withprophet faceBook withprophet twitter withprophet instagram


غزوة بدر الكبرى_14029

غزوة بدر الكبرى


غزوة بدر الكبرى

كانت في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، حيث جاءت الأخبار إِلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن قافلة قريش التي أفلتت من المسلمين في غزوة العشيرة -وهي ذاهبة إِلى الشام- قد بدأت رحلة العودة إِلى مكة بقيادة أبي سفيان، فندب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان

__________

(1) محمَّد عبد القادر أبو فارس: السيرة النبوية دراسة تحليلية 327.

(2) سورة الحج، آية 39 - 40.

(3) محمود العيساوى، فقه الغزوات 70؛ بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية 106.

حاضرًا من أصحابه للخروج لتلقي القافلة، وقال عليه الصلاة والسلام: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إِليها لعل الله ينفلكموها) (1)، وكان أبو سفيان لما اقترب من مناطق نفوذ المسلمين غربي المدينة، جعل يتحسس الأخبار حتى علم بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إِلى مكة يستنفر قريشًا، لنجدة القافلة، فتجهزت قريش وخرجت لملاقاة المسلمين وهي تقول: أيظن محمَّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي (2)، كلَّا والله ليعلمن غير ذلك (3). لقد خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة يريد قافلة قريش ومعه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا من أصحابه رضوان الله عليهم، كما ثبت عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا ...) (4).

لقد كان هدف المسلمين هو قافلة قريش لكن الله سبحانه وتعالى أراد لهم أمرًا آخر، أراد لهم التمكين في الأرض، والانتصار ممن حادَّ الله ورسوله، فعن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: (... إِنما خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) (5). قال تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ} (6).

__________

(1) ابن هشام، السيرة 1/ 401.

(2) هو الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش - رضي الله عنه - إلى وادي نخلة.

(3) ابن هشام، السيرة 1/ 403.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 84.

(5) صحيح البخاري مع الفتح 7/ 285.

(6) سورة الانفال، الآيات 5 - 8.

وعند علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوات عير قريش أراد الاستيثاق من أمر الأنصار الذين كانوا قد وعدوه في بيعة العقبة أن ينصروه داخل المدينة، فكان يقول: أشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ - رضي الله عنه -: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإِنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

فَسُرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - بقول سعد ونشَّطَهُ. ثم قال: سيروا وأبشروا، فإِن الله تعالى قد وعدني إِحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إِلى مصارع القوم (1).

فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه إِلى بدر وهناك علم أن عير قريش قد نجت وأن جيشهم قد نزل ببدر، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (2).

__________

(1) ابن هشام، السيرة 1/ 408، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 142، وعنده: أن القائل سعد بن عبادة.

(2) سورة الأنفال، آية 42.

خريطة موقعة بدر

وعن ليلة السابع عشر من رمضان، وهي ليلة بدر يحدثنا علي - رضي الله عنه - فيقول: (لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إِلا نائم، إِلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإِنه كان يصلي إِلى شجرة ويدعو حتى أصبح، فلما طلع الفجر نادى، الصلاة عباد الله، فجاء الناس فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحرض على القتال (1).

__________

(1) البنا، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإِمام أحمد 21/ 39.

ومِن دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ما رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة ثم مَدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض، فمازال يهتف بربه مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإِنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} (1). فأمده الله بالملائكة (2).

وعن الحكمة من اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر بهذا العدد الكبير، مع أن جبريل -عليه السلام- قادرٌ على إِهلاك المشركين بريشة من جناحه يقول الشيخ تقي الدين السبكي: (سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإِرادة الله أن يكون الفعل من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة الجيوش، رعايةً لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو مالك الجميع، والله أعلم) (3).

ولما بدأ القتال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يباشر القتال بنفسه وفي ذلك يقول علي - رضي الله عنه -: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو أقربنا إِلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا) (4).

__________

(1) سورة الأنفال، آية 9.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 85.

(3) ابن حجر: فتح البارى 7/ 364.

(4) أحمد بن حنبل، المسند (تحقيق أحمد شاكر) 2/ 228.

وكعادة القتال في ذلك العصر فقد بدأت المعركة بالمبارزة، حيث خرج من قريش عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فتصدى لهم من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث - رضي الله عنهم -، فقتلوهم وكبَّر المسلمون، ثم التحم الجيشان، ودارت الدائرة على قريش فُقتل أبو جهل بعد أن انقض عليه غلامان من الأنصار هما أبناء عفراء، معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخوه معوذ رضي الله عنهما، بعد أن دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -، حيث أخبراه أنهما يريدان قتل أبي جهل لأنه كان يسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (1) وأخذ المشركون يتساقطون في أرض المعركة، حتى قُتِل منهم سبعون، وأسر سبعون، وفرّ الباقون تاركين خلفهم غنائم كثيرة (2).

هذا وقد أشكل موضوع الأسرى والغنائم على المسلمين، وفي ذلك يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى: فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا ابن الخطاب. قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضْرب أعناقهم، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر (3) وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفداء، لكن القرآن نزل موافقًا لرأي عمر - رضي الله عنه - في الأسرى (4)، وأجاز تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - في أخذ الفداء.

__________

(1) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 62.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 86؛ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة 2/ 366.

(3) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 86.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي 12/ 87.

قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (1)، ثم إِن الله سبحانه وتعالى بمنِّه ولطفه بهذه الأمة أحل لها الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها، قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (2)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ... وذكر منها وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي (3)، وكانت الأمم السابقة من أتباع الرسل يجمعون الغنائم في مكان ولا يأخذون منها شيئًا، فتأتي نار بقدر الله فتحرقها (4). وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بسحب قتلى المشركين إِلى إِحدى الآبار، فقُذفوا فيها. وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِذا ظهر على قوم أقام بساحتهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث مشى إِلى البئر الذي طُرِح فيه قتلى المشركين (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ... أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإِنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا. فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (5)، أما شهداء المسلمين وعدتهم أربعة عشر شهيدًا فقد دُفنوا في مصارعهم كما هي السنة في ذلك (6). ثم ارتحل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله، ومعه الأسرى والمغانم، ودخل المدينة، وقد خافه كل عدو بالمدينة وحولها، فأسلم كثير من الناس،

__________

(1) سورة الأنفال، آية 67 - 68.

(2) سورة الأنفال، آية 69.

(3) صحيح البخاري، كتاب التيمم ح 335، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح 521.

(4) ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن ص 286.

(5) صحيح البخاري مع الفتح 7/ 351،

(6) ابن القيم: زاد المعاد 3/ 214، 217؛ د. أحمد العليمي: مرويات غزوة بدر 435.

وظهر النفاق، حيث دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإِسلام ظاهرًا (1). وقد نزلت في قصة بدر سورة الأنفال بتمامها، وقد تضمنت ذكر مشاهد من المعركة وتوجيهات تربوية، ونداءات للمؤمنين، كما تضمنت جملة من البشارات والمؤيدات التي أيد الله بها رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، على طريقة القرآن في التربية بالأحداث، وفيها بيان لحكم الغنيمة وأنها من الحلال الطيب.



كلمات دليلية: