غزوة الطائف 8 هـ_3626

غزوة الطائف : 8 هـ


الباب التاسع والعشرون في غزوة الطائف

لمّا قدم فلّ ثقيف الطائف رمّوا حصنهم وأغلقوا عليهم أبواب مدينتهم، وتهيئوا للقتال، وكانوا أدخلوا فيه قوت سنة لو حصروا وجمعوا حجارة كثيرة، وأعدوا سككا من الحديد وأدخلوا معهم قوما من العرب من عقيل وغيرهم، وأمروا بسرحهم أن يرفع في موضع يأمنون فيه، وقدّم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين يديه خالد بن الوليد في ألف من أصحابه إلى الطائف، فأتى خالد الطائف فنزل ناحية من الحصن، وقامت ثقيف على حصنها بالرّجال والسّلاح، ودنا خالد في نفر من أصحابه فدار بالحصن من كان متنحيا عنه، ونظر إلى نواحيه، ثم وقف في ناحية من الحصن فنادى بأعلى صوته: ينزل إليّ بعضكم أكلّمه وهو آمن حتى يرجع، أو اجعلوا لي مثل ما جعلت لكم، وأدخل عليكم حصنكم أكلمكم. قالوا: لا ينزل إليك رجل منا ولا تصل إلينا، وقالوا: يا خالد إنّ صاحبكم لم يلق قوما يحسنون قتاله غيرنا. قال خالد: فاسمعوا من قولي، نزل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأهل الحصون والقوة بيثرب وخيبر، وبعث رجلا واحدا إلى فدك فنزلوا على حكمه، وأنا أحذركم مثل يوم بني قريظة، حصرهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أيّاما، ثم نزلوا على حكمه، فقتل مقاتلتهم في صعيد واحد ثمّ سبى الذّرية، ثم دخل مكة فافتتحها وأوطأ هوازن في جمعها، وأنتم في حصن في ناحية من الأرض، لو ترككم لقتلكم من حولكم ممن أسلم. قالوا: لا نفارق ديننا، ثم رجع خالد بن الوليد إلى منزله.

وسار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعد خالد ولم يرجع إلى مكة، ولابها عرج على شيء إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء وترك السّبي بالجعرانة وملئت عرش مكة منهم.

وكان مسيره في شوال سنة ثمان، وقال شدّاد بن عارض الجشميّ- رضي الله عنه- في مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:

لا تنصروا اللّات إنّ الله مهلكها ... وكيف ينصر من هو ليس ينتصر؟

إنّ الّتي حرّقت بالسّدّ فاشتعلت ... ولم تقاتل لدى أحجارها هدر

إنّ الرّسول متى ينزل بلادكم ... يظعن وليس بها من أهلها بشر

قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى- فسلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعني من حنين إلى الطائف على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على المليح، ثم على بحرة الرّغاء من ليّة، فابتنى بها مسجدا فصلّى فيه، وأقاد يومئذ ببحرة الرّغاء حين نزلها بدم، وهو أوّل دم أقيد به في الإسلام، أتي برجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل فقتله به. وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو بليّة بحصن مالك بن عوف فهدم. وصلّى الظّهر بليّة. ثم سلك في طريق يقال لها الضّيقة،

فلمّا توجّه إليها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وسأل عن اسمها فقيل: الضّيقة، فقال: «بل هي اليسرى» فخرج منها على نخب حتّى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريبا من مال رجل من ثقيف، قد تمنّع فيه، فأرسل إليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «أما إن تخرج وإمّا أن نحرق عليك حائطك» [ (1) ] فأبى أن يخرج فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- بإحراقه.

ذكر إعلامه- صلى الله عليه وسلّم- بقبر أبي رغال، وما وقع في ذلك من الآيات

روى ابن إسحاق، وأبو داود، والبيهقي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال:

سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يقول: «حين خرجنا معه إلى الطّائف فمررنا بقبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم «هذا قبر أبي رغال، وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود، وكان بهذا الحرم يدفع عنه فلمّا خرج أصابته النّقمة الّتي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه» [ (2) ] . قال: فابتدره الناس فنبشوه فاستخرجوا منه الغصن.

ذكر محاصرته- صلى الله عليه وسلّم- الطائف

قال ابن إسحاق- رحمه الله تعالى-: ثم مضى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتّى نزل قريبا من الطّائف، فضرب عسكره، وأشرفت ثقيف على حصنهم- ولا مثال له في حصون العرب- وأقاموا رماتهم، وهم مائة رام، فرموا بالسّهام والمقاليع من بعد من حصنهم، ومن دخل تحت الحصن دلّوا عليه سكك الحديد محماة بالنّار يطير منها الشرر، فرموا المسلمين بالنّبل رميا شديدا، كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراح، وقتل منهم اثنا عشر رجلا، فارتفع- صلى الله عليه وسلم- إلى موضع مسجده اليوم، الذي بنته ثقيف بعد إسلامها، بناه أمية بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وكانت فيه سارية لا تطلع عليها الشمس صبيحة كل يوم حتى يسمع لها نقيض أكثر من عشر مرات، فكانوا يرون أن ذلك تسبيح، وكان معه من نسائه أم سلمة وزينب، فضرب لهما قبّتين وكان يصلّي بين القبّتين طول حصار الطائف كله، وقال عمرو بن أمية الثّقفي- وأسلم بعد ذلك، ولم يكن عند العرب أدهى منه- لا يخرج إلى محمد أحد إذا دعا أحد من أصحابه إلى البراز، ودعوه يقيم ما أقام، وأقبل خالد بن الوليد ونادى: من يبارز؟ فلم يطلع إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، ثم عاد فلم ينزل إليه أحد، فنادى عبد

__________

[ (1) ] المغازي للواقدي 3/ 925.

[ (2) ] أخرجه أبو داود (3088) وعبد الرزاق (20989) والبيهقي في السنن الكبرى 4/ 156 وفي الدلائل 6/ 297، 7/ 497.

ياليل: لا ينزل إليك أحد، ولكنّا نقيم في حصننا، خبأنا فيه ما يصلحنا سنين، فإذا أقمت حتى يذهب هذا الطعام خرجنا إليك بأسيافنا جميعا حتى نموت عن آخرنا.

فقاتلهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالرمي عليهم وهم يقاتلونه بالرمي من وراء الحصن، فلم يخرج إليه أحد، وكثرت الجراحات له من ثقيف بالنّبل، وقتل جماعة من المسلمين.

,

ذكر منام رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على عدم فتح الطائف حينئذ وإذنه بالرجوع واشتداد الرجوع على الناس قبل الفتح

قال ابن إسحاق: وبلغني أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لأبي بكر: «إنّي رأيت أني أهديت لي قعبة مملوءة زبدا فنقرها ديك، فهراق ما فيها» فقال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- «وأنا لا أرى ذلك» .

وروى محمد بن عمر عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: لمّا مضت خمس عشرة من حصار الطّائف، استشار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نوفل بن معاوية الديلي- رضي الله عنه- فقال: «يا نوفل ما ترى في المقام عليهم» قال: يا رسول الله ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.

قال ابن إسحاق: ثم إنّ خولة بنت حكيم السّلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون، قالت:

يا رسول الله، اعطني، إن فتح الله عليك الطائف- حليّ بادية بنت غيلان، أو حليّ الفارعة بنت عقيل- وكانتا من أحلى نساء ثقيف- فروى: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال لها: «وإن كان لم يؤذن لنا في ثقيف يا خولة؟» فخرجت خولة، فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فدخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ما حديث حدّثتنيه خولة؟» زعمت أنك قلته؟ قال «قد قلته» قال «أو ما أذن فيهم» قال: «لا» قال: أفلا أؤذن الناس بالرّحيل؟ قال:

«بلى» فأذّن عمر بالرّحيل.

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري (4324، 4325) ، ومسلم 3/ 1715 (32) ، والبيهقي في السنن الكبرى 8/ 224، وفي الدلائل 5/ 161.

وروى الشيخان عن ابن عمرو أو ابن عمر- رضي الله عنهم- قال: لمّا حاصر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الطائف ولم ينل منهم شيئا قال «إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى» فثقل عليهم، وقالوا:

أنذهب ولا نفتح؟ وفي لفظ فقالوا: لا نبرح أو نفتحها، فقال: «اغدوا على القتال» فغدوا فقاتلوا قتالا شديدا، فأصابهم جراح، فقال: «إنّا قافلون غدا إن شاء الله تعالى» قال: فأعجبهم، فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- قال عروة- رحمه الله تعالى- كما رواه البيهقي- وأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الناس أن لا يسرّحوا ظهرهم، فلما أصبحوا، ارتحل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ودعا حين ركب قافلا وقال: «اللهمّ اهدهم واكفنا مؤنتهم»

[ (1) ] .

وروى الترمذي- وحسنه عن جابر- رضي الله عنه- قال: قال يا رسول الله أحرقتنا نار ثقيف، فادع الله- تعالى- عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا وأت بهم»

[ (2) ] .

قال ابن إسحاق في رواية يونس وحدثني عبد الله بن أبي بكر، وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- حاصر أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك ثم انصرف عنهم ولم يؤذن فيهم، فقدم وفدهم في رمضان فأسلموا، قلت: وسيأتي بيان ذلك في الوفود إن شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق في رواية زياد: «وحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين يوما وقيل: بضع عشرة ليلة» قال ابن حزم: وهو الصحيح بلا شك.

وروى الإمام أحمد، ومسلم عن أنس أنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة واستغربه في البداية.

قال محمد بن عمر: فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- لأصحابه حين أرادوا أن يرتحلوا: «قولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» فلما ارتحلوا واستقبلوا قال: «قولوا آئبون، إن شاء الله تائبون عابدون لربّنا حامدون» .

,

ذكر من استشهد من المسلمين بالطائف وهم اثنا عشر رجلا

سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية.

وعرفطة- بضم العين المهملة، وسكون الراء، وضم الفاء، وبالطّاء المهملة- ابن حباب- بضم الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة.

ويزيد بن زمعة- بفتح الزّاي- وسكون الميم- ابن الأسود- جمح به فرسه إلى حصن الطّائف فقتلوه.

__________

[ (1) ] أخرجه البخاري (4325) ومسلم في الجهاد باب غزوة الطائف (82) ، والبيهقي في الدلائل 5/ 169.

[ (2) ] أخرجه الترمذي (3942) وأحمد 3/ 343 وابن سعد 2/ 1/ 115 وابن أبي شيبة 12/ 201، 14/ 508 وانظر البداية 4/ 350، 352.

وعبد الله بن أبي بكر الصديق- رضي الله عنهما- رمي بسهم فلم يزل جريحا حتّى مات بالمدينة بعد رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو غير شهيد عند الشّافعية لأنه توفي بعد انقضاء الحرب بمدّة مديدة.

وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، رمي في الحصن.

وعبد الله بن عامر بن ربيعة.

والسّائب بن الحارث بن قيس السّهمي، وأخوه عبد الله بن الحارث بن قيس.

وجليحة- بضم الجيم، وفتح اللّام، وسكون التّحتية، وبالحاء المهملة، ابن عبد الله.

وثابت بن الجذع- بفتح الجيم والذّال المعجمة وبالعين المهملة، واسمه ثعلبة السّلمي- بفتح السّين، واللّام.

والحارث بن سهل بن أبي صعصعة.

والمنذر بن عبد الله بن نوفل.

وذكر في العيون هنا: رقيم بن ثابت بن ثعلبة مع ذكره له فيمن استشهد بحنين، تبع هناك ابن إسحاق، وهنا ابن سعد.

ذكر مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من الطائف إلى الجعرانة

قالوا: خرج رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- من الطائف فأخذ على دحنا، ثمّ على قرن المنازل، ثم على نخلة، ثم خرج إلى الجعرانة وهو على عشرة أميال من مكة، قال سراقة بن جعشم رضي الله عنه: لقيت رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- وهو منحدر من الطّائف إلى الجعرانة فتخلصت إليه- والنّاس يمضون أمامه أرسالا- فوقفت في مقنب من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونني بالرّماح ويقولون: إليك إليك، ما أنت؟ وأنكروني، حتّى إذا دنوت وعرفت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- يسمع صوتي أخذت الكتاب الّذي كتبه لي أبو بكر فجعلته بين إصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي به وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي،

فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم-: «هذا يوم وفاء وبرّ، ادنوه فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- في غرزه كأنها الجمارة، فلمّا انتهيت إليه سلمت وسقت الصّدقة إليه، وما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أنّي قلت: يا رسول الله أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضي وقد ملأتها لإبلي هل لي من أجر إن سقيتها؟ قال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «نعم في كلّ ذات كبد حرّى أجر»

رواه قال محمد بن عمر: وقد كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كتب لسراقة كتاب موادعة سأل سراقة إياه، فأمر به فكتب له أبو بكر، أو عامر بن فهيرة، وتقدم بيان ذلك في أبواب الهجرة إلى المدينة.

وروى محمد بن عمر عن أبي رهم الغفاري- رضي الله عنه- قال: بينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يسير وأنا إلى جنبه، وعليّ نعلان غليظان، إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأوجعته، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- «أوجعتني أخّر رجلك» وقرع رجلي بالسوط فأخذني ما تقدم من أمري وما تأخر، وخشيت أن ينزل فيّ قرآن لعظم ما صنعت، فلمّا أصبحنا بالجعرانة، خرجت أرعى الظّهر وما هو يومي، فرقا أن يأتي رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ورسول الله يطلبني، فلمّا روّحت الرّكاب سألت: فقيل لي طلبك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقلت: إحداهن والله، فجئت وأنا أترقب، فقال «إنّك أوجعتني برجلك، فقرعتك بالسّوط فأوجعتك، فخذ هذه الغنم عوضا عن ضربي» قال أبو رهم: فرضاه عنّي كان أحب إلى من الدنيا وما فيها.

وقال ابن إسحاق في رواية سلمة: حدّثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلا ممن شهد حنينا قال والله إني لأسير إلى جنب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على ناقة لي وفي رجلي نعل غليظة إذ زحمت ناقتي ناقة رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- فأوجعته فقرع قدمي بالسّوط، وقال: «أوجعتني فتأخّر عنّي» فانصرفت، فلما كان من الغد إذا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يلتمسني، فقلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالأمس، قال فجئته وأنا أترقب فقال «إنّك أصبت رجلي بالأمس فأوجعتني فقرعت قدمك بالسّوط فدعوتك لأعوّضك منها» فأعطاني ثمانين نعجة بالضربة التي ضربني.

قال ابن إسحاق وغيره: ونزل رسول الله- صلى الله عليه وسلّم- الجعرانة فيمن معه، ومعه سبي هوازن ستّة آلاف من الذّراري والنساء، ومن الإبل والشاء ما لا ندري عدته. وذكر محمد بن عمر، وابن سعد، أن السّبي كان ستّة آلاف رأس. والإبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم لا يدري عدّتها وقال ابن سعد: أكثر من أربعين ألفا، وأربعة آلاف أوقية فضة، فاستأنى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالسّبي لكي يقدم عليه وفدهم.

,

ذكر بعض ما قيل من الشعر في هذه الغزوة

قال بجير بن زهير بن أبي سلمى- بضم أوائل الثلاثة- رضي الله عنه- يذكر حنينا والطائف:

كانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق

جمعت بإغواء هوازن جمعها ... فتبدّدوا كالطّائر المتمزّق

لم يمنعوا منّا مقاما واحدا ... إلّا حبارهم وبطن الخندق

ولقد تعرّضنا لكيما يخرجوا ... فتحصّنوا منّا بباب مغلق

ترتدّ حسرانا إلى رجراجة ... شهباء تلمع بالمنايا فيلق

ملمومة خضراء لو قذفوا بها ... حصنا لظلّ كأنّه لم يخلق

مشي الضّراء على الهراس كأنّنا ... قدر تفرّق في القياد وتلتقي

في كلّ سابغة إذا ما استحصنت ... كالنّهي هبّت ريحه المترقرق

جدل تمسّ فضولهنّ نعالنا ... من نسج داود وآل محرّق

وقال كعب بن مالك- رضي الله عنه- في مسير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى الطائف.

قضينا من تهامة كلّ ريب ... وخيبر ثمّ أجممنا السّيوفا

نخبّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسا أو ثقيفا

فلست بحاضن إن لم تروها ... بساحة داركم منّا ألوفا

وننتزع العروش ببطن وجّ ... وتصبح دوركم منكم خلوفا

ويأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا

إذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها ممّا أناخ بها رجيفا

بأيديهم قواضب مرهفات ... يزدن المصطلين بها الحتوفا

كأمثال العقائق أخلفتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا

تخال جديّة الأبطال فيها ... غداة الزّحف جاديّا مدوفا

أجدّهم أليس لهم نصيح ... من الأقوام كان بنا عريفا

يخبّرهم بأنّا قد جمعنا ... عتاق الخيل والنّحت الطّروفا

وأنّا قد أتيناهم بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا

رئيسهم النّبيّ وكان صلبا ... نقيّ القلب مصطبرا عزوفا

رشيد الأمر ذا حكم وعلم ... وحلم لم يكن نزقا خفيفا

نطيع نبيّنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رءوفا

فإن تلقوا إلينا السّلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدا وريفا

وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا

نجالد ما بقينا أو تنيبوا ... إلى الإسلام إذعانا مضيفا

نجاهد لا نبالي من لقينا ... أأهلكنا التّلاد أم الطّريفا

وكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا

أتونا لا يرون لهم كفاء ... فجذّعنا المسامع والأنوفا

بكلّ مهنّد لين صقيل ... نسوقهم بها سوقا عنيفا

لأمر الله والإسلام حتّى ... يقوم الدّين معتدلا حنيفا

ونفني اللّات والعزّى وودّا ... ونسلبها القلائد والشّنوفا

فأمسوا قد أقرّوا واطمأنّوا ... ومن لا يمتنع يقبل خسوفا



كلمات دليلية: