غزوة الغابة ذي قرد (6هـ) .. خيلُ الله تلاحق المعتدين

غزوة الغابة ذي قرد 6هـ

زمان وموقع غزوة ذي قَرَد (الغابة)

وقعت في ربيع الآخر للسنة السادسة(6 هـ)، وقيل أنها قبل غزوة خيبر بثلاثة أيام وبعد الحديبية بعشرين يومًا وقد وقعت الغزوة على بُعد عدة ليال من المدينة في طريق الشام في موضع يقال له "ذي قرد" وهو قريب من قبيلة بني غطفان.


القيادة في غزوة الغابة

قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم في 500 من أصحابه، وقد أرسل في البداية الصحابي سلمة بن الأكوع ثم تبعه لقيادة الغزوة، وعقد اللواء للصحابي المقداد بن عمرو رضي الله عنهما.

في الجهة المقابلة كان عُيينة الفزاري زعيم بني فزارة في رجال قبيلته.

أسباب غزوة الغابة

اعتداء خيل من غطفان تحت قيادة عيينة الفزاري على لقاح(الإبل حاملات اللبن) لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوا رجلًا من المسلمين وأسروا امرأته، فكان لابد من القصاص منهم.

أحداث غزوة الغابة (ذي قرد)

الإغارة على إبل الرسول

أغار عيينة بن الحصن الفزاري (الملقب بالأحمق المطاع) في أربعين فارسًا على إبل رسول الله واستاقوها، كما قتل ابن أبي ذر (قيل بأنه كان يرعى الإبل ) وآخر من غفار وسبوا امرأته [طبقات ابن سعد: 2/80]

ولما علم غلام للصحابي عبد الرحمن بن عوف بما جرى، دخل المدينة ليلا وصاح : "يا صباحاه" فأسمع أهل المدينة، وانطلقوا مسرعين خلف العدو وكل معه سيفه.

شجاعة سلمة بن الأكوع

كان أول من انتفض للحاق بالمعتدين، رجل شجاع يقال له أسرع العرب، وهو سلمة بن الأكوع، وظل يصيح في المدينة "يا خيل الله اركبي" فهب القوم، وتلاحقوا خلفه وشعارهم "أمت أمت".

وظل سلمة يلاحق العدو قائلا:

أنا ابنُ الأكوعِ && واليومَ يومُ الرُضَّعِ (هلاك اللئام)

حتى إذا دخلوا في تضايق الجبل، يسقون الإبل، صعده وجعل يرديهم بالحجارة، وقد خرج إلى أربعة أرسلهم قائدهم عيينة، وقال: "أنا سلمة بن الأكوع، والذي كرم وجه محمد، لا أطلب رجلًا منكم إلا أدركته.. " فتراجعوا عنه خشية منه.

لما احتدم القتال أرسل النبي إلى سلمة ثمانية فرسان منهم المقداد وأبو قتادة والأخرم، وجعل قائدهم سعد بن زيد، وطلب إليهم اللحاق بالعدو، وقال لأبي عياش: « لو أعطيت هذا الفرس رجلاً هو أفرس منك فلحق بالقوم»(أي فرس شديد القوة) فقلت: يا رسول الله أنا أفرس الناس، فضرب أبو عياش الفرس فما جرى به سوى خمسين ذراعًا حتى طرحه..

استشهاد محرز بن نضلة

وقد أسرع الصحابي محرز بن نضلة للحاق بالعدو، وهو أول الفرسان يومئذ، وكان سلمة ينصحه بالتمهل كي يلحق الناس بهم، فرد ابن نضلة ويسمى (أخرم) : "يا سلمة إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق، فلا تحل بيني وبين الشهادة" وبالفعل لقي الشهادة على يد عبدالرحمن بن عيينة بعدها .وقيل بأنه كان قد رأى في منامه أن السماء قد انفتحت حتى السماء السابعة وقيل هذه منزلتك، وقد عبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه له الرؤيا بقوله: "يا أخرم تموت شهيدًا".

استطاع أبو قتادة أن يلحق بعبد الرحمن بن عيينة فقتله، وقتل أيضًا مسعدة الفزاري والذي تحداه قديمًا في سوق المدينة قائلًا : "ما أهون قتلكم وأشد جرأتكم" فرد قتادة وهو يشتري فرسه :"أسأل الله أن ألقينك وأنا عليها".

أبوقتادة فارس الرسول

ولما غاب أبو قتادة ظن الصحابة أنه قُتل، خاصة لما وجدوا بردته [عباءته] فوق جثة مسجاة، وكان قتادة قد تركها ليعلم الكل أنه قتيله، فقال النبي: «والذي أكرمني بما أكرمني به إن أبا قتادة على آثار القوم يرتجز، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى كشف البرد عن وجهه المسجى فإذا وجه حبيب (عبدالرحمن بن عيينة)، فقال: الله أكبر، صدق الله ورسوله، يا رسول الله غير أبي قتادة». [السيرة الحلبية]

ثم عدا سلمة بن الأكوع خلفهم حتى وصلوا إلى شعب فيه ماء، يقال له ذا قرد، ليشربوا منه، وهم عطاش، فأجلاهم عن الماء، فما ذاقوا منه قطرة.

لما أصبح رسول الله قال: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة» ثم أعطى لسلمة سهمي الفارس وسهم الراجل، وأردفه وراءه على ناقته العضباء، راجعين إلى المدينة.

يا ابنَ الأكوعِ، ملكتَ فأَسْجِحْ.

لحق رسول الله بسلمة، فأخبره الأخير بما كان، طالبًا منه أن يترك له فرصة استنقاذ باقي الرعي والإغارة على الرجال المشركين من غطفان وهم عطشى، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه في ضوء النار الذي يشوي به من الإبل، وقال: «يا ابنَ الأكوعِ، ملكتَ فأَسْجِحْ». (اعفُ وتكرم) [رواه البخاري: 4194]

ولما رأى الأعداء أن المسلمين قد نحروا الجزور، وأعقبوهم، علموا بهزيمتهم وهربوا بسرعة، لأنهم ظنوا أن المسلمين اقتربوا من مواضعهم، وهم لا يصدقون أن بإمكانهم النجاة.

مسابقة الصحابة

وبينما هم في طريقهم، دعاهم للتنافس مع رجل من الأنصار لا يسبقه أحد، وكانت تلك من صفاته كقائد عسكري أن يحمِّس جنوده، قائلًا: «ألا مسابق إلى المدينة؟» فتقدم سلمة ليسابق الرجل، ففعل، وكان ذلك قبل ليالٍ من الخروج إلى خيبر مع رسول الله. [رواه مسلم: 2/113]

واستطاعت امرأة "ذر" الهروب من الوثاق الذي قيدوها به، وركبت ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم ليلًا، وكانت قد نذرت: لئن نُجَّت لتنحرنّها، فلما قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته بذلك، فقال النبي: بئسما جزيتها أن حملك الله عليها ونجاك أن تنحريها. «إنه لا نذر لأحد في معصية ولا لأحد فيما لا يملك»[رواه ابن ماجة: 1740].

وقال النبي: «إنما هي ناقة من إبلي. ارجعي إلى أهلك على بركة الله». [رواه أحمد، من كتاب: محمد رسول الله، رشيد رضا، 233]

نتائج غزوة ذي قرد

كانت نتيجة هذه الغزوة أن المسلمين أدركوا العدو فهزموه وقتلوا رؤساءه واستنقذوا اللقاح، وقيل: بَعضَها، ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد وهو محرز بن نضلة، وسار رسول الله ﷺ حتى بلغ ذا قرد في اتجاه خيبر فالتجأ العدو إلى بني غطفان، وقد أبلى سلمة بن الأكوع في هذه الغزوة بلاءً حسنًا وكان راميا.

الدروس المستفادة من غزوة الغابة

كانت تلك الغزوة من أكبر الغزوات التأديبية التي قادها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بنفسه ضد أعراب نجد، وفي مطاردتهم وإيقافهم عند حدهم ، لنشر الأمن والسلام في الدولة الإسلامية وما حولها ، وتأديب المعتدين .

ومن فوائدها: شجاعة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ومبادرة الصحابة عند النداء للجهاد وشجاعتهم ، خاصة سلمة بن الاكوع ـ رضي الله عنه ـ .. [ابن حجر، بتصرف]

ويستفاد من صفات القائد العسكري المسلم أهمية رفع حماسة جنوده وإزكاء روح التنافس بينهم.

وكذلك من فوائدها : بطلان نذر المعصية ، أو النذر فيما لا يملكه الإنسان ، وحلم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسماحته في تبسمه حينما نهى المرأة أن تنحر ناقته التي نجاها الله عليها وحين لم يأمر بقتال العدو استغلالًا لعطشه بعد ان فرَّ.