غزوة الأحزاب الخندق _9129

غزوة الأحزاب الخندق


غزوة الخندق (غزوة الأحزاب)

«2»

ثم كانت غزوة الخندق في شوال من السنة الخامسة للهجرة، وهذا ما قاله المؤرخون وأصحاب المغازي، والثابت أنها كانت في السنة الرابعة، ويرجح ذلك حديث ابن عمر «عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني» .

ولذلك صح أنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة فقط- أي بين أحد والخندق- وأنها قبل دومة الجندل بلا أدنى شك في ذلك.

وسببها أن نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن مشكم النضريون وهدى بن قيس، وأبو عمار- الوائليان، وهم حزب الأحزاب، خرجوا فأتوا مكة داعين إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وواعدين من أنفسهم بعون من انتدب إلى ذلك، فأجابهم أهل مكة إلى ذلك، ثم خرج اليهود المذكورون إلى (غطفان) فدعوهم إلى مثل ذلك فأجابوهم فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عينية بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر بن

__________

(1) - جوامع السيرة النبوية لابن حزم ص 161- 163.

(2) - زاد المعاد (3/ 269) وتاريخ الطبري.

رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع.

فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه صلى الله عليه وسلم بيده، وعمل معه فيه المسلمون طلبا للأجر والثواب والقربى من الحق سبحانه وتعالى وجهادا في سبيله.

كانت في الخندق معجزات منها أن كدية صخر «1» عرضت في الخندق كلّت المعاول عنها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا الله تعالى، ونفح عليها ماء؛ فانهالت كالكثيب «2» .

وأطعم النفر العظيم من تمر يسير إلى غير ذلك.

ثم أقبلت الأحزاب حتى نزلت بمجتمع السيول من رومة بين الجرف وزغاية في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من كنانة وغيرهم، ونزلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمة إلى جانب أحد.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين، وقد قيل في تسعمائة، ولعل الأخير هو الصحيح حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، فنزلوا هنالك والخندق بينهم، واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم، وأمر بالنساء والذراري فجعلوا في الآطام.

وكان كعب بن أسد رئيس بني قريظة موادعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه حي بن أخطب، فلم يزل به، وكعب يأبى عليه حتى أثّر فيه، ونقض كعب عهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومال مع حي بن أخطب.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم- لما علم الأمر- سعد ابن معاذ، وسعد بن عبادة، وهما سيدا الأوس والخزرج وخوات بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وعبد الله بن رواحة،

__________

(1) - كدية صخر: هي الصخرة العظيمة.

(2) - الكثيب: ما تجرف من الرمل وانزاح.

خريطة رقم (5)

معركة الخندق

أخا بني الحارث بن الخزرج؛ ليعرفوا الأمر، فلما بلغوا بني قريظة، وجدوهم مجاهرين مكاشفين بالغدر، ونالوا من النبي صلى الله عليه وسلم، فشاتمهم سعد بن معاذ، وانصرفوا.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرهم إن وجدوا غدر بني قريظة حقا أن يعرضوا له الخبر ولا يصرحوا، فأتوا فقالوا: عضل والقارة تذكيرا بغدر القارة بأصحاب الرجيع، فعظم الأمر، وأحيط بالمسلمين من كل جهة، واستأذن بعض بني حارثة فقالوا:

يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، وخارجة عن المدينة، فأذن لنا نرجع إلى ديارنا، وهم أيضا بنو سلمة بالفشل، ثم ثبت الله كلنا الطائفتين، ورحم القبيلتين، وظل المشركون محاصرين المسلمين نحو شهر، ولم تقع بينهم حرب.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عيينة بن حصن بن حذيفة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهما رئيسا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة، ثم جرت المراوضة والمراودة والمساومة في ذلك. لكن الأمر لم يتم، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن معاذ، وسعد بن عبادة فقالا: يا رسول الله، أشيء أمرك الله به، فلا بد لنا منه؟ أم شيء تحبه فنصنعه، أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، وقال: والله ما أصنع ذلك إلا انني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة.

فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، وهم لا يطيقون أن تأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا، فحين أكرمنا الله تعالى بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟ والله، لا نعطيهم إلا السيف. فصوّب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيه، وتمادوا على حالهم.

ثم إن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبدود أخو بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب أخو بني محارب بن فهر، خرجوا على خيلهم، فلما وقفوا على الخندق قالوا: هذه مكيدة،

والله ما كانت تعرفها العرب، وقد قيل: إن سلمان الفارسي «1» كان أشار به، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق، فاقتحموه وجاورزوه، وجالت بهم خيلهم في السبخة بين الخندق وسلع، ودعوا إلى المبارزة، فبارز علي بن أبي طالب عمروا فقتله، وخرج الباقون من حيث دخلوا، فعادوا إلى قومهم، وكان شعار المسلمين يوم الخندق (حم لا ينصرون) .

وكانت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- مع أم سعد بن معاذ في حصن بني حارثة، وكان من أحصن حصون المدينة، وكانت صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في فارغ، أطم حسان بن ثابت، في حين كان حسان بن ثابت وقتذاك مع الصبيان والنساء.

ورمى في بعض تلك الأيام سعد بن معاذ بسهم قطع منه الأكحل، وكان رماه حبان بن قيس بن العرقة، وقيل بل رماه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم «2» .

لما صعب الأمر، وتعقدت الأحوال أتى نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة

فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: يا بني

__________

(1) - راجع ترجمة سلمان الفارسي في: - الإصابة ت (3350) وصفة الصفوة (1/ 210) ومحاسن أصفهان (23) وتهذيب ابن عساكر (6/ 188) وحلية الأولياء (1/ 185) ومروج الذهب للمسعودي (1/ 320) .

(2) - قيل إن سعد بن معاذ إذ أصيب في إكحله دعا وقال: - «اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عينى من بنى قريظة» .

قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم، قالوا: صدقت، فقال:

إن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم ولا تقدرون عن التحول عنه، وقريش وغطفان ليسوا كذلك، ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا طاقة لكم بمحمد، إن تركتم معه فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.

ثم نهضن إلى قريش، فقال لأبي سفيان: قد عرفتم صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفكموه، فاكتموا عني، قالوا: وما هو؟ قال: اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنا يدفعون إلى محمد، ويرجعون معه عليكم، فشكرته قريش على ذلك.

ثم نهض حتى أتى عطفان، فقال لهم مثلما قال لقريش، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فردوا إليهم الرسول، والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم، فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله تعالى عليهم ريحا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم حذيفة بن اليمان عينا فأتاه بخبر رحيلهم، ورحلت قريش وغطفان.

فلما أن أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذهب الأحزاب، رجع عن الخندق إلى المدينة، ووضع المسلمون سلاحهم فأتاه جبريل عن الله تعالى بالنهوض إلى بني قريظة، وذلك بعد صلاة الظهر من ذلك اليوم.

رأى قوم من المسلمين في ذلك اليوم جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي، على بغلة عليها قطيف الديباج ثم مر عليهم دحية بعد ذلك.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألايصلي أحد العصر إلا في بني قريظة.

نهض المسلمون، فوافاهم وقت العصر في الطريق، فقال بعض المسلمين:

نصلي، ولم نؤمر بتأخيرها عن وقتها، وقال آخرون: لا نصليها إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصليها. فذكر أن بعضهم لم يصلوا العصر إلا ليلا، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعنف من الطائفتين أحدا.

أما التثريب والتعنيف واللوم والإنحاء فهو إنما يقع على العاصي المتعمد المعصية، وهو يعلم أنها معصية، وأما المتأول قصدا للخير، فهو وإن لم يصادف الحق، غير معنف وغير ملوم.

والله سبحانه وتعالى يعلم أن قلوبهم جميعا مطبوعة على الطاعة، ولزوم أمر الله، وهو سبحانه وتعالى يعلم السر وأخفى، وهو أعلم بمضمر الدخائل والنيات.

رجع الخبر فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية إلى علي ابن أبي طالب- رضي الله عنه- واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونازل رسول الله صلى الله عليه وسلم حصونهم، فأسمع المسلمون سب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له بألا يدنو منهم لأجل ما سمع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو رأوني لم يقولو من ذلك شيئا، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم، أمسكوا عما كانوا يقولون، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على بئر من آبارهم يقال لها: (بئر أنا) وقيل (بئر أني) ثم حاصرهم عليه الصلاة والسلام خمسا وعشرين ليلة، وعرض عليهم سيدهم كعب بن أسد ثلاث خصال، وهي:

إما الإسلام.

- وإما قتل ذراريهم ونسائهم ثم القتال حتى يؤتى عليهم جميعا.

وإما تبيت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة السبت ظنا منهم أن المسلمين قد آمنوا منهم، وأبوا كل ذلك. ثم أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف، وكانوا حلفاء الأوس، فأرسله صلى الله عليه وسلم إليهم فلما أتاهم اجتمع إليه رجالهم، والنساء والصبيان، فقالو له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم وأشار إليهم، إنه الذبح، ثم ندم أبو لبابة من وقته، وعلم أنه قد أذنب، فانطلق على وجهه، ولم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكتف نفسه إلى عمود من أعمدة المسجد وقال: لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عز وجل عليّ وعاهد الله تعالى ألايدخل أرض بني قريظة أبدا، ولا يكون بأرض خان الله ورسوله فيها، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو أتاني لاستغفرت له، فأما إذ فعل ما فعل، فما أنا بالذي يطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، فنزلت التوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر لبابة.

والآية التي تيب فيها على أبي لبابة هي قوله تعالى: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ، خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «1» .

فتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إطلاقه بيده، وقيل إنه- رضي الله عنه- أقام مرتبطا بالجذع ست ليال، لا يحل إلا للصلاة.

ونزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، إذ حكم فيهم بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم ليلة نزولهم ثعلبة، وأسيد ابنا سعية، وأسد بن عبيد وهم نفر من هذل من بنى عم قريظة والنضير.

__________

(1) - التوبة (9/ 102) .

وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي، وكان قد أبى من الدخول معهم في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنجا ولم يعلم أين وقع. فلما نزلت بنو قريظة على حكمه صلى الله عليه وسلم، قالت الأوس: يا رسول الله، قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت، وهم حلفاء إخواننا الخزرج وهؤلاء موالينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك إلى سعد بن معاذ.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل سعد بن معاذ في خيمة بالمسجد تسكنها رفيدة الأسلمية، وكانت امرأة صالحة، تقوم على المرضى وتطبب وتداوي الجرحى، ليعوده النبي صلى الله عليه وسلم من قريب، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد ليؤتى به، فيحكم في بني قريظة، فأتى به على حمار، وقد وطىء له بوسادة أدم، وأحاط به قومه وهم يقولون:

يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فقال لهم سعد: قد آن لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم.

فرجع بعض من معه إلى ديار بني عبد الأشهل، فنعى إليهم رجال بني قريظة، فلما أظل سعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال للمسلمين: قوموا إلى سيدكم، فقام المسلمون، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ولّاك أمر مواليك؛ لتحكم فيهم، فقال: عليكم بذلك، عهد الله وميثاقه، أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا:

نعم، قال: وعلى من هاهنا- في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلالا له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال سعد: إني أحكم فيهم أن تقتلوا الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى الذراري والنساء، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة «1» .

فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع سوق المدينة اليوم، فخندق بها خنادق، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق.

وقتل يومئذ حيى بن أخطب اليهودي، والد أم المؤمنين صفية، وكعب بن أسد، وكانوا من الستمائة إلى السبعمائة، وقتل من نسائهم امرأة واحدة، وهي بنانة امرأة الحكم القرضي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد بن الصامت فقتلته.

أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من أنبت وترك كل من لم ينبت.

وكان وهب صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا، فاستحياهم، منهم عبد الرحمن بن الزبير، أسلم وله صحبة.

ووهب أيضا صلى الله عليه وسلم رفاعة بن شامويل القرظي لأم المنذر سلمة بنت قيس من بني النجار، وقد كانت صلت القبلتين، فأسلم رفاعة وله صحبة، وكان ممن لم ينبت.

واستحيا عطية القرظي، وله صحبة.

وقسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهما، وكان الخيل يومئذ في المسلمين ستة وثلاثين فرسا.

وقد وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة، إحدى نساء بني عمرو بن قريظة، فلم تزل في ملكه، حتى مات صلى الله عليه وسلم.

فكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة، متصلا بأول ذي الحجة في السنة الرابعة من الهجرة.

__________

(1) - الأرقعة السبعة: هي السموات السبع، وأحدهما رقيع، وقيل إنها سميت بذلك لأن بعضها يرفع بعضا. وذهب أخرون إلى أن الرقيع هي السماء الدنيا فقط، وسميت بالرقيع لوجود النجوم فيها، كأنها مرقوعة بالنجوم.

فلما تم أمر بني قريظة، أجيبت دعوة الرجل الصالح سعد بن معاذ رضوان الله عليه، فانفجر عرقه فمات، وهو الذي اهتز عرش الرحمن لموته بعنى سرور حملة العرش بعروج روحه إلى بارئها، فسلام عليه في الصالحين.

شهداء يوم الخندق وشهداء يوم بني قريظة

هذا اليومان متصلان، لم يكن بينهما فاصل ولذلك رأينا ذكر شهداء كل منهما معا.

فقد أصيب يوم الخندق سعد بن معاذ من بني عبد الأشهل.

وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو.

وعبد الله بن سهل- وكلاهما من بني عبد الأشهل.

ومن بني سلمة بن الخزرج: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن عنمه.

ومن بني دينار بن النجار بن الخزرج: كعب بن زيد، وقد أصابه سهم غرب «1» فأطاح به.

وقد أصيب من المشركين يوم الخندق:

من بني عبد الدار:

منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار. أصابه سهم، مات بسببه في مكة. وقيل به عثمان بن منبه ابن السباق.

ومن بني مخزوم بن يقظة:

__________

(1) - سهم غرب: سهم طائش لم يعرف مصدره.

نوفل بن عبد الله بن المغيرة، اقتحم الخندق فقتل فيه.

ومن بني عامر بن لؤي:

عمرو بن عبدود.

وابنه حسل بن عمرو من بني عامر بن لؤي.

واستشهد يوم بني قريظة من المسلمين:

خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو من بني الحارث ابن الخزرج طرحت عليه امرأة من بني قريظة رحى فقتلته ومات في الحصار أبو سنان بن محصن بن حرثان الأسدي أخو عكاشة بن محصن، فدفنه النبي صلى الله عليه وسلم في مقبرة بني قريظة التي يتدافن فيها المسلمون السكان ولم يصب غير هذين.

ولم يغز كفار قريش المسلمين بعد الخندق، والحمد لله والفضل على ما أنعم.



كلمات دليلية: