظر رجعتهم، وقد حالف أهل الطريق، ووادعهم، فخرجوا خائفين الرصد، وبعثوا "ضمضم بن عمرو" حين فصلوا من الشام، وأمره أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية أن يخبر قريشًا أن محمدًا قد عرض لغيرهم، وأمره أن يجدع بعيره إذا دخل مكة، ويحول رحله، ويشق قميصه من قبله ودبره، ويصيح: الغوث الغوث.

فلم يرع أهل مكة إلا وضمضم يقول: يا معشر قريش! يا آل لؤي بن غالب اللطيمة اللطيمة! قد عرض لها محمد في أصحابه، الغوث الغوث! والله ما أرى أن تدركوها، وقد جدع أذني بعيره، وشق قميصه، وحول رحله، فلم تملك قريش من أمرها شيئًا حتى نفروا على الصعب والذلول، وتجهزوا للحرب في ثلاثة أيام، وأعان قويهم ضعيفهم، وقام سهيل بن عمرو، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وحنظلة بن أبي سفيان، وعمرو بن أبي سفيان، يحضون الناس على الخروج.

فقال سهيل: يا آل غالب، أتاركون أنتم محمدًا والصباة من أهل يثرب يأخذون عيراتكم وأموالكم؟ من أراد مالا فهذا مالي، ومن أراد قوة فهذه قوتي، فمدحه أمية بن أبي، وأيده في تهييج أهل مكة.

ومشى نوفل بن معاوية الديلمي إلى أهل القوة من قريش، فكلمهم في بذل النفقة والحملان، لمن خرج، فقال عبد الله بن أبي ربيعة: هذه خمسمائة دينار فضعها حيث رأيت

__________

1 الزرقاء تأنيث الأزرق موضع جنوب الشام جهة معان.

2 معان بفتح الميم أو ضمها وهي مدينة في طرف بلاد الشام الدنيا.

وأخذ من حويطب بن عبد العزى مائتي دينار، وثلاثمائة دينار لتقوية السلاح، والظهر.

وحمل طعيمة بن عدي على عشرين بعيرًا، وقواهم، وخلفهم في أهله بمعونة ومال, ولم يتخلف أحد من قريش إلا بعث مكانه بعيثًا، فلما مشوا إلى أبي لهب أبى أن يخرج، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان مدينًا له بأربعة آلاف درهم.

قال أبو لهب للعاص: اخرج، وديني لك فخرج عنه وتحمل أبو لهب ما وعد به. واستقسم أمية بن خلف، وعتبة، وشيبة، عند هبل بالآمر بالخروج والناهي عنه فخرج القدح الناهي، وأجمعوا المقام حتى أزعجهم أبو جهل واستقسم زمعة بن الأسود فخرج الناهي أيضًا، وكذلك خرج لعمير بن وهب، وخرج حكيم بن حزام وهو كاره لمسيره، بعدما خرج له القدح الناهي مثل غيره، فلما نزلوا مر الظهران نحر أبو جهل جزرًا وزعها عليهم، فما بقي خباء من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها وأخذ عداس يخذل شيبة، وعتبة بن ربيعة، والعاصي بن منبه بن الحجاج، وأبا أمية بن خلف فأتاه عقبة بن أبي معيط، وأبو جهل فعنفاه.

فقال: ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي، فابتاعوا له جملا بثلاثمائة درهم من نعم بني قشير، فخرج بها مع الجيش، أملا في أن يفر بها حين الهزيمة التي يتوقعها، وأقبل القرشيون في تجمل عظيم، وحنق زائد، على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما يريدون من أخذ عيرهم وتجرؤهم على قوافلهم ورجالهم1.

وكانت عاتكة بنت عبد المطلب قد رأت رؤيا قبل مجيء ضمضم بثلاث ليال، رأت راكبًا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح، ثم صرخ بأعلى صوته: ألا انفروا يالغدر لمصارعكم في ثلاث، فأرى الناس اجتمعوا إليه، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه، فبينما هم حوله قام به بعيره على ظهر الكعبة فصرخ بمثلها، ثم قام به على رأس جبل أبي قبيس فصرخ بمثلها، ثم أخذ صخرة فرماها فتفتتت ودخلت كل بيوت مكة ... وعاشت الرؤيا في مكة وخاف منها الكثير غير أبي جهل فإنه سخر منها2.

__________

1 إمتاع الأسماع ج1 ص66.

2 سيرة النبي ج1 ص607.

فكان عمرو بن العاص يحدث فيقول: لقد رأيت كل هذا، ولقد رأيت في دارنا فلقة من الصخرة التي انفلقت من أبي قبيس، فلقد كان ذلك عبرة، ولكن الله لم يرد أن نسلم يومئذ فأخر إسلامنا إلى ما أراد.

ولم يدخل دارًا ولا بيتًا من دور بني هاشم ولا بني زهرة من تلك الصخرة شيء1. تمكن أبو سفيان من الإفلات بالقافلة؛ لأنه علم بخروج المسلمين للاستيلاء عليها فلما اقترب من بدر أخذ طريق الساحل، بعد أن علم بوصول المسلمين إليها، ذلك أنه كان يسير على الطريق الرئيسي حذرًا متيقظًا، وقد ضاعف حركاته الاستكشافية.

ولما اقترب من بدر تقدم عيره، حتى لقي "مجدي بن عمرو" وسأله عن جيش المدينة، فقال: ما رأيت أحدًا أنكره، إلا أني قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شن لهما، ثم انطلقا.

فبادر أبو سفيان إلى مناخهما، فأخذ من أبعار بعيرهما، ففته، فإذا فيه النوى، فقال: هذه والله علائف يثرب، فرجع إلى عيره سريعًا، وضرب وجهها محولا اتجاهها نحو الساحل غربًا، تاركًا الطريق الرئيسي الذي يمر ببدر على اليسار، وبهذا نجا أبو سفيان بالقافلة من الوقوع في قبضة جيش المدينة، وأرسل رسالته إلى جيش مكة التي تلقاها القرشيون عند وصولهم إلى الجحفة2.

وخرج الجيش القرشي، بعدته، وعتاده، وقد بلغ عدده تسعمائة وخمسين رجلا، بقيادة عدد من صناديد مكة، وكان معهم مائتا فرس، وعدد كبير من الإبل لركوبهم، وحمل أمتعتهم ومئونة طعامهم، وليتاجروا فيها، وفي أحمالها، بعد تحقيق النصر الذي تصوروه مؤكدًا.

وقبل أن يتحرك جيش الشرك أخذ القرشيون لأنفسهم الأمان من "كنانة" بعدما قال لهم مالك بن جعشم المدلجي، وهو من أشراف كنانة: "أنا جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه".

__________

1 المغازي ج1 ص29.

2 المغازي ج1 ص30.

وقد كره أهل الرأي أن يخرجوا للقتال بعد نجاة القافلة، ومشى بعضهم لبعض في ذلك إلا أن دعاة الحرب، وعلى رأسهم أبو جهل "عمرو بن هشام" جعلوا يحرضون على الخروج، ويحضون على القتال، حتى تمكنوا من غايتهم، ولم يخالفهم إلا بنو زهرة وبنو عدي ونفر من بني هاشم.

أما بنو زهرة فقد قال لهم الأخنس بن شريك حليفهم: يا بني زهرة قد نجى الله أموالكم، وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما نفرتم لتمنعوه وماله، فاجعلوا بي جبنها وارجعوا فإنه لا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة، لا كما يقول هؤلاء فرجعوا، وكانوا نحو المائة، ويقال ثلاثمائة، فما شهدها زهري إلا رجلين هما عما مسلم بن شهاب الزهري، وقتلا كافرين ببدر.

واغتبطت بنو زهرة بعد برأي الأخنس، فلم يزل فيهم مطاعًا معظمًا.

وأما بنو عدي بن كعب فقد خرجوا مع الجيش حتى وصلوا إلى ثنية "لفت"1 وهي مكان بين مكة والمدينة، فعدلوا في السحر إلى الساحل منصرفين إلى مكة، فقابلهم أبو جهل فقال لهم: يا بني عدي كيف رجعتم؟ لا في العير ولا في النفير؟

قالوا: أنت أرسلت إلى قريش أن ترجع، فرجعنا.

وأما بنو هاشم: فإنهم لما أزمعوا التخلف قال لهم أبو جهل: لا تفارقنا هذه العصابة منكم حتى نرجع.

ولم يترك أبو جهل شخصًا من مكة، كارهًا للخروج، أو مسلمًا يعلمون إسلامه ولا أحدًا من بني هاشم إلا وأشخصوه معهم بما بذلوه من جهد وحيلة، وكان على رأس من أخذوهم معهم: العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب، وأبو العاص بن الربيع.

وقد حاول أبو سفيان صرف قريش عن الخروج، فأرسل إليهم رسالة حملها قيس بن امرئ القيس، وجاء فيها: "إنكم خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها لله فارجعوا"2.

__________

1 لفت بفتح أوله وسكون ثانية موضع بين مكة والمدينة.

2 المغازي ج1 ص43.

فلما علم أبو جهل بالرسالة قال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا فنقيم ثلاثًا فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها.

وواصل جيش قريش مسيرته نحو بدر حتى وصل إلى العدوة القصوى فبات عندها. وقد قام القرشيون بعدد من العمليات عند بدر استعدادًا للقتال، إلا أن الله تعالى أخزاهم، وجعل تخطيطهم وسعيهم وبالا عليهم، يتضح ذلك من أعمالهم التالية:

1- اختيار المكان:

اختار القرشيون لأنفسهم مكانًا حيويًا نزلوا فيه عند العدوة القصوى في بطن الوادي حيث قربه من الماء، وأرضه صخرية لا تسيح فيه الأقدام، بينما نزل المسلمون في أرض رملية، بعيدًا عن الماء وذلك يمنعهم من الحركة، ويوقع بهم الظمأ.

اشتد الأمر بالمسلمين وأصابهم التعب والظمأ، بينما كان الماء وفيرًا لدى القرشيين، والأرض تحت أقدامهم صلبة وأراد الله تعالى بقدرته وحكمته أن يبدل الأمر ويغير الحال فأنزل في ليلة المعركة مطرًا كثيرًا ألحق الأذى بالكفار، ومنعهم من التقدم، وشق عليهم أن يتحركوا فوق الصخر المبلل بالماء أما المسلمون فقد تطهروا، وتصلب الرمل تحت أقدامهم وسهل المشي، وثبتت الأقدام، وملئوا أسقيتهم وشربوا، وسقوا إبلهم.

وهكذا تحولت مزية المكان الذي اختاره القرشيون إلى سوأة ألمت بهم.

2- محاولة تخريب معسكر المسلمين:

نظر القرشيون إلى معسكر المسلمين فوجدوا أن المسلمين قد بنوا حوضًا وملئوه ماء وخربوا ما عداه فأرسلوا نفرًا منهم لهدم الحوض، وإسالة مائه فحاول المسلمون طردهم، ومنعهم من الاقتراب، فقال صلى الله عليه وسلم: "دعوهم يشربون، فما شرب أحد منهم يومئذ إلا قتل سوى حكيم بن حزام، فإنه لم يقتل وأسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان إذا اجتهد في اليمين فيما بعد يقول: لا والذي نجاني من يوم بدر وهكذا ضلت محاولة القرشيين في تخريب حوض المسلمين".

3- معرفة عدد المسلمين:

اطمأنت قريش لمنزلتها في بدر فبعثت "عمير بن وهب الجمحي" للتعرف على مدى

قوة جيش المدينة، فدار عمير بفرسه حول المعسكر، ثم رجع إليهم فقال: ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين، أو مدد؟

فضرب في الوادي حتى أبعد، فلم ير شيئًا فرجع إليهم، فقال: ما وجدت شيئًا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليس معهم منعة، ولا ملجأ، إلا سيوفهم، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلًا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادكم، فما خير العيش بعد ذلك، فروا رأيكم وأنى لهؤلاء القوم لهم أن يفكروا ويتدبروا، ودعاة الحرب فيهم تنذر وتحرض وتحول بينهم وبين التعقل والفهم السليم!!

4- مقاومة معارضي القتال:

قامت معارضة ضد أبي جهل -المصمم على المعركة- تدعو إلى العودة بالجيش إلى مكة دونما قتال، فقد مشى حكيم بن حزام في الناس، وأتى عتبة بن ربيعة فقال: يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، فهل لك إلى خير تذكر به إلى آخر الدهر؟

قال: وما ذاك يا حكيم؟

قال: ترجع بالناس وتحمل دية حليفك عمرو بن الحضرمي -المقتول في سرية النخلة.

فقال عتبة: قد فعلت، أنت ضامن عليّ بذلك، إنما هو حليفي فعليّ عقله، وديته وما أصيب من ماله.

ثم قال عتبة لحكيم بن حزام: فائت ابن الحنظلية "أبا جهل" فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره.

ثم قام عتبة بن ربيعة خطيبًا فقال: يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تقتلوا محمدًا وأصحابه شيئًا، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر إلى وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه، أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب، فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون.

وانطلق حكيم بن حزام إلى أبي جهل -وهو يهيئ درعًا له- فقال له: يا أبا الحكم إن عتبة أرسلني بكذا وكذا.

فقال أبو جهل: انتفخ والله سرحه حين رأى محمدًا وأصحابه، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، وما بعتبة ما قال: ولكنه رأى أن محمدًا وأصحابه أكلة جزور وفيهم ابنه "وهو أبو حذيفة بن عتبة، كان قد أسلم قديمًا، وهاجر" فتخوفكم عليه.

ولما بلغ عتبة قول أبي جهل "انتفخ والله سحره"، قال عتبة: سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره، أنا أم هو؟ 1.

وتعجل أبو جهل الحرب مخافة أن تقوى هذه المعارضة، فبعث على إثر هذه المحاورة إلى عامر بن الحضرمي -أخي عمرو بن الحضرمي المقتول في سرية عبد الله بن جحش- فقال: هذا حليفك "أي عتبة" يريد أن يرجع بالناس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خفرتك، ومقتل أخيك، فقام عامر، فكشف عن استه، وصرخ: واعمراه واعمراه فحمي القوم، واشتد أمرهم وانفعلوا لثأرهم، واستوثقوا على ما هم عليه من الشر2.

وبذلك أفسد أبو جهل على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة، وتغلب الطيش على الحكمة، وذهبت هذه المعارضة دون جدوى.

__________

1 إمتاع الأسماع ج1 ص83 بتصرف.

2 إمتاع الأسماع ج1 ص83.

ثالثًا: أحداث المعركة

التقى الجمعان وجهًا لوجه، وفي صباح يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان في العام الثاني من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بدأ القتال وكان الجو حارًا.

وكانت بدايته عدوانًا قرشيًا ضد المسلمين، فلقد جاء الأسود بن عبد الأسد المخزومي، ودنا من حوض ماء المسلمين وقال أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فاستقبله حمزة بن عبد المطلب، فضربه فقطع قدمه، فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة، وشرب منه، وحمزة يتبعه فضربه في الحوض، فقتله1.

وجاء عمير بن وهب فناوش المسلمين، فثبتوا على حقهم، ولم يزولوا، وشد عليهم عامر بن الحضرمي، ونشبت الحرب، فكان أول من خرج من المسلمين مهجع بن عائش بن عريف مولى عمر بن الخطاب، فقلته عامر بن الحضرمي، ومهجع هو أول شهيد قتل من المهاجرين2.

وكان أول قتيل قتل من الأنصار حارثة بن سراقة، ويقال قتله حبان بن عرقة ويقال عمير بن الحمام قتله خالد بن الأعلم العقيلي3.

دنا الجيشان بعضهم من بعض، وخرج عتبة، وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة ودعوا إلى المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتيان من الأنصار وهم، معوذ، وعوف ابنا عفراء، ثالثهم عبد الله بن رواحة، فاستحيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكره أن يكون أول قتال لقي فيه المسلمون المشركين من الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة بين بني عمه وقومه، فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم، وقال لهم خيرًا.

ثم نادى منادى المشركين: يا محمد أخرج إلينا الأكفاء من قومنا.

فقال صلى الله عليه وسلم: يا بني هاشم قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث نبيكم به، إذا جاءوا ببطالهم ليطفئوا نور الله.

فقام علي، وحمزة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي رضي الله عنه معلمًا بصوفة بيضاء.

فقال عتبة لابنه: قم يا وليد، فقام فقتله علي.

ثم قام عتبة فقتله حمزة.

ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة ضربة فقطع ساقة، فكر حمزة وعلي فقتلا

__________

1 إمتاع الأسماع ج1 ص83.

2 الطبقات الكبرى ج2 ص17.

3 المصدر السابق ج2 ص18.

شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف فنزلت فيهما هذه الآية {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} 1"2.

واستفتح أبو جهل يومئذ فقال: اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يعلم، فأحنه الغداة اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك فانصره اليوم3 فأنزل الله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} 4.

وبذلك حكم أبو جهل على نفسه.

وأخذ أبو جهل يصيح في قومه ويقول: لنا العزى ولا عزى لكم.

فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله مولانا ولا مولى لكم، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار5.

وتصور إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي يذمر المشركين، ويخبرهم أنه لا غالب لهم من الناس، فلما أبصر عدو الله الملائكة نكص على عقبيه وقال: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} 6 فتشبث به الحارث بن هشام وهو يظنه سراقة، فضرب صدر الحارث فسقط، وانطلق إبليس لا يرى حتى وقع في البحر7.

وأقبل أبو جهل يحض المشركين على القتال بكلام كثير، ويهون عليهم ما شاهدوه

__________

1 سورة الحج: 19.

2 صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج6 ص243.

3 زاد المعاد ج3 ص184.

4 سورة الأنفال: 19.

5 سورة الأنفال: 19.

6 سورة الأنفال: 48.

7 زاد المعاد ج3 ص81.

من صورة سراقة بن مالك وقال لهم: يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة فإنه كان على ميعاد من محمد، ولا يهمنكم قتل عتبة، وشيبة، فإنهم قد عجلوا، فواللات والعزى لا نرجع حتى نقيد محمدًا وأصحابه، ونربطهم بالحبال، ولا ألفين رجلا منكم قتل رجلا واحدًا منهم فقط، ولكن خذوهم أخذًا حتى نعرفهم سوء صنيعهم1.

اتسع نطاق المعركة، وأجهد المسلمون أعداءهم، والنبي في العريش يدعو على أعداء الله، ويحرض المسلمين على القتال، يقول لهم صلى الله عليه وسلم: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرًا محتسبًا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة".

تعلق أمل المسلمون في معونة الله وبذلوا للنصر كل طاقتهم، وأخذوا في الاستعانة والدعاء حتى أتاهم المدد الإلهي العظيم، وعنه يقول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} 2.

وهكذا جاءت الملائكة في صورة متتابعة استجابة لاستغاثة المجاهدين في بدر.

يقول ابن إسحاق: خفق النبي صلى الله عليه وسلم خفقة في العريش فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده ثنايا النقع3.

وأخذ صلى الله عليه وسلم ينادي ربه ويقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض فما زال صلى الله عليه وسلم يهتف بربه، مادًا يديه، مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه، وأبو بكر رضي الله عنه يقول له: يا رسول الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك4.

يقول صلى الله عليه وسلم: "إن الملائكة قد سومت فسوموا، فأعلموا بالصوف في مغازهم وقلانسهم"، وكان أربعة يعملون في الزحوف، فكان حمزة معلمًا بريشة نعامة، وعلي معلمًا بصوفة بيضاء، والزبير معلمًا بعصابة صفراء، وأبو دجانة معلمًا بعصابة حمراء5.

__________

1 زاد المعاد ج3 ص184.

2 سورة الأنفال: 9.

3 سيرة النبي ج1 ص632.

4 صحيح مسلم بشرح النووي باب الأمداد بالملائكة في بدر ج12 ص84، 85.

5 المغازي ج1 ص76.

يقول سهيل بن عمرو: ولقد رأيت يوم بدر رجالا بيضًا، على خيل بلق، بين السماء والأرض، معلمين، يقتلون، ويأسرون1.

ويقول أبو أسيد الساعدي، "بعد أن ذهب بصره": لو كنت معكم الآن ببدر "ومعي بصري" لأريتكم الشعب الذي خرجت منه الملائكة لا أشك فيه ولا أتمارى2.

وكان ابن عباس يحدث أن أبا رهم الغفاري قال: أقبلت أنا وابن عم لي يوم بدر حتى أصعدنا في جبل "ونحن مشركان" ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة، فننتهب مع من ينتهب "فبينا نحن في الجبل" إذ رأيت سحابة دنت منا، فسمعت فيها حمحمة الخيل وقعقعة الحديد، وسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم، فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت، وأتبعت البصر حيث تذهب السحابة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم رجعت وليس فيها شيء مما كنت أسمع3.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر، ولا أحقر، ولا أدخر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر".

قيل: وما رأى يوم بدر؟

قال صلى الله عليه وسلم: "أما إنه قد رأى جبريل يزع الملائكة".

وقال صلى الله عليه وسلم يومئذ: "هذا جبريل يسوق الريح كأنه دحية الكلبى، إني نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور" 4.

وقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: رأيت يوم بدر رجلين، عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما وعن يساره أحدهما، يقاتلان أشد القتال، ثم يليهما ثالث من خلفه، ثم رابعهما رابع أمامه5.

__________

1 زاد المعاد ج5 ص183.

2 سيرة النبي ج1 ص633.

3 صحيح مسلم بشرح النووي. باب الإمداد بالملائكة يوم بدر ج12 ص87.

4 المغازي ج1 ص77، 78.

5 المصدر السابق ج1 ص78.

وعن صهيب رضي الله عنه: ما أدرى كم يد مقطوع، أو ضربة جائفة لم يدم كلمها يوم بدر قد رأيتها1.

وعن أبي بردة بن نيار رضي الله عنه قال: جئت يوم بدر بثلاثة رءوس فوضعتهن بين يدي رسول الله فقلت: يا رسول الله، أما رأسان فقتلتهما، وأما الثالث فإني رأيت رجلا أبيض، طويلا، ضربه، فتدهده أمامه فأخذت رأسه.

فقال صلى الله عليه وسلم: "ذاك فلان من الملائكة".

وعن ابن عباس: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس تثبيتًا للمسلمين فيقول: إني قد دنوت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا، ليسوا بشيء، وذلك قول الله تعالى: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} 2.

وعن حكيم بن حزام: لقد رأيتنا يوم بدر، وقد وقع بوادي خلص بجاد من السماء قد سد الأفق، فإذا الوادي يسيل نملا، فوقع في نفسي أن هذا شيء من السماء أيد الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم فما كانت إلا الهزيمة لحقت بجيش الكفر، وما كان النمل إلا الملائكة3.

وعن ابن عباس رضي الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "هذا جبريل آخذ بعنان فرسه وعليه أداة الحرب" 4.

وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه فإذا به يسمع ضربة السوط، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فينظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا وقد خطم أنفه، وشق وجهه، من ضربة السوط ويخضر ذلك الموضع أجمع، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة" 5.

__________

1 إمتاع الأسماع ج1 ص88.

2 سورة الأنفال: 12.

3 إمتاع الأسماع ج1 ص89 وخلص واد بين مكة والمدينة، والبجاد الكساء.

4 المغازي ج1 ص80.

5 صحيح مسلم بشرح النووي باب الإمداد بالملائكة ج12 ص86، 87.

وروى البيهقي عن السائب بن أبي حبيش رضي الله عنه وكان مع المشركين في بدر أنه كان يقول: والله ما أسرني أحد من الناس.

فيقال له: فمن؟

فيقول: لما انهزمت قريش انهزمت معها، فيدركني رجل أبيض طويل على فرس أبلق بين السماء والأرض، فأوثقني رباطًا1.

وجاء عبد الرحمن بن عوف فوجدني مربوطًا، فنادى في العسكر: من أسر هذا؟ فليس أحد يزعم أنه أسرني، حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يابن أبي حبيش من أسرك"؟.

فقلت: لا أعرفه، وكرهت أن أخبره بالذي رأيت.

وهنا قال صلى الله عليه وسلم: "أسرك ملك من الملائكة" 2.

وروى ابن سعد وأبو الشيخ بن عطية بن قيس قال: لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتال بدر جاء جبريل على فرس أنثى أحمر، عليه درعه، ومعه رمحه، فقال: يا محمد، إن الله بعثني إليك وأمرني ألا أفارقك حتى ترضى، هل رضيت؟

قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، رضيت". فانصرف3.

روى أبو يعلى عن جابر قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر إذ تبسم في صلاته، فلما قضى صلاته قلنا يا رسول الله: رأيناك تبسمت، قال: "مر بي ميكائيل وعلى جناحه أثر الغبار، وهو راجع من طلب القوم، فضحك إليّ فتبسمت إليه" 4.

وروى البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما تعدون أهل بدر فيكم؟ ".

قلنا: من أفضل المسلمين، أو كلمة نحوها.

قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة5.

وروى ابن سعد عن عكرمة قال: كنا يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من

__________

1 مسند أحمد ج2 ص194 تحقيق أحمد شاكر.

2 المغازي ج1 ص79.

3 الطبقات الكبرى ج2 ص27.

4 بغية الرائد في تحقيق مجموع الزوائد ج6 ص111.

5 صحيح البخاري كتاب المغازي باب شهود الملائكة بدرًا ج6 ص256.

ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربه1.

ونهى رسول الله يومئذ عن قتل بني هاشم، فقال: "من لقي منكم أحدًا من بني هاشم فلا يقتله" 2.

ونهى عن قتل العباس بن عبد المطلب.

ونادى مناديه: من أسر أم حكيم بنت حزام فليخل سبيلها فإن رسول الله قد أملها وكان قد أسرها رجل من الأنصار، وكتفها بذؤابتها فلما سمع المنادى خلى سبيلها.

ونهى صلى الله عليه وسلم أيضًا عن قتل أبي البختري فقتله أبو داود المازني، ويقال قتله المجذر بن زياد, ونهى عن قتل الحارث بن عامر بن نوفل فقتله خبيب بن يساف ولا يعرفه.

ونهى عن قتل زمعة بن الأسود فقتله ثابت بن الجذع ولا يعرفه3.

ولما التحم القتال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعًا يديه يسأل الله النصر، وما وعده، وأمر صلى الله عليه وسلم فأخذ من الحصا كفًا فرماهم بها وقال: "شاهت الوجوه، اللهم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم" 4, فانهزم أعداء الله لا يلوون على شيء، وألقوا دروعهم، والمسلمون يقتلون، ويأسرون، وما بقي منهم أحد إلا امتلأ وجهه وعيناه، وما يدري أين يتوجه والملائكة يقتلونهم وذلك قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} 5.

وجمح بعقبة بن أبي معيط فرسه، فأخذه عبد الله بن سلمه العجلاني، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عاصم بن ثابت بن أبي الأفلح فضرب عنقه صبرًا، وصدق الله رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله لعقبة: "إن وجدتك خارج جبال مكة قتلتك صبرًا".

وبينا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يجمع أدرعًا، بعد أن ولى الناس، إذا هو بأمية

__________

1 الطبقات الكبرى ج2 ص206.

2 إمتاع الأسماع ج1 ص88.

3 وسبب قتل من نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلهم عدم وصول النهي إلى الصحابي القاتل، أو أنه لم يعرض الشخص الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم "عن قتله إمتاع الأسماع ج1 ص89".

4 زاد المعاد ج3 ص185.

5 سورة الأنفال: 17.

ابن خلف، وابنه علي، فأخذ يسوقهما أمامه فأبصره بلال فنادى: يا معشر الأنصار، أمية بن خلف رأس الكفر، لا نجوت إن نجا! فأقبلوا حتى طرح أمية على ظهره، وقطع الحباب بن المنذر أرنبة أنفه، وضربه خبيب بن يساف حتى قتله1.

وقتل عمار بن ياسر رضي الله عنه علي بن أمية بن خلف.

وقتل الزبير بن العوام رضي الله عنه عبيدة بن سعيد بن العاص.

وقتل أبو دجانة رضي الله عنه عاصم بن أبي عوف بن ضبيرة السهمي.

وقتل علي رضي الله عنه عبد الله بن المنذر بن أبي رفاعة، وحرملة بن عمرو وهو يراهما أبا جهل.

وقتل حمزة رضي الله عنه أبا قيس بن الفاكه بن المغيرة، وهو يراه أبا جهل.

وكان أبو جهل في مثل الحرجة "هي الشجر الملتف" والمشركون يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه، فصمد معاذ بن الجموح إلى أبي جهل فضربه ضربة، وطرح رجله من الساق، فأقبل عليه عكرمة بن أبي جهل فضربه على عاتقه فطرح يده من العاتق، وبقيت الجلدة، فوضع معاذ عليها رجله، وتمطى بها عليها حتى قطعها، وضربه مع معاذ، معوذ وعوف ابنا عفراء فنفل رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا سيف أبي جهل ودرعه وأخذ المسلمون يجمعون الغنائم والأموال، ويأخذون الأسرى، فرحين بنصر الله تعالى.

__________

1 زاد المعاد ج3 ص185.

رابعًا: نتائج المعركة

لم تغرب شمس يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من العام الثاني للهجرة إلا وقد تم النصر لجند الله في بدر، وتأكد المسلمون المجاهدون من نصر الله تعالى، بعدما رأوا الملائكة تنزل عليهم في صورة بشرية، معونة، وتثبيتًا، وأسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة لكفار مكة، وانتصار كبير للمسلمين، وكان لهذا النصر صدى واسع في الجزيرة العربية كلها.

وقد لقي سبعون من صناديد مكة مصرعهم في بدر، وعلى رأسهم أبو جهل، وأمية بن خلف، وحنظلة بن أبي سفيان، وعبيدة والعاص ابنا سعيد بن العاص، وعقبة بن أبي معيط, وغيرهم من القادة والزعماء كما أسر منهم سبعون آخرون1.

وفر الباقون إلى مكة تاركين وراءهم الأموال وكثيرًا من الإبل، والخيل التي كانت في صحبتهم.

وقد حفر المسلمون قليبًا، دفنوا فيه قتلى المشركين، بعدما أمرهم صلى الله عليه وسلم بإلقائهم فيه دفعة واحدة.

ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه، لا يسأل عنه، مؤمنًا كان أو كافرًا، احترامًا لإنسانيته، وإلقاء القتلى في القليب من هذا الباب، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كره أن يشق على أصحابه بكثرة جيف الكفار أن يأمر بدفنهم، واحدًا، واحدًا، فرأى أن دحرجتهم إلى القليب جملة أيسر عليهم وعلى المسلمين فأمر به، وبخاصة أن نتن الجيف قد انتشرت لبقائها في العراء مدة ليست قليلة.

وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإلقاء القتلى جميعًا في القليب بأجسادهم، إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليحركوه، فتزايل جسده وتقطع، فأهالوا عليه التراب حيث هو، ووقف الرسول على القليب ثم قال: "يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف، يا أبا جهل بن هشام، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني

__________

1 انظر صحيح البخاري. كتاب المناقب. باب في غزوة بدر ج6 ص250.

قد وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ بئس القوم كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس".

قال المسلمون: يا رسول الله تنادي قومًا قد ماتوا؟

قال صلى الله عليه وسلم: "قد علموا أن ما وعدهم ربهم حق" 1.

وقال السدي عن مقسم عن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى بدر فقال: "جزاكم الله عني من عصابة شرًا فقد خونتموني أمينًا، وكذبتموني صادقًا"، ثم التفت إلى أبي جهل فقال: "هذا أعتى على الله من فرعون، إن فرعون لما أيقن بالهلكة وحد الله، وإن هذا لما أيقن بالهلكة دعا باللات والعزى".

وأما الأسرى والجرحى فقد اهتم بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذهم إلى المدينة، وفرق الأسرى على أصحابه لإعالتهم، ورعايتهم وقال لهم: "استوصوا بالأسارى خيرًا". وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشم أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى.

يقول أخو مصعب: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غذاءهم، وعشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها على أحدهم فيردها علي ما يمسها.

وقد استشهد من المسلمين أربعة عشر شهيدًا وهم رضي الله عنهم:

1- عبيدة بن الحارث رضي الله عنه.

2- عمير بن أبي وقاص رضي الله عنه.

3- عمير بن الحمام من بني سلمة رضي الله عنه.

4- سعد بن خيثمة من بني عمرو بن عوف من الأوس رضي الله عنه.

5- ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نضلة الخزاعي حليف بني زهرة رضي الله عنه.

6- مبشر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف رضي الله عنه.

__________

1 انظر صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج6 ص249.

7- عاقل بن البكير الليثي رضي الله عنه.

8- مهجع مولى عمر حليف بني عدي رضي الله عنه.

9- صفوان بن بيضاء الفهري رضي الله عنه.

10- بيضاء الفهري رضي الله عنه.

11- يزيد بن الحارث من بني الحارث بن الخزرج رضي الله عنه.

12- رافع بن المعلى رضي الله عنه.

13- حارثة بن سراقة وهو ابن عمة أنس بن مالك خرج نظارًا، وهو غلام، فأصابة سهم فقتله رضي الله عنه.

14- عوف، ومعوذ ابنا العفراء وكان سنهما أربع عشرة سنة1 رضي الله عنهما وهؤلاء الشهداء منهم ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.

وقد أحاط الله شهداء المسلمين بالخير، وميزهم بالفضل، وأحاطهم بالنعيم.

يروي البخاري عن رفاعة ابن رافع الزرقي رضي الله عنه، وكان من أهل بدر قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟

قال صلى الله عليه وسلم: "من أفضل المسلمين"، أو كلمة نحوها.

قال جبريل: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة2.

وروى أبو داود وابن ماجه والطبراني بسند جيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اطلع الله تعالى على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" 3.

وروى مسلم والترمذي عن جابر رضي الله عنه أن عبدًا لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبًا إليه فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخلن حاطب النار، فقال: "كذبت لا يدخلها، فإنه قد شهد بدرًا والحديبية" 4.

وفي الصحيح عن علي رضي الله عنه في قصة كتاب حاطب وأن عمر بن الخطاب قال: يا رسول

__________

1 سيرة النبي لابن هشام ج1 ص706، 708.

2 صحيح البخاري كتاب المناقب باب شهود الملائكة بدرًا ج6 ص256.

3 صحيح البخاري باب شهود الملائكة بدرًا ج6 ص257.

4 صحيح مسلم باب فضائل حاطب ج19 ص56.

الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أليس من أهل بدر؟ ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، أو قال فقد وجبت لكم الجنة" 1.

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: أصيب حارثة بن زيد ببدر فجاءت أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة مني فإن يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع؟

فقال صلى الله عليه وسلم: "ويحك أو هبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس" 2.

وإنما استحق أهل بدر كل هذا الفضل؛ لأنهم قدموا أنفسهم لنصر دين الله تعالى، فجعل الله ذنوبهم بعد ذلك تقع مغفورة، كما أنهم لصفاء أرواحهم، وصدق إيمانهم لا يقع الذنب منهم إلا خطأ، وبصورة نادرة.

والمغفرة المذكورة تتعلق بأحكام الآخرة، وبحقوق الله تعالى، أما أحكام الدنيا وحقوق الناس فلا بد من استيفائها، وأدائها لأصحابهما بعدما حدثت.

ومن مواقف المسلمين في بدر ما حدث من عمير بن الحمام الأنصاري فلقد روى الإمام أحمد في مسنده أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض".

فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟

فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم".

فقال عمير: بخ بخ.

فقال صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بخ بخ"؟.

قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها.

قال صلى الله عليه وسلم: "فإنك من أهلها".

فأخرج تمرات من قرته، فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، ثم رمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.

__________

1 صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج6 ص249.

2 صحيح البخاري كتاب المناقب باب غزوة بدر ج6 ص248.

خامسًا: قريش والهزيمة

تقهقرت فلول جيش مكة، وولوا الأدبار في الظلام وأسرعوا فارين إلى مكة، وشربوا من الكأس التي أذاقوه لغيرهم كثيرًا.

وقد أخذ المتخلفون في مكة يتحسسون أخبار المعركة، وكان أول خبر أتاهم من "الحيسمان بن إياس الخزاعي" الذي وصل إلى مكة.

فقالوا له: ما وراءك؟

فقال لهم: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، ونبيه، ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البحتري بن هشام.

فلما جعل يعدد أشراف قريش، قال صفوان بن أمية وهو قاعد في الحجر، والله إن يعقل هذا لقد طار قلبه، فسلوه عني.

فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟

قال: ها هو ذاك قاعد في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

يروي ابن إسحاق عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت غلامًا للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل، وكان العباس يهاب قومه، ويكره خلافهم، فكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير، متفرق في قومه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش، "كبته الله تعالى وأخزاه" ووجدنا في أنفسنا قوة، وعزة، وكنت أعمل الأقداح في حجرة زمزم، فوالله إني جالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر، حتى جلس على طنب الحجرة، فطان ظهره إلى ظهري، فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم.

فقال أبو لهب: هلم إلي يابن أخي فعندك لعمري الخبر.

فجلس إليه والناس قيام عليه فقال: يابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس، فقال: والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا، يقتلوننا كيف شاءوا،

ويأسروننا كيف شاءوا، وايم الله مع ذلك ما لمت الناس، لقينا رجالا بيضًا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئًا ولا يقوم لها شيء.

قال أبو رافع فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة.

فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة، وثاورته فاحتملني، وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفًا، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة، فأخذته فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة، وقالت، استضعفته أن غاب عنه سيده، فقام موليًا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رماه الله تعالى بالعدسة فقتلته1, وكانت نهاية أبي لهب على نحو يعادل جريمته لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشائم بها ويرون أنها تعدي أشد العدوى، فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه، وبقي بعد موته ثلاثة أيام، لا يقترب أحد من جثته، ولا يحاول أحد دفنه، فلما خاف بنوه السبة في تركهم له دفعوه بعصا في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى تغطت جثته2.

يروي بن إسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ناحت قريش على قتلاها بمكة شهرًا، وجز النساء شعورهن، وما أن يؤتى براحلة الرجل منهم، أو بفرسه، إلا وتوقف بين أظهر النساء، ويسترنها بالستور حولها، وينحن حولها، ويخرجن إلى الأزقة صائحين ثم قالوا: لا تفعلوا ذلك فيبلغ محمدًا وأصحابه فيشمتوا فيكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنوا بهم، حتى لا يتعالى عليكم محمد وأصحابه في الفداء.

وشعر القرشيون بعد هزيمتهم في بدر بهوان شديد عملوا على التخلص منه، فلما عادوا إلى مكة وجدوا أن أبا سفيان أوقف عير القافلة والأموال التي عاد بها من الشام في دار الندوة، ولم يحركها، ولم يوزعها على أصحابها، فاتفق كبراؤهم على أن يجهزوا بها جيشًا كثيفًا لقتال محمد صلى الله عليه وسلم والأخذ بثأر هزيمتهم في بدر، فباعوا الإبل التي بلغت ألف بعير، وضموها إلى الأموال التي بلغت خمسين ألف دينار، بعد أن أخذوا أرباحهم، وقدرها خمسون ألفًا أخرى، وكان الدينار يربح مثله3.

__________

1 تاريخ الطبري ج2 ص462 والعدسة قرحة قاتلة مثل الطاعون.

2 المرجع السابق ج2 ص463.

3 إمتاع الإسماع ج1 ص113.

كما قاموا بتشكيل مجموعة من رجالهم، لتدور على العرب في البوادي، وتؤلبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحضهم على قتال المسلمين في المدينة، وقد تكونت هذه المجموعة من عمرو بن العاص، وهبيرة بن أبي وهب، وابن الزبعري، وأبي غرة عمرو بن عبد الله الجمحي، وقد استمع العرب لهؤلاء ونفروا مع قريش في غزو أحد1.

وبذلك أشعلت قريش نار الحرب في الجزيرة كلها، وأخذت تعد عدتها لحرب شاملة وكان من الضروري أن يكلف المسلمون بقتال من يعتدي عليهم، وهنا كان فرض الجهاد مقيدًا بقتال المعتدي، وهو المرحلة الثانية في تشريع الجهاد.

__________

1 سيرة النبي ج2 ص61، 62.

,

سادسا: المسلمون في إطار انتصار بدر

,

الاختلاف في توزيع الغنائم

...

سادسًا: المسلمون في إطار انتصار بدر

تحقق النصر للمسلمين في بدر، وقد استشهد منهم أربعة عشر شهيدًا، وغنموا ما كان مع القرشيين من عتاد، وأموال، وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعد المعركة في بدر ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع أخذوا في الرجوع إلى المدينة بعد أن انتهوا من دفن الشهداء ووضع قتلى المشركين في القليب.

وقد عاش المسلمون بعد النصر الحقائق التالية:

1- الاختلاف في توزيع الغنائم:

عندما أتم النبي صلى الله عليه وسلم تسوية الصفوف قال للمجاهدين: "من قتل قتيلا فله سلبه، من أسر أسيرًا فهو له"، فلما انهزم المشركون تفرق المجاهدون إلى أعمال متعددة فمنهم من وقف عند خيمة النبي صلى الله عليه وسلم يحرسه، ومنهم من أغار على الأعداء ليهزمهم، ويقتلهم، ومنهم من اتجه للأسر والغنيمة.

وقد غنم المسلمون مائة وخمسين بعيرًا، وعشرة أفراس، وأداما كثيرًا حمله القرشيون معهم للتجارة بعد النصر الذي أملوا فيه.

وقد اختلف المسلمون في الغنائم؛ لأن الذين كانوا حول النبي صلى الله عليه وسلم لم يأخذوا شيئًا، وقالوا: ما منعنا أن نطلب العدو زهادة في الأجر، ولا جبنا عن لقاء العدو، ولكن

خفنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن يميل عليه خيل المشركين، ورجالهم، وقد أقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوه المهاجرين والأنصار ولم يغنم أحد منهم شيئًا ومتى أعطى الشباب لا يبقى للشيوخ شيء، وبخاصة أن الغنيمة قليلة، فنزل قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1.

وهكذا لم يترك الله أمر الغنائم لعقولهم واجتهادهم، وإنما جعلها لحكم الله ورسوله جاء في تفسير ابن كثير عن عبادة بن الصامت قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهدت معه بدرًا فالتقى الناس فهزم الله تعالى العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون، ويقتلون، وأقبلت طائفة على العسكر يحوزونه، ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض.

قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها فليس لأحد فيها نصيب.

وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق به منا نحن منعنا عنه العدو، وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: خفنا أن يصيب العدو منه غرة فاشتغلنا به2 فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برد الغنائم حتى يقضي الله فيها، فرد أصحابه صلى الله عليه وسلم الغنائم التي جمعوها من أعدائهم، أما ما أخذ بغير قتال فقسمه صلى الله عليه وسلم بينهم.

وجمعت الغنائم، واستعمل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن كعب بن عمرو المازني وسار بها حتى وصل إلى "سير" وهناك قسمها على المجاهدين، وقيل بل استعمل عليها خباب بن الأرت، وكان فيها إبل، ومتاع، وأنطاع، وثياب3.

وأنزل الله تعالى قوله في شأن الغنيمة: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا

__________

1 سورة الأنفال: 1.

2 تفسير ابن كثير ج2 ص283.

3 إمتاع الأسماع ج1 ص93.

أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 1.

وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الغنيمة أسهمًا، بعد أن أخذ الخمس منها، فأعطى للراجل سهمًا، وللفارس سهمين، وضرب لثمانية من الصحابة رضي الله عنه، تخلفوا عن الغزوة لعذر ألم بهم وهم:

من المهاجرين:

1- عثمان بن عفان، خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنته رقية، ليعودها في مرضها، وقد ماتت يوم قدوم زيد بن حارثة بنبأ النصر، وعند عودة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كانوا عائدين من دفنها في البقيع.

2- طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.

3- وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طلحة بن عبيد الله يتحسسان العير تلقاء "الحوراء" فلم يلحقا بالجيش.

ومن الأنصار:

4- أبو لبابة بن عبد الله رضي الله عنه، خلفه على المدينة.

5- عاصم بن عدي رضي الله عنه، خلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم على قباء، وأهل العالية.

6- الحارث بن حاطب رضي الله عنه، أمره صلى الله عليه وسلم بأمر في بني عمرو بن عوف.

7- خوات بن جبير رضي الله عنه، كسر بالروحاء.

8- الحارث بن الصمة رضي الله عنه، كسر بالروحاء2.

وضرب النبي صلى الله عليه وسلم كذلك لمن استشهد ببدر، وسلم غنائمهم لأبنائهم، واصطفى النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه من الغنيمة جمل أبي جهل، فجعل يغزو صلى الله عليه وسلم عليه حتى ساقه هديًا في الحديبية.

__________

1 سورة الأنفال: 41.

2 إمتاع الأسماع ج1 ص94.

,

الاختلاف في مصير الأسرى

...

2- الاختلاف في مصر الأسرى:

لما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة اهتم بأمر الأسرى، فبدأ يأخذ رأي أصحابه في كيفية التعامل معهم، يروي أبو الحسن النيسابوري بسنده إلى عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جيء إليه بالأسرى يوم بدر، جمع أصحابه وقال لهم: "ما تقولون في هؤلاء الأسرى"؟.

فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله قومك وأصلك، استبقهم، واستأن بهم، لعل الله عز وجل يتوب عليهم.

وقال عمر: كذبوك وأخرجوك فقدمهم فاضرب أعناقهم.

وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرم عليهم نارًا.

فقال العباس: قطعت رحمك.

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجبهم، ثم دخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر.

وقال ناس: يأخذ بقول عمر.

وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله.

ثم خرج عليهم صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله عز وجل ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله عز وجل ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم قال: {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} " 1.

وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} 2.

ومثلك يا عمر كمثل موسى قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} 3.

ومثلك يا عمر كمثل نوح قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} 4".

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم اليوم عالة! أنتم اليوم عالة! فلا ينقلبن منهم

__________

1 سورة إبراهيم: 36.

2 سورة المائدة: 118.

3 سورة يونس: 88.

4 سورة نوح: 26.

أحد إلا بفداء أو ضرب عنق"؟.

وهكذا أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأي أبي بكر، وأخذ منهم الفداء، فلما كان الغد جاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، فوجدهما في حزن وألم، لما نزل في شأن الأسرى من عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول عمر: فغدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وهما يبكيان، فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، فقد عرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة" 1 شجرة قريبة وعندها أنزل الله قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 2.

والكتاب الذي سبق من الله هو قوله تعالى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} 3.

ففيه الإذن بأخذ الفدية من الأسارى، ولذلك لم يعذبوا، وإنما نزل العتاب لأنهم أسروا الكفار قبل أن يثخنوا في الأرض، وكان على المجاهدين أن يجهزوا على أعدائهم في ميدان المعركة، جزاء وفاقًا لما جاءوا من أجله.

وكان علي رضي الله عنه يقول: أتى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء القتال يوم بدر فخيره في الأسرى، بين أن تضرب أعناقهم، أويؤخذ منهم الفداء، أو يستشهد منهم في قابل عدتهم واستقر الرأي على رأي الصديق مع العتاب، والعفو، فأخذ صلى الله عليه وسلم منهم الفداء، وكان الفداء من أربعة آلاف درهم، إلى ثلاثة آلاف درهم، إلى ألف درهم، وكان بعض الأسرى يكتبون فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء من يكتب تعليم عشرة من غلمان المدينة القراءة

__________

1 أسباب النزول للنيسابروي ص137، 138.

2 سورة الأنفال الآيتان 67، 68.

3 سورة محمد: 4.

والكتابة، فإذا حذقوها فهو فداء لهم، وممن تعلم في بدر زيد بن حارثة رضي الله عنه.

ومنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على عدد من الأسارى، فأطلقهم بغير فداء منهم: المطلب بن حنطب، وصيفي بن أبي رفاعة، وأبو عزة الجمحي.

ومنّ على ختنه أبي العاص بشرط أن يخلي سبيل زينب، وكانت قد بعثت في فدائه بقلادة لها كانت عند خديجة رضي الله عنها، أهدتها لها حين أدخلتها به على أبي العاص فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، واستأذن أصحابه في إطلاق أبي العاص ففعلوا واشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي العاص أن يخلي سبيل زينب، فخلاها، فهاجرت إلى أبيها في المدينة بعد ذلك، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثه، ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها فخرجا حتى رجعا بها".

وكان في الأسرى سهيل بن عمرو، وكان خطيبًا مصقعًا، قال عمر: يا رسول الله، أنزل ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسان، فلا يقوم خطيبًا عليك في موطن أبدًا، بيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض هذا الطلب، احترازًا عن المثلة، وعن بطش الله يوم القيامة.

ومن أحداث الأسرى ما روي أنه بعد أسر عمرو بن أبي سفيان بن حرب، قيل لأبي سفيان: ألا تفدي عمرو!.

فقال أبو سفيان: حنظلة قتل، وافتدى عمروا! فأصاب بمالي وولدي؟ لا أفعل ولكن أنتظر حتى أصيب منهم رجلا فأفديه، فأصاب سعد بن النعمان بن زيد بن أكال أحد بني عمرو بن عوف، جاء معتمرًا مع المنذر بن عمرو، فلما قضيا عمرتهما طلبهما أبو سفيان، فأدرك سعدًا فأسره، وفاته المنذر، ففي ذلك يقول ضرار بن الخطاب:

تداركت سعدًا عنوة فأسرته ... وكان شفاء لو تداركت منذرا

وهنا تمكن أبو سفيان من بغيته وتبادل مع المسلمين في الأسر، فأفدى ابنه عمرو بسعد بن النعمان.

3- ,

الابتهاج بنصر الله تعالى

:

أشاع اليهود والمنافقون في المدينة أكاذيب وتحدثوا عن هزيمة المسلمين، ولذلك عجل رسول الله صلى الله عليه وسلم برد هذا الافتراء، وإخبار أهل المدينة بانتصار المسلمين في بدر، فأرسل رسولين هما عبد الله بن رواحه بشيرًا لأهل العالية، وزيد بن حارثة بشيرًا لأهل السافلة فنادى عبد الله: يا معشر الأنصار أبشروا بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتل المشركين وأسرهم، ثم أتبع دور الأنصار فبشرهم.

وقدم زيد بن حارثة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء يبشر أهل المدينة، فلم يصدق المنافقون ذلك، وشنعوا، وقدم شقران بالأسرى وهم سبعون رجلا، وتلقى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالروحاء يهنئونه بفتح الله، فقدم المدينة صلى الله عليه وسلم مؤيدًا، مظفرًا، منصورًا قد أعلى الله كلمته، ومكن له وأعز نصره، ودخلها من ثنية الوداع في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من رمضان، فتلقاه الولائد بالدفوف وهن يقلن:

طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع

فأذل الله بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين واليهود، ولم يبق بالمدينة يهودي ولا منافق إلا وشعر بالخزي، وأسلم حينئذ بشر كثير من أهل المدينة، ومن ثم دخل عبد الله بن أبي سلول وجماعته من المنافقين في دين الإسلام تقية.

وقد عم السرور، والفرح قلوب المسلمين جميعًا، وشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم من نصر، حتى أن النجاشي ملك الحبشة لما جاءه خبر انتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الحبشة أرسل إلى جعفر وأصحابه فدخلوا عليه وهو في بيت قديم عليه ثياب رثه، جالس على التراب فأخذ يبشرهم بالنصر، ويهنئهم بالفوز والفلاح.

يقول جعفر رضي الله عنه: فأشفقنا منه حين رأيناه على تلك الحال، فلما أن رأى ما في وجوهنا قال: إني أبشركم بما يسركم، إنه جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله قد نصر نبيه صلى الله عليه وسلم، وأهلك عدوه, وأسر فلان، وفلان، وقتل فلان، وفلان، التقوا بواد يقال له "بدر" كثير الأراك كأني أنظر إليه، كنت أرعى لسيدي رجل من بني ضمرة إبله.

فقال له جعفر: ما بالك جالس على التراب ليس تحتك بساط، وعليك هذه الأخلاط؟

قال له النجاشي: إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقًا على عباد الله أن يحدثوا لله تواضعًا عندما يحدث لهم من نعمة، فلما أحدث الله لي نصر نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت له هذا التواضع1.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص307.

4- ,

سابعا: بدر في رحاب القرآن الكريم

,

حديث ما قبل المعركة

...

سابعًا: بدر في رحاب القرآن الكريم

وجه القرآن الكريم المسلمين نحو الجهاد، وأذن لهم فيه قبل بدر، وصاحبهم في مسيرتهم تعليمًا، وتوجيهًا قبل المعركة، وأثناءها، وبعد الانتهاء منها، ليستمروا في معية الله تعالى عبادًا طائعين مستسلمين وقد أنزل الله سورة الأنفال تتحدث عن غزوة بدر، وتشمل أحداثها، ولذلك سماها ابن عباس بسورة "بدر"1وقال عنها تلك سورة بدر وقد كان حديث السورة شاملا لكل أحداث بدر، أذكر منها ما يلي:

1- حديث ما قبل المعركة:

أخذ القرآن الكريم يوجه المسلمين إلى أهمية الاستعداد للمعركة وتهيئة أنفسهم بالعتاد والتدريب فقال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا

__________

1 فتح القدير ج3 ص282.

تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} 1؛ لأن الإعداد الجاد يحقق العزة، ويرهب الأعداء، وأمر المسلمين أن يجنحوا للسلم إذا رغبه أعداء الله فقال تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} 2.

ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى جوانب الضعف فيهم، وبين لهم عوامل التغلب عليها فقال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ، الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} 3.

فهم ضعفاء، يحتاجون إلى تقوية أنفسهم، وإيمانهم، وذلك يكون بالصبر، والتوكل على الله والثقة في نصره سبحانه وتعالى.

ووجه القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية معرفة ما في ذواتهم من نقص ليعملوا على إتمامه، وإكماله، وذلك في قوله سبحانه: {يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} 4.

وحذر القرآن الكريم المسلمين من الفرار أمام الأعداء، فقال تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} 5.

__________

1 سورة الأنفال: 60.

2 سورة الأنفال: 61.

3 سورة الأنفال: 65-66.

4 سورة الأنفال: 6-8.

5 سورة الأنفال: 19-20.

2- ,

حديث القرآن الكريم عن المعركة

:

بين الله نصره للمسلمين، بمختلف صوره، فلقد أرسل لهم الملائكة يقول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 1.

وأنزل المطر، ورزقهم النعاس ليستريحوا، ويطمئنوا، يقول الله تعالى: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} 2.

وكان تأييد الله للمسلمين في القتال، يقول الله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ} 3.

وملأ الله عز وجل قلوب المؤمنين بالثقة، يقول الله تعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} 4.

__________

1 سورة الأنفال: 9-10.

2 سورة الأنفال: 11.

3 سورة الأنفال: 17-18.

4 سورة الأنفال: 42-44.

3- ,

حديث ما بعد المعركة

:

عاش القرآن الكريم مع المسلمين في قضية الغنيمة والأسرى ووضح حكم الله فيها فقال تعالى تعليقًا على اختلافهم في توزيع الغنائم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} 1.

وقال تعالى في شأن الأسرى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2.

__________

1 سورة الأنفال: 1.

2 سورة الأنفال: 67-70.

4- ,

توجيهات قرآنية تربوية

:

تحدثت سورة الأنفال عن غزوة بدر، وعن مواقف كل أطرافها، وقدمت وصفًا متكاملا لأهم أحداثها.

ويلاحظ أن الأحاديث لم تذكر في السورة متتابعة وفق ترتيب وقوعها؛ لأن القرآن الكريم لا يقصد إيراد قصة، أو مجرد سرد الأخبار, وإنما يقصد التربية والتوجيه، وإبراز القضايا التي يحتاجها المسلمون، وهذا القصد لا يحتاج إلى ترتيب الأحداث وإنما يعتمد على التركيز على الحدث، وإبراز مناط التأثير فيه.

لقد بدأت السورة تعرض مواقف المجاهدين من الأنفال، ومجيئهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهم بعدما اختلفوا وهو موقف حدث بعد انتهاء المعركة، فكان أن نزلت

الآيات بأن الحكم في الغنائم لله ورسوله، وعلى المسلمين أن يحافظوا على تقوى الله تعالى، ويصلحوا ذات بينهم، ويستمروا على طاعة الله ورسوله فيما يقضيان به، ويحافظوا على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ويقبلوا على آيات الله تذكيرًا وعبرة.

وهكذا لم تكتف السورة بعرض أحداث بدر، وإنما جعلت أحداثها منطلقًا للتذكير، والتوجيه، والتربية، وأن الأمر كله لله يقول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ، أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} 1.

وجهت السورة المسلمين إلى أن الأمر كله لله، يقع بقدرته حسب ما يريد سبحانه وتعالى، وعرفهم أنهم خرجوا للعير، خائفين من الحرب لكن الله أراد لهم غير ذلك لتحقيق غايات عليا، يقول الله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ، يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} 2.

وعرفت السورة المسلمين بضرورة الدعاء والاستغاثة لتحقيق النصر الذي هو بيد الله تعالى يقول الله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ

__________

1 سورة الأنفال: 1-4.

2 سورة الأنفال: 5-8.

السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ، إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ} 1.

وتتتابع التوجيهات الإلهية لعباده المؤمنين ليكونوا مجتمع الصفوة والنصر، فيقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} 2.

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} 3.

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} 4.

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ، وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} 5.

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} 6.

__________

1 سورة الأنفال: 9-12.

2 سورة الأنفال: 15-16.

3 سورة الأنفال: 20-21.

4 سورة الأنفال: 24-25.

5 سورة الأنفال: 27-28.

6 سورة الأنفال: 45-46.

- {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} 1.

- {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} 2.

- {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ، وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} 3.

وعاشوا الحياة الإسلامية متميزة، بصورة، ومعنى، بعيدة عن أي لبس، وبخاصة بعد أن شرع الله الأذان شعيرة خاصة بالمسلمين، وأصبحت الكعبة قبلتهم، وهم يتصلون بالله وبذلك التميز سقطت دعاوى أهل الكتاب.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجه في صلاته إلى بيت المقدس بعد الهجرة، واستمر على ذلك ستة عشر شهرًا أو ثمانية عشر شهرًا، وكان يجب أن يتجه إلى الكعبة، بيت الله تعالى يقول الله تعالى: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} 4.

فاستجاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، وحقق له ما كان يتمنى ويرضى قبيل بدر.

وفي البخاري أنه صلى الله عليه وسلم صلى على بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قِبَل البيت، وأن أول صلاة صلاها متجهًا إلى الكعبة في مكة كانت

__________

1 سورة الأنفال: 64.

2 سورة الأنفال: 72.

3 سورة الأنفال: 74-75.

4 سورة الأنفال: 144.

صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على أهل المسجد1 وهم راكعون فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت وقد تساءل بعض الصحابة عن الذين ماتوا قبل تحويل القبلة، وكان صلاتهم إلى بيت المقدس فأنزل الله قوله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} 2.

وبتحويل القبلة، وتوجه المسلمين إلى بيت الله بمكة، تمت المفاصلة التامة بين المسلمين واليهود، وتميز المسلمون بقبلتهم، فأخذ اليهود في إثارة الشبه والحقد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ودينه, يصور القرآن الكريم ذلك فيقول سبحانه وتعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 3.

وبدأ المسلمون يتجهون في صلواتهم إلى مكة المكرمة، فتحركت شجوبهم وتيقنوا بمدى ارتباط الإسلام بمكة، وبالمكيين.

يقول صلى الله عليه وسلم: "إن اليهود لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين".

وجاء انتصار بدر لتبدأ مرحلة جديدة، اتضحت خلالها خفايا القلوب، وتوجيهات سائر الطوائف، وشعر الجميع أن المواجهة الحاسمة قريبة، بعد أن اتضحت الحقائق، وبانت السبل، وأخذ كل طريقه نحو ما يأمله، ويرجوه.

وهكذا جاء انتصار بدر قمة النصر، وقمة الوضوح، وقمة المفاضلة بين الحق والباطل، ولذلك سماه الله تعالى يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.

__________

1 والمسجد الذي تحول الصحابة فيه بعدما أخبرهم أخوهم هو مسجد القبلتين وهو مسجد مشهور بالمدينة المنورة، وقد اشتهر بهذا الاسم لأن المسلمين صلوا صلاة العصر متجهين إلى قبلتين.

2 سورة البقرة: 143.

3 سورة البقرة: 142.

المبحث الخامس: أحداث ما بين بدر وأحد

,

أولا: محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم

عمرو بن وهب الجمحي من تجار مكة، وقادتها المعدودين، وكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، اشترك مع ابنه وهب مع المشركين في بدر، ووقع ابنه وهب في الأسر فشعر بالذل لأسر ابنه، وقتل أصحابه.

جلس عمير مع صاحبه صفوان بن أمية في حجر إسماعيل، وتذاكرا بدرًا، فقال صفوان: والله ما في العيش بعدهم خير.

فرد عليه عمير: صدقت، أما والله لولا دين علي ليس له قضاء عندي، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي، لركبت إلى محمد حتى أقتله، فإن لي قبلهم علة، ابني أسير عندهم.

فقال له صفوان: علي دينك، أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما عاشوا، لا يسعني شيء، وأعجز عنهم.

فقال له عمير: فاكتم عني شأني وشأنك.

قال صفوان: أفعل.

ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له، وسم، ثم انطلق حتى قدم به المدينة، فبينما هو على باب المسجد ينيخ راحلته رآه عمر بن الخطاب رضي الله عنه -وهو في نفر من المسلمين يتحدثون بما أكرمهم الله به يوم بدر- فقال عمر: هذا عدو الله عمير ما جاء إلا لشر.

ثم دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير قد جاء متوحشًا سيفه قال صلى الله عليه وسلم: فأدخله علي.

فلما أقبل عمير لببه عمر بحمالة سيفه، وقال لرجال من الأنصار، ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث، فإنه غير مأمون، ثم دخل به، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه.

قال صلى الله عليه وسلم أرسله يا عمر أدن يا عمير، فدنا وقال: أنعموا صباحًا.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام، تحية أهل الجنة". ثم قال صلى الله عليه وسلم: "ما جاء بك يا عمير"؟.

قال عمير: جئت لهذا الأسير الذي في أيديك فأحسنوا فيه.

قال صلى الله عليه وسلم: "فما بال السيف في عنقك"؟.

قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا شيئًا؟

قال صلى الله عليه وسلم: "اصدقني ما الذي جئت له"؟.

قال عمير: ما جئت إلا لذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: "بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر، فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت لولا دين علي، وعيال عندي، لخرجت حتى أقتل محمدًا، فتحمل صفوان بدينك، وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك".

قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء، وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله، فالحمد لله الذي هداني للإسلام، وساقني هذا المساق

ثم تشهد شهادة الحق.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره"، ففعلوا ثم قال عمير: يا رسول الله إني كنت جاهدًا في إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة، فأدعوهم إلى الله، وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم! وإلا آذيتهم في دينهم، كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.

فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلحق بمكة، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول لقريش: أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذى شديدًا، فأسلم على يديه أناس كثير، وسبحان مقلب القلوب، ومغير الأحوال، وبيده الأمر كله1.

__________

1 البداية والنهاية ج3 ص309.

ثانيًا: غزوة بني سليم 1

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعًا من "بني سليم، وغطفان" يوجد عند ماء يقال له "قرقرة الكدر"2 ويقع في وسط الطريق بين مكة والشام جهة نجد، وأن هذا الجمع يريد مهاجمة المسلمين في المدينة، فبادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إليهم قبل أن يستفحل أمرهم.

وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني سليم في مائتين من أصحابه في أوائل شوال عقب "بدر" بسبعة أيام فقط وحمل اللواء علي بن أبي طالب رضي الله عنه3.

وقد فر بنو سليم عندما علموا بخروج المسلمين إليهم، وتركوا خلفهم خمسمائة بعير، غنمها المسلمون، وقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشتركين وفق حكم الله تعالى ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم في الديار غلامًا اسمه "يسار" فسأله صلى الله عليه وسلم عن الناس فقال يسار: لا علم لي بهم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأعتقه حينما رآه يصلي.

وقد خلف الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وقيل عبد الله بن أم مكتوم، وأقام الرسول صلى الله عليه وسلم في ديار بني سليم ثلاثة أيام، ثم عاد إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسة عشر يومًا4.

__________

1 سليم بضم السين وفتح اللام مصغرة سلم.

2 قرقرة الكدر قرقرة بفتح القاف وسكون الراء الأرض الملساء، والكدر بضم الكاف وسكون الدال لون.

3 وقيل: إن غزوة بني سليم كانت في منتصف المحرم من العام الثالث للهجرة والرأي المذكور أعلاه أولى لتسلسل الغزوات بعده.

4 الطبقات الكبرى ج2 ص21.

ثالثًا: غزوة السويق

امتلأ قلب أبي سفيان حقدًا، وغيظًا بسبب هزيمة قريش في بدر، ونذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدًا، ويثأر لهزيمة المكيين، فجمع رجالا، وخرج في مائتي راكب وفاء لنذره، وشفاء لمرض نفسه، وسار برجاله حتى نزل عند قناة قرب جبل "نيب" قريبًا من المدينة، وعسكر في هذا المكان حتى جاء الليل، ودخل المدينة مستخفيًا تحت جنح الظلام، فأتى حيي بن أخطب، فاستفتح بابه، فأبى.

ثم أتى إلى سلام بن مشكم "سيد بني النضير" وصاحب كنزهم آنذاك، فاستأذن عليه فأذن له، وقراه وسقاه الخمر، وبطن له من خبر الناس.

ثم خرج أبو سفيان في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، فبعث مفرزة منهم، فأغارت على ناحية من المدينة يقال لها: "العريض"1 فقطعوا أشجارًا، وأحرقوا أسوارًا من النخل، ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفًا له معه في حرث لهما فقتلوهما، وفروا راجعين إلى مكة.

وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، فجمع أصحابه، وسارع لمطاردة أبي سفيان ومن معه ولكن رجال أبي سفيان فروا سراعًا، وطرحوا سويقًا كثيرًا من أزوادهم وتمويناتهم على الطريق يتخففون به منه وتمكنوا من الإفلات، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى "قرقرة الكدر" ثم انصرف راجعًا، وحمل المسلمون ما طرحه الكفار من سويقهم، وسموا هذا الخروج بغزوة السويق نسبة إلى الغنائم التي طرحها أبو سفيان ورجاله، وقد وقعت الغزوة في ذي الحجة بعد بدر بشهرين، واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم خلالها على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه2.

__________

1 المغازي ج1 ص196.

2 المغازي ج1 ص181.

رابعًا: غزوة غطفان

كانت غطفان تسكن ناحية نجد، حول ماء يعرف بـ"ذي أمر" "بفتح الهمزة والميم" وقد غزاها النبي صلى الله عليه وسلم من شهر المحرم في العام الثالث الهجري، وسبب هذه الغزوة أن بطنين من غطفان، وهما بطنا ثعلبة ومحارب، تجمعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة بقيادة "دعثور بن الحارث المحاربي" الذي تميز في قومه بالشجاعة، وحب الإغارة علم النبي صلى الله عليه وسلم ما يعد له "دعثور" بواسطة عيونه، فندب المسلمين، وخرج معهم إلى بطني ثعلبة ومحارب في أربعمائة وخمسين مقاتلا، ما بين راكب وراجل، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه.

فوجئ دعثور وجنوده بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ففروا في رءوس الجبال ووصل المسلمون إلى مكان الماء، وعسكروا به، وأخذوا يبحثون عن دعثور ورجاله، فأصابوا رجلا منهم يقال له "جبار بن ثعلبة" فجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دعاه إلى الإسلام أسلم فضمه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بلال وجعله دليلا للمسلمين في أرض غطفان.

ويقال أن السماء أمطرت فابتل ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل صلى الله عليه وسلم تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف، واضطجع بمرأى من المشركين، واشتغل المسلمون في شئونهم، وأعمالهم، فبعث المشركون "دعثور بن الحارث" ومعه سيف متقلد به، فبادر "دعثور" وأقبل نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاحه، حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف مشهورًا، فقال: يا محمد، من يمنعك مني اليوم؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله".

ودفع جبريل عليه السلام في صدر "دعثور" فوقع السيف من يده.

فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف، وقال له: "يا دعثور من يمنعك مني"؟.

فقال دعثور: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله،

والله لا أكثر عليك جمعًا أبدًا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه.

ثم أتى "دعثور" قومه فقالوا: ما لك؟ ويلك!!

فقال لهم: نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري، فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت بأن محمدًا رسول الله، والله لا أكثر عليه جمعًا، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام وأنزل الله تعالى قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} 1.

وقد تكررت هذه الحادثة في غزوة "ذات الرقاع" وكان الذي حمل السيف فيها "غوري بن الحارث" وقد بقي على شركه، وعاهد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم مقاتلته أبدًا.

وقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم وجيش المسلمين في غطفان قريبًا من شهر ليعلم الناس قوة المسلمين، وشجاعتهم، وحسن أخلاقهم، وبخاصة أنهم أنسحبوا من غطفان بلا عدوان على إنسان، أو مال، أو بغير ذلك من صور الظلم والعدوان2.

__________

1 سورة المائدة: 11.

2 المغازي ج1 ص195.

خامسًا: غزوة بحرا ن 1

وتسمى غزوة بني سليم نسبة إلى جماعة من بني سليم كانت تقطن ناحية الفرع "بضم الفاء والراء" وهي قرية قرب المدينة في طريق الذاهب إلى مكة على بعد عشرين ميلا تقريبًا وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن بها جمعًا يريد مهاجمة المدينة، فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول من العام الثالث الهجري، في ثلاثمائة مقاتل, فلما وصل إلى مكانهم وجدهم قد تفرقوا في واديهم فأقام بينهم عشرة أيام، عاد بعدها إلى المدينة وكان قد ولى على المدينة عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه2.

__________

1 بحران بباء مضمومة، وقيل: بفتحها، وسكون الحاء.

2 المغازي ج1 ص196.

سادسًا: سرية زيد بن حارثة

توقفت تجارة قريش إلى الشام بعد "بدر" وتملك القرشيون الخوف على تجارتهم فلما جاء الصيف، وحان موعد خروج القوافل اختارت قريش "صفوان بن أمية" لقيادة قافلتها إلى الشام فقال لهم: إن محمدًا وصحبه عوروا علينا متجرنا، فما ندري كيف نصنع بأصحابه؟ وهم لا يبرحون الساحل؟ وأهل الساحل قد وادعهم، ودخل عامتهم معه، فما ندري أين نسلك؟ وإن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رءوس أموالنا، فلم يكن لها من بقاء، وإنما حياتنا بمكة على التجارة إلى الشام في الصيف، وإلى اليمن في الشتاء.

فقال الأسود بن عبد المطلب لصفوان: تنكب الطريق على الساحل، وخذ طريق العراق، وهي طريق طويلة جدًا تخترق نجدًا إلى الشام، وتمر في شرقي المدينة على بعد كبير منها, وكانت قريش تجهل هذه الطرق كل الجهل، فأشار الأسود بن عبد المطلب على صفوان أن يتخذ فرات بن حيان -من بني بكر بن وائل- دليلا له، يكون رائده في هذه الرحلة.

وخرجت عير قريش يقودها صفوان بن أمية، آخذة الطريق الجديد، إلا أن أنباء هذه القافلة، وخطة سيرها طارت إلى المدينة، وذلك أن سليط بن النعمان، وكان قد أسلم، اجتمع في مجلس شرب، وذلك قبل تحريم الخمر، مع نعيم بن مسعود الأشجعي ولم يكن أسلم إذ ذاك، فلما أخذت الخمر من نعيم تحدث بالتفصيل عن قضية العير، وخطة سيرها، فأسرع سليط إلى النبي صلى الله عليه وسلم وروى له القصة.

جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لوقته حملة قوامها مائة راكب بقيادة زيد بن حارثة الكلبي فأسرع زيد حتى دهم القافلة بغتة، وهي تنزل على ماء في أرض نجد يقال له قردة -بالفتح فالسكون- فاستولى عليها كلها، ولم يكن مع صفوان ورجاله من يحرس القافلة فلاذ بالفرار دون أي مقاومة.

وأسر المسلمون دليل القافلة، فرات بن حيان ورجلين غيره، وحملوا غنيمة كبيرة من الأواني، والفضة، كانت تحملها القافلة، قدرت قيمتها بمائة ألف، فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذه الغنيمة على أفراد السرية بعد أخذ الخمس، ثم جاء فرات بن حيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم على يديه.

وقد مثلت هذه الغزوة مأساة شديدة، ونكبة كبيرة أصابت القرشيين بعد بدر، اشتد لها قلقهم وزادتهم همًا وحزنًا، ولم يبق أمامهم إلا طريقين: إما أن تمتنع عن غطرستها وكبريائها، وتأخذ طريق الموادعة والمصالحة مع المسلمين، أو تقوم بحرب شاملة تعيد لها مجدها التليد، وعزها القديم، وتقضي على قوات المسلمين، بحيث لا يبقى لهم سيطرة على هذا ولا ذاك، وقد اختارت مكة الطريق الثانية، فأخذت تعد العدة، وتضاعف الأعمال التي بدأتها بعد بدر وازداد إصرارها على المطالبة بالثأر، والتهيؤ للقاء المسلمين في تعبئة كاملة، وتصميم على الغزو فكان ذلك وما سبق من أحداث مقدمات واضحة لمعركة أحد.

وقد كان لسرية زيد أثرها الكبير على القرشيين، فقد فقدوا كثيرًا من أموالهم، وشعروا بأن المسلمين قد أحكموا حصارهم، ولذلك نشطوا في إعداد العدة لمهاجمة المسلمين، وحصارهم في المدينة، وتلقينهم درسًا يعوضهم عن كل ما فقدوه في "بدر" وفيما بعدها.

وكانت سرية زيد بن حارثة رضي الله عنه في جمادى الآخرة من العام الثالث الهجري1.

__________

1 سيرة النبي ج2 ص50، 51.

سابعًا: غزوة بني قينقاع

بنو قينقاع بطن من يهود المدينة، وهم قوم عبد الله بن سلام، عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تمام الهجرة مع سائر اليهود وحدد لهم الحقوق التي لهم، والواجبات التي يلتزمون بها، في إطار واضح أساسه "لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين".

لكن اليهود وبخاصة يهود بني قينقاع هالهم توحد الأوس والخزرج في إطار الإسلام فازدادوا حقدًا وحاولوا الإيقاع بينهم ليعودوا لجاهليتهم، وتئول السيادة لهم مرة أخرى، يروي ابن إسحاق أن شاس بن قيس، وكان شيخًا "يهوديًا" عظيم الكفر، شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، مر على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم، يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم، وجماعتهم،

وصلاح ذات بينهم بالإسلام وعلى الإسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، لا والله ما لنا معهم حياة إذا اجتمع ملؤهم واتحدوا، وتماسكوا، فأمر فتى شابًا يهوديًا كان معه، وقال له: اعمد إليهم، فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث، وما كان قبله، وانشدهم بعض ما كانوا يتقاولون فيه من الأشعار.

ففعل الغلام، وتأثر القوم، وعاودتهم ذكريات الماضي عند ذلك، وتنازعوا، وتفاخروا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب فتقاولا، ثم قال أحدهم لصاحبه: إن شئتم رددناها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعًا، وقالوا: قد فعلنا، موعدكم الظاهرة، السلاح، السلاح، فخرجوا إليها "وكادت أن تنشب الحرب".

فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقال: "يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم الله للإسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم"؟.

فعرف القوم أنها نزعة شيطان، وكيد من عدوهم، فكبوا، وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سامعين مطيعين قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس بن قيس1.

وكان بنو قينقاع من أشد اليهود عداوة لله ورسوله، وكانوا يسكنون وسط المدينة ويشتغلون بصناعة الذهب والحديد، فلما انتصر المسلمون في "بدر" بدءوا يظهرون حقدهم، ويثيرون المشاحنات مع المسلمين، فذهب إليهم صلى الله عليه وسلم في سوقهم وقال لهم: "يا معشر يهود، أسلموا، فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله صلى الله عليه وسلم، يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة فأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا".

قالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا فأنزل الله تعالى

__________

1 سيرة النبي ج2 ص48-49.

قوله: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ، قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} 1.

ولم ينته بنو قينقاع بعد هذا اللقاء، فأخذوا يتحرشون بالمسلمين في جرأة، واستهتار، حتى أنهم أخذوا في التعدي على نساء المسلمين.

يروي ابن هشام أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها -وهي غافلة- فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله -وكان يهوديًا- فشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.

وأنزل الله سبحانه وتعالى قوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} 2.

فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أخاف من بني قينقاع"، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الآية، وحمل لواءه حمزة بن عبد المطلب، وكان اللواء أبيض اللون.

قال ابن سعد: ولم تكن الرايات يومئذ قد حدثت، ولذلك لم تكن هناك راية للمسلمين، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر فتحصنوا في حصنهم فحاصرهم أشد الحصار، فأقاموا على ذلك خمس عشرة ليلة، حتى قذف الله في قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم أموالهم، وأن لهم النساء والذرية، فأمر بهم فكتفوا، واستعمل على كتافهم المنذر بن قدامة السلمي، ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي بن سلول، فجعلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبرأ إلى الله تعالى ورسوله من حلفهم، وقال: يا رسول الله

__________

1 سورة آل عمران: 12-13.

2 سورة الأنفال: 58.

أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الرجال.

فقام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي، وكانوا حلفاء الخزرج، فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال ابن أبي: يا محمد أحسن في موالي، فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه، وكان يقال لها ذات الفضول.

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويحك أرسلني". وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا ثم قال: "ويحك أرسلني".

قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر.

فقال صلى الله عليه وسلم: "خلوهم لعنهم الله". ولعنه معهم، وتركهم من القتل، وأمر بهم أن يجلوا عن المدينة، فخرجوا بعد ثلاث، وولى إخراجهم منها عبادة بن الصامت، وقيل: محمد بن مسلمة، فلحقوا "بأذرعات"1 فما كان أقل بقائهم بها2.

ووجد المسلمون في منازلهم سلاحًا كثيرًا، وآلة للصياغة، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية والخمس، وقسم أربعة أخماسه على أصحابه، فكان أول خمس وزع بعد "بدر" وكان الذي قبض أموالهم محمد بن مسلمة، وأنزل الله تعالى في شأن عبد الله بن أبي، وفي شأن عبادة بن الصامت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} 3 أي عبد الله بن أبي وقوله: إني أخشى الدوائر، وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} أما المؤمنون الصادقون فهم أولياء المؤمنين، يفضلون ولاية الله ورسوله على أي ولاية سواها، وفي ذلك

__________

1 الطبقات الكبرى ج2 ص29.

2 المغازي ج1 ص179.

3 سورة المائدة: 51-52.

نزل قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} 1, وذلك لتولي عبادة بن الصامت الله تعالى، ورسوله والذين آمنوا وتبرؤه من بني قينقاع، وحلفهم، وولايتهم, يقول تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} .

__________

1 سورة المائدة: 55.

ثامنًا: قتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط

رجع المسلمون بالأسرى حتى وصلوا إلى "الصفراء"1 قرب المدينة، فاستراحوا بها، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط من بين الأسرى، جزاء وفاقًا لما ارتكبوه من جنايات ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين والإسلام، يقول ابن إسحاق: حتى إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصفراء أمر بقتل النضر بن الحارث فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم خرج حتى كان بعرق الظبية فأمر صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط، فقال عقبة حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله: فمن للصبية يا محمد؟

قال صلى الله عليه وسلم: "النار" وكان الذي قتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.

ولما أقبل إليه عاصم بن ثابت: قال يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟

فرد عليه عاصم وقال: على عداوتك الله ورسوله.

وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: أتقتلني يا محمد من بين قريش؟

قال صلى الله عليه وسلم: "نعم! أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجد خلف المقام فوضع رجله على عنقي، وغمزها، فما رفعها حتى ظننت أن عيني ستندران، وجاء مرة أخرى بسلا شاة على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فغسلته عن رأسي" 2.

كان هذان الرجلان من شر عباد الله، وأكثرهم كفرًا، وعنادًا، وبغيًا، وحسدًا وهجاء للإسلام، وأهله، وأقواهم عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لعنهما الله "وقد وقع".

__________

1 الصفراء واد قرب المدينة كثير الماء والزرع والخير.

2 سيرة النبي ج1 ص644.

تاسعًا: قتل كعب بن الأشرف

انتصر المسلمون في بدر، وقدم زيد بن حارثة إلى أهل السافلة، وعبد الله بن رواحة إلى أهل العالية، يبشران بالنصر، ويوضحان مدى توفيق الله تعالى، فذكروا رءوس القرشيين الذين وضعوا في القليب، فلما سمع كعب بن الأشرف بنبأ انهزام قريش، وقتل رءوسهم قال: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يذكرهم هذان الرجلان؟ هؤلاء أشراف العرب، وملوك الناس، والله إن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها1.

فلما أيقن عدو الله الخبر خرج حتى قدم مكة، فنزل على المطلب بن أبي وداعة السهمي، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم وينشد الأشعار، ويبكي على أصحاب القليب، ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم.

ثم انبعث كعب عدو الله يهجو رسول الله والمسلمين، ويمدح عدوهم، ويحرض عليهم ولم يكتف بموقفه العدائي في المدينة فركب إلى قريش في مكة واستعداهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال له أبو سفيان والمشركون: أديننا أحب إليك أم دين محمد وأصحابه؟ وأي ديننا أهدى في رأيك، وأقرب إلى الحق؟

فقال كعب لأبي سفيان: أنتم أهدى منهم سبيلا، وأفضل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لنا بابن الأشرف، فقد استعلن بعداوتنا، وهجائنا، وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتلانا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قرأ على المسلمين ما أنزل الله فيه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} 2 " 3.

__________

1 سيرة النبي ج2 ص51.

2 سورة النساء: 5.

3 سيرة النبي ج2 ص197.

يروي البخاري في الصحيح عن جابر بن عبد الله قصة كعب بن الأشرف وفيها يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله"؟.

فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟

قال صلى الله عليه وسلم: "نعم".

قال: فأذن لي أن أقول شيئًا.

قال صلى الله عليه وسلم: "قل".

فأتاه محمد بن مسلمة ومعه أبو نائلة وقال له: إن هذا الرجل يعني محمدًا قد سألنا الصدقة، وإنه قد عنانا وإني قد أتيتك أستسلفك.

قال كعب: وأيضًا لتملنه.

قال: فإنا قد اتبعناه فلا نحب أن ندعه، حتى ننظر إلى أي شيء يصير شأنه، وقد أردنا أن تسلفنا وسقًا أو وسقين1.

فقال كعب: نعم، ارهنوني.

فقالوا: أي شيء تريد؟

قال كعب: ارهنوني نساءكم.

قالوا: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟

قال كعب: فارهنوني أبناءكم.

قالوا: نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال له: رهن بوسق أو وسقين؟ هذا عار علينا، ولكنا نرهنك اللأمة -يعني السلاح- فواعداه أن يأتياه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم.

فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟

قال كعب: إنما هو محمد بن مسلمة، وأخي ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم إذا دعي إلى طعنة بليل لأجاب.

فدخل محمد بن مسلمة برجال معه هم: أبو عبس بن جبر، والحارث بن أوس،

__________

1 الوسق ستون صاعًا، والصاع قدح وثلث بالكيل المصري.

وعبادة بن بشر وقال لهم: إذا ما جاء فإني قائم بشعره "أي آخذه" فأشمه، فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه، فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحًا وهو ينفح ريح الطيب فقال لهم: ما رأيت كاليوم ريحًا، أي أطيب، عندي أعطر من نساء العرب، وأكمل العرب.

فقال محمد بن مسلمة: أتأذن لي أن أشم رأسك؟

قال: نعم.

فشمه ثم أشم أصحابه.

فلما استمكن منه قال: دونكم، فاقتلوه، فلما قتلوه ساروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما بلغوا بقيع الغرقد كبروا، وقد قام عليه السلام تلك الليلة يصلي فلما سمع تكبيرهم كبر، وعرف أن قد قتلوه فلما انتهوا إليه قال: "أفلحت الوجوه".

قالوا: ووجهك يا رسول الله، ورموا برأسه بين يديه فحمد الله على قتله1 ويقال إن الذي قام على شعره أبو نائلة رضي الله عنه.

__________

1 صحيح البخاري كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف ج6 ص277-279.

عاشرًا: أهم أحداث المجتمع الإسلامي

وقعت أحداث عديدة، عاشها المجتمع الإسلامي في المدة ما بين بدر وأحد ومن أهمها:

1- زيدت صلاة الحضر ركعتين، وكانت قبل ذلك كصلاة السفر ركعتان.

2- شرع صوم رمضان.

3- شرعت زكاة الفطر في نهاية شهر رمضان.

4- شرع عيد الفطر بصلاته في آخر شهر رمضان وشرع عيد الأضحى كذلك.

5- بنى النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة في شهر شوال من السنة الأولى، وكان قد عقد عليها في مكة قبل الهجرة بثلاث سنوات.

6- تزوج علي بن أبي طالب رضي الله عنه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بها في ذي الحجة من السنة الأولى رضي الله عنها.

7- تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمادى الآخرة من السنة الثالثة بعد موت رقية رضي الله عنها ودفنها بالبقيع أثناء غزوة بدر.

8- تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بنت عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان من السنة الثالثة.

9- وفي شهر رمضان من السنة الثالثة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب أم المساكين وكان ذلك قبل "أحد" بشهر واحد.

10- في منتصف رمضان من السنة الثالثة ولد الحسين بن علي رضي الله عنه.

11- ولد عبد الله بن الزبير في شوال من السنة الثانية، وهو أول مولود للمهاجرين كما ولد النعمان بن بشير قبله بستة أشهر، وهو أول مولود للأنصار، وكان لهذين المولودين فرح بين المسلمين؛ لأن اليهود أشاعوا أنهم سحروا المسلمين، حتى لا تكون لهم ذرية.

12- وفيها شرعت عقوبة الجنايات، وحدد رسول الله صلى الله عليه وسلم المعاقل، والديات، وكتب كتابا بها، وعلمه للمسلمين وبدأ تطبيق أحكام الجنايات كما شرعها الله تعالى.

تلك أهم أحداث المجتمع الإسلامي التي حدثت بين بدر وأحد1.

__________

1 انظر إمتاع الأسماع والبداية والنهاية وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع متعددة.

حادي عشر: حركة الدعوة بين بدر وأحد

تحركت سائر القوى بعد انتصار بدر، وشعر أعداء الإسلام أن الدائرة آتية عليهم لا محالة، فنشطوا في عدوانهم عساهم يحققون لأنفسهم شيئًا من المهابة والقوة.

وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يحيط به، وبالمسلمين، فأرسل عيونه إلى كل الجهات التي يوجد فيها أعداء الله، ليحيط بكيدهم عند بدء ظهروه.

وقد رأينا جدوى هذه العيون، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بعض أصحابه يفاجئون الأعداء وهم في مرحلة التجميع، والإعداد لمهاجمة المسلمين، الأمر الذي جعلهم يتفرقون، ويفرون في الجبال والوديان.

وكان من أهداف القرشيين ضم كافة الأعراب إلى صفهم وتحويل كافة اليهود ليتحركوا معهم بعد بدر، لكنهم لم يحققوا كل ما يأملون بسبب ما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم من غزوات بعد بدر.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم خلال هذه المدة يهتم بنشر الدعوة، وتعليم أصحابه ما ينزل عليه من وحي الله تعالى، ومن أهم ما عرفهم به، وعاشه معهم صوم رمضان، والفرحة بعيد الفطر، وصلاة السفر والحضر، وما يتصل بكل ذلك من أحكام، كما شرع للمسلمين في هذه المدة أحكام المعاقل والديات حيث دعت الحاجة لمعرفة حكم الله تعالى فيها.

وكان صلى الله عليه وسلم يدعو من يلقاه إلى الإسلام ويهتم بتعليم من يدخل الإسلام، ويكله إلى بعض إخوانه ليفقهه في الدين.

وبرغم قصر المدة بين بدر وأحد فإنها امتلأت بالنشاط والحيوية، والعمل لخدمة الدعوة، وتطبيق شرع الله في الحياة الشخصية، والاجتماعية.

لقد كان حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحًا في إبراز قوة المسلمين، وإدخال الهيبة والخوف في قلوب الأعداء، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يذهب بنفسه قائدًا للمسلمين، ويقيم مدة في ديار القوم، إعلانًا لقوة المسلمين، وإظهارًا لشريعة الله تعالى، وتبليغًا للدين بطريقة عملية لقد تعلم المسلمون خلال هذه الغزوات القصر أثناء السفر، واستفادوا ضرورة الطاعة لله ورسوله وعلموا أحكام الفيء كما تعلموا أحكام الغنيمة من قبل، وتعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع يهود بني قينقاع بما يستحقون فقاتلهم، وأجلاهم إلى "أذرعات" وأمر بقتل كعب بن الأشرف لظهور عداوته، وإصراره على إيذاء المسلمين، ومهاجمة الإسلام، والعدوان على الأعراض، والأموال.

ومع كل هذه الأحداث باشر الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه حياتهم، ومعاشهم بصورة طبيعية فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، وتزوج حفصة بنت عمر رضي الله عنها كما تزوج صلى الله عليه وسلم زينب أم المساكين خلال هذه المدة مما يدل على أن الزواج كان لغايات سامية تخدم الدعوة، وتنشر القيم والأخلاق.

كما زوج ابنتيه فاطمة وأم كلثوم لعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، وبذلك قرب إليه أربعة من مستشاريه الكبار، وهم: أبو بكر والد عائشة، وعمر والد حفصة، وعثمان زوج أم كلثوم، ورقية من قبلها، وعلي بن أبي طالب زوج فاطمة رضي الله عنهم أجمعين.

ولقد ساهمت هذه الغزوات في تعريف المسلمين بأعدائهم وأماكن تواجدهم، وطريقتهم في الكر والفر، كما أكدت لهم أن الأعداء لم يهدءوا بعد بدر، وإنما أخذوا في العمل للتغلب على القوة الإسلامية بكل ما أمكنهم من حيلة وعمل, ولذلك لم يتمكن الأعداء من نيل غرة في المسلمين، يفاجئوهم خلالها بالعدوان وبخاصة أن القضاء على الإسلام والمسلمين في المدينة أصبح هدفًا أساسيًا لسائر الأعداء، الأمر الذي جمع بينهم، وجعلهم يأتون إلى المدينة محاربين حيث كانت غزوة أحد.

المبحث السادس: غزوة أحد



كلمات دليلية: